‫الرئيسية‬ العالم العربي تركيا مستقبل المصالحة والمعارضة المصرية في تركيا وقنواتها في ظل التقارب المصري التركي  
تركيا - مصر - أبريل 12, 2021

مستقبل المصالحة والمعارضة المصرية في تركيا وقنواتها في ظل التقارب المصري التركي  

منذ وقت طويل تحدث مراقبون عن إتصالات بين القاهرة وأنقرة لتقريب وجهات النظر ولتجاوز خلافات الجانبين بما يحقق مصالحهما؛ خاصة أن القطيعة بين البلدين أضرت كثيراً بمصالحهم خلال السنوات الماضية منذ يوليو 2013، سواء فيما يتعلق بالأزمة الليبية، وملف غاز شرق المتوسط، وغيرها من القضايا المشتركة، وقد كان ثمة مؤشرات عدة على هذه الإتصالات. منذ أيام طالبت السلطات التركية مسئولي قنوات «الالتزام بميثاق الشرف الإعلامي في سبيل المساهمة في تحسين العلاقات التركية المصرية»

المصالحة التركية المصرية

 

منذ وقت طويل تحدث مراقبون عن إتصالات بين القاهرة وأنقرة لتقريب وجهات النظر ولتجاوز خلافات الجانبين بما يحقق مصالحهما؛ خاصة أن القطيعة بين البلدين أضرت كثيراً بمصالحهم خلال السنوات الماضية منذ يوليو 2013، سواء فيما يتعلق بالأزمة الليبية، وملف غاز شرق المتوسط، وغيرها من القضايا المشتركة، وقد كان ثمة مؤشرات عدة على هذه الإتصالات. منذ أيام طالبت السلطات التركية مسئولي قنوات «الالتزام بميثاق الشرف الإعلامي في سبيل المساهمة في تحسين العلاقات التركية المصرية»[1]، ومع الطلب نشطت سوق التحليلات والتكنهات بشأن مستقبل المعارضة المصرية بتركيا وقنوات المعارضة التي تبث من هناك، وقد أظهر مؤيدي النظام المصري فرح شديد وشماتة واضحة بهذا التطور معتبرينه بداية النهاية للمعارضة المصرية في تركيا وقنواتها الإعلامية، كما أظهر إعلاميون مصريون معارضون بتركيا وجل شديد مما حدث ومن تطوراته المستقبلية المتوقعة وساهموا بدورهم في نشر مشاعر الترقب بين المعارضين والإعلاميين المصريين المقيمين في تركيا[2]، وذلك رغم نفى ياسين أقطاي مستشار رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، وجود قرار تركي رسمي بإغلاق قنوات المعارضة التلفزيونية، قائلاً “بعدما تلقينا طلبا مصريا حول محتوى تلك القنوات، طلبنا منها تجنب التحريض على النظام المصري”، وهو ما أكده مصدر آخر في الحكومة التركية[3].

في هذا السياق، صرح إبراهيم منير، القائم بأعمال مرشد الإخوان، بأنه “إذا عُرض على المعارضة المصرية -ونحن جزء منها- حوار مع النظام بما ييسر أوضاع المعتقلين ويحسن أحوال الشعب، فلن نرفض”، وأنه أنه يثق في تركيا ويقبل وساطتها لحلحلة الأزمة المصرية المستمرة منذ الإطاحة بالرئيس الراحل محمد مرسي. وهو التصريح الذي قوبل بترحيب واسع من جانب مختلف أطياف المعارضة السياسية في المنفى؛ مرحبين بأية وساطة تركية تحاول تقريب وجهات النظر بين الحكومة المصرية والمعارضة في المنفى، وفي نفس الوقت مثمنين لموقف جماعة الإخوان المسلمين من الحوار مع النظام المصري.

يبدو أن الطلب التركي للقنوات المعارضة أن تلتزم بميثاق الشرف الإعلامي كجزء من التفاهمات المصرية التركية، وما حدث بالتوازي معه من تصريح للقائم بأعمال مرشد جماعة الإخوان المسلمين، إبراهيم منير، بأنه يرحب بأية وساطة تركية لحلحلة الوضع في مصر، مع تخوفات ملئت المجال العام عن مستقبل المعارضة المصرية في تركيا، وعن القنوات المعارضة التي تبث من هناك، باعتبار أن ما حدث قد يكون الخطوة الأولى لإغلاق هذه القنوات بصورة نهائية، وتسليم المعارضين للقاهرة كجزء من الصفقة مع أنقرة، يبدو أن كل هذا خلق حالة من التشتت واللاوضوح في طبيعة ما يحدث.

على هذا الأساس نحاول تفكيك ما حدث بما يمهد لفهمه بصورة أوضح، ومن ثم التعامل معه بطريقة أفضل، في هذا السياق يمكن القول أن لدينا 4 قضايا مختلفة، قد تؤثر كل قضية منها على الأخرى، لكن تبقى كل منها مستقلة عن الأخرى في النهاية؛ القضية الأولى: التقارب المصري التركي، والذي رأى كثير من المراقبين أنه كان متوقعاً منذ فترة طويلة، وأنه كان ثمة مؤشرات عدة على وجود تواصل غير رسمي بين الدولتين منذ فترة. القضية الثانية: مستقبل المعارضة المصرية في تركيا، وهل تقود الاتصالات الجارية بين القاهرة وأنقرة إلى تسليم المعارضين لمصر. القضية الثالثة: مستقبل القنوات التلفزيونية الثلاث «الشرق، مكملين، وطن»، التي تبث من تركيا، بعد طلب السلطات التركية من مسئولي هذه القنوات بأن تلتزم بميثاق الشرف الإعلامي فيما تبث من مواد، وهل من الممكن أن يقود هذا لوقف بثها نهائياً. القضية الأخيرة: مسألة المصالحة بين النظام المصري وجماعة الإخوان المسلمين، في سياق التطورات الراهنة على الصعيد الدولي مع وصول بايدن لسدة الحكم في واشنطن، وعلى الصعيد الإقليمي مع التقارب المصري التركي الجاري، وقبله مع المصالحة الخليجية، وما يبدو من تراجع للتحالف الذي كان يضم “مصر والإمارات والسعودية ومعهم البحرين”.

والافتراض الذي نطرحه هنا أن كل قضية من هذه القضايا الأربعة مستقلة وتحكمها شروط خاصة، حتى وإن بدت متأثرة بباقي القضايا، وذلك ما نحاول إختباره في هذه المساحة، من خلال التركيز بشكل خاص على قضية المصالحة بين النظام المصري وجماعة الإخوان المسلمين.

 

كيف نفهم ترحيب المعارضة المصرية بوساطة تركية لم يعلن عنها رسمياً:

رحبت جماعة الإخوان المسلمين بوساطة تركية محتملة بينها وبين الحكومة في مصر، وقال إبراهيم منير، نائب مرشد جماعة الإخوان المسلمين، أنه يثق في تركيا ويقبل وساطتها لحلحلة الأزمة المصرية المستمرة منذ الإطاحة بالرئيس الراحل محمد مرسي، قبل نحو 7 سنوات، وقال منير القائم حاليا بأعمال مرشد الإخوان، “إذا عُرض على المعارضة المصرية -ونحن جزء منها- حوار مع النظام بما ييسر أوضاع المعتقلين ويحسن أحوال الشعب، فلن نرفض”، مؤكدًا أنه يقبل بتدخل أي أحد لحلحلة الأمور في مصر، لكنه عاد واستدرك: “لكن بالتأكيد النظام التركي يعلم أن هناك مظالم كثيرة وحقوق، وأعتقد أن أي تقارب أو حلول ستحاول إيجاد حلول لهذا (..) في النهاية نشكر من يقدر على أي حلحلة”[4].

وهو ما أكده محمد سودان، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بحزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية للإخوان، فقد قال، أن الجماعة ليس لديها أي مانع من تدخل أي طرف ثالث لحلحلة الأمور، ورفع الظلم عن الشعب المصري عامة والمعتقلين خاصة، لكنه عاد وأكد “ليس الحديث عن حوار يعد اعترافا بشرعية النظام الانقلابي ولكنه حديث عن حلحلة الأمور بالنسبة لآلاف المعتقلين”، وأضاف أن مطالب الجماعة الآنية إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين بكافة أطيافهم وانتماءاتهم السياسية.

أما طارق الزمر الرئيس السابق لحزب البناء والتنمية، الذراع السياسية للجماعة الإسلامية في مصر، فقد قال أن الأزمة المصرية تعد نموذجًا صارخًا لضرورة الحل السياسي، مضيفاً أن الوسيط التركي تحديدًا سوف يضفي على الحل السياسي قيمة إضافية، وأنها مؤهلة لأن تكون شريكا لثقة الطرف المعارض بها وحرص الحكومة المصرية على قبول وساطتها.

كما عبر أكثر من قيادي معارض بالخارج عن ترحيبهم  بوساطة تركيا في الأزمة المصرية، وقال أيمن نور، زعيم حزب غد الثورة، أن اجتماعه مع المسؤولين الأتراك -الذي تم مساء الخميس 18 مارس- لم يتطرق بشكل واضح لقيام تركيا بدور في الوساطة لحلحلة الأزمة السياسية بين المعارضة والنظام المصري، لكنه عاد وأكد أنه لا يستبعد حرص تركيا على أن تكون وسيطًا نزيهًا في حل هذه الأزمة بوجهها الحقوقي والسياسي حال تطورت العلاقات المصرية التركية المرحلة المقبلة، وأضاف أن حزب ‏غد الثورة لا يرفض أية جهود جادة ومخلصة تستهدف حوارًا سياسيًا جادًا، للخروج بمصر من أزمتها، في إطار توافق ‏وطني واسع، وتحول ديمقراطي مأمول، بما يحقق مصالح الوطن ويحسن أحوال المواطنين ويرد الحقوق لأصحابها.

من جانبها، قالت مها عزام، رئيس المجلس الثوري المصري، أنها ترحب بكل المساعي التي تساعد الشعب المصري في تحقيق مطالبه، وأوضحت أن مطالب المجلس الثوري المصري واضحة، وهي إنهاء الدكتاتورية، وإطلاق المعتقلين السياسيين، وإعادة جميع الحريات والمسار الديمقراطي، ومحاسبة كل من تلوثت يداه بالدماء أو كل من شارك وارتكب جريمة حرب من قوات الجيش والأمن خلال السنوات الماضية.

بينما أكد خالد إسماعيل عضو المكتب السياسي لحركة “شباب 6 أبريل” أنه لا يوجد أحد يعارض الوساطة التركية لحل الأزمة المصرية وإيجاد حلول قاطعة لجميع الملفات “والمساعدة في إجراء مصالحة مصرية تمهد لحل الأزمة السياسية ولتحول ديمقراطي”. واعتبر أن الحوار والوساطة التركية من الممكن أن تكون مقدمة لتوسيع دائرة التفاهمات بما يضمن اتفاقا يُحدث تغييرًا جذريًا في الحياة السياسية بمصر، مشددا على أنه من غير المقبول أن ينتج عن هذه التفاهمات مجرد مكاسب قليلة أو انفراجة محدودة لا تقترب من التغيير المأمول سياسيًا ومجتمعيًا في ملف الحقوق والحريات.

وفق ما سبق رصده، يمكن القول أن مختلف قوى المعارضة، تأسيساً على تصريحات إبراهيم منير، القائم بأعمال مرشد جماعة الإخوان المسلمين، أعلنت ترحيبها بالوساطة التركية لحلحلة الأزمة المصرية، ومحاولة تقريب وجهات النظر بين قوى المعارضة المصرية وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمين وبين النظام المصري، دون الوقوف على الموقف الرسمي التركي من مسألة الوساطة بين النظام والمعارضة في مصر.

ويدفع ذلك للبحث في مسألتين؛ الأولى: إمكانية حدوث مصالحة أو على الأقل تفاهمات بين النظام المصري والمعارضة وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمين، المسألة الثانية: إمكانية اضطلاع تركيا بدور الوسيط في دفع المصالحة بين الجانبين، والفرص والتحديات المحيطة بهذه المحاولة، وهل العلاقات الحالية بين القاهرة وأنقرة تسمح للأخيرة بلعب هذا الدور.

والسؤال الذي نطرحه هنا، ما هو سبب استباق إبراهيم منير القائم بأعمال مرشد جماعة الإخوان المسلمين ومن بعده المعارضة المصرية للأحداث وإعلان ترحيبهم بأية وساطة تركية لحلحلة الأوضاع في مصر؟ بحسب كثير من المراقبين فإن تصريحات “منير” في هذا التوقيت؛ من جهة أولى رسالة للسلطات التركية مفادها أن الجماعة متفهمة لسعي أنقرة لتحقيق مصالحها، وأنها لا تعارض التقارب المصري التركي، بل إنها لا تعارض الجلوس على مائدة للحوار مع النظام المصري؛ وذلك في محاولة منها لاستباق أن تكون المعارضة المصرية في تركيا أحد ملفات التفاوض –ورقة لعب- بين الجانبين المصري والتركي. من جهة ثانية قد تكون محاولة لدفع النظام التركي للتفكير في أن يلعب دور الوساطة في التقريب بين الحكومة المصرية والمعارضة في المنفى. من ناحية أخيرة قد تكون تصريحات “منير” والمعارضة المصرية في المنفى محاولة لاحراج النظام المصري باعتباره هو الطرف الرافض للتصالح بعد أن طلبت المعارضة بشكل واضح ودون مواربة أنها لا تمانع الجلوس على مائدة الحوار مع السلطات المصرية لوضع نهاية للمعركة الصفرية بين الجانبين، وفي هذه الحالة فإن تصريحات “منير” والمعارضة المصرية في المنفى موجهة للخارج أكثر من كونها موجهة للنظام المصري.

وجهة نظر أخرى أن تكون رسالة “منير” والمعارضة موجهة للنظام المصري بالفعل، والقصد منها أن تعلمه أن المعارضة لا تمانع الاعتراف بشرعيته والتواصل لتفاهمات بين الجانبين بخصوص العلاقة بينهما، أو قد تكون نتيجة ضغوط سياسية خارجية تعرضت لها الجماعة للقبول بالحلحلة، والإعلان عن ذلك بشكل مباشر، ووضع الكرة في ملعب النظام المصري، وأن دفع الجماعة في إتجاه التهدئة مع النظام المصري، هو جزء من مشهد إقليمي واسع يسير في إتجاه تهدئة الأوضاع المضطربة في الإقليم، وهو ما تؤكده عدة مؤشرات، من بينها إجراءات التسوية السياسية في ليبيا، والدعوة لوقف حرب اليمن، المصالحة الخليجية بعد أزمة حصار قطر، والتصريحات والبيانات العلنية المتبادلة بين تركيا من ناحية وكل من السعودية ومصر من ناحية أخرى[5]، وبحسب وجهة النظر هذه فإن ثمة ضغوط مماثلة على النظام في مصر لدفعه للسير في إتجاه التهدئة مع المعارضة والإخوان المسلمين هو الآخر.

لكن السؤال هنا هل ما تزال المعارضة وجماعة الإخوان المسلمين تمتلك أوراق قوة تخولها التفاوض عليها مع النظام المصري، أم أن المعارضة فقدت خلال السنوات الماضية كل أوراق القوة التي تمتلكها، ولم تعد تملك سوى القنوات الثلاث «وطن، مكملين، الشرق»؟؛ لذلك طلبت السلطات المصرية من أنقرة أن توقف هذه القنوات هجومها على النظام المصري ولم تطلب شيء آخر بخصوص المعارضة المصرية في أنقرة.

 

المصالحة بين النظام المصري والإخوان المسلمون.. الفرص والصعوبات:

المصالحة بين النظام والمعارضة الثورية وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمين، محكومة على الصعيد المصري بموقفين؛ موقف النظام المصري نفسه من مسألة التفاهم والحوار مع المعارضة وجماعة الإخوان المسلمين، والموقف الثاني هو موقف قوى المعارضة نفسها من التحاور مع النظام، وتعد جماعة الإخوان المسلمين هي الرقم الحقيقي في هذه القوى.

فيما يتعلق بالنظام المصري: يبدو أنه غير متعجل في معالجة التوتر بينه وبين جماعة الإخوان المسلمين والمعارضة، وقد كان هناك عدة مبادرات طرحت لحلحلة الوضع بين النظام والجماعةوالمعارضة لكن النظام تجاهلها، كما أن النظام لديه مسئولين كبار بالجماعة في السجون يستطيع أن يتواصل معهم بخصوص العلاقة بين الطرفين، كذلك لا توجد حتى الآن أية مؤشرات من طرف النظام بقبول المصالحة، ولا يبدو أن النظام مستعداً الآن لمثل هذه المطالب، التي سبق أن دعت إليها القوى الوطنية  كثيرا[6].

وبحسب مراقبين فقد بات لدى النظام المصري قناعة بضرورة طي ملف جماعة الإخوان المسلمين، وأن ما حدث من استبعاد الجماعة في انتخابات 2010 في عهد مبارك، وما يحدث في عهد السيسي من إقصاء للجماعة على مختلف الأصعدة؛ هو نتاج لهذه القناعة؛ وأن النظام المصري بات يرى «أنه لا أمان للإخوان ولا ثقة في أي وعود في مرحلة الاستضعاف، وأنهم يستغلون الكمون في انتظار الفرصة، وأن لدى دوائر الأمن الذي يتعامل مع الجماعة؛ قناعة أن الإخواني تعطيه يدك يطمع في التهام ذراعك!»؛ بالتالي فإن المصالحة بالمعنى المعروف لن تحدث، لكن قد يتم التخفيف من حدة الضغط الأمني، وهو ما يحدث حالياً بالفعل؛ فليس كل الإخوان في السجون[7].

ويتسق ذلك مع هجوم إعلامي كبير في اليومين الماضيين من مؤيدين للنظام على المبادرة، والتأكيد على رفض المصالحة مع الإخوان؛ فقد صرح مؤسس حركة تمرد والبرلماني الحالي، محمود بدر، أن بلاده “لم تطرح وساطة بخصوص موضوع الإخوان ولا المصريين سيقبلون”، بدوره، هاجم الإعلامي المقرب من النظام، إبراهيم عيسى، الإخوان المسلمين معتبرا التقارب التركي المصري “ليس نهاية الجماعة” التي وصفها بأنها “تجدد نفسها عبر انتقال قياديها من دولة إلى أخرى”، مطالباً بعدم تكرار “المأساة مرة أخرى بالعودة المتسامحة مع الإخوان”، داعيا إلى “ضربها في أضلاعها، وأن لا يتم استغفالنا (مصر) كما استغفلنا من قبل”، وفي السياق ذاته، قال إعلامي آخر مقرب من النظام، هو نشأت الديهي، إن من يدعم الإخوان “يعادي مصر.. وهي جماعة مصنفة على أنها إرهابية، وكل من يتعاون معها يمارس عملا إرهابيا”، وطالب الديهي بعدم ربط المسار التصالحي بين مصر وتركيا بملف الإخوان، مشددا أنه “لن يكون هناك تصالح مع الجماعة”[8].

أما على مستوى جماعة الإخوان المسلمين: فقد فقدت الجماعة، وهي الرقم الصعب في قوى المعارضة، الكثير من ثقلها في الفترة الأخيرة، جراء الضربات الأمنية والملاحقات القضائية، إضافة إلى ما تعانيه من انقسامات داخلية، فضلاً عن تراجع الدعم الإقليمي لها بصورة كبيرة؛ ما يضعف من موقفها في فرض أي شروط للمصالحة مع النظام، فجماعة الإخوان “ليس لديها أوراق ضغط على النظام، في سبيل الحصول على حقوق أو تنازلات، وبالتالي موقفها ضعيف جدا، فيما يبقى المستفيد الأساسي بلا شك من المصالحة السجناء وأسرهم”[9].

 

التقارب المصري التركي وانعكاسه على قضية المصالحة:

يرى مراقبون أن التقارب المصري التركي يصب في صالح المعارضة؛ لأنه يخلص مصر من الارتهان إلى سياسات الإمارات، التي كانت تدفع القاهرة للسير عكس مصالحها، ويحول بينها وبين تهدئة الصراعات مع قوى المعارضة، ويحملها للدخول في معارك صفرية مع الإسلاميين في مصر وخارجها –ليبيا وغزة على سبيل المثال. حتى لو لم يقود هذا التقارب لطرق مسألة التصالح بين السلطات المصرية والمعارضة في المنفى.

أما بخصوص احتمالية لعب أنقرة دور الوسيط لتقريب وجهات النظر بين المعارضة والنظام المصري؛ فإن من المبكر الحديث عن تأثير للتقارب المصري التركي على المصالحة بين النظام المصري وجماعة الإخوان، وحتى إن كان من الممكن أن تؤدي تركيا دورا إيجابيا في حلحلة ملف المصالحة، فإن ذلك لن يحدث إلا إذا أحست أنقرة أن القاهرة لديها استعداد لهذا التحول في مواقفها تجاه الجماعة[10]، كما أن التقارب المصري التركي في بداياته ويحتاج لبناء الثقة بين الطرفين ولا يحتمل في الوقت الراهن أن ينخرط في ملف شائك يتعلق بالعلاقة بين النظام والإخوان. بالتأكيد سيكون الرئيس التركي مهتما بالمصالحة؛ لكنه لن يقف عندها كثيراً إذا وجد استحالة هذا، وسينتقل إلى ملف المعتقلين، لا سيما من الرموز الذين يعرفهم، وذلك لأسباب خاصة به، حيث تعاطفه الشخصي معهم ومع بعض الأسماء البارزة منهم[11].

في الوقت الذي نؤكد فيه على صعوبة لعب تركيا في الوقت الراهن دور الوساطة بين النظام المصري والمعارضة  وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمين، نؤكد أيضاً صعوبة أن تقدم أنقرة على تسيلم المعارضين المصريين لديها إلى القاهرة، وذلك لعدد من الأسباب؛

أولاً: لم يسبق لتركيا أن سلّمت عمداً قيادات من أي معارضة إلى أي بلد خاصة إذا كان من الواضح أنّ هناك ملفّات كيديّة معدّة له، كما أنّ القانون التركي يمنع تسليم معارضين خاصة إذا كان هناك مخاطر على حياتهم أو إمكانية لتعذيبهم أو قتلهم أو إعدامهم حتى لو أرادت السلطات التركية تسليمهم. خاصة مع خوف حكومة العدالة والتنمية من سقوط الحزب في نظر مؤيديه الأتراك، خاصة أن الحزب مقبل على انتخابات رئاسية وتشريعية عام 2023[12]. كذلك فإن أنقرة قد طمأنت المعارضين المصريين لديها، وقيادات جماعة الإخوان المسلمين المقيمين في الأراضي التركية والملاك والعاملين في وسائل الإعلام المعارضة، بعدم طرح مسألة تسليمهم للقاهرة.

ثانياً: فإن النظام المصري نفسه لن يسعى للامساك بالمعارضين المصريين في تركيا، في ظل التركيز الدولي مع ملف حقوق الإنسان في مصر، والمطالبات الدولية للقاهرة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين لديها. وقد أفادت مصادر قضائية وأمنية مصرية أنّ مسألة تسليم المصريين المعارضين المقيمين في تركيا أو قطر، سواء كانوا “مطلوبين” على ذمة تحقيقات في قضايا معينة، أو يعتبرهم القضاء المصري “هاربين” من تنفيذ أحكام جنائية غيابية “ليست من الأولويات المطلقة للنظام الحاكم”، إلا أن القاهرة قد ترغب في استعادة شخصيات بعينها «ترغب الأجهزة الاستخباراتية والأمنية في الحصول على معلومات بعينها من المتهمين فيها المتواجدين خارج البلاد».

كما أن القاهرة ترغب أكثر في طي صفحة القنوات المعارضة بالخارج «مكملين، الشرق، وطن»؛ بعد أن أثبتت نجاحاً كبيراً في الوصول إلى الرأي العام المصري في السنوات الخمس الأخيرة، أو على الأقل الحدّ من أثرها السياسي والاجتماعي، وأن القاهرة قد تلجأ خلال الفترة القادمة إلى خيار إسقاط الجنسية عن المعارضين لها الذين يدينهم القضاء بالانتماء لجماعة محظورة؛ لكن هذا الإجراء قد يعطي المعارضين في الخارج فرصة أكبر للحركة والمعارضة بما أنهم ليسوا من مواطني مصر؛ كما ستفقد السلطات المصرية قدرتها على مضايقة المعارضين بالخارج من خلال إجراءات تجديد أوراق السفر والإقامة وغيرها[13].

أخيراً: فإن الجانبين مصر وتركيا لن يشرعا في الوقت الراهن في التفاوض حول الملفات الإشكالية أو الخلافية الكبرى بقدر ما سيركّزان على المواقف والمصالح المشتركة المحتملة لهما في مثل هذا التقارب شرق البحر المتوسط وفي ليبيا[14].

 

الخاتمة:

يمكن التأكيد في النهاية على عدد من النقاط؛ وهي: (1) أن هناك قضايا ثلاث لا يجب الخلط بينها، وهي المصالحة المصرية التركية، والثاني مستقبل المعارضة المصرية في تركيا، والثالث هي مستقبل قنوات المعارضة الثلاث «وطن، مكملين، الشرق»، والرابع مستقبل المصالحة بين النظام والمعارضة وجماعة الإخوان المسلمين، وأن مهما كان التأثير المتبادل بين القضايا الأربعة إلا أنها تبقى مستقلة عن بعضها، وكل واحدة منها على حدة تحكمها متغيرات وعوامل خاصة بها. (2) أن المعارضة المصرية في المنفى قد بدت خلال السنوات الماضية أنها غير فاعلة وفقدت الكثير من كل أوراق القوة التي تمتلكها، ولم تعد تملك من أوراق ضغط صوى القنوات الثلاث التي تبث من تركيا، أما المعارضة نفسها فلم تعد قادرة على تحريك الشارع المصري، وبصيغة أقل حدة لم تعد راغبة في قيادة أي تحرك حقيقي لتغيير الأوضاع في مصر. وبالتالي النظام المصري غير مهموم باستلام معارضيه في تركيا؛ خاصة مع التركيز الدولي مع ملف حقوق الإنسان في مصر، وباعتبار أنها معارضة غير فاعلة في الحقيقة أو مزعجة. (3) أن القنوات الثلاث «الشرق، مكملين، وطن» هي الأكثر من تأثرت سلباً بلتقارب المصري التركي، وإن كانت المطالب التركية لهذه القنوات توقفت عند مطالبتها بالمهنية فيما تبث، كما أن هذه القنوات لا زالت تبث حتى اللحظة ولم يتغير خطها التحريري سوى بشكل طفيف. (4) أن التقارب المصري التركي في بداياته، مما لا يسمح لتركيا بلعب دور الوساطة بين النظام المصري والمعارضة في المنفى، حتى وإن حرصت القيادة السياسية التركية على لعب هذا الدور، لكن سيظل ذلك مؤجلاً حتى بناء جسور الثقة بين الجانبين. (5) يبقى خيار المصالحة بين النظام والمعارضة وجماعة الإخوان المسلمين مستبعداً على الأقل في المدى المنظور؛ خاصة أن المعارضة والإخوان لا يملكون أوراق ضغط تدفع النظام للقبول بالتفاوض معهم، كذلك فإن النظام أسس شرعيته على العداء للإسلاميين ولم يحدث ما يدفعه لتغيير هذا التوجه، وأخيراً: يبدو أن تصريحات “إبراهيم منير” ومن بعده المعارضة بخصوص قبوله الحوار مع النظام بوساطة تركية، موجهة لتركيا وللخارج ككل أكثر من كونها موجهة للنظام وللداخل المصري.

 

 

 

[1]  الجزيرة نت، قنوات المعارضة المصرية بتركيا تعلن وقف عرض حلقات برامج سياسية.. ما الذي حدث بالضبط؟، تاريخ النشر: 19 مارس 2021، شوهد في: 28 مارس 2021، الرابط: https://bit.ly/39lc9Kz

[2]  رصيف 22، “تكميم أفواه” الإخوان في تركيا… هل تخلّى أردوغان عن الجماعة؟، تاريخ النشر: 19 مارس 2021، شوهد في: 28 مارس 2021، الرابط: https://bit.ly/3rxdJz7

[3]  الجزيرة نت، قنوات المعارضة المصرية بتركيا تعلن وقف عرض حلقات برامج سياسية، مرجع سابق.

[4]  ترك برس، نائب مرشد “الإخوان” يتحدث عن إمكانية وساطة تركية مع القاهرة، تاريخ النشر: 21 مارس 2021، شوهد في: 25 مارس 2021، الرابط: https://bit.ly/39ciwj4

[5]  ترك برس، هل تنجح تركيا في حلحلة الأمور بين المعارضة والحكومة بمصر؟، تاريخ النشر: 24 مارس 2021، شوهد في 25 مارس 2021، الرابط: https://bit.ly/39bqHwg

[6]  ترك برس، هل دقت ساعة المصالحة المصرية بوساطة تركية؟، تاريخ النشر: 24 مارس 2021، شوهد في: 25 مارس  2021، الرابط: https://bit.ly/3vX39Vu

[7]  سليم عزوز، حديث المصالحة!، عربي 21، تاريخ النشر: 22 مارس 2021، شوهد في: 27 مارس 2021، الرابط: https://bit.ly/3m8P1El

[8]    ترك برس، هل دقت ساعة المصالحة المصرية بوساطة تركية؟، تاريخ النشر: 24 مارس 2021، شوهد في: 25 مارس  2021، الرابط: https://bit.ly/3vX39Vu

[9]    ترك برس، هل دقت ساعة المصالحة المصرية بوساطة تركية؟، تاريخ النشر: 24 مارس 2021، شوهد في: 25 مارس  2021، الرابط: https://bit.ly/3vX39Vu

[10]    ترك برس، هل دقت ساعة المصالحة المصرية بوساطة تركية؟، تاريخ النشر: 24 مارس 2021، شوهد في: 25 مارس  2021، الرابط: https://bit.ly/3vX39Vu

[11]  سليم عزوز، حديث المصالحة!، مرجع سابق.

[12]  محمود عبدالواحد، المعارضة المصرية في تركيا في ظل المتغيرات الجيوسياسية، عربي 21، تاريخ النشر: 23 مارس 2021، شوهد في: 28 مارس 2021، الرابط: https://bit.ly/3u7s33b

[13]  العربي الجديد، استعادة المعارضين بالخارج ليست أولوية مصرية.. عدا استثناءات، تاريخ النشر: 23 مارس 2021، شوهد في: 28 مارس 2021، الرابط: https://bit.ly/39oomhp

[14]  علي حسين باكير، هلع المعارضة المصرية في تركيا!، عربي 21، تاريخ النشر: 20 مارس 2021، شوهد في: 25 مارس 2021، الرابط: https://bit.ly/2Pw1Wna

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

استجواب عباس كامل في الكونجراس الأمريكي

    “عباس كامل رئيس المخابرات المصرية يواجه استجواب بشأن تورط مزعوم في مقت…