‫الرئيسية‬ العالم العربي تركيا مستقبل المعارضة المصرية في ظل التقارب التركي المصري
تركيا - مصر - مارس 30, 2021

مستقبل المعارضة المصرية في ظل التقارب التركي المصري

 

 

بعد فشل مشروع الجنرال خليفة حفتر في ليبيا أمام القوات النظامية لحكومة الوفاق الوطني المدعومة من تركيا، تراجعت حدّة التراشقات بين القاهرة وأنقرة، قبل أن تحدث لقاءات سرية عديدة بينهما على مستويات متعددة، خصوصًا المخابرات والخارجية، التي قال جاويش أوغلو، وزير الخارجية التركي، إن أحدها نتج عنه اتفاق مع نظيره المصري على ضرورة وضع خريطة طريق لتحسين العلاقات بينهما. أكثر من ذلك، فقد تعاون البلدان بشكل واضح، وإن لم يكن معلنًا ورسميًا، في الملف الليبي أخيرًا بما في ذلك مرحلة انتخابات المجلس الرئاسي. ولذلك فليس من باب المبالغة القول إن البلدين قد دخلا فعلًا في مرحلة تهدئة منذ مدة، وليس اليوم، وإن هذه التهدئة بنَت أرضية أمكنت اليوم من نقاش الاحتمالات المستقبلية.

وكان وزير الخارجية التركي جاويش أوغلوا قد قال في نهاية العام الماضي “2020م” إن بلاده ومصر تسعيان إلى وضع خارطة طريق بشأن علاقاتهما الثنائية”. وفي السادس من مارس 2021م تعززت هذه التوجهات بتصريح لوزير الدفاع التركي خلوصي أكار، قال فيها  “إن تركيا ومصر لديهما قيم تاريخية وثقافية مشتركة”، معربا عن ثقته بأن تفعيل هذه القيم يمكن أن ينعكس على حدوث تطورات مختلفة في الأيام المقبلة. وأكد أن القرار المصري المتمثل باحترام الصلاحية البحرية التركية بالمتوسط، يصب كذلك في مصلحة حقوق ومصالح الشعب المصري. وأعرب وزير الدفاع التركي عن اعتقاده بإمكانية إبرام اتفاقية أو مذكرة تفاهم مع مصر في الفترة المقبلة، بما يتماشى مع اتفاق الصلاحية البحرية المبرم مع ليبيا، المسجل لدى الأمم المتحدة”، وذلك بحسب ما نقله عنه موقع دويتشة فيله الألماني وغيره من الوكالات والمواقع الإخبارية. وبعدها ذكر المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن أن مصر “قلب وعقل العالم العربي”، لتأتي بعد ذلك تصريحات الرئيس التركي في مؤتمر صحفي يوم 12 مارس “2021م” قال فيها: “إن تعاون تركيا مع مصر في المجال الاقتصادي والدبلوماسي والمخابراتي متواصل ولا توجد أي مشكلة في ذلك.. نريد استمرار اللقاءات الدبلوماسية مع مصر ونسعى لتطويرها، وعلاقاتنا معها جيدة.. إن الاتصالات مع مصر ليست على أعلى مستوى، لكنها عند المستوى التالي له مباشرة.. يحدونا الأمل في أن نتمكن من مواصلة هذه العملية مع مصر بقوة أكبر”.

تركيا ترغب في التقارب مع مصر من أجل التوصل إلى اتفاق لترسيم الحدود  البحرية بما يضمن المصالح التركية، وأيضا سيكون مفيدا لمصر يضمن لها مساحات أكبر تضم  ثروات هائلة تقدر بمليارات الدولارات بخلاف اتفاقها مع اليونان الذي جار على الحقوق المصرية. ويستهدف نظام السيسي من هذا التقارب استئصال شأفة المعارضة المصرية في الخارج وإغلاق الفضائيات المصرية التي تبث من أنقرة والتي تؤرق النظام بشكل واسع ظهر في تصريحات السيسي مرارا وتكرارا حتى إنه ذات مرة هدد بمحاسبة الإعلاميين والقائمين على هذه الفضائيات.

أمام هذا التقارب التركي المصري؛ ما مستقبل المعارضة المصرية بالخارج؟ وما مستقبل فضائيات الثورة التي تبث من أنقرة؟ وهل يتجه النظام التركي إلى التخلي فعلا عن المعارضين المصريين وتسليمهم إلى النظام العسكري في مصر؟ وكيف يمكن للمعارضة المصرية أن تتحرر من قيود أي وصاية خارجية على مساراتها حتى لا تتحول إلى أداة ضغط وابتزاز بين النظام العسكري في مصر والحكومة التركية التي تسعى إلى تقارب مع مصر من أجل ترسيم الحدود البحرية بين الجانبين بما يحقق مصالح تركيا التي تعمل على تفكيك التحالف المناوئ لها والذي يضم (إسرائيل واليونان والإمارات ومصر والسعودية وفرنسا)؟

 

ضغوط مصرية

تلقفت أقلام وصحف وفضائيات النظام العسكري في مصر التصريحات التركية الودودة وراحت تنسح غابة كثيفة من الأكاذيب والأوهام، لكن القضية الأهم كانت حول موقف النظام التركي من المعارضين المصريين المقيمين على أراضيها وخصوصا جماعة الإخوان المسلمين. وكان عماد الدين حسين، رئيس تحرير صحيفة “الشروق”، قد اعتبر في مقاله “ماذا سيفعل أردوغان بالإخوان”، المنشور في عدد الثلاثاء 15 مارس 2021م، ونشر قبلها بيوم على بوابة الصحيفة، قد اعتبر التصريحات التركية موجات من الغزل، وطالب الجانب التركي بضرورة دفع الثمن لمصر لإصلاح ما وصفها بالأخطاء الفادحة والاستثمار في جماعات العنف والتطرف والإرهاب في المنطقة بأكملها وعلى رأسها جماعة الإخوان منذ 2011م من أجل دفع العلاقات إلى الأمام.

وكعادة العقول والأقلام السيساوية التي تتلاشى عندها الفوارق بين الوطن والنظام، وتعتقد أن معارضة النظام أو رفضه والعداء له هو في حد ذاته عداء للوطن؛ يزعم رئيس تحرير الشروق أن «أردوغان قدم لجماعات الإخوان وبقية الجماعات المتطرفة الأخرى كل أنواع الدعم، وفتح لهم محطات فضائية تشن هجوما دائما ومستمرا ضد بلدهم وجيشهم وشرطتهم وقضائهم»! ويعزو حسين هذه التحولات التركية إلى نجاح ما أسماها بثورة “30” يونيو في إفشال مشروع أردوغان الإقليمي، وأن تجربة الثماني سنوات قد برهنت على فشل الرهان على جماعة الإخوان؛ الأمر الذي يدفع أردوغان تحو بدء التخلي التدريجي عن الجماعة. على حد تعبيره.

وتساءل رئيس تحرير  الشروق عن  حدود هذا التخلي الأردوغاني عن الجماعة بعد ما تسببوا فيه من خسائر استراتيجية كبيرة لبلاده، على حد وصفه. متوقعا صعوبة التخلص منهم وكأن شيئا لم يكن. كما يصعب أن يقوم بتسليمهم جميعا للسلطات المصرية، التى تطالب بذلك منذ سنوات طويلة. وأثنى الكاتب على موقف سلطات الانقلاب في مصر حيث ردت على ذلك بأن مصطلح الحوار السياسى والدبلوماسى، غير موجود فى حالة علاقات البلدين، وأن على تركيا أن تبرهن بعدم التدخل فى الشئون الداخلية المصرية وكذلك الأمن القومى العربى.  وطالب بالتريث وأن الأيام هي وحدها الكفيلة بكشف حقيقة النوايا التركية، وربط ذلك بإقدام الحكومة التركية على اتخاذا قرارات صعبة، وإلا فإنها تسعى فقط عبر التقارب للضغط على كل من قبرص واليونان وأوروبا، وأن  الأمر مفتوح على العديد من الاحتمالات ليس فقط فيما يتعلق بمصر بل بالمنطقة كلها.[[1]]

ومضت الآلة الإعلامية للنظام العسكري في مصر تروج أن تركيا هي من تتزلف وتطلب القرب، وأن القاهرة من حقها أن تتمنع وأن تفرض شروطها وتضع الأداء التركي تحت المراقبة على النحو الذي ذكره سامح شكري وزير الخارجية “علاقتنا بتركيا مرهونة باتساق سياستها مع توجهاتها”، رغم أن هذا يتنافى مع ما هو معروف، من أنه في ظل فترة القطيعة لم ينقطع الحوار بين مخابرات كلا البلدين، وكما جاء في صحيفة “أقشام” التركية، أن المباحثات بدأت قبل عامين بناء على طلب النظام في مصر، وذكر وزير الخارجية التركي أن المباحثات الدبلوماسية بدأت بالفعل، وهي تصريحات لم ينفها المسئولون بحكومة الانقلاب، على نحو يؤكد أن تصريحات الأتراك الودودة كانت كاشفة عن عملية التقارب وليست منشئة لها.

 

تسليم المعارضين

يرى الكاتب الصحفي سليم عزوز أن التقارب التركي مع نظام السيسي لن يفضي إلى تسليم المعارضين، أو حتى المطلوبين منهم للجهات المصرية، بل أعتقد (عن معلومات) أن بعض المطالب الخاصة بالمعارضة ستكون موضوعاً على مائدة المفاوضات، وقد لا ينتهي الأمر عند التوقف عن فكرة تسليم المعارضين، وإنما قد يطلب الجانب التركي إخراج قيادات بعينها من السجون، مع ضمان توفير ملجأ آمن لها في إسطنبول، لتبقى مشكلة القنوات الثلاث!

يعزز هذه الفرضية طمأنة مسئولين أتراك لقادة المعارضة وجماعة الإخوان المسلمين والعاملين بوسائل الإعلام والفضائيات المصرية التي تبث من أنقرة بعدم طرح مسألة تسليمهم لنظام الانقلاب في مصر،  وقد أكد ياسين أقطاي، مستشار الرئيس التركي، أن مبادئ تركيا ثابتة وموقفها من الانقلابات وقضايا حقوق الإنسان لن يتغير، وأنه لا ضرورة للقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالسيسي. وقال إن  تركيا لديها خلافات مع الكثير من الدول ولكن يحدث تفاهمات فيما بينها وهذا التفاهم لا يعني التوافق على صعيد جميع الملفات. وضرب مستشار الرئيس أردوغان مثالا بعلاقة تركيا بروسيا التي تواجهها في سوريا وليبيا، ولكنها تتعاون معها أيضا على صعيد ملفات أخرى وفقا للمصالح المشتركة.[[2]] إضافة إلى إشارة لافتة من عمر جليك، المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم، بأن شراكة بلاده مع مصر لا تعني تخليها عن “موقفها السياسي من إرساء الديمقراطية” في إشارة للموقف التركي الرافض لانقلاب السيسي في الثالث من يوليو عام 2013 وهو ما سبب تدهور العلاقات بين البلدين.

وتنقل صحيفة “العربي الجديد” اللندنية  عن مصادر قضائية وأمنية بحكومة السيسي بأن  مسألة تسليم المعارضين المقيمين في تركيا أو قطر سواء كانوا مطلوبين على ذمة تحقيقات في قضايا معينة أو يعتبرهم النظام “فارين” من تنفيذ أحكام غيابية ليست من الأولويات المطلقة للنظام في مصر. لكن حكومة السيسي في المقابل تطرح استثناءات في حالات معدودة ونادرة ترتبط مباشرة بقاضيا كبرى صدرت فيها أحكام قضائية مشددة أو ترغب أجهزة السيسي الاستخباراتية والأمنية في الحصول على معلومات بعينها من تصفهم بالمتهمين الهاربين في تركيا.

وكبديل لإجراءات المطالبة بتسليم المعارضين الذين صدرت بحقهم أحكام من قضاء نظام السيسي تتجه دائرة السيسي حاليا نحو التوسع في استخدام الأدوات العقابية التنفيذية التي تمكنها من البطش عن بعد، من دون استعادة أي شخص أو إجراء تحقيقات أو حتى محاكمة، كإسقاط الجنسية، مع بحث إضافة تلك الأداة تحديداً إلى أحكام الإدانة الغيابية ضد الموجودين بالخارج. وفي هذا السياق جرى تكليف وزارة العدل المصرية بصياغة نتائج المناقشات الموسعة حول المقترح الذي طلبت دائرة السيسي دراسته، بإسقاط الجنسية المصرية عن المتهمين بـ”الانتماء لجماعات إرهابية”، فضلاً عن توقيع عقوبات اقتصادية واجتماعية عليهم وذويهم، سواء كانوا خارج أو داخل البلاد، بحرمانهم من بعض المزايا المتاحة لباقي المواطنين مثل الضمان الاجتماعي والتموين الحكومي. ومنذ ثلاث سنوات ونصف، أقرت الحكومة مشروع قانون أعده وزير العدل السابق حسام عبد الرحيم، يسمح لمجلس الوزراء بإسقاط الجنسية “في حالة صدور حكم قضائي يثبت الانضمام إلى أي جماعة، أو جمعية، أو جهة، أو منظمة، أو عصابة، أو أي كيان، أياً كانت طبيعته أو شكله القانوني أو الفعلي، سواء كان مقرها داخل البلاد أو خارجها، وتهدف إلى المساس بالنظام العام للدولة، أو تقويض النظام الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي لها بالقوة، أو بأي وسيلة من الوسائل غير المشروعة”. ولم يتطرق المشروع إلى توقيع قرار إسقاط الجنسية كعقوبة تكميلية للأحكام القضائية الصادرة بالإدانة في قضايا الإرهاب أو العنف أو الاغتيال أو التخابر، بل تحدّث عن الانضمام إلى الجماعات والجمعيات والهيئات في الداخل والخارج. وبالتالي، فإن إصدار أي محكمة، أياً تكن درجتها القضائية، حكماً يثبت صفة “الانضمام” على متهم، حتى تُسقط جنسيته.

 

الموقف من فضائيات الثورة

تمكن نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي خلال سنوات ما بعد الانقلاب من العصف بكل أشكال المعارضة، فلم يعد داخل مصر صوت يصيح بنقد النظام إلا جرى التنكيل به إما قتلا أو اعتقالا وتعذيبا، والمعارضة بالخارج لم تتمكن من صياغة تحالف موسع يكون قادرا على التأثير في الوضع السياسي وحصار النظام رغم انتهاكاته المروعة في ملف حقوق الإنسان. ورغم بشاعة المشهد إلا إن الفضائيات المصرية الثلاث التي تبث من أنقرة (الشرق ـ مكلمين ــ وطن) تمكنت  من الوصول إلى شريحة واسعة من المصريين وبات لها  تأثير واسع على الرأي العام المصري؛ أسهم في نجاح هذه الفضائيات رغم قلة إمكاناتها مقاربة بالآلة الإعلامية للنظام، أن أجهزة السيسي الأمنية وضعت يدها على كل وسائل الإعلام في مصر من صحف ومواقع وفضائيات، وفرضت إعلام الصوت الواحد على المشاهد المصري؛ فعزف الجمهور عنها واتجه إلى فضائيات الثورة التي تعبر عن نبض الجمهور بينما تعكف فضائيات النظام على التسبيح بحمد السيسي وحكومته بكرة وعشيا.

أمام هذا التأثير الواسع لفضائيات الثورة التي تبث من أنقرة، فإن الأولوية المطلقة لأجهزة السيسي المخابراتية والأمنية  في المفاوضات الدائرة حاليا مع الدولة التركية هي تصفية المشاريع الإعلامية المعارضة للنظام والتي تبث من أنقرة، والتي أثبتت نجاحاً كبيراً في الوصول إلى الرأي العام المصري في السنوات الخمس الأخيرة، أو على الأقل الحدّ من أثرها السياسي والاجتماعي، وضمان عدم تكرار ما حدث في تظاهرات سبتمبر 2019 و2020م. وتحرّك هذه الوضعية رغبة الطرفين في تحقيق تقدم على صعيد التعاون الاقتصادي في مجال الطاقة، انطلاقاً من التنسيق المحتمل حول غاز شرقي المتوسط.[[3]] وقد أكد الدكتور أيمن نور، مالك قناة “الشرق” في تصريحات يوم الجمعة 20 مارس 2021م إن السلطات التركية طلبت من القنوات المصرية التي تبث من أراضيها تخفيف انتقاداتها للحكومة المصرية في الوقت الذي تسعى فيه أنقرة لتحسين علاقاتها المتصدعة مع القاهرة. وأضاف نور لوكالة رويترز إن مسؤولين أتراكا أبلغوه بأنهم يريدون من القنوات التلفزيونية أن تتحرى “الموضوعية ولا تهاجم أو تنتقد أحدا”.[[4]]

بالطبع قوبل الموقف التركي من فضائيات الثورة بترحيب واسع عبر عنه وزير الإعلام بحكومة السيسي أسامة هيكل، والذي قام بحذف ترحيبه فيما بعد لاعتبارات تتعلق بالرفض الإماراتي السعودي لهذا التقارب في هذا التوقيت. وبلغت شماتة أنصار السيسي حدا كبيرا بالزعم أن الإعلاميين بفضائيات الخارج سيكونون في قبضة السلطة في مصر خلال ساعات. وساهم في تعزيز التوقعات المتفائلة لدى مؤيدي السلطة، إعلان هذه الفضائيات الاعتذار عن بعض البرامج التي كان مقررا بثها ليلتها، وذلك بالتزامن مع إعلان مسؤولين بهذه القنوات أن مسؤولين أتراكا طلبوا منهم “الالتزام بميثاق الشرف الإعلامي في سبيل المساهمة في تحسين العلاقات التركية المصرية”، وهو ما يعني تهدئة حدة الانتقادات الموجهة إلى النظام المصري.

وتنقل “الجزيرة نت” عن مصدر في إدارة الاتصال برئاسة الجمهورية التركية، أن تركيا طلبت بالفعل من القنوات المصرية التي تبث من إسطنبول -في اجتماع مع مديريها- توقيف البرامج السياسية، مشيرا إلى اتفاق تم قبل شهر بين الحكومتين المصرية والتركية لتخفيف حدة التوتر الإعلامي وصولا إلى الذي حدث اليوم. لكنه شدد على أن الحكومة التركية لن تغلق قنوات المعارضة المصرية ولن تسلّم معارضين مصريين، موضحا أن ما حدث هو الطلب من مديري القنوات التلفزيونية “الالتزام بميثاق الشرف الإعلامي في سبيل المساهمة في تحسين العلاقات”. وأضاف أن “هناك خطة متفق عليها من الجانبين تبدأ بالتهدئة الإعلامية ثم التقارب ثم التطبيع الكامل، لكن من دون جلوس الرئيسين عبد الفتاح السيسي ورجب طيب أردوغان على طاولة واحدة، على الأقل في الولاية الحالية للرئيس أردوغان”. وأضاف أن “بنود اتفاق المصالحة نوقشت العام الماضي، وجاء الوفد التركي مستبشرا بالنتائج من القاهرة، قبل أن يقتحم الأمن المصري مقرّ وكالة الأناضول في القاهرة، بسبب رفض السعودية والإمارات التقارب، حيث تم اقتحام المقر آنذاك كإشارة نفي من القاهرة لحليفها الخليجي”. وزاد المصدر التركي “في إطار خطة تطبيع العلاقة، سنسعى لتخلي القاهرة عن إيواء قيادات في منظمة فتح الله غولن، كما سندفع باتجاه تخفيف حالة القمع في الداخل المصري، وسنتعاون في الملف الليبي، وسنوقع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط”.[[5]]

 

سيناريوهات ثلاث

أمام هذه المعطيات فإن موقف المعارضين والإعلاميين المصريين المقيمين في تركيا وحتى مستقبل فضائيات الثورة مرهون بمدى نجاح التقارب بين أنقرة والقاهرة؛ ويمكن التنبؤ بالسيناريوهات الآتية:

أولا، الإغلاق التام لهذه الفضائيات وتسليم قادة المعارضة وخصوصا المتهمين في قضايا كبرى والذين صدرت بحقهم أحكام قضائية من جانب نظام السيسي. وهو سيناريو مستبعد لاعتبارات كثيرة أهمها أن القانون التركي يمنع تسليم اللاجئين السياسيين إذا كانت حريتهم وحياتهم معرضة للخطر إذا جرى تسليمهم. كما أن نظام الرئيس التركي قد احتضن المعارضة المصرية رغم الضغوط الهائلة التي تعرض لها خلال السنوات الماضية كمبدأ وتقدير لكل دعاة الديمقراطية وحقوق الإنسان ضد النظم القمعية أو تلك التي اغتصب السلطة عبر انقلاب عسكري.  ومن جانب ثالث فإن القاعدة الجماهيرية المؤيدة للرئيس التركي وحزب العدالة والتنمية جلهم من الإسلاميين الذين يرفضون تماما خذلان المعارضين المصريين؛ وبالتالي فإن إقدام نظام الرئيس أردوغان على مثل هذه الخطوة سوف يخصم من رصيده كثيرا محليا وإقليميا ودوليا، وقد يتعرض لخسارة نسبة هائلة من مؤيديه وأنصاره قبل الانتخابات الحاسمة المقرر إجراؤها في 2023م. ويذهب فريق من الساسة إلى أن تسليم المعارضين قد يكون مستبعدا، وحتى غلق هذه القنوات قد يحدث في حالة واحدة إذا وصلت العلاقات بين أنقرة والقاهرة إلى مستوى التطبيع الكامل وهو أمر تقف دونه عقبات كثيرة أبرزها الرفض السعودي الإماراتي لهذا التقارب. من جانب آخر يرى الكاتب الصحفي سليم عزوز أن إغلاق قنوات تركيا سيفضي إلى إغلاق ترسانة القنوات التلفزيونية التي تبث من القاهرة بهدف التصدي لها، وتسريح مئات الإعلاميين وآلاف العاملين فيها الذين يهللون للخضوع التركي لمصر القوية القادرة، وكأنهم يساقون للموت وهم ينظرون، فالبديل هو قدرة السيسي على تطبيق مشروعه الإعلامي، بالعودة بالبلاد إلى زمن القناتين، الأولى والثانية، لتكون البداية لتصفية المؤسسات الإعلامية القائمة.[[6]] وبالتالي فإن لم يكن للإمارات موقف آخر، فإن المصالحة قادمة لا ريب فيها، لكن ملف المعارضين والقنوات أكثر تعقيداً مما يروج لهم إعلام الردح وفرش الملاية! ويرى الكاتب والمحلل السياسي فراس أبو هلال، رئيس تحرير موقع “عربي 21” أن تركيا لن تقدم على إغلاق القنوات المصرية المعارضة؛ لأن ذلك يتعارض مع قوانين الدولة ومع الصورة التي تريد أنقرة تصديرها للخارج. وبذلك، يمكن أن تحول هذه القنوات الأزمة لمنحة، من خلال تطوير خطابها، ليصبح ممثلا لشرائح المصريين كافة، وليس فقط للمعارضة الغاضبة.[[7]]

ثانيا، الحصار الجزئي لهذه الفضائيات في أنقرة، وهو ما جرى بالفعل نتيجة الخطوة الأولى من محطات التقارب بين أنقرة والقاهرة والتي تضمنت تدشين مرحلة من الحوار والتواصل وفتح القنوات الدبلوماسية  والمخابراتية بين الجانبين، وهو مسار قائم وأُنجز فيه الكثير. وما يحدث مع هذه القنوات، وفي ضوء المعلن من الإيضاحات الرسمية، وشبه الرسمية التركية، يقول إن قرارًا تركيًا قد اتخذ بالانفتاح على مصر السيسية، فرض على هذه القنوات أن تُدخل تعديلات جوهرية على خطابها الإعلامي، على النحو الذي يعرّض هذا الانفتاح للخطر، وخصوصًا في هذه المرحلة الدقيقة من عمره، إذ لا يزال أشبه بعجينةٍ طريةٍ لم تشتد ولم تأخذ شكلها النهائي بعد، وإن كان الجزء الظاهر من الصورة يقول إنها تفاهمات سياسية حتمية تتعلق بضرورات اقتصادية ملحّة في شرق المتوسط، حيث يفرض الغاز نفسه حاكمًا للشرق الأوسط، كما كان النفط هو الحاكم الأول في القرن الماضي. مطلوبٌ من هذه القنوات أن تنقلب على نفسها، وتبدّل خطابها الزاعق على مدى السنوات الماضية، فيما تبدو وكأنها عملية فض على البارد، تفرض عليها أن تبقى تحت حصار الرقيب وتعليماته وعقوباته، إن لزم الأمر، حتى تنكمش شيئًا فشيئًا وتخفض صوتها رويدًا رويدًا، حتى تذوب وتتلاشى بمرور الأيام، أو يصبح ماؤها وهواؤها غورًا، لا طلب عليه، ويبقى الحزن والشفقة من الجمهور المتعاطف معها، والشماتة المنحطة، وادّعاء النباهة من خصومها. في المحصلة، يبدو السيسي رابحًا أول مما جرى، إذ لا يمكن اعتبار انفتاح أنقرة المتحمس عليه سوى إقرارًا بالأمر الواقع، وإسباغًا لشرعية عليه وعلى  نظامه، عابرة للمتوسط قادمة من نظام أردوغان.[[8]]

ثالثا، إذا انتقلت العلاقات بين أنقرة والقاهرة إلى المحطة الثانية و هي توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين البلدين؛ فإن ذلك يعني أمرين: الأول أن الحكومة التركية ستسعى جاهدة ألا تتسبب الفضائيات المصرية التي تبث من أراضيها بأي تهديد للمصالح التركية أو أن تكون عائقا أمام التوصل إلى مثل هذا الاتفاق مع القاهرة حول ترسيم الحدود البحرية، وخلال الفترة من اليوم وحتى التوصل إلى مثل هذا الاتفاق فإن أجهزة السيسي لن تكف عن الشكوى من هذه الفضائيات، كأداة ضغط على أنقرة من أجل إغلاق هذه الفضائيات بشكل كامل. الثاني أنه إذا جرى تذليل كافة العقبات الأخرى أمام مثل هذا الاتفاق حول ترسيم الحدود  البحرية فإن أنقرة قد تضطر إلى إجراءات أكثر تضيقا بما يفرغ هذه الفضائيات من محتواها ويفقدها ميزتها باعتبارها صوتا للثورة المصرية والمنصة الوحيدة لكشف الكوارث التي يقوم بها نظام السيسي بحق مصر وشعبها. وبناء على هذه المؤشرات أعلن الإعلاميان الكبيران معتز مطر(قناة الشرق) ومحمد ناصر (قناة مكملين)، استمرارهما في نقد نظام السيسي، واستعدادهما لمغادرة تركيا لاستكمال هذه الرسالة في أماكن أخرى، لرفع الحرج عن الحكومة التركية، وذلك إذا اقتضت الضرورة.

الخلاصة، أنه أمام هذه المعطيات فإن الطلب التركي من الفضائيات المصرية التي تبث من أنقرة بضررة ضبط خطابها الإعلامي وتخفيف حدة الانتقادات الموجهة لنظام السيسي هي رسالة مبطنة تحمل كثيرا من الدلالات والرسائل أكبر من مجرد ضبط الخطاب الإعلامي لتكون مؤشرا على احتمال الإغلاق الكامل لهذه الفضائيات؛ وهو ما يجب أن يفهم على هذا النحو ويدفع القائمين عليها إلى ضرورة البحث عن بدائل خارج تركيا، وعدم الرهان على احتمالات عدم نجاح هذا التقارب بين أنقرة والقاهرة؛ لا سيما وأن صناعة القرار في مصر يخضع لاعتبارات كثيرة ولبعص العواصم الإقليمية والدولية كواشنطن وتل أبيب وأبو ظبي والرياض نفوذ واسع قادر على التأثير فيه وتغيير دفته بشكل كامل.

إغلاق القنوات التي تبث من تركيا ليس مستبعدا، لكن ليس الآن، لكنه يتوقف على على مستوى التقدم في العلاقات بين النظامين التركي والمصري. وحتى إذا أغلقت هذه الفضائيات فلا يمثل هذا ضمانة لاستقرار نظام السيسي، فنظام مبارك وهو أكثر منه قوة سقط بدون قنوات تلفزيونية تبث من الخارج، لكن وقفها لا يعني أنها لن تجد بديلا لها في لندن أو إسبانيا، حيث الإجراءات غير المعقدة لإطلاق قنوات تلفزيونية تخاطب الخارج، على نحو كاشف بأن الملف كله بحاجة إلى حل جذري، والنظام السياسي لا يمكنه دفع فاتورة هذا الحل إلا من لحم الحي، فلا يمكنه القبول بعودة المعارضين وفق ضوابط معينة، وأن يكون البديل حالة سماح ديمقراطي، لأن أي اتجاه من هذا النحو سيمثل عصفاً به.

 

——————–

[1] عماد الدين حسين/ ماذا سيفعل أردوغان بالإخوان؟/ بوابة الشروق الإثنين 15 مارس 2021

[2] مستشار أردوغان للجزيرة مباشر: موقف تركيا من الانقلابات وحقوق الإنسان لن يتغير (فيديو)/الجزيرة مباشر 19 مارس  2021

[3] استعادة المعارضين بالخارج ليست أولوية مصرية.. عدا استثناءات/ العربي الجديد 23 مارس 2021

[4] أيمن نور: تركيا طلبت من قنوات المعارضة المصرية تخفيف انتقاداتها/ سويس إنفو الخميس 19 مارس 2021

[5] قنوات المعارضة المصرية بتركيا تعلن وقف عرض حلقات برامج سياسية.. ما الذي حدث بالضبط؟/ الجزيرة نت 19 مارس 2021م

[6] سليم عزوز/مصير المعارضة المصرية في تركيا!/ “عربي 21” الإثنين، 15 مارس 2021

[7] فراس أبو هلال/لهذا لن تغلق قنوات المعارضة المصرية.. وهذه فوائد الأزمة/ “عربي 21” الجمعة، 19 مارس 2021

[8] وائل قنديل/ من السيسي للحوثي: فن مداعبة الانقلابات/ العربي الجديد 24 مارس 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

استجواب عباس كامل في الكونجراس الأمريكي

    “عباس كامل رئيس المخابرات المصرية يواجه استجواب بشأن تورط مزعوم في مقت…