‫الرئيسية‬ العالم العربي تونس زيارة قيس سعيد للقاهرة.. دلالة السياق ورمزية التوقيت والمكان
تونس - أبريل 23, 2021

زيارة قيس سعيد للقاهرة.. دلالة السياق ورمزية التوقيت والمكان

زيارة الرئيس التونسي قيس سعيد للقاهرة التي استغرقت ثلاثة أيام من الجمعة 9 أبريل إلى الأحد 11 أبريل "2021"م، واجتماعه برئيس الانقلاب العسكري في مصر دكتاتور ترامب المفضل الجنرال عبدالفتاح السيسي

 

زيارة الرئيس التونسي قيس سعيد للقاهرة التي استغرقت ثلاثة أيام من الجمعة 9 أبريل إلى الأحد 11 أبريل “2021”م، واجتماعه برئيس الانقلاب العسكري في مصر دكتاتور ترامب المفضل الجنرال عبدالفتاح السيسي تحمل في طياتها دلالات خطيرة فيما يتعلق بالسياق الذي جرت فيه في ظل حالة الشلل التي تسبب فيها الرئيس التونسي في منظومة الحكم في بلاده، وصدامه مع البرلمان من جهة والحكومة من جهة أخرى، كما تحمل الزيارة رسائل بالغة الخطورة فيما يتعلق برمزية التوقيت والمكان والأشخاص الذين  التقى بهم والملفات التي جرى النقاش حولها، ومدى انحياز قيس سعي لسياسة المحاور والتحالفات في المنطقة لا سيما محور تحالف الثورات المضادة وصولا إلى رمزية ودلالة الأماكن التي زارها في القاهرة على هامش الزيارة المثيرة للجدل. وتباينت آراء المراقبين حيال الزيارة بين من ينظرون إليها باعتبارها تعزيزا للعلاقات الثنائية بين البلدين في المجالات المختلفة، ومن ينظرون إليها باعتبارها انعكاسا لحقيقة توجهات الرئيس التونسي الغامض والمثير للجدل وأن بهذه الزيارة يكشف عن انحيازه لتحالف الثورات المضادة في المنطقة.

 

تعزيز العلاقات الثنائية

المؤيدون للرئيس التونسي يقرأون الزيارة باعتبارها تعزيزا للعلاقات بين البلدين العربيين، خصوصا في ظل حالة الفوضى والاضطرابات التي تشهدها المنطقة وتدهور أوضاعها الاقتصادية في ظل تفشي جائحة كورونا. وبحسب هؤلاء فإن الزيارة تأتي  ضمن مساعي سعيد، منذ وصوله الرئاسة، إلى بناء توازن في علاقات بلاده بين المحاور بالمنطقة، حيث ظهر ذلك أثناء زيارة الرئيس التركي (رجب طيب أردوغان) إلى تونس أواخر 2019، وزيارة سعيد إلى الدوحة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020″؛ وبالتالي يدافع أنصار سعّيد عن الزيارة باعتبارها إثباتا أنه ليس خاضعا لسياسة المحاور في المنطقة، ولا يتبع محورا بعينه.

الزيارة تطرقت لملفات حساسة منها الملف الليبي ومكافحة الإرهاب والإسلام السياسي، وإعادة السلام في بلدان الساحل الإفريقي”. وبحسب هذا الفريق فإن الزيارة كانت مهمة لنظام السيسي الذي يتطلع دعم تونس، العضو العربي الوحيد حاليا بمجلس الأمن، في موقفه من أزمة “سد النهضة”؛ لا سيما وأن حكومة السيسي تتجه نحو إعادة تقديم مشروع قرار لمجلس الأمن من أجل إلزام إثيوبيا بوقف أعمال قد تضر بالمصالح السودانية والمصرية، ومن هنا تأتي أهمية تونس لمصر؛ كون الأولى دولة عضوا بالمجلس، وتمثل المجموعة العربية داخله”.

كما يدعي هؤلاء أن الزيارة تستهدف أيضا تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، خصوصا وأن البلدين يعانيان بشكل كبير من تدهور الأوضاع الاقتصادية، وفي هذا الصدد، اعتبر وزير الاقتصاد والمالية ودعم الاستثمار التونسي علي الكعلي، في تعليقه على الزيارة، أن آفاق حجم التبادلات التجارية والاستثمارات بين بلاده ومصر تبقى واعدة، والنتائج قابلة للتطور، رغم أن حجمها دون الطموحات والإمكانيات المتاحة. وأوضح الكعلي، في تصريحات لوكالة الأنباء المصرية الخميس 8 أبريل، أنه على المستوى التجاري، بلغت صادرات تونس إلى مصر عام 2019 قرابة 60 مليون دولار، في حين سجلت الواردات ما يناهز 500 مليون دولار. وأضاف أن الاستثمارات المصرية في تونس بلغت حوالي 2.5 مليون دولار، والاستثمارات التونسية في مصر بلغ حجمها قرابة 35 مليون دولار بنهاية 2019، وهي استثمارات تنشط في جملة من القطاعات على غرار الخدمات والسياحة والصناعات الغذائية والاتصالات وغيرها. لكن سعّيد خلال زيارته للقاهرة لم يصطحب معه وزراء أو  مستشارين اقتصاديين؛ وهو ما يلغي أي إمكانية لتكون للزيارة أبعاد اقتصادية أو على علاقة بالاستثمار.

 

قراءة مغايرة

يذهب المعارضون لقيس سعيد إلى قراءة فحوى الزيارة والهدف منها على نحو مغاير؛ وذلك من خلال النقاط الآتية:

أولا، الزيارة أثارت الجدل نطرا لطبيعة النظام السياسي في مصر فهو نظام عسكري اغتصب السلطة بانقلاب على تجربة ديمقراطية؛ وبالتالي فإن زيارة قيس سعيد للقاهرة باعتباره رأس الدولة الديمقراطية الوحيدة في العالم العربي والرئيس العربي الوحيد المنتخب من الشعب عبر استحقاق نزيه وشفاف، تمثل مكسبا لنظام قمعي استبدادي. هذه الزيارة منحت السيسي هذه الرمزية بخلاف زيارة الرئيس التونسي السابق الباجي قايد السبسي للقاهرة سنة 2015م؛ ذلك أن السبسي كان محسوبا على النظام القديم وكان وزيرا في حكومة المخلوع زين العابدين بن علي، أما قيس سعيد فإنه يقدم نفسه باعتباره رمزا من رموز الثورة الشعبية. وارتماء قيس سعيد في أحضان النظام العسكري المصري على هذا النحو وفي هذا التوقيت بعد زيارته ليبيا تؤكد أنه يدور في فلك السياسة الفرنسية في علاقاته الخارجية والدولية.  ولهذه الأسباب هاجم  الرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي زيارة الرئيس الحالي قيس سعيد إلى القاهرة، وكتب على صفحته الرسمية على “فيسبوك”: “عفواً يا روح محمد مرسي، عفواً يا رفات شهداء رابعة وغيرها من المجازر الفظيعة، عفواً يا آلاف المقبورين أحياء في سجون السيسي. أيا كانت مشاربكم السياسية… عفوا يا ملايين المصريين الذين أرادت ثورة 25 يناير المجيدة أن تجعل منكم شعباً من المواطنين لا شعباً من الرعايا، شعباً يملك دولة لا شعباً تملكه عصابة… عفواً عفواً من محبيكم في تونس البوعزيزي. هذا الرجل لم يعد يمثلني”. وأضاف المرزوقي: “هذا الرجل لا يمثل الثورة التي سمحت له بالوصول للسلطة، هذا الرجل لا يمثل استقلال تونس، ووحدة دولتها، ومصالحها، وقيمها. والأهم من هذا كله؛ شرفها، الذي هو أغلى ما يملكه إنسان أو شعب”. وختم قائلاً: “رحم الله في هذا اليوم شهداءنا وشهداءكم وشهداء الأمة… كل الذين ناضلوا من أجل حرية يهددها أكثر من أي وقت مضى المتطفلون على التاريخ… ولا بد لليل أن ينجلي… علينا… عليكم… على كل شعوب الأمة”. تذهب تقديرات إلى أن قيس سعيد بزيارته للقاهرة ولقائه  بقائد الانقلاب إنما يكشف عن وجهه الحقيقي فهو صدى الاختراقات الفرنسية الإماراتية ومعبر عن سياستهما، يدبر لانقلاب غير عسكري على الثورة التونسية وتجربتها الديمقراطية القصيرة، ويريد أن يمسي دكتاتورا، لكن الدستور يمنعه، ومن أجل هذا قرر أن يعرقل الحكومة حتى يحصل على صلاحيات ليست من حقه بالبلطجة السياسية، ولهذا تأتي زيارته للقاهرة من أجل  استشارة عرّاب الانقلابات في المنطقة ليستفيد من خبراته وتجاربه في قمع الشعوب بالحديد والنار.

ثانيا، اكتسب قيس سعيد شعبيته من تصريحاته التي سبقت الانتخابات التي جاءت به رئيسا، وخصوصا قوله الشهير “التطبيع خيانة عظمى”، لكنه يذهب مهرولا إلى أحد أكبر عرَّابي التطبيع في المنطقة وكنز إسرائيل الاستراتيجي.  وتأكيدا على أن موقف قيس سعيد من إسرائيل لا يعدو التصريحات الجوفاء فإنه خلال وجودة بالقاهرة ذهب إلى ضريح الرئيس السابق محمد أنور السادات الذي يعد أول من اعترف بإسرائيل وأقام معها اتفاق تطبيع؛ وأول من حوَّل قضية فلسطين من قضية عادلة لشعب محتل إلى صفقة يمكن المساومة بشأنها في دنيا المصالح.  معنى ذلك أن الرئيس التونسي يبعث برسالة واضحة لا تقبل اللبس أن تصريحاته السابقة بأن التطبيع خيانة عظمى تقبل المراجعة والتراجع، وأن هناك خفايا بين السطور لا يمكن البوح بها إلا في دهاليز الغرف المغلقة. تتعزز هذه النظرة للرئيس التونسي بشأن موقفه من التطبيع إذا راجعنا سجله ومواقفه بشأن هرولة الإمارات والبحرين نحو تل أبيب في موجة تطبيع أواخر سنة 2020م؛ حيث  أبدى تفهمه لهذه الخطوة مطلقا تصريحه الشهير “لا نتدخل في اختيارات بعض الدول ولا نتعرض لها، ونحن نحترم إرادة الدول، فهي حرة في اختياراتها وأمام شعوبها”. معنى ذلك أن قيس سعيد بدأ رحلته مرشحا تحت شعار “التطبيع خيانة عظمى” ثم انتهى به المطاف صديقا شخصيا لجنرالٍ جاء إلى الحكم بانقلاب رعته واحتضنته إسرائيل، واعتبرته أعظم انتصاراتها منذ العام 1967م.

ثالثا،  زيارة سعيد إلى مصر هي الثالثة لرئيس تونسي منذ ثورة 2011 بعد أن زارها عام 2015 الراحل الباجي قائد السبسي، وعام 2012 الرئيس الأسبق محمد المنصف المرزوقي. ولا يمكن الفصل بين توقيت الزيارة والوضع المأزوم في تونس وصدام الرئيس بالبرلمان والحكومة ورفضه للأحزاب السياسية، وإصراره على عدم الحوار مع القوى السياسية في محاولة لفرض رؤاه وتصوراته على الجميع، من خلال  المواقف الآتية:

  • أولا، قيس سعيد منذ انتخابه في أكتوبر 2019م وهو حريص على الصدام مع حركة النهضة الإسلامية “كبرى الأحزاب التوونسية وصاحبة الأكثرية في البرلمان”، ورغم أنهم انتخبوه في جولة الإعادة، واحتفلوا بفوزه باعتباره ممثلا للثورة ضد المرشح نبيل القروي المحسوب على النظام القديم إلا أن قيس سعيد لم يبد يوما احترما للحركة وقادتها، ودائما ما يغمز ويلمز في الحركة ومواقفها، ولم يشعرهم يوما أنه رئيس لهم ولكل التونسيين.
  • ثانيا، منذ 16 يناير 2021م يسود خلاف بين الرئيس ورئيس الحكومة هشام المشيشي، عقب إعلان الأخير تعديلا حكوميا جزئيا أطاح فيه بالوزراء المحسوبين على الرئيس، لكن الرئيس لم يدع الوزراء الجدد لأداء اليمين الدستورية أمامه حتى اليوم، معتبراً أن التعديل شابته “خروقات”، وبعض الوزراء عليهم تحفظات تتعلق بفساد، دون أن يحدد هذه الخروقات أو يدلل على اتهامات الفساد التي يدعيها، وهو بذلك يخالف نصوص الدستور. وحتى اليوم تحظى الحكومة بثقة الأغلبية البرلمانية من حركة النهضة وتيار الكرامة و
  • ثالثا، قبل زيارته للقاهرة بأسبوع رفض سعّيد التصديق على قانون المحكمة الدستورية بعد أيام من تعديلات أجراها البرلمان على القانون، تشمل تخفيض الغالبية المطلوبة لانتخاب أعضائها من 145 إلى 131 نائبا، والمحكمة هيئة قضائية أٌقرَّت بموجب دستور 2014، وتضم 12 عضوا، 4 منهم ينتخبهم البرلمان و4 يختارهم “المجلس الأعلى للقضاء” (مؤسسة دستورية مستقلة) و4 يعينهم رئيس الجمهورية. وتراقب المحكمة مشاريع تعديل الدستور، والمعاهدات ومشاريع القوانين، والقوانين، والنظام الداخلي للبرلمان، وتبت في استمرار حالات الطوارئ، والنزاعات المتعلقة باختصاص الرئاسة والحكومة. ولم يتمكن البرلمان خلال الفترة الماضية من انتخاب 3 أعضاء للمحكمة بعدما اختار واحدا فقط، وذلك بسبب خلافات سياسية تتمثل في تمسك كل كتلة سياسية بمرشحها.
  • رابعا، قبيل مغادرته إلى القاهرة، واصل سعيد غمزه ولمزه في البرلمان والحكومة مدعيا أن “تونس بحاجة إلى برلمان وطني محترم ووزارة كاملة مسؤولة”. ولا يخفي سعيد توجهاته الرامية نحو حل البرلمان بسبب رفضه لوجود حركة النهضة كأكثرية داخل المجلس، وزعيمها الشيخ راشد الغنوشي رئيس للبرلمان. وكان آخر تصريح لسعيّد  الثلاثاء قبل زيارته للقاهرة، حيث وجّه هجومه إلى حركة “النهضة” من دون أن يسميها، قائلاً: “هم وضعوا الدستور (2014) وقالوا إنه سيتم إرساء المحكمة الدستورية في غضون سنة، وضعوا النص ولم يرسوها، ولما أحسوا بالخطر اليوم أو استشعروا بعض الخطر بدأوا الحديث عن إرساء المحكمة الدستورية… هل ستكون بالفعل محكمة أم ملكية لتصفية الحسابات الدستورية… لن أدخل معهم هذه المجالات والنقاشات”. ويدل كلام سعيّد على أنه يعتبر أن بإمكانه الاستناد إلى مبدأ عدم إتمام المحكمة الدستورية بعد عام من إصدار قانونها ليبقى صاحب التأويل الدستوري الوحيد، لأن من يسميهم بـ”هم” يريدونها لتصفية الحسابات، والتفكير في عزله، وفق تفكيره. وعن ذلك، قال أستاذ القانون الدستوري عبد الرزاق المختار، إن ما حصل “مؤشر على أن رئيس الجمهورية اختار نهجاً قائماً على الصراع، ويعتقد أنه استعمل فيه أدوات دستورية، ولكنها في الواقع غير دستورية، فالامتناع عن التوقيع على التعديلات، كما رفض سابقاً قبول أداء الوزراء لليمين الدستورية، مؤشر خطير قد يقود إلى المجهول، وهو ما برز في خطابه الثلاثاء، الذي لا يخلو من تهديدات مبطنة باستعمال بعض فصول الدستور”. واعتبر أن “سعيّد خرق الدستور، ووصلنا إلى صراع لم تعد فيه أي خطوط حمراء، لا دستورية ولا مؤسساتية”، مشيراً إلى أن الرئيس “أصبح يقرأ الدستور كما يريد، ويحاول فرض أمر واقع سياسي مستغلاً غياب المحكمة الدستورية، وارتخاء بقية الأطراف، تحت عنوان احترام الدستور، ولكنه بذلك يخرقه”.

رابعا، عندما تأتي زيارة قيس سعيد للقاهرة ولقائه بالسيسي في ظل هذا الوضع المأزوم داخليا، وصراعه مع البرلمان والحكومة المدعومتين من حركة النهضة الإسلامية وقلب تونس العلماني وتيارات أخرى تمثل أغلبية داخل البرلمان؛ فإنه يفهم من هذه الزيارة أن الرئيس التونسي يريد أن يستقوي بجهات خارجية لها باع كبير في الحرب ضد الإسلاميين. خصوصا وأنه يبدو قليل الحيلة أمام الحكومة والبرلمان اللذين منحهما الدستور صلاحيات واسعة أكبر من صلاحيات الرئيس؛ واختيار السيسي تحديدا  هو من قبيل النكاية في حركة النهضة وسعيا لاستفزازها؛ لأن السيسي معروف بأنه السفاح الذي يقود الحرب على التيارات الإسلامية وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين التي أطاح بها من الحكم بانقلاب عسكري في 3 يوليو 2013م، بعد حازت على ثقة الشعب في أنزه انتخابات شهدتها مصر طوال تاريخها كله في أعقاب ثورة 25 يناير 2011م. كما أنه معروف عنه عداءه للإسلاميين في كل مكان وحربه في ليبيا ودعمه للواء خليفة حفتر خير برهان على ذلك؛  وبالتالي قد يفهم من الزيارة أنها تستهدف نسخ التجرية المصرية السيسية مع الإسلاميين في مصر، وقد يفهم منها أنها تمثل انعكاسا لطبيعة الأفكار التي يؤمن بها قيس سعيد وهو شخصية غامضة في كل الأحوال، فهو لا يرى بالسطو على الحكم بانقلاب عسكري بأسا، ما دام النظام المنقلب عليه يقوده إسلاميون. وحتى زيارته لضريح عبدالناصر برهان على ذلك؛ فعبدالناصر كان  ديكتاتورا وحشيا أشعل للإسلاميين المحارق وزج بها في السجون والمعتقلات بتهم سياسية ملفقة، وسامهم سوء العذاب لعقدين من الزمان.

خامسا، تعززت هذه المخاوف في أول تحرك للرئيس سعيد في أعقاب عودته من القاهرة واجتماعه بالسيسي؛ ففي تهنئته للتونسيين بمناسبة بداية شهر رمضان، قال الرئيس التونسي إن ”الله توجّه إلى المسلمين والمؤمنين وليس إلى الإسلاميين”، متابعاً “ربنا قال يا أيها الذين آمنوا… وإبراهيم كان مسلماً ولم يكن إسلامياً… نحن مسلمون والحمد لله على نعمة الإسلام”. سعيّد تحدث إلى التونسيين، مساء الإثنين 12 أبريل 2021م، من جامع الزيتونة، رمز الإسلام التنويري في المغرب العربي، وكان على يمينه مفتي تونس عثمان بطيخ، وعلى يساره إمام الجامع الأعظم هشام بن محمود. وليست هذه التصريحات بمفاجئة ولا جديدة، فقد سبق لسعيّد عندما كان مرشحاً للرئاسة، أن قال في حوار مع جريدة “الشارع المغاربي”، إن “الله لم يتوجه إلى الإسلاميين في القرآن… توجه إلى المؤمنين وإلى المسلمين، وملك الوحي جبرائيل عليه السلام نزل على الرسول الأعظم بالوحي لأول مرة في غار حراء وليس في مونبليزير (مقر حركة النهضة)”. لكن إعادة ذات التصريحات بعد زيارته للقاهرة أثارت جدلاً كبيراً بهذا الخصوص في تونس. معنى ذلك أن الرئيس يستهدف جر الساحة السياسة كلها إلى صراع عبثي، وأنه بذلك يؤكد أنه يتحول إلى بيدق في يد تحالف الثورات المضادة في الوقت الذي تحتاج فيه تونس إلى لم الشمل والانسجام بين مؤسسات الدولة المنتخبة والعمل بكل عزم على معالجة التشوهات الاقتصادية الناتجة عن تفشي جائحة كورونا.

سادسا، القراءة المتأنية لمواقف قيس سعيد منذ انتخابه في 2019م قد تكون صادمة؛ وعلى ما يبدو فإن الرجل الغامض جيء به ليقود انقلابا ناعما على الثورة التونسية وتجربتها الديمقراطية، أو على أقل تقدير تجميد المشهد السياسي وتعطيل أي تقدم على المسارين السياسي والاقتصادي،  حتى يكفر الشعب بالثورة والديمقراطية على حد سواء. ويمكن البرهنة على ذلك بما يلى:

  • مواقف الرئيس وأبرزها افتعال المعارك السياسية مع البرلمان والحكومة والأحزاب بشكل عام وعلى رأسها الأحزاب الإسلامية التي يبدو أنه جاء خصيصا من أجل التربص بها والعمل على إقصائها. فهو يسعى إلى تهميش دور الأحزاب والتقليل من شأنها، فرغم أن الدستور ينص على أن النظام في تونس برلماني رئاسي، وأن الحكومة تتشكل من حزب الأغلبية أو الأكثرية، فإن قيس سعيد تجاهل كل ذلك في اختياره لهشام المشيشي في منتصف 2020م؛ كما أنه غمز أكثر من مرة في ضعف شرعية البرلمان، وإلى شكوى من دور الأحزاب وخلافاتها، وهو ما يشير إلى رغبته بتغيير النظام السياسي برمته، وقد يؤدي بالتالي إلى قتل الحالة السياسية النشطة في تونس منذ الثورة، فلا سياسة بدون أحزاب، ولا ديمقراطية حقيقية بدون برلمان قوي يتمتع بشرعيته وصلاحياته الكاملة التي يكفلها الدستور. ولقد بدأ سعيّد فعلاً هذه المراجعة عندما تجاهل “بوعي” كل الأسماء المقترحة من الأحزاب، وهو السلوك الذي لم يكن من باب الصدفة، بل تمّ بوعي حين عمد سعيّد إلى تجاهل مقترحات الأحزاب، رافضاً بوضوح التعامل إيجابياً مع البرلمان، في رسالة مبطنة مفادها عدم استعداده للتنازل عن أي صلاحية من صلاحياته، لمن يعتبرهم غير ممثلين حقيقة لإرادة الشعب التونسي، رغم انتخابهم من قبل المواطنين قبل أقل من سنة. يفهم من ذلك أن الرئيس يعتبر الديمقراطية التمثيلية تزييفا ومنظومة تجاوزتها حركة التاريخ. بناء عليه قرر أن يهمّش الأحزاب، مجهّزاً الأرضية لدفنها تدريجياً، وهو ما يمثل انقلابا ناعما على الدستور والديمقراطية في تونس.
  • من جهة ثانية، فقد حاول قيس سعيد استدراج المؤسسة العسكرية في أتون الصراع السياسي، كما تعددت زياراته لمقرات المؤسسة العسكرية والجهاز الأمني، كان آخر هذه المواقف في 22 يوليو 2020م عندما توعد الرئيس التونسي من اتهمم بالتآمر مع الخارج على الشرعية في بلاده، وهي التصريحات التي جاءت غداة زيارة سعيد إلى مقر قيادة فيلق القوات الخاصة بالجيش في ولاية بنزرت ومقر وزارة الداخلية بالعاصمة تونس. كما لمّح أيضا إلى إمكانية حل البرلمان، في حال استمرار تعطل أعماله، مشيرا إلى أن لديه وسائل قانونية كثيرة متاحة في الدستور “هي كالصواريخ على منصات إطلاقها”، وقال إنه لن يتردد في استخدامها لمنع انهيار مؤسسات الدولة. تصريحات وزيارات الرئيس للثكنات العسكرية والمقار الأمنية أعادت الحديث عن الجيش وموقعه في عملية الانتقال السياسي وحماية التجربة التونسية من الفشل الذي تعرضت لها تجارب ديمقراطية أخرى كما جرى في مصر.  خشي البعض من خطابات سعيد أن تكون محاولات لإقحام الجيش في متاهات السياسة. ورغم أن الرئيس التونسي يؤكد دوما على ضرورة احتفاظ المؤسسة العسكرية بحيادها المتواصل منذ ستة عقود، إلا أن بعض المراقبين يرون في ذلك “إقحاما” للجيش بشكل غير مباشر، فضلا عن لجوئه لاستخدام مصطلحات “عسكرية”، ما يجعل خطاباته أقرب للقادة العسكريين، على عكس شخصية الحقوقي والخبير الدستوري، التي لازمت سعيّد لعقود عدة، حتى أن البعض كان يلقّبه بـ”أبو الدستور”. وهو ما دفع المدير السابق للأمن العسكري الجنرال محمد المؤدب قائلاً “كان الأحرى بالسيد قيس سعيد النأي بإطارات المؤسسة العسكرية وجنودها عن كل ما له علاقة بالسياسة التي لا دخل لهم فيها، ومخاطبتهم فيما يهمهم”. وإذا كان الثقة عالية في توجهات قيس سعيد الديمقراطية ورفضه للانقلابات إلا أن هجومه على خصومه أمام أبناء المؤسسة العسكرية أثار الالتباس، وفتح الباب أمام التأويل والتساؤل حول الأسباب التي دفعته إلى ذلك. وكتب الناشط في حركة النهضة، محمد جعيدان: “لم أفهم إصرار قيس سعيد على خوض معاركه السياسية من فضاء ثكنات القوات الحاملة للسلاح أمنية كانت أم عسكرية. لرئيس الدولة الحق في الوئام والخصام مع أي طرف سياسي ومن حقه أيضا خوض المعارك السياسية. هذا لا يختلف فيه عاقلان، لكن وجب عليه خوض معاركه والإصداح بمواقفه بعيدا عن منابر القوات الحاملة للسلاح. الزج بالقوات العسكرية في المناكفات السياسية أخطر ما يمكن أن تعيشه تونس في أي زمان وتحت أي ظرف”.

الخلاصة أن زيارة الرئيس التونسي للقاهرة واجتماعه بالسيسي تمثل انعطافة بالغة الخطورة، ويتعين قراءتها في سياق التحالفات الإقليمية، وتمثل برهانا على أن قيس سعيد بات بيدقا من بيادق الثورة المضادة، ويمثل خطورة بالغة على مستقبل الثورة التونسية وتجربتها الديقمراطية، ومواقف الرئيس منذ انتخابه وحتى طريقة إدارته للأمور وتقعره في الحديث يحتاج إلى البحث عن نشأة هذا الرجل والتفتيش في دفاتره القديمة فقد نكتشف مفاجآت مدوية؛ وتكفي الإشارة هنا إلى ما كتبه أستاذ القانون الدستوري عياض بن عاشور الزميل السابق للرئيس قيس سعيد، والذي خرج عن صمته ونشر مقالا في الثامن من سبتمبر 2020م، لم يكن عاديا في أسلوبه ودلالاته، وهو الذي يعتبره الكثيرون “أحد مراجع القانون الدستوري في تونس”. حيث أقرّ بن عاشور بوجود أزمة دستورية حين أكد على أنّ أعضاء المجلس الوطني التأسيسي “أقاموا نظاماً هجيناً ومعقّداً شبيهاً بالنظام المجلسي، وهو أخطر أنواع الأنظمة”. بدا في هذا السياق كأنه يسير على الخط نفسه الذي تحدّث عنه قيس سعيّد، لكنه سرعان مع انقلب عليه حين اعتبر أنّ “من المفارقات العجيبة أن نرى الذين ابتعدوا دائماً عن مقاومة الديكتاتورية والذين تهرّبوا من كلّ مطالبة احتجاجية، يصبحون اليوم بكلّ غرور وافتتان، المتحدثين باسم الثورة وعرّابيها”، في إشارة ضمنية إلى أنّ سعيّد لم يكن من بين الشخصيات التي قاومت النظام السابق. ورأى أنّ ما يجري حالياً هو بمثابة “التأثير المخادع للشعبوية: بناء الوهم بغية كسب تعاطف جمهور الناخبين المنهك والمحبط من سنوات ما بعد الثورة”، وقال: “آمل أن ينتهي المطاف بهذا الفكر في تونس إلى الاندثار بفعل تناقضاته”. ولم يستبعد بن عاشور أن يقدم مؤيّدو نظرية “البناء الجديد” على “النزول إلى الشارع، إذا فشل هذا المشروع، ولمَ لا يُحرق قصر البرلمان (شاهد على نهاية الديمقراطية مع الحقبة النازية) حتّى يكون لإرادة الشعب ما تنتقم منه”، على حد تعبير بن عاشور. في اتهام واضح لقيس سعيد بأنه يقود انقلابا على الدستور والثورة وتجربة تونس الديمقراطية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

  • وليد التليلي/ قراءات تونسية لزيارة سعيّد إلى القاهرة: ما الجدوى؟/ العربي الجديد ــ 14 ابريل 2021
  • انتقادات لقيس سعيد لمهاجمته “الإسلاميين” بعد زيارته السيسي/ “عربي 21” الأربعاء، 14 أبريل 2021
  • وليد التليلي/ سعيّد يكبّل المؤسسات التونسية: مقدمة لتطبيق مشروعه السياسي؟/ العربي الجديد ــ 08 ابريل 2021
  • محمد أحمد القابسي/ صمود المشيشي في تونس/ العربي الجديد ــ 04 ابريل 2021
  • الرئيس التونسي في القاهرة لأول مرة.. ما الدعم الذي يبحث عنه السيسي مع سعيد حول أزمة “سد النهضة”؟/ عربي بوست ـ 10 أبريل 2021
  • سعيد يبدأ زيارته الأولى لمصر.. هل يسعى إلى موازنة المحاور؟ (تحليل إخباري)/ وكالة الأناضول 9 أبريل 2021
  • قراءة في زيارة قيس سعيد إلى مصر ولقائه السيسي / “عربي 21” ــ الأحد، 11 أبريل 2021
  • قيس سعيد في ضيافة السيسي… والمرزوقي: لا يمثل الثورة واستقلال تونس/ العربي الجديد ــ 10 ابريل 2021
  • أحمد عزب/ استياء مصري تونسي من زيارة قيس سعيّد للسيسي/ العربي الجديد ــ 10 ابريل 2021

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

تمديد الإجراءات الاستثنائية في تونس.. الدلالات والتداعيات المستقبلية

  بقرار الرئيس التونسي قيس سعيّد، في 25 أغسطس الماضي، تمديد العمل بالإجراءات الاستثنا…