‫الرئيسية‬ العالم العربي تركيا آفاق التقارب بين تركيا ومصر.. الفرص والتحديات
تركيا - مصر - مارس 19, 2021

آفاق التقارب بين تركيا ومصر.. الفرص والتحديات

 

 

“يمكن فتح صفحة جديدة وإغلاق صفحة أخرى في علاقتنا مع مصر ودول الخليج والمساهمة في الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط” تلك الكلمات التي اطلقها إبراهيم كالن، المتحدث باسم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مؤخرا، مثلت بادرة إيجابية نحو تصالح وتهدئة  لملف العلاقات التركية المصرية الملتهبة.

التصريح جاء في طي الترحيب بموقف مصر الذي احترم قواعد الجرف القاري التركي المودع بالأمم المتحدة، خلال تووقيعها عقد استكشاف نفطي بالبحر المتوسط، مع إحدى الشركات الدولية، ولم يكن ذاك التصريح، الأول من نوعه، ففي ديسمبر الماضي، أكد وزير الخارجية التركي أن بلاده ومصر تسعيان لخارطة طريق بشأن علاقتهما الثنائية، مشيرا إلى أن التواصل مع مصر على الصعيد الاستخباراتي مستمر لتعزيز العلاقات، وأن الحوار قائم على مستوى وزارتي الخارجية والاستخبارات، عبر ممثلتيهما في أنقرة والقاهرة.

ومع اتجاه تركيا نحو مزيد من سياساتها الواقعية، تعددت الرسائل الإيجابية التي تعلنها أنقرة، تجاه مصر في الأسبوعين الأخيرين، ومنها وزيرا الخارجية مولود جاووش أوغلو والدفاع خلوصي آكار، بما وصفوه بـ”احترام مصر للجرف القاري لتركيا خلال أنشطة التنقيب شرق البحر الأبيض المتوسط”، واعتبارهم ذلك “تطوراً هاماً للغاية” في العلاقات بين البلدين، كما تحدث آكار، السبت الماضي، عن “وجود قيم تاريخية وثقافية مشتركة مع مصر، وبتفعيل هذه القيم نرى إمكانية حدوث تطورات مختلفة في الأيام المقبلة”.

وإذا كانت تأكيدات كالن تعبيرا عن التغيير في النبرة، إلا أن وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو ذهب أبعد وتحدث عن منفعة يمكن لمصر أن تجنيها من تحسن العلاقات: رسم الحدود البحرية في محاور يقول كل بلد إنها تابعة له في المنطقة الغنية بالغاز في شرق المتوسط، كما تحدثت الصحافة التركية عن فتح أنقرة قنوات اتصال مع القاهرة بهدف تسوية الخلافات البحرية بينهما، ولم ترد القاهرة علنا، إلا أن تلك التصريحات تمثل ذوبانا في جمود العلاقات مع تركيا.

ووصل الأمر، إلى أن أعلن وزير الخارجية التركي، “مولود جاويش أوغلو”، الجمعة 12 مارس،  إعادة الاتصالات الدبلوماسية مع مصر، تمهيدا لاستئناف العلاقات الطبيعية بين البلدين، مشيرا إلى ” عدم طرح تركيا ومصر أي شروط مسبقة من أجل إعادة العلاقات إلى طبيعتها بين البلدين”..متابعا: “لكن ليس من السهل التحرك وكأن شيئا لم يكن بين ليلة وضحاها، في ظل انقطاع العلاقات لأعوام طويلة”.

وأردف “جاويش أوغلو”: “لدينا اتصالات مع مصر سواء على مستوى الاستخبارات أو وزارتي الخارجية، و اتصالاتنا على الصعيد الدبلوماسي بدأت”، بحسب ما نقلته وكالة “الأناضول”.

والثلاثاء الماضي، قال المتحدث باسم حزب “العدالة والتنمية” التركي الحاكم “عمر جليك”، إن بلاده “لديها علاقات متينة للغاية مع الدولة والشعب في مصر نابعة من الماضي والتاريخ”، وخلال الأشهر الأخيرة صدرت العديد من التصريحات التركية المباشرة الخاصة بإمكانية تحسن العلاقات مع مصر ودول الخليج، وقوبلت تلك التصريحات بتلميحات إيجابية من جانب القاهرة.

 

الصمت المصري

ورغم أن التصريحات التركية لم تقابل بأي ردة فعل من النظام المصري، التي نبهت أجهزته على وسائل الإعلام المحلية بعدم تناول تلك التصريحات أو تحليلها من قريب أو بعيد، بحسب مصدر إعلامي تخدث لـ”العربي الجديد” مؤخرا فإن وسائل الإعلام اليونانية سبقت الجميع لطرح تصورات عن تغير مواقف القاهرة إزاء أثينا، وبالتالي إفقاد الأخيرة إحدى الأوراق الأساسية في صراعها مع أنقرة، والمتمثلة في اتفاقيتي ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان وقبرص، واللتين تمثلان، إلى جانب منتدى غاز شرق المتوسط ودعم الولايات المتحدة لذلك التحالف الثلاثي ودولة الاحتلال الإسرائيلي، أهم مقومات اليونان اقتصادياً وسياسياً في الفترة الأخيرة، ويمثل حاصل هذه الأمور رهانها المستقبلي الوحيد لتحسين أوضاعها الداخلية ومواجهة الجار اللدود.

 

ماذا قدمت مصر؟

وقد جاء انطلاق المواقف والتصريحات الايجابية،  مؤخرا، على خلفية ما قامت به مصر، بإعلان مناقصة للبحث عن مكامن المواد الهيدروكربونية، في المنطقة المعروفة باسم “ماردين 28” في أقصى غرب منطقتها الاقتصادية الخالصة، المشكلة بموجب اتفاق ترسيم الحدود مع اليونان، لكنها تلافت الدخول إلى المناطق التي أعلنت تركيا، في نوفمبر 2019، أنها وقعت بشأنها اتفاقاً مع حكومة الوفاق الليبية السابقة، ورفضتها كل من مصر واليونان وقبرص بشدة، وأرسلت شكاوى بشأنها إلى الأمم المتحدة. لكن المنظمة الدولية اتبعت نهجاً لافتاً إزاء تلك التطورات بما ساهم في المزيد من التطورات، إذ سجلت الاتفاق التركي الليبي في أكتوبر الماضي، ثم صادقت رسمياً على خريطة ترسيم الحدود المصرية اليونانية في ديسمبر الماضي، ما أبقى الأوضاع على ما هي، دون غلبة لأي فريق.

هذه المسألة تحديداً تعتبر من العوامل الحاكمة للطرح المصري الذي رحبت به تركيا. فمع استمرار الخصومة بينهما، والقائمة منذ عزل الرئيس المنتخب الراحل محمد مرسي في يوليو 2013، فإن السيسي لا يريد تعريض نفسه لإحراج إقليمي أو دولي، خاصة بعد تسجيل الاتفاقية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فهو يحافظ على إمكانية إبقاء الباب “موارباً” للمستقبل، حال تغير الأوضاع السياسية، الثنائية والإقليمية.

ووفق تقديرات استراتيجية، فإن احترام الحدود التركية الليبية “خطوة إيجابية لتخفيف وقع الخطوة السلبية السابقة المتمثلة في إبرام اتفاق ترسيم الحدود مع اليونان في أغسطس الماضي.

 

أسباب إعادة تقييم مصرعلاقاتها مع تركيا

واجبرت عدة عوامل خارجية  مصر عام 2020 على إعادة تقييم أولويات سياستها الخارجية، وركزت بالتحديد على التحديات وخفضت من حدة التوتر في مناطق التنافس، ومن بين العوامل المؤثرة في التقييم هي هزيمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الانتخابات ، والنكسة التي تكبدها حلفاء مصر في ليبيا، وفشل الوساطة الأمريكية وحل النزاع حول سد النهضة في إثيوبيا، واتفاقيات التطبيع التي عقدتها دول عربية وخليجية مع إسرائيل، مما يؤثر على مصر وكونها وسيط الغرب المفضل في المسألة الفلسطينية.

ومن هنا فخفض التوتر مع تركيا هو نتاج لعملية إعادة ضبط القاهرة لمجالات اهتمامها وقلقها. ولا تزال الخلافات بين البلدين بدون حل لكنها لم تعد مهمة في الوضع الحالي.

 

تحركات يونانية مناوئة

وقد دفعت الاجواء الايجابية بين تركيا ومصر  اليونان للقلق وابداء انزعاجها من الامر، وتمثل ذلك في اتصالات سياسية عالية المستوى وزيارة رسمية لمصر، حيث استقبل وزير الخارجية المصري سامح شكري الإثنين الماضي، نظيره اليوناني نيكوس ديندياس، في لقاء رُتب على عجالة، بعد الاتصال الهاتفي الذي أجراه رئيس الوزراء اليوناني كرياكوس ميتسوتاكيس بعبدالفتاح السيسي الأربعاء قبل الماضي.

وعلى هامش الزيارة، شنت الاوساط اليونانية حملات انتقادات للموقف المصري، بجانب إغراءات مالية واقتصادية، حيث اعلن السفير اليوناني بالقاهرة، خلال لقائه محافظ الاسكندرية اللواء محمد شريف، أن الاستثمارات اليونانية بمصر تبلغ حاليا 3 مليار دولار، وان بلاده تسعى في الفترة المقبلة لرفعها إلى 5 أضعاف.

ولعل ما يكشف القلق اليوناني من التقارب المصري التركي، أن  تلك التصريحات تتناقض أساسا مع الأوضاع المالية التي تعايشها اليونان، التي تعيش في أجواء الافلاس المالي وتلقي المساعدات الاوروبية، ولكنها لمغازلة القاهرة ودفعها لقطع التقارب مع تركيا.

 

ملفات شائكة أمام التقارب

وعلى الرغم من التطورات الايجابية، الا انه ما زال امام الوصول لمصالحة سياسية بين الجانبين، ملفات عدة ، قد تبقي الأوضاع كما هي تراوح مكانها ، لا تصالح ولا تنازع، لكن مسار العلاقة الثنائية بدا متغيرا خلال الشهور الماضية، إذ تراجعت حدة التصعيد بين البلدين، وبدأ الحديث عن مفاوضات، وخاصة مع دعوات الحكومة التركية للقاهرة للتفاوض بشأن ترسيم الحدود البحرية.

وبحسب وسائل إعلام يونانية، فإن مصر فتحت باب التفاهم مع تركيا فيما يخص شرق المتوسط، وذكرت أن أثينا تلقت معلومات حول قرب توصل مصر إلى اتفاق مع تركيا بشأن ترسيم حدودها البحرية، وأن هذا الاتفاق سيلحق ضررا بالمصالح اليونانية مستقبلاً، وتبرز العديد من العراقيل أمام التقارب، ومنها:

 

اعتراف تركيا بانقلاب السيسي العسكري

وبحسب تصريحات النائب السابق بالبرلمان التركي، رسول طوسون، لـ”ترك برس”، الجمعة 12 مارس، فإن نقطة الخلاف الجوهرية بين مصر وتركيا، هي حدود وأبعاد التطبيع المحتمل، وهل تعترف أنقرة بنظام السيسي؟

حيث أن موقف تركيا من الانقلاب العسكري الذي خلف آلاف الضحايا معروف لدى الجميع، ماعدا ذلك مصر دولة شقيقة وشعبها شعب شقيق- وفق طوسون، وترى الأوساط التركية أن السلام والاستقرار الإقليميين أكبر وأنفع من الخلاف المذكور، وأن تركيا بغض النظر عن موضوع الانقلاب مستعدة لفتح صفحة جديدة مع مصر، بحسب ما نقله تقرير لـ “الجزيرة نت” مؤخرا.

ولكن تصريحات المصادر غير الرسمية المصرية، تؤمئ إلى أن ما تريده مصر من تركيا، تعلمه أنقرة. وهي اشارات لضرورة الاعتراف بنظام السيسي، ووقف بث القنوات الفضائية المعارضة التي تبث من تركيا، ومنذ اللحظات الأولى للانقلاب العسكري في مصر صيف 2013 بقيادة وزير الدفاع وقتها عبد الفتاح السيسي، عارضت أنقرة بقوة الإطاحة بالرئيس الراحل محمد مرسي، انطلاقا من موقفها الرافض للانقلابات باعتبارها خيار غير ديمقراطي، مما أدى إلى تدهور العلاقات بين البلدين، لكن العلاقات التجارية والاقتصادية بينهما استمرت بشكل طبيعي.

ومن ثم، يظل الموضوع الشائك في عودة العلاقات بين البلدين هو دعم تركيا للإخوان المسلمين. فقد شجب الرئيس أردوغان الانقلاب الذي أطاح بالرئيس محمد مرسي، ولم يتوقف نقد أردوغان وشجبه لعبد الفتاح السيسي منذ ذلك الوقت، إلا أن حرب الكلمات لم تؤد إلى قطع كل العلاقات، وهو ما حرص عليه البلدان. ففي الوقت الذي شاركت فيه مصر بحصار قطر، وكان هذا بسبب دعمها للإخوان المسلمين، لكنها لم تتخذ خطوات مماثلة لقطع العلاقة مع تركيا.

وعلى العكس فقد نمت التجارة المتبادلة بين البلدين بشكل مضطرد، ولا يزال اتفاق التجارة الحرة الموقع في 2005 ساري المفعول، مع أن الساسة المصريين اشتكوا من أنه يفضل تركيا أكثر من مصر، وظلت التجارة بدون أي معوق حتى بعد تدخل تركيا في ليبيا والتي يعتبرها المصريون مجال تأثيرهم.

وتبرزالمعضلة التركية في التعاطي الاخلاقي ازاء قضايا المظلومين في العالم، والاعتراف بنظام السيسي الدموي، الا انه في علم السياسة ، ليس هناك مستحيلا على طول الخط، وهو ما يتوقع معه أن تحدث مقايضة ما، نحو تخفيف حدة المظالم السياسية لمعارضي السيسي ورافضي الانقلاب، مقابل تخفيف حدة النقد عبر وسائل الاعلام المعارضة التي تبث من تركيا، كحطوة اولى لاختبار مدى امكانية التقارب، إذ من غير المتوقع ان تصل القطيعة بين أطراف المعادلة الثلاثية “النظام المصري تركيا- المعارضة المصرية” لقرارات حاسمة من أول وهلة.

 

ليبيا

ويمثل الملف الليبي فرصة للتقارب أكثر والتنسيق، وفي نفس الوقت مجالا للخلافات والقطيعة، وفق التطورات على أرض الواقع الليبي، فهناك قدر من التوتر سيظل قائما، بسبب التنافس بين  مصر وتركيا على التأثير في ليبيا ودعم أنقرة للإسلاميين والخلافات التاريخية بين تركيا مع بقية شركاء مصر في البحر المتوسط، وارتفعت وتيرة التصعيد بين البلدين، والتي وصلت إلى حدود الحديث عن احتمالية المواجهة العسكرية، بعد توقيع أنقرة اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الوطني، والتدخل في ليبيا لمساعدتها في مواجهة قوات “حفتر” المدعومة من مصر.

فقد دعمت حكومة السيسي إلى جانب فرنسا وروسيا والإمارات قوات الشرق بقيادة خليفة حفتر الذي بدا أنه سيسيطر على كامل ليبيا ويطيح بالحكومة المعترف بها دوليا في العاصمة طرابلس، لكن التدخل التركي سمح للحكومة بالرد ودفع حفتر وقواته للانسحاب من غرب البلادوشعر السيسي بالقلق من الإنجازات التي حققتها طرابلس وهدد بالتدخل نيابة عن حفتر. وربما كان هذا واحدا من العوامل التي أوقفت ، تقدم قوات الحكومة نحو الشرق بالإضافة لمخاوف مصر من إرسال قوات إلى ليبيا، مما دفعها للاستثمار في الجهود الدبلوماسية ووضع حد للقتال، وكان اعتراف القاهرة بمحدودية قوتها عاملا ساهم في تحرك الأمم المتحدة والتوصل لحكومة وحدة وطنية برئاسة دبيبة.

ولعل ما قد يعوق مسار التهدئة والتصالح،  ما تخطط له مصر على المدى البعيد في تحويل قوات حفتر إلى جيش وطني لكامل ليبيا مما سيعمق من التأثير المصري في ليبيا. وهو ما كشف عنه رئيس الوزراء الليبي المكلف عبد الحميد دببة من مطالبة اطراف اقلينية له بانهاء والغاء الاتفاق الليبي التركي للتعاون الاقتصادي والعسكري، الا انه رد بأن الاتفاق يصب في صالح ليبيا.

 

العلاقات المصرية اليونانية

ومن ابرز ملفات التوتر والقطيعة بين انقرة والقاهرة، هو العلاقات اليونانية المصرية، وتبذل أثينا حاليا كل ما في وسعها لمنع توقيع  «مذكرة تفاهم» من أجل ترسيم «حدود مناطق الصلاحية البحرية» بين الدولتين شرقي المتوسط المحتملة بين تركيا ومصر، بشأن تحديد مناطق الصلاحية عن التنقيب بين البلدين في البحر المتوسط،  لأن مثل هذه المذكرة ستكون بمثابة إخفاق كبير لأثينا التي تسعى جاهدة لإقصاء تركيا شرقي المتوسط.

كما ساهمت اليونان بقوة في خلق فرص كبيرة للتقارب مع مصر منذ الانقلاب العسكري في 2013، مستغلة التوترات المصرية التركية، وعقدت العديد من المناورات العسكرية مع مصر واطراف اخرى كفرنسا وروسيا، ودشنت منتدى غاز المتوسط مع مصر وقبرص اليونانية وادخلت اطرافا اقليمية، نكاية في تركيا، وجاء اتفاقها مع مصرعلى ترسيم الحدود لعزل تركيا في شرق المتوسط، وهو ما قد يعرقل ايى تفاهمات مصرية تركية مستقبلا، إلا أن براجماتية السياسة الأردوغانية، تواصلت ايجابيا مع اثينا نحو تحقيق المزيد من التعاون بين الجانبين لتخفيف التوترات السياسيةة بينهما، ومن قم تقويض اي توجهات سلبية او ضغوط على القاهرة في حال التقارب بين انقرة والقاهرة.

ومن جانب آخر، وعلى الرغم من الخلافات بين القاهرة وأنقرة المتصاعدة منذ سنوات الانقلاب العسكري بمصر، وتقارب مصر مع اليونان نكاية في تركيا، إلا أن الفترة الأخيرة ومع متغيرات السياسة المصرية، بعد عمليات التقييم المتكررة من قبل الدوائر المصرية،  وبدء التهدئة السياسية مع تركيا، بدأت القلاقل اليونانية من القاهرة.

كما سبق وأن عارضت مصر محاولة اليونان رسم حدودها البحرية، اعتبارًا من جزيرة ميس (على بعد كيلومترين فقط من قضاء قاش جنوبي تركيا)، ما دفع أثينا إلى الشعور بخيبة أملها الأولى والتراجع عن أطروحتها التي روجت لها حول “امتلاك الجزر لجرف قاري”، والآن وبعد الموقف المصري، فإن أثينا تعيش حالة من عدم الارتياح وخيبة الأمل جراء قرار القاهرة طرح مزايدة للتنقيب عن النفط والغاز تراعي مناطق الجرف القاري التركي.

يشار إلى أن الاتفاقية التركية الليبية الموقعة في 27 نوفمبر 2019 بشأن ترسيم الحدود البحرية، وجهت ضربة خطيرة لمزاعم اليونان السياسية ومحاولتها مد نفوذها وحدودها البحرية إلى جزيرة قبرص، واليوم، فإن الموقف المصري تجاه جزيرة “ميس” وقرار القاهرة المتعلق بمزايدة التنقيب عن النفط والغاز، يدفعان اليونان نحو فقدان المزيد من السيطرة في المنطقة.

وبالنظر إلى النتائج يمكننا القول إن اتفاقية محتملة بين تركيا ومصر لتعيين الحدود البحرية من شأنها إظهار أهمية دور دول المنطقة في رسم آفاق مستقبلها، فضلًا عن أن اتفاقية من هذا القبيل قد تساهم في زيادة مناخ الثقة بين البلدين وتفتح الباب أمام المزيد من فرص التعاون، بحسب تقديرات لوكالة بلومبرج، مؤخرا.

 

صراعات شرق المتوسط

ومن ضمن ملفات التوتر المتصاعدة، بين القاهرة وانقرة، تأتي صراعات منطقة شرقي البحر المتوسط والتي تشهد توترا إثر مواصلة اليونان اتخاذ خطوات أحادية مع الجانب الرومي من جزيرة قبرص، وبعض بلدان المنطقة بخصوص مناطق الصلاحية البحرية.

وترجع أهمية المياه الاقتصادية بشرق المتوسط إلى إعلان هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية عام 2010، احتواء تلك المنطقة على 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، و1.7 مليار برميل احتياطي من النفط، (200 تريليون قدم مكعب من الغاز الآن).

ونظرا لتوقيع مصر اتفاقية بحرية مع اليونان، فقد تطلب من أنقرة إصلاح علاقاتها مع أثينا قبل أي اتفاق تركي- مصري، وربما أدت المصالح المشتركة لخلق فرصة للبراغماتية والتعاون.

الا انه وفق الدوائر المصرية، ليس من الوارد في الوقت الحالي فتح مفاوضات لترسيم الحدود البحرية مع تركيا، وهو الموقف الذي أبلغته  الخارجية المصرية اليونان ، وإن كان لن يتم إعلانه رسمياً في القاهرة، مع الاتفاق على تسويق الأمر من خلال الاتصالات الدبلوماسية ووسائل الإعلام اليونانية لتهدئة الرأي العام هناك.

كما أنه من غير المرجح الدخول في مثل هذه المفاوضات، فقط بسبب التوتر السياسي القائم، ولكن لسببين تمتزج فيهما العوامل الاقتصادية والجيوسياسية.

أولهما : انتظار ما ستؤول إليه الأوضاع في ليبيا، وسعي القاهرة إلى ترسيم حدودها معها أولاً حتى لا تحدث مشكلات مستقبلية.

 

وثانيهما: استمرار الخلافات بين تركيا واليونان على الحدود بينهما، بسبب جزيرة كريت من جهة، واستمرار الخلاف بين تركيا وقبرص من ناحية أخرى. وهنا لا تريد الدولة المصرية التورط في أي تحرك يؤدي إلى حساسيات بينها وبين الدولتين المعاديتين لتركيا”. وهذا الأمر الأخير ثابت مصري، وليس مرتبطا بعهد السيسي فقط، بل كان أيضاً من أسباب تأجيل ترسيم الحدود بين مصر وتركيا، حتى في ذروة استقرار العلاقات بينهما خلال العقد السابق على ثورة 25 يناير 2011، حيث كان الرئيس المخلوع الراحل حسني مبارك يخشى التورط في ترسيم الحدود مع اليونان أو تركيا، ويتحاشى الاعتراف بسلطة دولة الاحتلال على مياه الأراضي الفلسطينية. وكان أقصى ما فعله هو توقيع اتفاق مبدئي لترسيم الحدود البحرية مع قبرص، بقي معطلاً وعرضة للإلغاء حتى ما بعد الإطاحة بحكم جماعة “الإخوان المسلمين”، عندما أقدمت السلطة الجديدة على تفعيل الاتفاق وإبرام اتفاقية تقسيم المنطقة الاقتصادية مع قبرص.

يشار إلى أنه في الشهر الماضي، انتقدت تركيا استضافة اليونان لممثلي قبرص ومصر والسعودية والإمارات والبحرين في منتدى فيليا، واعتبرتها نشاطاً موجّهاً ضدها، ورد وزير الخارجية المصري، وقتها، على ذلك بأن “بلاده لا تقيم وزناً لمثل هذه الاتهامات، والمنتدى يهدف لتحقيق المصالح المشتركة لأعضائه”.

وبعد يومين من هذه المناوشة الإعلامية، أعلنت مصر واليونان وقبرص تفعيل الميثاق التأسيسي لمنتدى غاز شرق المتوسط “وفتح ساحته لكل الدول التي تتشارك القيم والأهداف ذاتها، وتتوافر لها الرغبة في التعاون من أجل أمن المنطقة ككل ورخاء شعوبها”. وجدد هذا الأمر التكهنات حول ما ترمي إليه الدول الثلاث من وراء هذه الدعوة، في الوقت الذي تسعى فيه مصر لرسم وجه مغاير لسياستها في ليبيا تحديداً في مواجهة النفوذ التركي المتصاعد، خاصة بعد الاتفاق الأخير على تشكيل الحكومة الليبية. وسبقت تلك الدعوة تصريحات من قبرص ودولة الاحتلال تحديداً عبرت عن “تمني انضمام تركيا للمنتدى”، وهو ما لم ترد عليه أنقرة.

وكان قد انطلق في  القاهرة، الثلاثاء 9 مارس الجاري، الاجتماع الوزاري الأول للمنتدى بالتشكيل الكامل لأعضائه، وبحضور وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شطاينتس. ومن المقرر خلال الاجتماع التباحث حول مشروع توسيع شبكة الأنابيب المقامة بين مصر ودولة الاحتلال لتضم قبرص واليونان. والشبكة حالياً مملوكة لشركة جديدة مقرها هولندا، أسست خصيصاً لامتلاك شبكة الأنابيب، بين شركتي “نوبل إنيرجي” الأميركية و”ديليك” الإسرائيلية وشركة “غاز الشرق” المملوكة حالياً للدولة المصرية، ممثلة في جهاز المخابرات العامة وهيئة البترول.

وتم تدشين المنتدى منذ عامين بمشاركة مصر واليونان وقبرص ودولة الاحتلال والأردن وفلسطين وإيطاليا، ثم انضمت فرنسا كمراقب، وهي حالياً في طريقها لتصبح بعضوية كاملة ابتداء من الشهر المقبل، والولايات المتحدة والإمارات كمراقبين. كما تبذل حالياً جهود لانضمام لبنان، تبدو رهن إنهاء ملف ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل.

 

مستقبل التقارب

ويشيء  القرار المصري بشأن المنطقة التي حددتها لإعلان مزايدة التنقيب عن النفط والغاز، إلى رؤية مصرية تأخذ بعين الاعتبار مصالح تركيا، التي تمتلك أطول خط ساحلي في شرق المتوسط، كما تمتلك تركيا أرضية سياسة مشروعة منبثقة عن القانون الدولي تخولها لتكون أبرز اللاعبين في المنطقة، رغم الحملات السياسية غير الواقعية ومحاولات اليونان تنفيذ سياسة توسعية تنتهك القانون الدولي، وتنظيم منتدى غاز شرق المتوسط، الذي سعى إلى تقاسم المصالح في المنطقة، بعيدًا عن أنقرة، بالإضافة إلى ما سبق، يمكن اعتبار هذه الخطوة المصرية وغيرها من الخطوات الإيجابية بمثابة فرصة مهمة نحو تطبيع العلاقات التركية مع دول أخرى في المنطقة.

وعندما نضع أولويات تركيا في شرق المتوسط بعين الاعتبار، يمكننا القول إن عقد اتفاقية لتعيين الحدود البحرية بين تركيا ومصر يمكن أن يساهم بشكل فعال في تقليل التوترات بالمنطقة، كما يمكن أن يحد من تصرفات اليونان والإدارة القبرصية الجنوبية، التي تنتهك القانون الدولي بشكل سافر، بالإضافة إلى وضع الأساس لاتفاقية مماثلة مع إسرائيل، التي تمتلك موقعًا حساسًا على الخارطة الجيوسياسية للمنطقة.

هذا الوضع سينعكس بصورة إيجابية أيضًا على خلق ظروف مواتية تخدم مصالح تركيا ومصر، حيث سيكون بالإمكان توقيع اتفاقيات بين البلدين وإسرائيل لنقل مصادر الطاقة الحالية والتي سيتم اكتشافها في المستقبل إلى أوروبا، عبر تركيا، التي تعتبر أقصر الطرق وأكثرها أمانًا، وبالنظر إلى الوضع من ناحية مصر، يمكننا القول إن مثل هذا النهج سيخلق جوًا من الثقة بين تركيا ومصر، وفرصة لتطبيع العلاقات بين البلدين اللذين يمتلكان أطول ساحلين في شرق المتوسط.

كما أن الخطوة المصرية المتعلقة بمزايدة التنقيب عن النفط والغاز مع مراعاة حدود الجرف القاري التركي، تظهر وجود رغبة لدى القاهرة بالتفاوض مع أنقرة على اتفاق لتعيين الحدود البحرية، وهو ما يخدم المصالح الإقليمية المصرية، ويساهم في خلق أجواء الثقة بين البلدين وتحقيق مصالحهما، ليس فقط شرق المتوسط فحسب، حيث يفتح الطريق أمام العديد من اتفاقيات التعاون التي تعود بالفائدة على البلدين.

ولكن الأهم من ذلك هو أن أي اتفاقية محتملة بين أنقرة والقاهرة من شأنها أن تسمح لمصر باستعادة المناطق التي خسرتها في اتفاقية ترسيم الحدود مع اليونان والإدارة القبرصية الجنوبية، وعقد اتفاقية حقيقية لترسيم الحدود البحرية مع تركيا تكون نابعة من القانون الدولي وتستند إلى أسس شرعية وواقعية.

 

محفزات التقارب

ولعل ما يساهم في تحسن العلاقات مجددا، استمرار التبادل التجاري بينهما، إذ بلغ حجم الصادرات إلى تركيا، في 2018 إلى 2.2 مليار دولار، كما ارتفع حجم واردات مصر من تركيا بنسبة 29% في 2018 ليبلغ نحو 3 مليارات دولار، مقارنة بـ2.3 مليارات دولار في 2017، وشهد الميزان التجاري بين البلدين نموا بنسبة 20% ليتجاوز 5.2 مليار دولار في 2018 مقارنة بـ4.38 مليار خلال العام 2017.

واجمالا، فإن رغبة تركيا في التصالح، تأتي ضمن سياسات تصفير الأزمات، والدفع نحو تحقيق المصالح التركية في المنطقة، بعيدا عن التشنجات المتعلقة بالأفكار والعقائد السياسية، وبحسب المحلل السياسي التركي، أحمد أويصال، مدير مركز أورسام لدراسات الشرق الأوسط، جاءت التصريحات التركية لتشجيع القاهرة على تحقيق التعاون بين البلدين بما يخدم مصالحهما المشتركة في منطقة شرق المتوسط.

وأضاف أويصال، الأستاذ في جامعة إسطنبول، في حديثه مع موقع قناة “الحرة”، إن الرسائل الإيجابية متبادلة بين الطرفين، مشيرا إلى “احترام مصر حدود الجرف القاري التركي عند التنقيب عن البترول في شرق المتوسط”.

 

خط الغاز من إسرائيل لليونان

كما أن الخلاف بين اليونان ومصر حول خط  نقل الغاز من اسرائيل ومده بعيدا عن مصر، فرصة ومحفزا كبيرا  للتقارب مع تركيا، وقد يكون التقارب مع تركيا سبيلا للضغط على اليونان، ففي الوقت الذي رفضت فيه مصر الطلب اليوناني بإجراء تغيير على الخريطة، بالنص على أنه لا يوجد جرف قاري لتركيا، بحسب ما نقله تقرير لـ “عربي 21.”

أما الأمر الثاني والذي أثار انزعاج اليونان، فهو أن السيسي عندما قام بزيارة أثينا في نوفمبر الماضي، قدم مقترحا بأن اتفاقية طريق خط أنابيب الغاز “إيست ميد” الموقعة بين اليونان و”إسرائيل” وقبرص اليونانية في يناير 2020 بموافقة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، استبعد فيه قبرص اليونانية.

ويشمل المقترح المصري تغيير مسار الخط من “إسرئيل- قبرص- كريت- مصر، إلى “إسرائيل- مصر- كريت”، وتطمح مصر للاستفادة من مشروع خط أنابيب “إيست ميد” من خلال ربط خزانات غاز إيست ميد بالسوق الأوروبية، ووفق مقال نشرته صحيفة “تو فيما” اليونانية، اقترح السيسي على رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس إنشاء خط أنابيب جديد من أجل تصدير الغاز إلى أوروبا عبر جزيرة كريت، غير أن هذا الاقتراح لم يحظ بدعم ميتسوتاكيس.

وهو طرح في حال رفضه من قبل اليونان، قد يقلص التقارب اليوناني المصري، لصالح التقارب بين القاهرة وأنقرة. خاصة في ضوء عدم حسم مصر طلب وزير الخارجية اليوناني من القاهرة في إطار بادرة النوايا الحسنة، تغيير الخريطة المتعلقة بالمناقصة المعلنة في شرق المتوسط، وفق موقع ترك برس.

 

البراجماتية الأردوغانية

وهي محفز جيد للتقارب السياسي بين الطرفين، وبحسب  توران قشلاقجي، بمقاله في “ترك برس” “تحركات في العلاقات التركية – المصرية”، فإنه ومن شأن توقيع «مذكرة التفاهم» بشأن الحدود البحرية،  أن تساهم في تسهيل تطبيع العلاقات بين الجانبين، ومن المتوقع أن تواصل تركيا حتما علاقاتها مع مصر كجزء من متطلبات «السياسة الواقعية» لكنها في الوقت نفسه ستحافظ على «موقفها المبدئي والأخلاقي» وتعبر عن رأيها عند الضرورة في بعض الأوضاع.

 

خاتمة

ولعل المشهد السياسي الملغوم بكثير من التوترات والفرص ايضا للتهدئة، يحمل الكثير من الدلائل والتكهنات، سواء فيما يخص انقرة والقاهرة، وفيما يخص المعارضة المصرية المقيمة بتركيا، وايضا القنوات الإعلامية التي تبث من تركيا، وهي ملفات مهمة قد تقلب الموازين في المنطقة، أو فيما يههص منطقة الشرق الأوسط والأدوار الإقليمية المصرية والتركية في المنطقة، حيث وضحا خلال الساعات الماضية انتهاج تركيا سياسات تصفير الأزمات، بإعلانها المكرر استعدادها للتقارب مع السعودية والإمارات والفرص المواتية لتفعيل التعاون مع دول الخليج ومصر، بجانب علاقات تركيا المهندسة مع الأطراف الدولية سواء امريكا وروسيا، فيما يخص الملفات الإقليمية كما في سوريا والعراق، أو فيما يخص المجاري المائية ومجالات الاستثمار والملاحة في البحر المتوسط، وكلها ملفات مهمة قد تغير مجرى السياسات الإقليمية، وهو ما ستجيب عنه تطورات الأيام المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مصر في اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري

  مر اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري -الذي حددته الأمم المتحدة، يوم 30 أغسطس من ك…