‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر قراءة في مواقف النظام المصري من قوانين البناء والشهر العقاري
مصر - مارس 19, 2021

قراءة في مواقف النظام المصري من قوانين البناء والشهر العقاري

 

 

عندما سن نظام الجنرال عبدالفتاح السيسي القانون رقم 17 لسنة 2019م المتعلق بالتصالح في مخالفات البناء وتقنين أوضاعها، استهدف به جمع مئات المليارات من المواطنين بدعوى تقنين أوضاع المنازل والعقارات والوحدات السكنية بدعوى أنها مخالفة. وفي أعقاب التصديق على القانون شنت الأجهزة الأمنية والمحلية للنظام حملة شعواء وهدمت آلاف المنازل بدعوى أنها مخالفة في مشهد إرهاب للشعب ورسالة تهديد خصوصا لأولئك الذين  بنوا منازلهم على أراض لا تزال الحكومة تعتبرها زراعية حتى لو كان العمران قد انتشر في كل جوانبها، وجرى توصيل الخدمات الحكومية إليها من مياه وكهرباء وغاز بموافقة حكومية. وهدد السيسي في 29 أغسطس 2020م، بإنزال الجيش  إلى آلاف القرى لهدم ما وصفها بالمباني المخالفة، وأمر حكومته ومحافظيه بالتشدد  في هذا الأمر وعدم التهاون فيه مطلقا.

وقدرت أوساط حكومية حجم المباني والوحدات المخالفة بنحو 20 مليون مخالفة؛ معنى ذلك أن السيسي يشن حربا على عشرات الملايين من المصريين؛ وهو درب من الجنون لا يقدم عليه إلا معتوه فقد كل مقومات التفكير السليم والتوازن النفسي. فإذا كانت هذه المخالفات قائمة بالفعل منذ سنوات ، وتزايدت بشدة في الفترة الأخيرة؛ فلماذا أبدى السيسي كل هذا الغضب في  هذا التوقيت بالذات؟  تفسير ذلك، أن غضب السيسي لم يكن بسبب هذه الحجم الكبير للمخالفات  والتعديات على الأراضي الزراعية، ومخالفات البناء، فهو من سن قانون “التصالح في مخالفات البناء” في يوليو 2019م؛ وهو القانون الذي يقنن هذه المخالفات مقابل غرامات مالية باهظة، ويكفي أن من يقدم على التصالح مطالب بدفع 5 آلاف جنيه مبدئيا ويصل سعر المتر الواحد ما بين 200 جنيه في القرى و500 جنيه في المدن ونحو 2500 جنيه في المدن  والأحياء الشهيرة بالقاهرة والجيزة والإسكندرية وعواصم المحافظات.  والسبب الحقيقي وراء انفعال السيسي هو أنه كان يتوقع وفقا لتقديرات أجهزته الحكومية أن يدر قانون التصالح في البناء نحو 300 مليار جنيه بعد 6 شهور فقط من إصدار لائحته التنفيذية؛ لكن المواطنين زهدوا في التقدم للتصالح ولم يحقق القانون سوى نحو 2.2 مليار جنيه فقط حتى 11 أغسطس 2020م وفقا لتقرير وزارة التنمية المحلية[[1]]؛ وارتفعت إلى نحو 8 مليارات جنيه في أواخر السنة؛ الأمر الذي أصاب السيسي بحالة من الهستيريا والجنون ودفعه إلى شن حرب على الشعب والتهديد بنزول الجيش في كل قرى مصر ومدنها. وانتهى اجتماع مجلس الوزراء بعد تهديدات السيسي بيومين إلى إجبار المواطنين على أحد أمرين: إما دفع الغرامات الباهظة وإما الإزالة. وتأكيدا على جدية هذه التهديدات فقد اعتقلت أجهزة السيسي الأمنية آلاف المواطنين  بجميع محافظات الجمهورية خلال الأسبوع التالي مباشرة لتهديدات السيسي وجرى عرضهم على النيابة العسكرية التي قررت حبسهم باستثناء عدة مئات جرى إخلاء سبيلهم لتمكنهم من تدبير مبالغ التصالح  أو غرامة المخالفات، بينما بقي في الحبس جميع المواطنين الذين لم يستطيعوا دفع المبالغ المالية، أو المتورطين في حالات بناء على أراضي الدولة ولم تتم إزالة المنشآت، ومنحت بعض النيابات العسكرية هؤلاء المتهمين فرصة تسوية القضية بالإزالة خلال فترة الحبس الأولى المقررة بخمسة عشر يوماً. [[2]]

رأي الشعب في هذا القانون والحملة السوداء التي شنها السيسي وأجهزته طغيانا لم يسبق له مثيل، وشكلا من أشكال الجباية بالإكراه، وأكلا لأموال الناس بالباطل؛ فتصدوا لبلدوزرات الحكومة وأجبروها على التوقف عن هدم بيوت المصريين الفقراء غير القادرين على دفع هذه الإتاوات الباهظة، وتشجع المواطنون فتكرر هذا المشهد عشرات المرات في محافظات مختلفة، ولم يكتف الناس بذلك بل صاحوا بهتافات مدوية تندد برئيس الانقلاب وتدعو إلى إسقاط نظامه المجرم، وتشجعوا أكثر فرجموا هذه الحملات بالطوب والحجارة في مشهد أعاد للأذهان ثورة 25 يناير 2011م، عندما علا كعب الشعب على الشرطة فلم تقو على الصمود أمام طوفان الجماهير الهادرة تهتف بسقوط النظام حتى أسقط الشعب حسني مبارك.

القانون المشبوه، إضافة إلى قرار حكومة السيسي في 25 مايو 2020م بوقف تراخيص البناء لمدة 6 شهور في القاهرة والإسكندرية وجميع المدن بالمحافظات المختلفة على مستوى الجمهورية، تسببا في إشعال غضب الجماهير التي خرجت في 20 سبتمبر 2020م، من القرى والكفور والنجوع تهتف ضد السيسي ونظامه.

هذه الحشود الهادرة تنكرت لها الآلة الإعلامية للنظام أول الأمر وراحت تقلل منها ومن تأثيرها، لكن النظام سرعان من فهم الرسالة وخشى من تكرار سيناريو 25 يناير، فجرى التراجع عن مضمون ومحتوى قانون مخالفات البناء وتوقف حملات الهدم.  وأمام حالة الغضب الشعبي في سبتمبر 2020م، أعلن رئيس الحكومة مصطفى مدبولي توحيد سعر التصالح في مخالفات البناء للمتر في المناطق الريفية بالحدّ الأدنى المقرر في القانون، وهو 50 جنيهاً (3 دولارات) للمتر الواحد، واقتطاع 25 في المائة من قيمة التصالح إذا طلب المواطن إتمامه دون تقسيط. ثم منحت الحكومة المحافظين سلطة التخفيض، ومدّ فترة التحصيل، في محاولة لتقليل حدة الاضطراب الجماهيري والغضب الشعبي بين المصريين، خصوصاً في الأقاليم والمناطق الريفية والفقيرة بسبب إصرار النظام على تحصيل أكبر قدر ممكن من المبالغ المالية من طلبات التصالح في المخالفات.

 

تعديلات الشهر العقاري

يعاني نظام السيسي من أزمة بنيوية في اقتصاد البلاد، ويعاني من جفاف السيولة المالية التي يحتاج إليها من أجل إتمام مشروعاته (القومية العملاقة!) وعلى رأسها العاصمة الإدارية الجديدة التي ينظر إليها السيسي ونظامه على أنها أعظم المشروعات على الإطلاق، خصوصا مع اقتراب انتقال مقرات الحكومة والوزارات في يونيو 2021م،  متجاهلين أن الشعب ينظر إليها باعتبارها “جيتو” يكرس الطبقية في المجتمع وحصنا يحتمي به السيسي من غضب الجماهير الصبورة.  وأمام تراجع إيرادات الدولة لأسباب كثيرة أهمها فشل النظام في إدارة موارد الدولة الهائلة، وتفشي جائحة كورونا منذ بداية سنة 2020م وحتى اليوم، لكن النظام لا يزال يحتاج إلى مئات المليارات.. فماذا يفعل السيسي؟

تراجعت حملة هدم المنازل في الربع الأخير من 2020م والذي تزامن أيضا مع مسرحية انتخابات البرلمان بغرفتيه الشعب والشيوخ، لكن ترزية القوانين داخل النظام تفتق ذهنهم عن مناورة جديدة يحاولون بها نهب مئات المليارات من الشعب وفي سبتمبر 2020 وهو ذات الشهر الذي أبدت الحكومة فيه تراجعا نسبيا عن مضمون قانون التصالح في مخالفات البناء، جرى تمرير تعديلات قانون الشهر العقاري.

هذه التعديلات كان مقررا أن يتم تطبيقها بدءا من 6 مارس 2021م، وقد تضمنت هذه التعديلات إلغاء الاعتراف الحكومي بـ “صحة التوقيع” الصادر من المحاكم القضائية على الوحدات السكنية وغيرها، رغم أن موقف الحكومة غير قانوني  وإلزام المواطنين بضرورة توثيق ملايين الوحدات في الشهر العقاري؛وهو ما يكلف المواطنين أعباء مالية كبيرة لارتفاع أسعار التوثيق، وبالتالي فإن  ملايين المواطنين في الأحياء الشعبية والفقيرة لن يكونوا قادرين على دفع هذه المبالغ الطائلة لتوثيق وحداتهم السكنية. إضافة إلى أن عملية صحة التوقيع بالمحاكم  والتي ألغت الحكومة الاعتراف بها في القانون المشبوه، كانت تتميز بتكلفتها القليلة ما بين ألف جنية و1500 جنيه بأتعاب المحامي، فضلاً على إجراءاتها البسيطة، أما التوثيق في الشهر العقاري فتصل تكلفته إلى ما بين 15 إلى 20 ألف جنيه حسب مساحة الوحدة السكنية، وتزيد عن 100 ألف جنيه في حالة توثيق مبنى به العديد من الوحدات السكنية.  وزاد من غضب المواطنين أن رئيس قطاع مصلحة الشهر العقاري جمال ياقوت صرح أنه لن يتم الاعتراف بأي عقد غير مسجل بالشهر العقاري نهائيا.

هذه التعديلات استهدف بها نظام السيسي أن تكون آلية جديدة تدر مئات المليارات التي كان يستهدف النظام الحصول عليها من قانون التصالح في مخالفات البناء. ولإجبار المواطنين على توثيق وحداتهم ودفع أموال طائلة مقابل ذلك ألزمت هذه التعديلات صاحب العقار بتوثيق عقاره، وهددت ملايين المصريين بعدم توصيل خدمات الكهرباء والغاز والمياه والهواتف إليهم في حالة عدم التوثيق في الشهر العقاري؛ وهو ما أصاب المواطنين بحالة من الإرباك، خاصة ملاك الوحدات السكنية الجديدة.

تسببت تعديلات قانون الشهر العقاري في موجة غضب جديدة، ورصدت أجهزة السيسي الأمنية تزايدا مضطردا في جرأة المواطنين وتجرؤهم على انتقاد النظام ورئيس الانقلاب علنا، فأوصلت الدوائر المقربة من السيسي بالتراجع عن هذه التعديلات خوفا من ردة فعل شعبية غاضبة لا يمكن احتواؤها.

وفي غرة مارس 2021م، وقبل بدء العمل بهذه التعديلات الجائرة والمشبوهة تدخل السيسي بإعلان توجيهه بإرجاء تطبيق تعديلات قانون الشهر العقاري الجديد لعامين على الأقل؛ وإلغاء النص الذي كان يحظر على الشهر العقاري وشركات الكهرباء والمياه ووحدات الإدارة المحلية وغيرها من الجهات شهر العقار أو تقديم الخدمة إلى العقار محل التصرف، ما لم يقدم صاحب الشأن ما يفيد بسداد ضريبة التصرفات العقارية على هذا العقار. وتضمنت توجيهات السيسي لوزارة المالية إلغاء ضريبة التصرفات العقارية تماماً خلال عامين، وفرض رسم مقطوع وثابت يتغير نسبياً بحسب العقار ذاته، بدلاً من فرض نسبة 2.5 في المائة من ثمن عقد البيع. وهو ما فسره مراقبون بأنه امتصاص لحالة الغضب الشعبي من جهة، ومحاولة لترميم شعبية الجنرال المتآكلة من جهة ثانية؛ ذلك أن السيسي نفسه هو من صمم ووضع هذه التعديلات بهدف المزيد من تحصيل الجباية الباهظة. وخلال 48 ساعة فقط كان البرلمان قد وافق على مقترح الإرجاء وسط زفة إعلامية استهدف تلميع صورة السيسي باعتباره نصير الفقراء!

بذلك يكون النظام ومنذ انقلاب 3 يوليو 2013م قد تراجع مرتين[[3]]: الأولى فيما يتعلق بقانون التصالح في مخالفات البناء. والثانية فيما يتعلق بإرجاء تعديلات قانون الشهر العقاري الجديد، وكلا القانونين يستهدف تحصيل الجبايات الباهظة من جيوب الملايين من الفقراء والمعدمين.

وعلى الرغم من أن السيسي ووزيري العدل والمالية، عمر مروان ومحمد معيط، كانوا خلف صدور التعديلات في الصيف الماضي بهدف السيطرة على السوق العقارية بإخضاع جميع فئات البائعين للضريبة من جهة والتحكم في حركة البيع ومراقبتها بشكل كامل من جهة أخرى، فإن الرفض الشعبي للتعديلات طرح العديد من احتمالات التلاعب التي قد تحرم الدولة من الفوائد المرجوة. ومن ضمن هذه الاحتمالات، اصطناع المنازعات القضائية وإرهاق المحاكم بإجراءات غير اعتيادية في ملايين الدعاوى بهدف التسجيل، وتقديم عقود غير حقيقية لدفع ضرائب ورسوم أقل. ومن شأن ذلك أن يضرب مساعي السيسي لتطبيق الشمول المالي في مقتل، ويكرس واقع الاقتصاد الموازي غير المدار، كما أنه سيعيد المواطنين إلى التعامل المدني دون اللجوء للمصارف والشهر العقاري والضرائب وغيرها من الجهات الرسمية.

وفوق هذه الاعتبارات، فإن خشية الأجهزة الأمنية من انهيار ما تبقى من شعبية النظام، جعلها تصّر على إدخال تعديلات تسهيلية على النظام الجديد للتسجيل، سواء بإرجائه أو بإلغاء الربط بينه وبين مدّ المرافق والتعامل على العقار.

 

اشتراطات البناء

بعد فشل النظام في نهب مئات المليارات من جيوب المواطنين تارة بقانون مخالفات البناء وتارة أخرى بقانون تعديلات الشهر العقاري، فإن النظام يعمل على خديعة ثالثة يلتف بها على المواطنين وتكون سبيلا لمزيد من الجبابة والإتاوة تحقق للنظام مراده بالسطو على أموال المواطنين بطرق وآليات بالغة الاحترافية في النصب والاحتيال، ويمكن أن يكون مشروع قانون اشتراطات البناء الجديدة هو سبيل النظام لتحقيق هذه المآرب الخبيثة.

فالسيسي يصر على تنغيص حياة المصريين وجعلها أكثر ضنكا وألما وجحيما؛ وذلك عبر ترسانة من القوانين والقرارات الشاذة والمجحفة، وكان الجنرال السيسي  قد أكد في  تصريحات له في يوليو 2020 أن اشتراطات البناء الجديدة ستكون في منتهى الحزم والقسوة”.[[4]] وفي سبتمبر 2020م وجه حكومته وبرلمانه بضرورة الإسراع في إتمام المنظومة القانونية الجديدة لاشتراطات البناء، تمهيدا لعودة نشاط البناء سريعا، مضيفا أن “وقف البناء ستة شهور كتير على الناس”.[[5]]

وفي 28 سبتمبر 2020م، أصدرت الحكومة مشروع هذه التعديلات  التي تضمنت المواد الآتية: [[6]]

أولا، تشددت الحكومة في الاشتراطات بما يضع قيودا هائلة على حركة العمران؛ وحسب الاشتراطات الجديدة، فإن طلاء واجهات العقار هو أحد الشروط الأساسية لإصدار الترخيص، فضلاً عن توفير جراج داخل العقار للحد من مشكلة الزحام المروري، والتكدس في الشوارع، وعدم السماح بالبناء على الأراضي الزراعية أو أملاك الدولة، أو منح الرخصة من دون تقديم رسم هندسي معتمد من نقابة المهندسين أو أحد الاستشاريين. إضافة إلى حظر البناء كلياً في المناطق ذات الكثافات شديدة الارتفاع، والحظر الجزئي في المناطق ذات الكثافة المتوسطة أو المرتفعة، والسماح بالبناء وفقاً للشروط المُعلنة فقط.

ثانيا، يكون أقصى ارتفاع للبناء 10 أمتار، بواقع أرضي ودورين، في الشارع الذي يقع بعرض من 6 إلى 8 أمتار، وبحد أقصى 13 متراً، بواقع أرضي وثلاثة أدوار، في الشارع الذي يقع بعرض من 8 إلى 10 أمتار، و16 متراً، بواقع أرضي وأربعة أدوار، في الشارع الذي يقع بعرض من 10 إلى 12 متراً.

ثالثا، نصت الاشتراطات على عدم زيادة نسبة البناء على الأراضي عن 70 في المائة من مساحة قطعة الأرض، بحيث يكون الحد الأقصى لمساحة قطعة الأرض للمبنى السكني الواحد 4200 متر مربع. والالتزام بحقوق الارتفاق بمسافات الارتداد الجانبي (من جانب واحد على الاقل)، على أن يكون الحد الأدنى للارتداد 2.5 متر، ولا يقل عرض واجهة قطعة الأرض عن 8.5 أمتار.

رابعا، منح وزارة الزراعة سلطة تنفيذية بإزالة المباني خارج الحيز العمراني. وشهر هو المدة اللازمة لإخطار المحافظ أو رئيس الهيئة المختص والجهة الإدارية قبل التنفيذ. ومنع تغيير نشاط الوحدة السكنية وتغليظ العقوبات في حال مخالفة ذلك. على أن يكون الحد الأدنى لقطعة الأرض داخل حيز مساحة البناء 200 متر ولا تقل عن ذلك ولا تزيد نسبة البناء على 40٪ من الأنشطة الخدمية أو ما هو منصوص عليها في متطلبات الجهة المختصة.

خامسا، استثناء ما تسمى بالمشروعات القومية من هذه الاشتراطات، وكذلك الأراضي الخاضعة لولاية هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، وأراضي ومشروعات القوات المسلحة (الجيش). ويتجه مشروع التعديلات نحو اعتماد نقابة المهندسين لأسماء المكاتب الاستشارية والمهندسين الذين ستوكل إليهم أعمال البناء، إيذاناً بإصدار رخصة البناء على مراحل عدة، وتشكيل لجان من أساتذة جامعات لمشاركة الأحياء في مسؤولية إصدار التراخيص، وتحديد ارتفاع العقار ارتباطاً بعرض الشارع، وطبيعة المنطقة، وعدم السماح ببناء الأبراج شاهقة الارتفاع داخل الأحياء المكتظة بالسكان؛ الأمر الذي يفتح الباب واسعا أمام المحسوبية والفساد من جهة، ومزيد من الجباية للنظام من جهة ثانية.

 

قرار وقف البناء

في 11 مارس 2021م، أصدر اللواء محمود شعراوي، وزير التنمية المحلية كتابا دوريا إلى المحافظات حمل رقم 63 لسنة 2021 بشأن منح تراخيص البناء الجديدة للوحدات السكنية. ونص الكتاب الدوري الجديد على تمديد وقف تراخيص أعمال البناء في القاهرة الكبرى والإسكندرية وعواصم المحافظات والمدن الكبرى للمباني الخاصة لمدة 6 أشهر لحين وضع الاشتراطات البنائية الجديدة. وفقا لما نشره موقع “مصراوي” وهو موقع مقرب من سلطات الانقلاب وأجهزتها الأمنية.[[7]] وقال الكتاب الدوري إن اجتماع مجلس المحافظين بتاريخ 28-9-2020 نص على السماح لمن سبق لهم الحصول على رخص بناء سارية “من وضع أساسات العقار وشرع في البناء” باستئناف أعمال البناء والتشطيبات بحد أقصى 4 أدوار حتى نهاية نوفمبر 2020 لحين الانتهاء من وضع الاشتراطات البنائية الجديدة.

القرار الجديد نشره موقع “مصراوي” كسبق صحفي، ولما بدأت  الصحف والمواقع الإلكترونية الأخرى تنشره كانت أوامر عليا صدرت من جهات أمنية تلزم جميع وسائل الإعلام بنفي ذلك. منها بوابة الشروق[[8]] التي نشرت الخبر تحت عنوان «الحكومة تقرر مد وقف تراخيص البناء 6 أشهر جديدة»، لكنها سرعان ما حذفت الخبر بعد نشره بدقائق. وراحت الشروق وبقية الصحف والمواقع تنفي القرار[[9]] ، ثم بعد ذلك راحت تبرره وتلطف من وقعه الصادم على عشرات الملايين من المواطنين المتضررين من القرار من طائفة المعمار في المسلح والبناء والنجارة والكهرباء والسباكة وما يترتب على ذلك من تواصل الركود الذي عشش في جنبات مصر منذ سن قانون التصالح في مخالفات البناء في يوليو 2019م والذي تسبب في هدم آلاف المنازل وموجهات احتجاج عارمة أدت إلى تراجع النظام.

الغريب في  الأمر أن بيان الوزارة الذي نفت فيه وجود إي إشارة بمد وقف تراخيص المباني لمدة جديدة،  لكنها في ذات الوقت قالت إن الكتاب الذي أرسلته الوزارة للمحافظات  وجه باستمرار المحافظات في السماح بالبناء فقط في القرى والعزب والتوابع، ووقف التراخيص للمباني الخاصة في المدن الرئيسية، وعواصم المحافظات، واستمرار أعمال البناء حتى الدور الرابع لحين انتهاء الاشتراطات البنائية الجديدة، والهادفة إلى ضبط منظومة العمران في مصر، حسب البيان. وهي تقريبا ذات المضامين والتوجهات التي اشتمل عليها قرار وزير التنمية المحلية اللواء محمود شعراي الصادر يوم 25 مايو 2020م والذي كلف فيه المحافظين  بوقف إصدار التراخيص الخاصة بإقامة أعمال البناء أو توسعتها أو تعليتها أو تعديلها أو تدعيمها للمساكن الخاصة في القاهرة الكبرى والإسكندرية وكافة المدن الكبرى. كما نص القرار على إيقاف استكمال أعمال البناء للمباني الجاري تنفيذها لحين التأكد من توافر الاشتراطات البنائية والجراجات وذلك اعتباراً من يوم الأحد 24 مايو (2020) ولمدة 6 أشهر.[[10]]

قرار وقف تراخيص البناء الجديد الصادر من وزارة التنمية المحلية لم يتضمن تحديد مدة معينة لكنه رهن عودة تراخيص البناء بالانتهاء من تعديلات قانون البناء وتحديد الاشتراطات الجديدة التي أصدرتها الحكومة في 28 ديسمبر 2020م لكن مشروع القانون لا يزال قيد البحث داخل لجان البرلمان بعد اعتراضات كثيرة تتعلق بالصعوبة الشديدة في تطبيق هذه الاشتراطات التي تمثل شكلا من أشكال الحصار الحكومي وتقييد البناء تحت لافتة محاربة العشوائية.[[11]] وأضافت الوزارة أنه جار الانتهاء من اشتراطات البناء الجديدة خلال فترة وجيزة، بالتنسيق بين المحافظات والجامعات ووزارة الإسكان والمجتمعات العمرانية. وكان مجلس النواب قد وافق مؤخراً، على تشكيل لجنة برلمانية مشتركة لدراسة ومناقشة الاشتراطات الجديدة للبناء، والتي أقرها مجلس الوزراء بدعوى القضاء على البناء العشوائي، وضبط حركة العمران في المحافظات، لتحل بدلاً من الاشتراطات التخطيطية والبنائية الواردة في المخططات الاستراتيجية والتفصيلية المعتمدة للمدن. ولا تسري هذه الاشتراطات على المشروعات التي تنفذها الدولة، وكذلك الأراضي الخاضعة لولاية هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، وأراضي ومشروعات القوات المسلحة.

استثنى قرار وزارة التنمية المحلية بوقف تراخيص البناء لحين صدور قانون اشتراطات البناء الجديدة المشروعات التي تشرف عليها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة التي يطلق عليها النظام (المشروعات القومية الكبرى!)، وكذا المنشأت الصناعية والسياحية، ومشروعات شركات التطوير العقاري، وشركات القطاع العام، وقطاع الأعمال العام، والقطاع  الخاص بوزارة الإسكان والمدن الجديدة، واستمرار العمل بها بصورة طبيعية.  وهو ما يعني بكل وضوح إصابة أنشطة المواطنين والقطاع الخاص بالشلل التام بفعل القرار الحكومي بينما تبقى مشروعات الجيش والحكومة ماضية لا ينطبق عليها القرار.

القرار الجديد يمثل امتدادا للقرار القديم الصادر في مايو 2020م، ورغم أنه كان قد حظر إصدار تراخيص البناء لمدة 6 شهور فقط إلا أنه بعد انتهاء المدة في منتصف نوفمبر 2020 تعسفت السلطات في استصدار تراخيص البناء وتشددت في ذات الوقت في هدم منازل مخالفة الأمر الذي أفضى فعليا إلى تواصل الشلل في قطاع المعمار باستثناء مشروعات الجيش وما تسمى بالمشروعات القومية.

 

الخلاصة، يمر نظام الانقلاب بحالة من الارتباك والتخبط؛ ويعاني من أزمة مالية طاحنة في ظل توقف المساعدات الخليجية منذ سنة 2016م، وتراجع الاستثمار الأجنبي المباشر، واعتماد النظام على سياسة الاقتراض من مؤسسات التمويل الدولية والإقليمية والبنوك المحلية. وأمام تراجع إيرادات الدولة بسبب تفشي جائحة  كورونا يسعى النظام إلى فرض المزيد من الرسوم والجباية بهدف تعويض النقص الحادث في موارد الدولة. وعبر سن القوانين والتشريعات يسعى النظام إلى تقنين عمليات السطو على أموال المواطنين تارة بسن قانون التصالح في مخالفات البناء والذي جرى التراجع عنه نسبيا أمام غضب الجماهير. وتارة من خلال سن قانون تعديلات الشهر العقاري الذي كان مقررا البدء في تطبيقه في 6 مارس 2021م، وجرى التراجع عنه أيضا في 1 مارس 2021م وقيل إن التراجع جرى بتوجيهات من قائد الانقلاب. وذلك بهدف تجميل صورته وترميم شعبيته المتآكلة والتي رصدتها أجهزته الأمنية.

تراجع النظام عن قانون تعديلات الشهر العقاري وقبله التراجع النسبي عن قانون التصالح في مخالفات البناء يؤكد أن النظام يمر بمرحلة ضعف وهشاشة ويخشى من غضبة الشعب كما جرى في سبتمبر عامي 2019 و2020م. وذلك يؤكد أن الشعب بدأ يدخل في المعادلة القائمة ويدفع النظام إلى التراجع عن قوانين وقرارات مجحفة لأول مرة منذ انقلاب 3 يوليو 2013م. هذا النجاح النسبي من جانب الشعب قد يغريه بالضغط مجددا على النظام في مسائل وقضايا أخرى؛ فقد أيقن الشعب أن نظام السيسي لا يخشى سوى انتفاضة الجماهير ضده وهي المخاوف التي كررها السيسي مرارا في مواقف كثيرة لتحذير الشعب وتخويفه من الثورة على النظام.

قرارات النظام بوقف تراخيص البناء سواء في مارس 2021م وقبلها في مايو 2020م، تؤكد أن نظام السيسي لا يكترث لآلام المواطنين ولا يبالي بأوضاعهم الصعبة؛ ففي الوقت الذي تخصص فيه حكومات الدولة الراقية مئات المليارات من الدولارات لدعم المواطنين في ظل تداعيات جائحة  كورونا، وتوفير  الأجور والمرتبات لملايين العاملين الذين توقفوا عن العمل حتى يتمكنوا من سداد الإيجارات وتوفير الغذاء لأسرهم؛  إلا أن السيسي فرض المزيد من الضرائب والرسوم الجبائية ولا يزال حتى اليوم يسن القوانين والتشريعات التي تجعل حياة الناس جحيما.  ويعزز من حالة الغضب بين المواطنين أن مد قرار وقف تراخيص البناء يعالج الخطأ بخطأ أكبر منه؛ لأن القرار أصاب قطاع المعمار بشلل تام وهو القطاع الذي يضم نحو 12 مليون عامل ومهندس ومهني، فضلا عن حوالي 20 ألف شركة ما بين الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، بالإضافة إلى تجار مواد البناء، بحسب تصريحات صحفية في أبريل 2020 م لرئيس الاتحاد المصري لمقاولي التشييد والبناء محمد سامي. كما أن أغلب الأنشطة الاقتصادية والصناعية في مصر تقوم على أعمال المقاولات، التي تعتبر مصدر الرزق الوحيد لقطاع واسع من الحرفيين والعمال. مشكلة القرار أنه يأتي بالتزامن مع تفشي جائحة كورونا الذي أصاب دخول المواطنين في الصميم حيث تراجعت دخول نحو 73% من المصريين بحسب دراسة حكومية، فمن أين ينفق هؤلاء الملايين على أطفالهم وأولادهم في ظل هذه الظروف العصيبة؟ [[12]]

من المرتقب أن يتسبب تمديد قرار وقف تراخيص البناء في ارتفاع أسعار الوحدات العقارية وبدلات الإيجار نتيجة قلة الوحدات المعروضة، والتي لن تكفي الاحتياجات والمتطلبات مع تسجيل مصر نحو 900 ألف عقد زواج سنوياً في المتوسط، فضلاً عن تشريد العمالة في قطاع المقاولات، وما يتبع ذلك من تفش للبطالة نتيجة عدم وجود أعمال إنشاءات جديدة. وسوف يفضي ذلك إلى تزايد الاحتقان ومعدلات الغضب الشعبي ضد النظام العسكري خصوصا مع عودة عمليات هدم المنازل والمساجد؛ فقد نسفت أجهزة السيسي الأمنية (الجمعة 12 مارس 2021م) عمارة فيصل التي كانت تعرضت لحريق في يناير 2021م، والتي تحتوي على 14 دورا وبها نحو 108 وحدة سكنية، المشغول منها 15 شقة، ونسفت الأجهزة الأمنية والمحلية العمارة بالديناميت في مشهد تعمد النظام السماح ببثه عبر بعض المواقع الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي في رسالة إرهاب وتهديد للمواطنين بدعوى أنها بنيت بالمخالفة  للقانون. واللافت أن العمارة بنيت في عهد السيسي ما بين سنتي 2015 و2016م. وكان يمكن أن يتم التصالح وتقنين أوضاعها لكن النظام أراد أن يتخذ منها نموذجا لإرهاب الشعب وإجبار المواطنين على المبادرة بالتصالح لحاجة النظام إلى السيولة المالية في ظل تراجع إيرادات الدولة.

يستهدف تمديد قرار وقف تراخيص البناء إجبار شركات المقاولات على العمل في مشروعات التشييد والبناء التي تشرف عليها الدولة، ممثلة في الهيئة الهندسية للقوات المسلحة ووزارة الإسكان، وذلك وفق الشروط والأسعار التي تحددها، وإفساح المجال أيضاً لبيع الوحدات السكنية في المدن العمرانية الجديدة والعاصمة الإدارية، عوضاً عن تعاقد المواطنين مع شركات المقاولات والتنمية العقارية الخاصة.[[13]]

أمام فشل النظام في السطو على أموال المواطنين عبر قانون التصالح في مخالفات البناء و تعديلات قانون الشهر العقاري، قد يكون مشروع قانون اشتراطات البناء الذي يناقشه برلمان النظام حاليا مناورة ثالثة يسعى من خلالها نظام السيسي إلى فرض رسوم جبائية باهظة سوف تصيب قطاع المعمار بشلل دائم وليس مؤقتا كما هو الحال حاليا في قرارات وقف تراخيص البناء؛ فالاشتراطات التي قدمتها الحكومة تجعل توافر شروط البناء أو المستندات المطلوبة للترخيص مسألة بالغة الصعوبة لا يقدر عليها سوى أثرياء القوم؛ وبالتالي فإن ذلك كفيل بالحد من الزحف العمراني الأفقي والرأسي على حد سواء بما يهدد بتشريد ملايين العاملين في قطاع التشييد والمعمار.

 

 

———————————————————————————-

[1] كريم أبو زيد/ بعد تلويح السيسي بـ«نزول الجيش».. كيف تواجه الدولة تعديات البناء؟/ مصر العربية 29 أغسطس 2020

[2] مخالفات البناء: اعتقالات جماعية ومحاكمات عسكرية في مصر/العربي الجديد 05 سبتمبر 2020

[3] التراجع الثاني للسيسي: تجميد قانون الشهر العقاري لتفادي انفجار الغضب/ العربي الجديد 04 مارس 2021  

[4] السيسي يشدد: اشتراطات البناء الجديدة ستكون في منتهى الحزم والقسوة/ بوابة الشروق الأحد 12 يوليه 2020

[5] السيسي يوجه بسرعة وضع اشتراطات البناء الجديدة للتعجيل بعودة النشاط/ بوابة الشروق الأحد 27 سبتمبر 2020   

[6] موعد تطبيق اشتراطات البناء الجديدة 2021: «باقي من الزمن أيام قليلة»..تحظر البناء في المناطق ذات كثافات شديدة الارتفاع ومنتظر تطبيقه قريبا/ الوطن الإثنين 08 مارس 2021//أمنية سعيد/ اشتراطات البناء الجديدة بعد موافقة «الوزراء».. الاستعمالات والارتفاعات/ الوطن الثلاثاء 29 ديسمبر       2020 

[7] محمد نصار/قرار رسمي.. مد وقف تراخيص البناء لمدة 6 أشهر جديدة/ مصراوي الخميس 11 مارس 2021

[8] الحكومة تقرر مد وقف تراخيص البناء 6 أشهر جديدة/ بوابة الشروق الخميس 11 مارس 2021

[9] محمد محمود خليل/ التنمية المحلية تنفي صدور قرار بمد وقف تراخيص البناء الجديدة 6 أشهر/ المصري اليوم الخميس 11 مارس 2021م

[10] محمد نصار/ قرار وزاري بوقف تراخيص البناء بـ4 محافظات وكل المدن الكبرى/ مصراوي الإثنين 25 مايو 2020

[11] مصر تواصل وقف تراخيص البناء إلى حين إنجاز الشروط الجديدة/ العربي الجديد 12 مارس 2021

[12] حسن المصري/ خراب بيوت بأمر السيسي.. وقف تراخيص البناء يثير غضب العمال ورجال الأعمال/ الجزيرة نت 10 يونيو 2020  

[13] مصر توقف تراخيص البناء 6 أشهر جديدة لـ”تسويق العاصمة الإدارية”/ العربي الجديد 11 مارس 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لقاء السيسي – بينت في شرم الشيخ: الدوافع والنتائج

  اجتمع رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت مع عبد الفتاح السيسي في شرم الشيخ، في 13…