‫الرئيسية‬ المشهد السياسي المشهد السياسي.. عن الفترة من 27 وحتى 2 أبريل 2021
المشهد السياسي - أبريل 12, 2021

المشهد السياسي.. عن الفترة من 27 وحتى 2 أبريل 2021

المشهد السياسي.. عن الفترة من 27 وحتى 2 أبريل 2021

المشهد السياسي

 

المشهد المصري:

  • انتخابات نقابة الصحفيين واستمرار سياسة تأميم المجال العام.

في 17 مارس 2021، كان مجلس نقابة الصحفيين قد قرر تأجيل انتخابات التجديد النصفي لمجلس النقابة أسبوعين لتعقد الجمعة 2 أبريل؛ حتى يتسنى لها عقد الانتخابات في مكان مفتوح بدلاً من مقر النقابة؛ كإجراء إحترازي ضد تفشي فيروس كورونا. وقد أثار هذا القرار مخاوف صحفيين وأعضاء المجلس والمرشحين من أن يفتح ذلك بابًا خلفيًا للطعن في نتائج الانتخابات. ولعل أحد خلفيات القرار هو رفض الحكومة طلباً للنقابة بإغلاق شارع عبد الخالق ثروت يوم الانتخابات ما يسمح للنقابة بإقامة سرادق يسهل على الصحفيين الإدلاء بأصواتهم في مكان مفتوح غير مكتظ[1]. وقد أجريت انتخابات نقابة الصحفيين بالفعل في 2 أبريل، في نادي المعلمين في الجيزة، لاختيار النقيب رقم 23 في تاريخ النقابة، و6 أعضاء للمجلس.

وقد أسفرت الانتخابات عن فوز «ضياء رشوان» بمنصب النقيب، حيث حصد 1965 صوتاً، من إجمالي عدد أصوات الناخبين الصحيحة التي بلغت 3844 صوتاً، في المنافسة مع 5 آخرين على المنصب، وعن فوز 6 أعضاء جدد، منهم  3 على مقاعد فوق السن، هم: «محمد خراجة» 1338 صوت، «إبراهيم أبو كيلة» 1277 صوت، «حسين الزناتي» 1201صوت. و 3 آخرون على مقاعد تحت السن، هم: «أيمن عبدالحميد» 1864 صوت، «دعاء النجار» 1078 صوت، «محمد سعد عبدالحفيظ» 1045 صوت[2].

وقد تنافس على مقعد النقيب بالإضافة إلى النقيب الحالي «ضياء رشوان»، كل من: «كارم يحيي»، و «سيد الإسكندراني»، و«طلعت هاشم»، و «محمد المغربي»، و «رفعت رشاد» الخاسر أمام رشوان في الدورة النقابية السابقة. بينما تنافس على مقاعد مجلس النقابة، 21 مرشح على عضوية مقاعد فوق السن، و 35 مرشح على عضوية مقاعد تحت السن. أما الباقون من المجلس الحالي من دون انتخاب هم: خالد ميري، ومحمد شبانة، وحماد الرمحي، ومحمود كامل، ومحمد يحيى يوسف، وهشام يونس[3].

أفاد مراقبون –نقلاً عن مندوبين لمرشحين على مقعد النقيب ومقاعد أعضاء المجلس ممن حضروا فرز الأصوات- أنه كان هناك إلتزام واضح من عدد كبير شارك في التصويت من الصحفيين تجاه أربعة من المرشحين حيث تكررت أسمائهم بشكل لافت، هذه الأسماء الأربعة هم: إبراهيم أبو كيلة، وحسين الزناتي، وأيمن عبد المجيد، ودعاء النجار، إلى جانب ضياء رشوان. وقد نُقل عن مصادر صحفية أن هؤلاء الفائزون الخمسة مدعومين من جانب «جهاز الأمن الوطني» الذي أجرى أحد ضباطه أجتماعاً حضره رؤوساء تحرير صحف قومية واخرى خاصة، في مطعم «جروبي» وسط القاهرة، في منتصف فبراير الماضي، بخصوص هذا الشأن[4].

كما ذكرت مصادر صحفية، أن «علي حسن» رئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط، وكالة الأنباء الرسمية التابعة للدولة، كان المسئول عن حشد الصحفيين التابعين لرؤساء تحرير الصحف القومية والخاصة، وتنسيق عملهم مع ضابط الأمن الوطني الذي كان يجلس خارج “نادي المعلمين”، مقر إجراء الانتخابات، وقد كان كل رئيس تحرير مكلف بحشد عدد معين من الصحفيين لتأييد الشخصيات المدعومة من «جهاز الأمن الوطني»[5].

وقد تم رصد عدد من المخالفات التي وقعت خلال انتخابات التجديد النصفي لنقابة الصحفيين؛ وهي: (1) قرار اللجنة المشرفة على الانتخابات، برئاسة خالد ميري، مد التسجيل للجمعية العمومية للنقابة ساعة إضافية لثلاث مرات، بالمخالفة للقانون رقم 76 لسنة 1970 بإنشاء نقابة الصحافيين، وذلك حتى يكتمل النصاب القانوني الذي يسمح بانعقاد الجمعية العمومية للنقابة، حيث يشترط حضور 2420 صحافياً، يمثلون نسبة الربع+1 من عدد المقيدين في جدول المشتغلين في النقابة. (2) رفض الأشخاص المنتدبين من هيئة قضايا الدولة للإشراف على انتخابات النقابة السماح لمندوبي المرشحين بحضور عملية فرز الأصوات، التي جرت داخل كل لجنة على حدة للمرة الأولى في تاريخ النقابة، ما دفع مرشحون للاشتباك معهم لفظياً. (3) توزيع مرشحين محسوبين على قائمة الأمن وداعميهم من رؤساء تحرير الصحف الحكومية وجبات ساخنة من مطاعم مشهورة، على سبيل الرشوة الانتخابية لأعضاء الجمعية العمومية، وفي مقدمتهم رئيس مجلس إدارة وتحرير “وكالة أنباء الشرق الأوسط” الرسمية علي حسن، ورئيس مجلس إدارة مؤسسة “الأهرام” عبد المحسن سلامة، فضلاً عن المرشح الفائز أيمن عبد المجيد[6].

  • الصراع على الإعلام بين أجنحة النظام.

كتب أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة الدكتور أيمن منصور ندا، مقال على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، حذفه الموقع بعد وقت قليل من نشره، بعنوان «إعلام البغال: من أحمد موسى إلى كرم جبر!!»، وهو المقال الثامن ضمن سلسلة مقالات كتبها “ندا” على صفحته، هاجم خلالها مذيعين وصحافيين ومسؤولين في المؤسسة الإعلامية[7]، فقد وصف كرم جبر، رئيس المجلس الأعلى للإعلام، بأنه “نموذج مكتمل لمسؤولي إعلام البغال.. طريقة قيامه بوظيفته وأداؤه يؤكدان ذلك”، ووصف المذيعة رانيا متولي هاشم، والمعروفة باسم “رانيا هاشم”، مقدمة برنامج “مانشيت” على قناة “إكسترا نيوز”، بأنها “سيدة المجلس وصاحبة النفوذ والعصمة وكلمة السر لكرم جبر”، كما وصفها بأنها صاحبة شبكة العلاقات العامة المتنامية الأطراف والمتغلغلة في كافة مفاصل الدولة.. وكأنَّها استنساخ لقصة “لوسي أرتين[8]“، كما تناول بالنقد أداء إعلاميين من قبيل عمرو أديب، وأحمد موسى.

ومع بدأ ظهور المقالات انفتحت النار على كاتبها؛ فقد تقدم رئيس “المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام” في مصر، الكاتب كرم جبر، بشكوى إلى النائب العام حمادة الصاوي، يطالب فيها باتخاذ كافة الإجراءات التي من شأنها حماية مؤسسة كفل لها الدستور حماية حرية الإعلام، متهماً عضو هيئة التدريس في كلية الإعلام في جامعة القاهرة أيمن منصور ندا بكتابة سلسلة مقالات عبر موقع “فيسبوك”، تتضمن “جرائم سب وقذف في حق الإعلاميين في مصر عامة، وفي حق البعض منهم خاصة”. كما استدعت كلية الإعلام في جامعة القاهرة أيمن منصور ندا للتحقيق، وهو رئيس قسم الإذاعة والتلفزيون في الكلية، بزعم النظر في الشكوى المقدمة ضده من أستاذ الإذاعة والتلفزيون السابق بركات عبد العزيز، بشأن الاعتداء عليه في اجتماع للجنة الدراسات العليا منذ بضعة أشهر[9]. كذلك قرر المجلس الأعلى للإعلام والهيئة الوطنية للصحافة تقديم شكوى جنائية إلى النائب العام المصري بحق “ندا” واتخاذ كافة الإجراءات بزعم أن “ما كتبه يمثل جرائم سب وقذف في حق الإعلاميين في مصر عامة وفي حق بعض الزملاء”، كما أصدر المجلس القومي للمرأة بيانا (مخصوصا) أشار فيه إلى شكوى من إحدى الإعلاميات (رانيا هاشم)، جاء فيه أن المقال “حمل إهانات وتشهير بالشاكية، مما يشكل جريمة طبقاً لقانون رقم 175 لسنة 2018 الخاص بتقنية المعلومات”، ووصف المجلس العبارات الواردة في المقال بأنها “تشكل جريمة سب وقذف يترتب عليها أضرارا جسيمة بسمعة الشاكية، و تنعكس آثارها على عملها، وتنتهك حرمة حياتها الخاصة وخصوصيتها وتتضمن نشر معلومات من شأنها المساس باعتبارها وشرفها”[10].

وقد قرر قرر النائب العام المصري، المستشار حمادة الصاوي، فتح التحقيق مع عضو هيئة التدريس في كلية الإعلام في جامعة القاهرة، رئيس قسم الإذاعة والتلفزيون في الكلية، أيمن منصور ندا، في البلاغ المقدم ضده من رئيس “المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام”، الكاتب كرم جبر[11]. كما قررت كلية الإعلام جامعة القاهرة، إيقاف أيمن منصور ندا، رئيس قسم الإذاعة والتليفزيون، عن العمل، بدعوى تعديه علي وكيل الكلية الأسبق وخروجه عن التقاليد والأعراف الجامعية[12].

وبحسب مراقبين، فإن مقالات “ندا” قد أزعجت العقيد أحمد شعبان، المسئول الأول عن الإعلام في مصر، والعقيد شعبان -بحسب مصادر- هو اليد اليمنى لرئيس جهاز المخابرات اللواء عباس كامل، والصديق الشخصي والمقرب للعقيد محمود السيسي، نجل الرئيس عبد الفتاح السيسي[13]. وبحسب ما ورد في تقارير صحفية، فإن المعركة بين “ندا” والإعلام في مصر، هي جزء من الصراع المكتوم بين مدير مكتب الرئيس عبد الفتاح السيسي، اللواء محسن عبد النبي، والذي يحاول منذ تعيينه مديراً لمكتب الرئيس السيسي، أن يؤسس مجموعة إعلامية تابعة له، وأن يستحوذ على ملف الإعلام بشكل كامل بالتدريج، وبين اللواء عباس كامل مدير المخابرات العامة الحالي، الذي يسيطر على جميع وسائل الإعلام تقريباً بمعاونة المقدم أحمد شعبان[14].

 

المشهد الإقليمي والدولي

 السياسة الخارجية المصرية:

  • هل تنجح العقوبات الأمريكية فى تغيير سلوك مصر؟…معهد واشنطن يجيب:

أشار الكاتب ديفيد شينكر، الذى شغل منصب مساعد وزير الخارجية الأمريكى لشئون الشرق الأدنى فى إدارة ترامب، فى مقال له على موقع “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى” بعنوان: “القسوة مع مصر لن تنفع”[15]، إلى أن فرض العقوبات الأمريكية على مصر أصبحت لا تؤثر بصورة فعالة على تغيير السلوك المصرى.

وأشار الكاتب إلى أنه على الرغم من اصدار الكونغرس الأمريكي “قانون تفويض الدفاع الوطني” الذى حجز 300 مليون دولار من المساعدة العسكرية الأمريكية للقاهرة لعام 2021 والمقدرة ب 1.3 مليار دولار من صندوق “التمويل العسكري الخارجي”، في انتظار تصديق وزير الخارجية الأمريكي على “اتخاذ القاهرة خطوات مستمرة وفعالة” على عدة جبهات، مثل تعزيز سيادة القانون وحقوق الإنسان؛ وحماية حرية التعبير؛ ومحاسبة قوات الأمن على الانتهاكات، والقتل خارج نطاق القضاء، والاختفاء القسري؛ وإتاحة المجال لوصول المسؤولين الأمريكيين المكلفين بمراقبة التطورات في سيناء. ويتطلب بند آخر قيام وزير الخارجية الأمريكي بتحديد ما إذا كانت مضايقات القاهرة للأمريكيين وعائلاتهم تشكل “نمطاً من أعمال الترهيب” التي قد تستلزم تعليق المساعدة العسكرية بما يتفق مع “قانون مراقبة تصدير الأسلحة”.

أكثر من ذلك، فإنه قد يتم فرض عقوبات على مصر بموجب “قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات” على خلفية تلقى القاهرة من روسيا خمس طائرات مقاتلة متطورة من طراز “سوخوي-35″، وهي أول عملية تسليم في دفعة تضم 24 طائرة كان قد تم شراؤها في عام 2018.

إلا أن الكاتب يرى أن هذه العقوبات لن تكون ذات تاثير إيجابى على سلوك مصر، لمجموعة من الأسباب تتمثل فى؛ أولاً، لم تعد قيمة المساعدة الأمريكية كما كانت عليه من قبل: ففي عام 1978، شكلت المساعدات الأمريكية ما يقرب من 6.4٪ من “الناتج المحلي الإجمالي” لمصر، لكنها اليوم أقل من نصف في المائة. ثانياً، تنظر الحكومة المصرية إلى جميع خصومها السياسيين – سواء كانوا إسلاميين أم ليبراليين – على أنهم يشكّلون تهديداً وجودياً وتَعتبر الإجراءات الأمنية الصارمة أمراً مهماً لبقائها في الحكم. ثالثاً، قد تعتقد مصر الآن أنها تستطيع شراء المزيد من أسلحتها من دول أخرى بدلاً من الاعتماد على الولايات المتحدة. وفي النهاية، قد لا تضمن روسيا والصين مبيعات عسكرية، لكنهما لا تطرحان أسئلة حول حقوق الإنسان أيضاً. رابعاً، يُظهر سجل العَقدين الماضيين نجاحات عرضية ولكن القليل من الأدلة على أن الشرطية والتهديدات الأمريكية تؤدي إلى تغييرات مستدامة في السياسة المصرية.

 

 

– ما وراء تسليم جزيرة فرسان السعودية لمصر:

تشير العديد من التقارير الإعلامية إلى وجود مشاورات متقدمة بين المسؤولين في مصر والسعودية، بشأن حصول القاهرة على حق الاستغلال العسكري لجزيرة فرسان الكبرى السعودية، في منطقة البحر الأحمر. ويمكن الإشارة إلى مجموعة من الأسباب التى تقف خلف هذه الخطوة المشتركة بين مصر والسعودية، منها:

1- رغبة مصر فى امتلاك أوراق ضغط جديدة ذات فاعلية، في مواجهة التعنت الإثيوبي في ملف سد النهضة، خصوصًا أن المشاورات المصرية السعودية تتضمن إقامة نقطة ارتكاز عسكرية شاملة تسمح بوجود مقاتلات جوية وأرصفة بحرية عسكرية. ومن الجدير بالذكر هنا أن نقطة الارتكاز تلك ستقصر المسافة وستسهل على مصر إمكانية توجيه ضربات للسد فى ظل صعوبة تحقيق ذلك انطلاقًا من الأراضى المصرية.

وما يؤكد على إمكانية استخدام هذه الجزيرة فى توجيه ضربة عسكرية مصرية نحو السد، أن مشاورات تسليم الجزيرة لمصر يأتى بالتزامن مع التهديدات التى وجهها السيسى لأثيوبيا، وتأكيده خلال الجولة التفقدية لهيئة قناة السويس، فى 30 مارس الجارى، بأن “مياه النيل خط أحمر، ولن نسمح بالمساس بحقوقنا المائية”. بجانب إعلان السعودية، فى ذات اليوم 30 مارس، عن دعمها لمصر والسودان فى ملف سد النهضة،

2- رغبة السعودية فى وجود قوات عسكرية مصرية  لحماية الحدود السعودية من هجمات الحوثيين، خصوصاً أن الجزيرة متاخمة لمنطقة جازان السعودية، التي شهدت هجمات متعددة من جانب الحوثيين عبر الطائرات المسيرة[16].

3- سعي الرياض والقاهرة لوقف التحرك التركي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، والذي كان آخره اتفاق أنقرة مع الخرطوم في زمن نظام الرئيس السوداني المعزول عمر البشير، وهذا الاتفاق شبه متوقف حالياً بسبب موالاة النظام السوداني الحالي لمصر والسعودية. كما أن وجود الجزيرة على مضيق باب المندب يفرض ضغوطاً مضافة على تركيا في ظل وجودها في الصومال[17].

 

  • سد النهضة بين تصريحات السيسي وأزمات آبي أحمد:

في تغير لافت بالخطاب المصري إزاء ملف مياه النيل، أعلن السيسي يوم الثلاثاء 30 مارس، عن ما أسماه “الخط الأحمر” لمواجهة التعنت الإثيوبي في الملف الأخطر على حياة المصريين، واستخدم لأول مرة لغة التهديد. ورغم أن خطاب السيسي، المعتاد كان يحمل في طياته كثيرًا من الهدوء والتأكيد على ضرورة السعي للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم عملية ملء وتشغيل سد النهضة؛ إلا أنه أطلق عدة تصريحات غير مسبوقة خلال مؤتمر له أمام قناة السويس المصرية. السيسي، في خطاب موجه لإثيوبيا دون التصريح باسمها حيث حذَّر من المساس بمياه مصر، وإلا ستشهد المنطقة حالة عدم استقرار لا يتخيلها أحد، ملمحًا لوجود تحرك إضافي خلال الأسابيع المقبلة عبر المفاوضات. وتأتي تصريحات السيسي بعد حديث المتحدث الرسمي باسم الخارجية الإثيوبية دينا مفتي، أن بلاده أبلغت المبعوث الأمريكي للسودان، دونالد بوث، بمضي إثيوبيا في عملية الملء الثاني للسد الإثيوبي. وكان من الضروري أن تتغير لغة التخاطب والحوار مع إثيوبيا منذ زمن، بحيث يتناسب مع أهمية وخطورة الأمر.

وهناك مجموعة من النقاط التي يجب الوقوف عندها حول تصريحات السيسي؛ أولها؛ أن التصعيد بهذا الشكل جاء متأخرًا، والسبب وراء ذلك التأخير كان اتفاق المبادئ الذي دفع السيسي للسير في مسار تهدئة مرغم عليه لفترة زمنية طالت بدون تفهم من الجانب الآخر للمخاوف والمطالب المصرية، وبالتالي الاتفاق وبنوده حجَّم مصر عن التحرك بمرونة وحرية واستغلال كافة الأوراق، وبالتالي ربما تحمل تصريحات السيسي إعلان غير رسمي بالخروج من اتفاقية المبادئ، وقد يكون الإعلان الرسمي خطوة قادمة ضمن مسار التصعيد المتتابع، إذا لم تبدي إثيوبيا استجابة لتهديدات اليوم. وثانيها؛ تهديد مصر باللجوء للحل العسكري بشكل علني ورسمي وواضح للطرف الآخر؛ قد يجعله خيارًا متوقع ضمن خيارات أخرى. لكن الهدف الأساسي من هذا التصريح ليس الإعلان عن توجيه ضربة مرتقبة أو أن الضربة باتت قريبة، إنما الهدف الأول هو تحقيق الردع دون اللجوء الفعلي للحل العسكري. وثالثها؛ إذا لم تستجب إثيوبيا للموقف المصري الجديد وظلت على عنادها، فالسيسي سيكون مُطالب بتنفيذ تهديده وإلا تكون ضربة قوية لمصر وللنظام، ضربة استراتيجية بملء السد وسياسية متعلقة بمصداقية ومكانة مصر كنظام وكدولة إقليمية في المنطقة.[18] إلا أنه يُمكن القول بأن التصعيد المصري الآن تحديدًا يحمل عدة أهداف، أولها؛ استثمار تصاعد المشاعر الوطنية المصاحبة لتعويم السفينة البنمية الجانحة بقناة السويس، وحشد الرأي العام خلفه بالقضية ذات الإجماع الوطني. وثانيها؛ رسالة للقوى الإقليمية مفادها أنه يصعب تجاوز النظام في أي ترتيبات بديلة (للقناة) وأنه لا بد من مراعاة مصالحه الخاصة والعامة بأي من هذه الترتيبات. [19] وثالثها؛ وجود محاولات عربية لتفريغ مطالبات مصر من مضمونها، وتنتهي حتماً بتنفيذ كل طلبات الإثيوبيين، ومن ثم الإضرار بمصر استراتيجياً واقتصادياً. وتتمثل هذه المحاولات في المقام الأول، في الجهود الإماراتية التي تبذل حالياً لإقناع مصر والسودان بحلول فنية غير جذرية تُمّكن إثيوبيا في كل الأحوال من الملء الثاني للسد، وتحقق حالة مؤقتة من عدم الإضرار بالسودان ومصر، مع عدم التوصل إلى اتفاق نهائي وملزم لجميع الأطراف يضع قيوداً على التصرفات الإثيوبية المستقبلية. ورابعها؛ الأخطار الغربية التي أصبحت أكيدة لدى السيسي جراء الفتور الأمريكي الواضح والتلكؤ الأوروبي، إزاء الاستجابة لمقترح آلية الوساطة الرباعية لحل القضية. وخامسها؛ محاولة مصر بشتى الطرق تثبيت التعاون المستقر والهش في آن، مع السودان، والذي تستغله إثيوبيا لمحاولة استمالة الخرطوم إلى مواقفها وإظهار مصر وحيدة على طاولة التفاوض.[20] وسادسها؛ زيادة الضغط على دول الجوار القريب (السودان)، والبعيد (إثيوبيا، والخليج ومن وراءهم)، بما يساند المفاوض المصري أو يدفع ناحية الوصول لاتفاق أو وفاق يحفظ ماء وجه كل الأطراف أمام شعوبهم بالداخل وحلفائهم وخصومهم بالخارج.

ولكن بالنسبة للنظام الإثيوبي؛ فهناك توقع لا يزال قائمًا، يتمثَّل في التوصل لاتفاق مُلزم قبل موعد الملء الثاني، وذلك لعدم قدرة نظام رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، على تحمُّل مزيد من الضغوط الداخلية، خاصةً في إقليمي أوروميا وأوجادين، وصعوبة نكوص القوات المسلحة السودانية عن استكمال حملتها لاستعادة أراضيها المحتلة من قِبل جماعات الأمهرا المسلحة شبه النظامية، والمدعومة بشكل غير مباشر من قوات الجيش الإثيوبي الفيدرالي. وتُعد الانتخابات الإثيوبية المُرتقبة في يونيو القادم، ورقة مشروطية إثيوبية مهمة لنظام آبي أحمد. حيث سيُعوِّل آبي أحمد على تجاوز الانتخابات، ثم إعادة ترتيب ملفاته الإقليمية، وهو مسار لا يُتوقع تحقُّقه على النحو الذي تخطط له أديس أبابا لاعتبارات تزايد الرفض الداخلي لهذه الانتخابات على النحو الذي يروج له آبي أحمد وحزبه.[21]

وفي الأخير؛ فإن الحرب ليست خيارًا سهلاً لكلا الطرفين، وبالنسبة لمصر فإنها لن تكون دون تنسيق كامل مع السودان وهو أمر غير مضمون؛ وأقصى ما يُمكن حدوثه هو ضربة تكتيكية مباغتة جوية أو أرضية، ونجاحها أيضًا غير مضمون. لذا فإن كل الطرق تشير إلى أن طريق التفاوض  سيستمر، بهدف التوصُّل لتسوية بشكلٍ أو بآخر لنقاط الخلاف؛ رغم ما قد تشهده الأيام القادمة من تصاعد لغة التراشق بين أطراف الأزمة، وسيكون لكل طرف ما يمكنه من ادعاء النصر أمام أنصاره.

 

القضية الفلسطينية:

 – هل يتم تأجيل الانتخابات الفلسطينية المقبلة؟:

على الرغم من الخطوات العملية التى تم اتخاذها تحضيرًا للانتخابات التشريعية المقررة فى مايو المقبل والتى كان أخرها؛ إغلاق لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية فى 31 مارس الحالى باب الترشح للانتخابات التشريعية، بترشح حوالى 36 قائمة، وذلك بعد 12 يومًا على بدء استقبال هذه طلبات القوائم المرشحة لهذه الانتخابات.

إلا أن سيناريو تأجيل الانتخابات المقبلة لا يزال قائمًا، فخلال الأسبوع الماضي، أقر أمين سر اللجنة المركزية لحركة “فتح” جبريل الرجوب، بوجود ضغوط إسرائيلية وحتى إقليمية وعربية، لإلغاء الانتخابات، وقال إن الرئيس محمود عباس رفضها. ولم يكشف الرجوب أسباب الضغوط لتأجيل أو إلغاء الانتخابات، لكنّ صحفا إسرائيلية ذكرت أن تل أبيب وبعض العواصم الإقليمية، تخشى من فوز حركة “حماس” في الانتخابات، بسبب الانقسامات في حركة “فتح”[22].

وفى ذات السياق، فقد أشار يوني بن مناحيم المحلل الإسرائيلي إلى أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أوفد اثنين من كبار مستشاريه إلى الولايات المتحدة الامريكية لبحث تأجيل الانتخابات الفلسطينية بسبب تخوفات من خسارة فتح للانتخابات نتيجة الانقسامات، وبانتظار اطلاع الولايات المتحدة على التطورات – حيث تدعم (إسرائيل) ومصر والاردن تأجيل الانتخابات الفلسطينية.

ويمكن القول أن هناك أربعة أسباب قد تدفع نحو تأجيل الانتخابات وهي:

أولاً: الموقف الأميركي: رغم أنه يمكن وصفه بالموقف الباهت حتى الآن، حيث لم يصدر موقف واضح بالرفض أو التأييد لإجراء انتخابات تشارك فيها حركة حماس خشية تكرار سيناريو 2006 وفوزها الكاسح.

كما أن الولايات المتحدة لم تشكل الفريق الخاص بمنطقة الشرق الأوسط ولم تقدم رؤية واضحة للتعامل مع الملف الفلسطيني، لكن من ناحية أخرى ترى الولايات المتحدة ضرورة تجديد النظام السياسي الفلسطيني كأساس للانخراط في أي عملية سياسية قادمة، ولكنها ترغب بأن تفرز فوز حركة فتح، لكن هذا الفوز غير مضمون في ظل أزمات الحركة[23]– التى سيتم الإشارة إليه فى السطور القادمة-.

ثانياً: الموقف الإسرائيلي، يبدو أن إسرائيل لن تسمح بإجراء انتخابات فلسطينية ديمقراطية لعدة أسباب، أهمها:

1- التوجس من إمكانية فوز حركة حماس في الانتخابات، كما حدث في انتخابات 2006، والتي جرى إسرائيليا تلخيص السماح بها كخطأ كبير. وتخشى من أن يكون لحماس وأذرعها العسكرية موطئ قدم في الضفة الغربية، بكل ما يحمله ذلك من تحديات أمنية غير مسبوقة.

2- رعاية الانقسام الفلسطيني هي من أهم مقومات السياسة الإسرائيلية في السنوات الأخيرة. ويعتبره نتنياهو حجر الزاوية في تعامله مع القضية الفلسطينية، ويسعى بطرق مختلفة لإبقائه وتعميقه. هناك خشية من أن تكون الانتخابات مدخلا لمسار إنهاء الانقسام وتشكيل قيادة موحدة تسعى إلى تغيير الوضع القائم، وتضع تحديات جديدة أمام دولة الاحتلال.

3- تريد إسرائيل قيادة فلسطينية ضعيفة أمامها وأمام العالم وقوية على شعبها، وعندها قدرة على ضبط الشارع الفلسطيني، وتوفير الهدوء الأمني. هناك سطوة وشرعيّة ومصداقية وقبول، وبالتالي قوة أكبر أمام العالم للأجسام المنتخبة ديمقراطيا. وبعد أن دأبت إسرائيل على مدى سنوات طويلة على إضعاف القيادة الفلسطينية، فإن الانتخابات قد تفسد عليها ما كسبته من هذا الإضعاف.

4- ترى إسرائيل أن أي مسار ديمقراطي عربي حقيقي ليس في صالحها، لأن الشعوب أشدُّ رفضا لها من القيادات. وهي تعلم جيّدا أن الشعب الفلسطيني يحمل موقفا أشدُّ عداء لها من قياداته الرسمية، وتخشى أن تفضي انتخابات ديمقراطية إلى اتباع سياسة مواجهة الاحتلال وإلى إنهاء حقبة التنسيق الأمني.

5- تخشى إسرائيل من أن يؤدّي المسار الانتخابي الى ترشيح مروان البرغوثي للرئاسة، خاصة أن تقديراتها هي انه سيفوز إذا ترشّح. في هذه الحالة ستسعى إسرائيل الى تعطيل الانتخابات الرئاسية، لأن رئيس فلسطيني منتخب في السجن هو «وجع راس» كبير ستسعى إسرائيل إلى الوقاية منه. وربما تسعى إسرائيل لتعطيل الانتخابات التشريعية لقطع الطريق من أوّله.

6- تتبجّح القيادات السياسية الإسرائيلية بأنّ إسرائيل هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وبأنها الوحيدة في محيط متلاطم من الديكتاتوريات العربية. وتسوق نفسها في العالم على هذا الأساس، وتحظى هذه الصورة المزيّفة بقبول واسع في العالم، وتمنح إسرائيل الشرعية والدعم والحماية من الضغوط والعقوبات. انتخابات فلسطينية ديمقراطية معترف بها دوليا ستضعف هذا الادعاء الإسرائيلي، وربّما تضع صورتها هذه على قدم المساواة مع المشهد الفلسطيني، ما قد يؤثّر في موازين القوى السياسية في ساحات المجتمع المدني والمحافل الدولية[24].

ثالثاً: الانتخابات في القدس، وتشكل هذه المسألة عامل تفجير لملف الانتخابات في حال صدقت الاخبار حول رفض الاحتلال اجراءها في المدينة والتي أجمعت كل الفصائل والسلطة أنه لا انتخابات دون القدس، وفي ظل رغبة فتح باستخدام هذه الحجة للهروب من الانتخابات، وعدم البحث في وسائل بديلة لتجاوز العراقيل الإسرائيلية[25]. وفى هذا السياق؛ فقد أكدت صحيفة “معاريف” العبرية، فى 31 مارس الحالى، أن إسرائيل أبلغت الاتحاد الأوروبي، بعدم السماح للمراقبين بشأن الانتخابات الفلسطينية بدخول القدس[26].

رابعاً: الانقسامات داخل فتح، ففى حين تشهد حماس حالة تماسك تنظيمى داخلى ظهر مع إجراء حماس لإنتخاباتها الداخلية التى انطلقت فى 19 فبراير الماضى وصولًا إلى انتخاب رئيس مكتبها السياسى يحيى السنوار فى 14 مارس الحالى، ففى المقابل تعانى حركة فتح حالة من التشظى والانقسام.

وقد ظهر هذا التشظى فى تأخر الإعلان عن القائمة الرسمية التابعة لـ«اللجنة المركزية لحركة فتح» والتى تم الإعلان عنها باسم قائمة “حركة فتح” قبل ساعات من إغلاق لجنة الانتخابات المركزية، حيث أثارت قائمة الاسماء المسربة للقائمة الفتحاوية المرشحة جدلا عاصفا في وقت مبكر وشهدت أقاليم حركه فتح سلسلة طويلة من الاجتماعات اعتراضا على بعض الاسماء في القوائم التي تم تسريبها وقبل حتى اعتمادها بصفة رسمية وقطعية. ووصل هذا الرفض إلى حد إصدار بيانات متعددة من الاقاليم وأفرع حركة فتح رافضة للأسماء المرشحة، كما شهدت بعض الساحات عمليات إطلاق رصاص بالهواء من باب الاحتجاج[27]، بجانب تقدم أكثر من 12 «فتحاوياً» باستقالاتهم من الحركة، أو اعتذروا عن الترشُّح ضمن القائمة الرسمية، من جرّاء تأخُّر طرح أسمائهم، وأبرزهم الأكاديمي عدنان ملحم من طولكرم الذي حلّ في الرقم 108، ورياض السلفيتي الذي يحمل الرقم 65[28].

فى حين صدرت إعلانات أخرى موازية بتشكيل قوائم جديدة من داخل الحركة، على رأسها عضو اللجنة المركزية ناصر القدوة، وهو وزير الخارجية السابق ورئيس بعثة فلسطين في الأمم المتحدة الأسبق، وابن أخت الرئيس الراحل ياسر عرفات، والذى أعلن عن تشكيل قائمة جديدة باسم “الملتقى الوطني الديمقراطي الفلسطيني” تضم في بنيتها الأساسية “الغاضبين” من عباس، بجانب المستقلين ونشطاء الفصائل الأخرى. وهو ما دفع حركة فتح لإتخاذ قرار بفصل القدوة فى 11 مارس الحالى.

أما مروان البرغوثي عضو اللجنة المركزية للحركة، والمعتقل في السجون الإسرائيلية لخمسة مؤبدات، والذى يلتف حوله مجموعة من قادة المستوى المتوسط في فتح، الذين يعتبرون أنفسهم بالأساس “التيار العرفاتي” في فتح، الذي سعى عباس لتغييبه فور وفاة عرفات[29]، فقد اتفقا مع القدوة على تشكيل قائمة انتخابية موحدة تحت اسم “الحرية”، تضم 60 مرشحا على رأسهم القدوة والاسم الثاني هو زوجة الأسير مروان المحامية فدوى البرغوثي[30].

يبقى محمد دحلان، العدو اللدود لعباس، الذي لا يتوانى في تحقيق ما يتاح له من إنجازات على حساب غريمه، لاسيما في حالة التشظي التي تشهدها فتح بين معسكراتها المتصارعة، وبات في الآونة الأخيرة يسعى لتشكيل قائمته الانتخابية الخاصة به تحت اسم “التيار الإصلاحي”. ويتواجد حول دحلان قادة فتحاويون فصلهم عباس من الحركة، وأطلق عليهم وصف “المتجنحين”[31].

كما تواجه فتح أزمة ثانية هي أزمة وراثة محمود عباس، الذي بلغ السادسة والثمانين من عمره. وثمة أسماء مطروحة مثل محمود العالول وجبريل الرجوب ومروان البرغوثي، ممن لهم رصيد كبير في داخل تنظيم فتح؛ كما أن “التيار الأمني” في السلطة الفلسطينية بقيادة ماجد فرج ومعه حسين الشيخ يلقى دعماً من جهات عربية ودولية، مع تفضيل إسرائيلي للتعامل معه؛ بينما يحاول محمد دحلان وبدعم إماراتي أن يعيد تموضع نفسه ليكون المرشح الأقوى لخلافة عباس. وقد عكس قيام قيادات في فتح بتشكيل قوائم انتخابية خارج القائمة الرسمية جانباً من أزمة فتح القيادية. كما وصل الأمر إلى التهديد بكشف “حقائق” حول اغتيال ياسر عرفات، ليصبح الكشف عن قاتل عرفات أقرب إلى عملية ابتزاز سياسي، منه إلى معرفة الحقيقة بالنسبة إلى قائد تاريخي كبير مثل عرفات[32].

 

المشهد الليبي:

  • كيف تعمل حكومة الوحدة الوطنية الليبية على حل الملفات الشائكة؟:

شهدت الفترة الماضية عدة زيارات ولقاءات دبلوماسية وسياسية بين مسئولى الحكومة الليبية الجديدة ومسئولى أهم الدول الفاعلة فى الملف الليبى. فقد قام رئيس المجلس الرئاسى محمد المنفى بزيارة خارجية إلى باريس والقاهرة وأنقرة، فيما سيجرى زيارة قريبًا إلى موسكو، كما استقبلت حكومة الوحدة الوطنية، وفداً أوروبياً مكوناً من وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا وإيطاليا.

ويشير العديد من المراقبين إلى أن تلك المحادثات قد ركزت على تقليل التدخلات العسكرية والأمنية من قبل هذه الدول فى ليبيا مقابل حصولها على مجموعة من الامتيازات المتعلقة بالغاز والنفط وعملية إعادة الإعمار. وفى هذا الصدد، تدور الأحاديث عن مناقشة المنفى، أثناء زيارته لأنقرة، تجميد الاتفاقية الأمنية الموقعة مع تركيا مقابل الاحتفاظ بالاتفاق البحري الموقع مع أنقرة. وهو ذات الاتجاه الذى  ستُنتجه السلطة الجديدة مع روسيا، من خلال ضمان مصالحها الاقتصادية في ليبيا عبر منحها حصة من النفط والغاز وعملية إعادة الاعمار مقابل إخلائها للتمركزات التي يشغلها مقاتلو “فاغنر” في ليبيا. وهناك أحاديث عن أن المنفي لديه رؤية خاصة بموقف السلطة الجديدة من اللواء المتقاعد خليفة حفتر، حيث أن “حفتر قَبِل بعرض يتلخص في اختياره لشخصية عسكرية من جانبه لشغل حقيبة الدفاع بالحكومة، مقابل قبوله بخضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية”[33].

ويبدو أن الحكومة الليبية قد بدأت بالفعل فى تطبيق هذه الخطة، فقد تم افتتاح شركة تركية في فبراير الفائت مصنعًا عملاقًا لإنتاج الإسمنت لتمويل الأنشطة التركية المرتقبة، كما أعلنت القاهرة في مارس الجاري عن خطط تنفيذها ربط بري حديث بين ليبيا وتشاد، وربط خط سكك حديدية بين القاهرة وطرابلس[34].

ولكن نجاح هذه الخطة مع أطراف معينة (تركيا ومصر) لا يعنى نجاحها مع دول أخرى (روسيا بالأساس)، خاصة وأن موسكو لديها رغبة واصرار على البقاء داخل ليبيا ليس فقط لتحقيق مصالح اقتصادية، ولكن – وهذا هو الأهم – لتحقيق مصالح استراتيجية تتمثل فى ترسيخ تواجدها الاستراتيجى فى المياه الدافئة للبحر المتوسط، وممارسة نوع من الضغط على الخاصرة الجنوبية للناتو، بجانب قطع الطريق على التحركات الأوروبية والأمريكية لنقل الغاز من منطقة شرق المتوسط إلى أوروبا لاستبداله بالغاز الروسى.

ولذلك فإن روسيا لن تتخلى بسهولة عن سحب مرتزقة فاغنر من ليبيا, وفى هذا الصدد فقد قامت فاغنر بتأمين مواقعها بحفر عدد من الخنادق في سرت والجفرة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، بعد أن كشفت قوات بركان الغضب مؤخرًا أن هؤلاء المرتزقة يحفرون لمد خط أنابيب لنقل النفط من الجنوب إلى الشمال، ثم شحنه بحرًا، ضمن تنازلات منحها حفتر لمرتزقة فاغنر للوصول إلى الموارد النفطية[35].

 

المشهد التونسي:

  • أبعاد الأزمة السياسية في تونس، وآفاق المستقبل:

بعد شهرين على أزمة التعديل الوزاري في تونس، ما زالت القطيعة بين رئيس الجمهورية، قيس سعيد، من جهة، ورئيسي الحكومة والبرلمان، هشام المشيشي وراشد الغنوشي، تراوح مكانها وسط تمسك كل طرف بموقفه، فصارت صراع كسر عظام. وقد رفض سعيد كل مبادرات تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتصارعة لإنهاء الأزمة، متمسكًا بعدم تراجعه عن رفضه التعديل الوزاري، واشتراطه استقالة رئيس الحكومة المشيشي، الأمر الذي يرفضه الأخير بشدة. ولا يرى رئيس مجلس النواب، راشد الغنوشي، مبررًا لاستقالة رئيس الحكومة، وبالتالي تغيير الحكومة. وهكذا يُمكن القول بأن تونس تعاني الآن من أزمة مُتعددة الأبعاد؛ حيث تشمل:

بُعد سياسي: بسبب تصاعد الصراع بين الرئاسات الثلاث، وانشغال بعض القوى بالمكاسب السياسية، دون إيلاء اهتمام بآليات التعامل مع الأزمة الاقتصادية التي يواجهها المجتمع بمختلف طوائفه وتسببت في اندلاع احتجاجات من حين لآخر، كان آخرها خلال الاحتفال بعيد الاستقلال، فضلاً عن غياب التوافق بين مختلف القوى السياسية، واعتماد آلية الاحتكام للشارع بدلاً من اللجوء إلى الحوار والتفاوض والتوصل لآليات مناسبة للحد من صراع الرئاسات الثلاث، مما أدى إلى تفاقم حدة عدم الاستقرار على المستويين الأمني والسياسي في البلاد التي تعاني أيضاً من أزمة صحية عقب انتشار فيروس كوفيد-19[36].

بُعد قانوني؛ في سياقات الدعوة إلى تغيير النظام السياسي بحل البرلمان، والمضي إلى انتخابات تشريعية سابقة لأوانها، فقد تعرض دستور 2014 لإمكانية حل مجلس نواب الشعب في حالتين: أولهما؛ إذا مرَّت أربعة أشهر على التكليف الأول، ولم يمنح أعضاء مجلس نواب الشعب الثقة للحكومة، لرئيس الجمهورية الحق في حل مجلس نواب الشعب، والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة، في أجل أدناه خمسة وأربعون يومًا وأقصاه تسعون يومًا. ويفهم من هذه الفقرة أن الدستور أعطى لرئيس الجمهورية في هذه الصورة الحق في حل المجلس، وترك الأمر اختياريا له. ثانيهما؛ تمكين رئيس الجمهورية من ممارسة حقه مرتين على الأكثر خلال المدة الرئاسية، في أن يطلب من مجلس نواب الشعب التصويت على الثقة في مواصلة الحكومة نشاطها بالأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس. وفي هذه الصورة، إذا مارس الرئيس قيس سعيد هذا الحق، فإنه لا يخلو من حالتين، فإما أن يمتنع المجلس عن منح الثقة للحكومة، فتصبح مستقيلة، فيتم تكوين حكومة جديدة في أجل أقصاه ثلاثون يومًا، وفي صورة عدم الحصول على ثقة المجلس، يكون لرئيس الجمهورية الحق في حله. أما إذا جدَّد مجلس نواب الشعب الثقة في الحكومة في المرتين، فان رئيس الجمهورية يعتبر مستقيلاً. ومن ثمَّ يصبح سعيد نفسه مُهددًا بالاستقالة إذا منح المجلس الثقة للحكومة، وهي استقالة إجبارية، بل هي تعتبر بمثابة العزل، ولا يتدخل فيها أي جهاز آخر. وهكذا يتبيَّن أن الأمر ليس هينًا، كما يتوهم رئيس الجمهورية، ومساندوه من بعض أحزاب المعارضة، كالتيار الديمقراطي وحركة الشعب، فقد أعطى الدستور التونسي الحالي للبرلمان هيمنة مطلقة على الحياة السياسية للبلاد، بحيث يكاد يكون تغيير النظام السياسي للخروج من الأزمة السياسية الراهنة مستحيلاً، دون موافقة أغلبية مجلس نواب الشعب، وهي أغلبية يصعب توفرها.[37]

آفاق المُستقبل: هناك مؤشران رئيسيان لا يُمكن إغفالهما عند محاولة استشراف مستقبل الأزمة التونسية وسُبل حلحلتها: أولهما؛ القبول المشروط لرئيس الجمهورية ببدء جلسات الحوار الوطني المُقترح من قِبل الاتحاد العام التونسي للشغل نظير استقالة حكومة المشيشي، وهو ما رد عليه الأخير بإعلان تمسكه بموقفه والتأكيد على أن خيار استقالته غير مطروح بالأساس. وثانيهما؛ محاولة حكومة المشيشي ممارسة ضغوط سياسية على رئيس الجمهورية عبر بوابة الاستقواء بالاتحاد العام التونسي للشغل واستمالته لصفها باعتباره أكبر نقابة عمالية في تونس، وأحد أبرز الفاعلين في الحياة السياسية فيها، وذلك بتوقيع الحكومة مع الاتحاد اتفاقاً، في 7 فبراير الفائت، حول تفعيل الاتفاقيات القطاعية العالقة منذ سنوات والتي تهم نحو 27 قطاعاً في الوظيفة العمومية والقطاع العام، وهو ما دفع الأمين العام للاتحاد للحديث عن مصداقية الحكومة للالتزام بتعهداتها، وبالتالي نجاح الحكومة في تحييد موقف الاتحاد تجاه الأزمة ولو بشكل مؤقت، وذلك في ظل تأكيد حركة النهضة على تمسكها بالحكومة ومواصلة دعمها له في مواجهة رئيس الجمهورية، فضلاً عن غلبة نفوذ الحركة وحلفائها في البرلمان، وهو ما يفرض مسارات محدودة للأزمة تلوح في الأفق، هي كالتالي: تقديم تنازلات متبادلة من قبل الرئاسات الثلاث، أو تخلي النهضة عن حكومة المشيشي، أو فرض المشيشي قرارات تعيين الوزراء الجدد في محاولة لإحراج رئيس الجمهورية سياسياً ووضعه أمام الأمر الواقع.[38]

وفي النهاية، تبدو تونس في حاجة لإعلاء المصلحة العليا للبلاد والخروج من دائرة المصالح الحزبية والسياسية الفردية إلى دائرة المصالح الوطنية، وهو ما يفرض على كافة الأطراف المتنازعة اللجوء إلى الحوار الوطني للنقاش والتباحث حول آليات الخروج من الأزمة، والحد من إقحام الشارع في مثل تلك التجاذبات السياسية التي تهدد أمن واستقرار البلاد وتنذر بدخولها مرحلة جديدة من العنف.

 

 

 

 

[1]  هبة أنيس، تأجيل انتخابات “الصحفيين”: ترحيب حذر ومخاوف من ثغرة قانونية، المنصة، تاريخ النشر: 17 مارس 2021، شوهد في 2 أبريل 2021، الرابط: https://bit.ly/3wqtJqi

[2]  الخليج الجديد، نتائج انتخابات نقابة الصحفيين المصريين تثير الشكوك والاتهامات، تاريخ النشر: 3 أبريل 2021، شوهد في: 3 أبريل 2021، الرابط: https://bit.ly/3cSw1Xs

[3]  العربي الجديد، فوز ضياء رشوان بمنصب نقيب الصحافيين المصريين، تاريخ النشر: 2 أبريل 2021، شوهد في: 3 أبريل 2021، الرابط: https://bit.ly/3rWp7om

[4] العربي الجديد، انتخابات صحافيي مصر… الأمن الوطني يختار الفائزين، تاريخ النشر: 3 أبريل 2021، شوهد في: 3 أبريل 2021، الرابط: https://bit.ly/3mndntT

[5] المرجع السابق.

[6]  المرجع السابق.

[7]  العربي الجديد، مصر: ما قصة مقال “إعلام البغال”؟، تاريخ النشر: 29 مارس 2021، شوهد في 2 أبريل 2021، الرابط: https://bit.ly/2PFPYYC

[8]  “لوسي أرتين”، هي سيدة أعمال مصرية تنتمي للطائفة الأرمينية في مصر، وابنة شقيقة الممثلة لبلبة، وهي صاحبة الفضيحة التي انتهت بالإطاحة بنائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع والإنتاج الحربي المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة، ومسؤولين آخرين.

[9]  العربي الجديد، مصر: شكوى بحق مدرس جامعي كتب عن “إعلام البغال”، تاريخ النشر: 25 مارس 2021، شوهد في: 2 أبريل 2021، الرابط: https://bit.ly/2R0M7po

[10]  عربي 21، مقال “إعلام البغال” يثير جدلا بمصر.. كشف دورا هاما لإعلامية، تاريخ النشر: 29 مارس 2021، شوهد في: 2 أبريل 2021، الرابط: https://bit.ly/2PuB3AN

[11] العربي الجديد، مصر: النائب العام يفتح تحقيقاً مع أستاذ للإعلام إرضاءً لكرم جبر، تاريخ النشر: 29 مارس 2021، شوهد في: 2 أبريل 2021، الرابط: https://bit.ly/3wvz9QP

[12]  الصفحة الرسمية كلية الإعلام جامعة القاهرة (فيس بوك)، تاريخ النشر: 29 مارس 2021، شوهد في: 3 أبريل 2021، الرابط: https://bit.ly/3rSK2J0

[13] المرجع السابق.

[14]  العربي الجديد، مصر: ما قصة مقال “إعلام البغال”؟، مرجع سابق.

[15] “القسوة مع مصر لن تنفع”، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 25/3/2021، الرابط: https://bit.ly/31zWP8q

[16] ” مشاورات لتسليم جزيرة فرسان السعودية للقوات المصرية”، العربى الجديد، 29/3/2021، الرابط: https://bit.ly/2OgMXNY

[17] “جزيرة فرسان.. ما الذي قد يدفع السعودية لمنحها إلى مصر؟”، الخليج أونلاين، 30/3/2021، الرابط: https://bit.ly/2OflCvy

[18]  طارق دياب، “حول تصريحات السيسي اليوم بخصوص السد”، فيس بوك، 30/3/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/7K2Vk

[19]  محمد مغاور، “هل يجبر “الخط الأحمر” للسيسي إثيوبيا على حل أزمة النيل؟”، عربي 21، 31/3/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/kFeqs

[20]  ” أزمة سد النهضة: 3 دوافع وراء تهديدات السيسي”، العربي الجديد، 31/3/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/ITHD3

[21]  محمد الليثي، ” “اللي يجرب يجرب”.. خيارات مصر مع الملء الثاني لسد النهضة”، ذات مصر، 31/3/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/QsH8e

[22] “رغم ضغوط التأجيل.. هل تجري الانتخابات الفلسطينية بموعدها؟ (تحليل)”، الأناضول، 30/3/2021، الرابط: https://bit.ly/3rCLKhz

[23] “هل ترجح السلطة سيناريو تأجيل الانتخابات؟”، الرسالة نت، 31/3/2021، الرابط: https://bit.ly/2QLMvrK

[24] ” ما الذي تخشاه إسرائيل من الانتخابات الفلسطينية؟”، القدس العربى، 31/3/2021، الرابط: https://bit.ly/2PRF6Xi

[25] “هل ترجح السلطة سيناريو تأجيل الانتخابات؟”، الرسالة نت، 31/3/2021، الرابط: https://bit.ly/2QLMvrK

[26] “إسرائيل تضع أول عقبة أمام الانتخابات الفلسطينية وتبلغ الاتحاد الأوروبي بعدم السماح للمراقبين الدوليين بدخول القدس.. والفلسطينيون يتهمونها بالمماطلة”، رأى اليوم، 31/3/2021، الرابط: https://bit.ly/3rBEHWs

[27] “خيارات “التصعيد” في ملف الانتخابات الفلسطيني: “كورونا” تنضم لـ”القدس” قريبا في دعم سيناريو “التأجيل” والمشهد الفتحاوي “فوضوي للغاية” بعد إعتراضات بالجملة على “132” مرشحا والخارجية الامريكية تمتنع عن “كلمة حاسمة” لمبعوثي عباس”، رأى اليوم، 29/3/2021، الرابط: https://bit.ly/3u8xnDh

[28] ” «فتح» تتشظّى إلى ثلاث قوائم: عباس نحو إلغاء الانتخابات؟”، الأخبار، 1/4/2021، الرابط: https://bit.ly/39ynN4Q

[29] الانتخابات الفلسطينية: تشظي فتحاوي وترقب حمساوي”، موقع عدنان عامر، 25/3/2021، الرابط: https://bit.ly/3dqlD8k

[30] ” تحالف البرغوثي – القدوة يبعثر أوراق عباس”، العرب، 1/4/2021، الرابط: https://bit.ly/3sJ3sBo

[31] “الانتخابات الفلسطينية: تشظي فتحاوي وترقب حمساوي”، موقع عدنان عامر، 25/3/2021، الرابط: https://bit.ly/3dqlD8k

[32] “حركة فتح وأزماتها في ظلّ استحقاقات المرحلة”، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 31/3/2021، الرابط: https://bit.ly/3ugihMd

[33] “ملامح خطة السلطة الليبية الجديدة لحلحلة الملفات العالقة”، العربى الجديد، 26/3/2021، الرابط: https://bit.ly/3frilVb

[34] “الطريق إلى اقتراع ديسمبر.. تحديات المرحلة الانتقالية في ليبيا”، ذات مصر، 24/3/2021، الرابط: https://bit.ly/39u3Yf1

[35] “ما الذي يجعل ملف المرتزقة في ليبيا يستعصي على الحل؟”، عربى21، 30/3/2021، الرابط: https://bit.ly/3mjGVsB

[36]  أنيس العرقوبي، “حل الأزمة التونسية: تعقيدات الحوار الوطني ودور سعيد”، نون بوست، 3/3/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/Mnu1Z

[37]  محمد أحمد القابسي، “أزمة تونس وأوهام قيس سعيد”، العربي الجديد، 18/3/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/CAbrw

[38]  بسمة سعد، “تونس: تداعيات الصراع بين الرئاسات الثلاث”، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 21/3/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/cNsSY

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

المشهد السياسي  عن الفترة من 1 إلى 7 مايو 2021

    للمرة الأولى منذ 2013؛ وزير الدفاع المصري يزور مدينتي رفح والشيخ زويد: أعلن …