‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر أبعاد استقالة وزير الدولة المصري للإعلام “أسامة هيكل”
مصر - مايو 2, 2021

أبعاد استقالة وزير الدولة المصري للإعلام “أسامة هيكل”

جاءت استقالة وزير الدولة للاعلام أسامة هيكل، الأحد الماضي، والتي تقدم بها لمجلس الوزراء، في محاولة من النظام الحاكم لوقف الصراعات الدائرة بين أجنحة النظام، بعد صراعات طفحت على الساحة السياسية المصرية .

 

 

جاءت استقالة وزير الدولة للإعلام أسامة هيكل، الأحد الماضي، والتي تقدم بها لمجلس الوزراء، في محاولة من النظام الحاكم لوقف الصراعات الدائرة بين أجنحة النظام، بعد صراعات طفحت على الساحة السياسية المصرية .

 

تفاصيل المعركة

بدأ الصدام بين الوزير وإعلاميي السلطة بعد ما نشر هيكل على حسابه في موقع فيسبوك منشورًا انتقد فيه ضمنيًا أداء الإعلام المصري، وقال: “الأعمار أقل من 35 سنة يمثلون حوالي 60 أو 65% من المجتمع، لا يقرأون الصحف، ولا يشاهدون التليفزيون، وبالتالي من المهم التفكير في نمط حياة هذه الفئات”.

هذا المنشور معناه بوضوح أن صحف النظام لا قيمة لها ولا تلعب الدور المرسوم لها بالتأثير على الشعب وتخديره وإلهائه، وهو ما أكده هيكل مرة أخرى حين رد عليه رؤساء تحرير الصحف مهاجمين له، مؤكدا تدني وانهيار توزيع الصحف حتى إنه هددهم قائلا: “أرقام التوزيع الحقيقية الرسمية موجودة، وصحفكم خالية من الإعلانات منذ شهور طويلة”.

وربما لهذا رد الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء على تصريحات وزير الإعلام، محاولا لملمة الفضيحة والمعلومات التي قالها، حيث زعم أن 54.8% من الأسر المصرية تعتمد على التليفزيون المصري كمصدر رئيسي وأساسي لمتابعة التطورات والأحداث!!

رؤساء تحرير صحف، الذين اعتبروا أن الوزير يستهدف منابرهم في منشوره، بدأ عدد منهم شن هجوم لاذع على هيكل، عبر منشورات وتغريدات كتبوها على مواقع التواصل، وحتى في المواقع الإخبارية التي يديرونها، ومع تشاجر اللصوص ظهر المسروق وهو الصراع بين أجهزة أمن السيسي المسيطرة على الإعلام من جهة، والاعتراف الرسمي بانهيار توزيع الصحف.

فقد هاجم خالد صلاح، رئيس تحرير موقع “اليوم السابع”، هيكل وقال له: لماذا لم تتحرك خطوة واحدة للأمام حين توليت مسئولية الإعلام مرتين في سنوات معدودات؟ كفاك تنظيرًا دون بصمة لك لا في الإعلام التقليدي أو الإعلام التكنولوجي؟ الإعلام في مصر سبق أفكارك بسنوات ممتدة وأنت لا تدري إطلاقًا، ولا نحتاج لوزير يجلس في مقاعد المتفرجين!”

وصلاح هاجم الوزير في تغريدة أخرى فقال: “سيادتك عاوز تشتغل منظراتي على خلق الله وسايبنا في معركة وطنية كبيرة دفاعًا عن وعي مصر والمصريين وقاعد ترمي الناس بالطوب، اختشي وشمّر وادخل المعركة معانا عشان مصر مش عشان نفسك ومكتبك ونفوذك اللي ما عملتش بيهم حاجة قبل كدة، ولا عارف تساعدنا حتى.. عيب”.

وانضمّ رئيس تحرير صحيفة “الدستور” محمد الباز إلى صلاح في مهاجمة هيكل، حتى انه حاول الربط بينه وبين إعلاميي المعارضة في الخارج الذين تهاجمهم السلطة مثل محمد ناصر ومعتز مطر وحمزة زوبع، وكتب في منشور على فيسبوك يقول: “لماذا لا يلتزم أسامة هيكل الصمت؟ لا أعرف ما الذي يريده أسامة هيكل وزير الدولة للإعلام، فالوزير الذي يجب أن يجتهد ويقدم أفكارًا لتطوير الإعلام، الذي هو سلاح حقيقي في معركة الدولة ضد الاٍرهاب، يتفرغ تقريبًا للهجوم عليه وتشويهه والتقليل من قدره وتأثيره”.

في منشور آخر هاجم الباز هيكل أيضًا، وقال: “الوهم الذي يأكل دماغ أسامة هيكل، كنت أعتقد أن وزير الدولة للإعلام أسامة هيكل سيلتزم الصمت بعد الهراء الذي كتبه، ويمثل خطيئة في حق الإعلام المصري على الأقل من باب إذا بليتم فاستتروا، لكن ولأن الوهم أكل دماغ هيكل تمامًا وجدته يواصل عبثه وهراءه وكلامه الفارغ، معتبرًا أنني مدفوع لأنتقده وأُبين عواره وعورته”.

وكان ملفتا تعليق وزير الإعلام على تلك الانتقادات عبر صفحته على فيسبوك بقوله: “صدرت الأوامر بشن حملة جديدة على شخصي بعد حملة سابقة منذ شهرين”، ما يطرح تساؤلات عمن أصدر هذه الأوامر وهل هذا يعني صراع بين رموز السلطة؟ خاصة أن هيكل محسوب على الجيش بصفته محررا عسكريا بينما الإعلاميون محسوبون على أمن الدولة ومخابرات عباس.

هيكل قال: “في توقيت واحد، وبنفس الكلمات، شنت أقلام معروف للكافة من يحركها بالتساؤلات نفسها حول ماذا فعلت منذ توليت المسؤولية؟ ولماذا لا اصمت؟ ولماذا لا ابحث عن وظيفة أخرى؟ واحدهم يتهمني بأنني بتصريحاتي سأتسبب في عدم إقبال المعلنين على الإعلان في الصحف”.

وأضاف: “أقول لهؤلاء إن أخطر أنواع الفساد هو أن يترك الكاتب قلمه لغيره، ويكتفى هو بالتوقيع، والحقيقة إنني لا أريد أن أرد على هؤلاء لأنهم مجرد أدوات، ولكنني سأرد على من أعطى لهم الأمر بالكتابة فلم يترددوا للحظة واحدة، طمعا في الرضا والعفو والسماح. فإنهم إن لم يمتثلوا سيطاح بهم!!.

وتابع: وأرد مبدئيا على من أعطى الأمر… بأنني لن أصمت فأنا أقول الحقيقة، والحقيقة ستظهر إن عاجلا أو آجلا، فقد أهدرتم الكثير والكثير بلا خبره وبلا هدف واضح، ولم يعد أحد لا يعرف، وأما الادعاء بأن تصريحاتي ستؤثر سلبا على إعلانات الصحف، فأقول لكم إن أرقام التوزيع الحقيقية الرسمية موجودة، وصحفكم خالية من الإعلانات منذ شهور طويلة حتى قبل أن اتولي منصبي، فإن أعلنتها لوجبت محاسبه كل من شارك في هذه الجرائم.

وتبين ردود هيكل أن هناك بالفعل صراعا بين الأجهزة التي تتحكم في صحفيي وإعلاميي السلطة، حيث راح كل فريق يهاجم الآخر على لسان هؤلاء الصحفيين والإعلاميين، كما تبين تصريحاته اعترافا رسميا بانهيار توزيع الصحف والعزوف عن فضائيات الانقلاب.

 

أسباب الاستقالة

صراع الجواري والمماليك

ووفق تقديرات سياسية، تعاظمت الصراعات التي يمكن وصفها بأنها صراعات جواري، من أجل ارضاء السيسي وليست اختلافا على قضايا أو مصالح وطنية، حتى وصلت للتراشق الإعلامي بين أجنحة السلطة، وكان تعيين  أسامة هيكل في منصب وزير الدولة للاعلام قد أثار الكثير من الصراعات في الأروقة الإعلامية والسياسية، حيث لم يستطع هيكل دخول مكتبه الذي كان يسيطر عليه الراحل مكرم محمد احمد، رئيس هيئة الإعلام في مبنى ماسبيرو، والذي  تعامل معه بندية شديدة بوصفه -مكرم- وريث الحزب الوطني ومجلس الشورى وصفوت الشريف، وهو ما اضطر هيكل لدخول مكتبه بماسبيرو مؤججا بالسلاح ورجال الحماية الخاصة به، الذين حطموا أغلال مكرم محمد احمد واعتدوا على رجاله.

ومنذ جلوسه على كرسي الوزارة، بدأت التحركات المضادة له، من الأجهزة الأمنية ومراكز القوى الجديدة، إلى أن وصلت للتلاسن على صفحات الجرائد وفي برامج ماسبيرو التي كان من المفترض أن يكون تابعا للوزير نفسه، حيث حرك الضابط احمد شعبان -المشرف على الملف الاعلامي بالمخابرات- حملات شعواء ضد اسامة هيكل، إلى أن تقدم باستقالته من منصبه لـ”ظروف خاصة” لم يفصح عنها، وعقب إعلان الاستقالة، قامت وزارة الإعلام، بحذف صفحتها الرسمية من على موقع التواصل الاجتماعي ” فيسبوك”.

و”أسامة هيكل”، يشغل أيضًا منصب رئيس مجلس إدارة مدينة الإنتاج الإعلامي المصرية والتي تضم الغالبية العظمى من مقار واستديوهات المحطات التلفزيونية والإذاعية المصرية والعربية والدولية، وبعد إقرار الدستور الذي فصله السيسي، في 2014، ألغيت وزارة الإعلام ليحل محلها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئات التابعة له، لكن في ديسمبر من عام 2019 عادت وزارة الإعلام مرة أخرى تحت اسم (وزارة الدولة للإعلام)، واختير “هيكل” على رأسها، لتصبح هذه هي المرة الثانية التي يتولى فيها هذا المنصب الذي سبق وشغله من قبل عام 2011 لمدة 5 أشهر.

 

غضب عباس كامل وأحمد شعبان على هيكل

وتعرض هيكل، على مدار عام تقريباً، لهجوم مستمر من الأغلبية البرلمانية التابعة لحزب “مستقبل وطن”، ووسائل الإعلام الموالية للمخابرات العامة والأمن الوطني، ويعتبر الوزير الوحيد الذي شنت عليه تلك الجهات حملات تطالب بإقالته، وبدأ الهجوم على هيكل بعد تصريحات له انتقد فيها طريقة تسيير وسائل الإعلام وعجزها عن المنافسة وضعف المحتوى المقدم في الصحف والقنوات المصرية، بما تم تفسيره من قبل دائرة عباس كامل، مدير المخابرات العامة، القائمة على هذا الملف، بأنها محاولة من هيكل لانتزاع السيطرة على تلك الوسائل.

وبين الحين والآخر، خرجت حملات تشكك في نزاهة هيكل، وتطالب بمحاسبته، وفشلت محاولات هيكل لطلب الحماية من عبدالفتاح السيسي، ورئيس الوزراء مصطفى مدبولي، والتي أسفرت أحياناً عن إسكات الهجوم عليه وتفويضه بالحديث باسم الدولة وتنظيم المؤتمرات الصحفية، والتنسيق بين الوزارات المختلفة إعلامياً خلال فترات بسيطة من عمر وزارته.

ووفق روايات عدة متداولة بالأوساط السياسية والإعلامية، أعطى المقدم أحمد شعبان أوامره لعدد من الإعلاميين الذين يطلق عليهم في مصر “الأذرع الإعلامية”، بـ”فضح هيكل عبر منصات التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام الحكومية والخاصة، تمهيداً لإطاحته من منصبه، على خلفية الصراع الدائر بينهما حول بعض الاختصاصات، وانتقاد وزير الدولة للإعلام تغوّل ضابط المخابرات في المشهد الإعلامي المصري خلال الجلسات المغلقة”.

بل إن الحملة ضد هيكل، المدعوم من قيادات في المؤسسة العسكرية، استمرت إلى حين استقالته، في ظل ما يتمتع به شعبان من نفوذ لدى مؤسسة الرئاسة، بوصفه مديراً لمكتب رئيس جهاز المخابرات العامة، اللواء عباس كامل، والذي يعتبر كاتم أسرار عبد الفتاح السيسي، منذ شغله منصب مدير مكتبه حين كان وزيراً للدفاع.

وفي تطور كبير للحملة، لجأ تلفزيون الدولة الرسمي “ماسبيرو” من خلال برنامج “التاسعة” على القناة الأولى، إلى سلاح التسريبات الذي استخدمه جهاز المخابرات الذي يملكها ضد معارضي نظام عبد الفتاح السيسي، حيث اتهمه وائل الإبراشي بمساندة أعداء الدولة والوقوف معهم في نفس الخندق، متهما إياه حسب التسريب أنه هو من يتلقى تعليمات رئيس حزب الوفد السابق، السيد البدوي، مذيعا محادثة لهما ترجع لعام 2011، يطلب فيها البدوي من هيكل الهجوم على المجلس العسكري، لعدم دعوة “حزب الوفد” للحوار الوطني، الذي دعا فيه “جماعة الإخوان” ونجيب ساويرس.

ولم يقف الهجوم، على سلاح التسريبات، حيث شن المذيع المقرب من الأجهزة الأمنية أحمد موسى على فضائية “صدى البلد” وبرنامجه “على مسئوليتي”، هجوما لاذعا على هيكل، متهما إياه بدعم “إعلام الإخوان” وقناة “الجزيرة” ضد ما أسماه الإعلام الوطني، وطالبه بالاستقالة بعد هذا الموقف.

 

الهروب من سحب الثقة بالبرلمان”

وجاءت الاستقالة على ما يبدو بضغوط من دوائر سيادية قبل أن يتعرض هيكل لسحب الثقة منه في البرلمان، خلال مناقشة الاستجواب الذي اعتذر عن المثول أمام مجلس النواب لمرتين متتاليتين، استقالة هيكل تأتي بعد موافقة مجلس النواب، في 31 مارس، على استجواب للوزير تمهيدًا لسحب الثقة منه، على  خلفية اتهامات من قبل نواب في البرلمان بالفساد المالي والإداري.

وكان نواب غالبيتهم من حزب «مستقبل وطن» وأعضاء «تنسيقية شباب الأحزاب» هاجموا هيكل في 19 يناير الماضي، أثناء إلقائه بيانًا أمام «النواب» عن دور وزارته في برنامج الحكومة، وطالبوه بالاستقالة، وبرد المبالغ المالية التى حصل عليها نظير رئاسته لمجلس إدارة مدينة الإنتاج الإعلامي، إلى جانب عمله كوزير في الحكومة، بالمخالفة للمادة 166 من الدستور، التي تحظر على الوزراء العمل بجهات أخرى.

لاحقًا، وفي 13 فبراير الماضي، أعلنت لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب، برئاسة درية شرف الدين، اعتراضها على أداء الوزير، وأوصت بإلغاء الوزارة ومُساءلة هيكل ماليًا وإداريًا عمّا ارتكبه من مخالفات وإهدار للمال العام، وقال تقرير اللجنة إن  وزارة الدولة للإعلام حمّلت ميزانية الدولة 12 مليون جنيه خلال ستة أشهر، ولم ينتج عن الوزارة دور ملموس، علاوة على تورطه في شراء فندق “موفنبيك” بمبلغ 300 مليون جنيه رغم امتلاك شركة الإنتاج الإعلامي للفندق، وإسناده تطوير مدينة “ماجيك لاند” لإحدى الشركات بـ”الأمر المباشر” من دون إعلان، بما يمثل مخالفة لقانون تنظيم التعاقدات رقم 182 لسنة 2018.

واعتذر هيكل مرتين عن الحضور في مجلس النواب والرد على تقرير اللجنة، وهو ما اعتبره رئيس البرلمان، حنفي جبالي،
“مساسًا بهيبة النواب وكرامتهم”..

وأبلغ البرلمان هيكل بالحضور لمناقشة تقرير «الثقافة والإعلام» حول بيانه الذي ألقاه سابقًا أمام المجلس، إلا أن الوزير اعتذر في منتصف فبراير الماضي، وطالب بتأجيل مناقشة تقرير اللجنة لمدة أسبوعين، حتى يتمكن من إعداد رد عليه. وبعد مرور أكثر من شهر ونصف أعاد المجلس إدراج تقرير اللجنة للمناقشة بالجلسة العامة، السبت الماضي، وأبلغ الوزير بالحضور، إلا أنه اعتذر للمرة الثانية عن عدم الحضور، رغم إبلاغه بقبول «النواب» استجواب ضده.

وفي 31 مارس الماضي، كشف عضو بمجلس النواب، لـ«مدى مصر»، أن الإطاحة بهيكل وإلغاء وزارته أصبحا مسألة وقت، لافتًا إلى أن الحكومة لا تعطي للبرلمان فرصة سحب الثقة من أي من وزرائها، ووفقًا للمادة «225» من اللائحة الداخلية للبرلمان فإن الاستجواب يسقط بزوال صفة من وجه إليه الاستجواب أو بانتهاء الدور الذى قُدم خلاله.

 

 

دلالات استقالة “هيكل”

اسقاط اول استجواب بمجلس النواب:

وباستقالة هيكل، سقط أول استجواب داخل مجلس النواب في فصله التشريعي الحالي، وذلك إثر تعرضه لهجوم حاد على مدار الأشهر الماضية من الأغلبية البرلمانية، ممثلة في حزب “مستقبل وطن”، ووسائل الإعلام الموالية لنظام السيسي، بسبب انتقاده طريقة تسيير وسائل الإعلام، وضعف المحتوى المقدم في الصحف والقنوات.

ودخل هيكل في صراع غير معلن مع الضابط النافذ في جهاز المخابرات العامة أحمد شعبان، الذي يدير منظومة الإعلام في مصر من وراء ستار، إلى جانب ما يعرف بـ”تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين” داخل البرلمان، والتي تقدم أحد أعضائها، وهو النائب نادر مصطفى، باستجواب ضد هيكل يتهمه فيه بـ”الفساد المالي”، و”إهدار أموال الدولة أثناء توليه منصبه”.

 

التخلص من بقايا “طنطاوي”

وهيكل صحفي ومحرر عسكري سابق لجريدة “الوفد” الحزبية، واستغل قربه من أعضاء في المجلس العسكري -على رأسهم حسين طنطاوي-عقب ثورة 25 يناير في شغل منصب وزير الإعلام خلال النصف الثاني من عام 2011، في فترة شهدت أحداثاً جساماً، مثل “ماسبيرو” و”محمد محمود” و”مجلس الوزراء”، وقف فيها الإعلام الرسمي ضد الثوار، ومارس حملة ممنهجة لتشويههم لصالح المجلس العسكري الحاكم حينها.

وخلال أحداث ماسبيرو، وصف هيكل ما حدث بأنه “مؤامرة إخوانية لإسقاط الدولة”، ومارس التلفزيون المصري تغطية غير محايدة، وحرض ضد المواطنين المسيحيين المتظاهرين، وحث بقية المواطنين على النزول للدفاع عن جيشهم، بعد أن أذاع أخباراً عن مقتل قوات الجيش على يد المتظاهرين. كما أغلق مكتب قناة “الجزيرة” الفضائية بالقاهرة في عهده، بدعوى عملها من دون تصريح.

وعُين هيكل في أغسطس 2014 رئيساً لمدينة الإنتاج الإعلامي، وتعرض للطرد من المدينة من قبل العاملين الغاضبين من محاولته إثناءهم عن الاعتصام، وبوصفه من أهل الثقة، وضعته قيادات الجيش في تحالف انتخابي مدعوم من الدولة عام 2015، ليشغل رئاسة لجنة الثقافة والإعلام في مجلس النواب لمدة 4 أعوام، قبل أن يستقيل لتوليه منصب وزير الدولة للإعلام أواخر عام 2019.

ومن ثم تأتي استقالة هيكل التي يبدو أنه اجبر عليها، كمحاولة اخيرة لترتيب البيت من الداخل، خاصة فيما يخص الاعلام، حيث يبدو التناغم بين اطراف المنظومة الاعلامية التي تدديرها المخابرات من مكتب عباس كامل، بعيدا عن اي اطراف اخرى او مؤسسات قد تتضارب مصالحها وتوجهاتها مع الرؤى المخابراتية للسيسي..

 

استمرار سيناريو السيطرة والتأميم

ويمكن اعتبار اقالة هيكل  التي جاءت في شكل استقالة، بمثابة فرض السيطرة الشاملة والتفرد للجهاز  الأمني في ادارة ملف الاعلام، من قبل مكتب عباس كامل ونجل السيسي العميد محمود السيسي، وكيل المخابرات النافذ في  اروقة السلطة، من اجل خنق المنافذ وضبط قنوات الاتصال بمكتب واحد يتمثل في مكتب المقدم احمد شعبان بالمخابرات العامة، في مواجهة تحديات المرحلة المقبلة وما قد تفرضه من تغيرات بالداخل والخارج ، سواء على ثعيد الازمات المتراكمة في سد النهضة او في ليبيا وفي البحر المتوسط، واحتمالات التقارب الذي ما زالت مصر متراخية بشأنه مع تركيا.

ويواجه السيسي في طريقه لفرض منظومة إعلامية محددة، وهي سياسة الصوت الواحد فقط كما كانت في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، أزمات كبيرة،  كملكية وسائل الاعلام لرجال الاعمال ، الذين لهم مصالح واجندات غير موحدة ، قضى عليها السيسي بشراء الشركات التابعة لجهاز المخابرات والاستخبارات العسكرية لها، كقنوات الحياة ودريم والمحور وصحيفة المصري اليوم، التي سيطر على النسبة الاكبر من اسهمها  بعد حبس مالكها صلاح دياب.

كما يتواجه بتدخلات الاجهزة الأمنية والمخابراتية، الذين ينتمي لهم بعض الاعلاميين والقنوات، وهو ما فرض سيطرته عليهم عبر مواثيق موحدة وسيطرة هيئة الاعلام والصحافة…وغيرها.

ومؤخرا، بدأ المحيطون بالسيسي في خطةٍ لتحجيم دور الإعلام في الفترة المقبلة، من خلال التضييق عبر تشريعات، ومحاولة تكبيد خسائر في سوق الإعلام عمومًا، لإجبار بعض الوسائل المعارضة أو التي تتجه للمعارضة على الإغلاق بسبب أزمات مالية طاحنة. في سبيل الانفراد الكامل بالاعلام وايجاد الصوت الواحد، مع ضمان ولاء الإعلاميين ورؤساء التحرير له بشكل مباشر.

وفي أكثر من واقعة تدخلت أجهزة سيادية وأمنية في الدولة، لوقف طبع بعض الصحف، منها جريدة الوطن، اعتراضًا على موضوعات داخل العدد أو عناوين الملفات. وأوقفت المطابع عمليات طباعة نسخ الجريدة، حتى إجبار فريق التحرير على إدخال تعديلات، مع إعدام عشرات الآلاف من النسخ.

ولا يمكن فصل سياسات السيسي تجاه الإعلام، عن تلك التي يريد تنفيذها لتأميم المجال العام والقضاء على أي معارضة حقيقية، من خلال التنكيل بكل من يهاجم النظام الحالي.

 

عسكرة شاملة للإعلام

لم يخف السيسي في أكثر من مناسبة في الأعوام الماضية “ضيقه الشديد” من التغطيات الإعلامية لأداء حكومته، وولعه بإعلام عصر الستينيات، حيث كانت وسائل الإعلام جميعها خاضعة لسيطرة الحكومة وموالية بشكل تام للرئيس جمال عبد الناصر، وعلى الأرجح، فإن همسات السيسي تلك لم تكن مجرد أمنيات عابرة، ولكنها كانت بمنزلة إشارة البدء لخطة أُدخلت الإعلام المصري إلى عصر جديد، أو تُعيده إلى عصر قديم إن توخينا الدقة، عصر لم تكن فيه وسائل الإعلام مناصرة للسلطة فحسب، ولكنها مؤممة بشكل تام لخدمة مصالحها وترويج سردياتها الدعائية، وبدون أدنى قدر من التسامح مع أي خطاب مخالف أو معارض، ولو جاء على سبيل حفظ ماء الوجه. عصر يتقدمه رجال لا يمثلون مصالحهم بشكل تقليدي، بقدر ما يعملون كوكلاء عن السلطة، مشكلين جهاز بروباغندا ضخم هو أقرب ما يكون في وظيفته، حقيقة لا مجازا، إلى إعلام عصر الستينيات.

 

إعلام الأجهزة “السيادية

ومنذ الانقلاب العسكري، باتت السيطرة من قبل السلطة على كافة المنابر الاعلامية متصاعدة، ولكنها كانت أخذت عدة تطورات..

كانت اللحظة الأولى التي ظهر فيها أن مجتمع إعلام رجال الأعمال في مصر بدأ يتخلى عن اصطفافه النمطي خلف السلطة العسكرية لنظام ما بعد 3 يوليو هي تلك اللحظة التي بثت فيها القنوات الفضائية مشاهد اللجان الانتخابية الخاوية أثناء انتخاب السيسي للرئاسة منتصف عام 2014، في تلك اللحظة بدا أن إعلام السيسي يتعمد إحراجه بشكل واضح، رغم أن العزوف الانتخابي آنذاك لم يكن دالا على رفض الشعب للسيسي بقدر ما كان يُعبّر عن إدراك الجميع أن نتائج الانتخابات محسومة سلفا. واستمرت الانتقادات الإعلامية في ملاحقة السيسي منذ الساعات الأولى لتوليه الرئاسة، كما ظهر في اختيار صحيفة الوطن تغطية أول خطاب رئاسي للسيسي تحت عنوان “أربعون خطأ لغويًّا في خطاب السيسي الأول”. كانت تلك هي الإشارات الأولى للتصدعات الكامنة في قلب تحالف “مناهضة الإخوان” الذي تأسست عليه شرعية النظام المصري الجديد.

لم تمض فترة طويلة قبل أن يصبح هذا الصدع موضعا لنقاش علني حتى في وسائل الإعلام نفسها. وكان أبرز تلك الوقائع حين تحدثت الإعلامية المقربة من السلطة لميس الحديدي، خلال برنامجها على فضائية سي بي سي، منتقدة مجلس النواب بالقول إن كل نائب خلفه جهاز يتحكم فيه ويزوده بالمعلومات، لكن ما لم تصرح به الحديدي هو أن مقولتها تلك تنطبق بشكل حرفي على مجتمع الإعلاميين أنفسهم، قبل أن تنطبق على النواب. ولعل ذلك هو عين ما أشار إليه السيسي في انتقاداته وتهديداته المبطنة للإعلاميين بداية من قوله “هو القطاع بتاعكم ده مفيهوش مصايب ولا ايه”، مرورا بسخريته منهم بقول “الإعلام مش فاهم حاجة”، وصولا إلى إشادته بإعلام عصر الستينيات.

كان من الواضح أن السيسي قد فقد صبره في مواجهة إعلام عصر مراكز القوى الذي بدأ يُعبّر، وإن كان ذلك بصوت خافت، عن مصالح القوى المتباينة داخل تحالف حمله للسلطة، وسرعان ما أفصح عن نيته العودة بإعلامه إلى عصور البروباغندا العتيقة. غير أنه كان يدرك بوضوح أنه لم يعد بمقدوره توحيد الإعلام تحت قبضة سلطة سياسية حكومية موحدة، كما فعل عبد الناصر، وأن عصر الإعلام الخاص صار حقيقة لا يمكن تجاوزها، وظهرت قناعته تلك بوضوح منذ حملته الانتخابية التي اختار أن يطل فيها على الشعب عبر قناة خاصة وليس عبر إحدى قنوات التلفاز الحكومي، بحسب دراسة “عسكرة الكلمة”، المنشورة بالجزيرة 2017.

 

يؤمن السيسي إذن بأهمية وجود إعلام خاص جذاب يحوز ثقة المشاهدين، ولكن هذا الإعلام لا بد وأن ينسق خطواته بانسجام ورشاقة في توافق مع السلطة. لم يكن ذلك يستلزم فقط إعادة ترسانة القوانين التي تحد من النشاط الإعلامي، مثل قانون الإرهاب الذي يعاقب بالحبس على نشر أي أخبار تخالف البيانات الرسمية في الأحداث التي تعتبرها الحكومة إرهابية، وقانون الكيانات الإعلامية الموحد المثير للجدل، ولكنه يستلزم أيضا أن تُظهر السلطة أنيابها في مواجهة وسائل الإعلام ومموليها الذين تعرضوا لضغوط كبيرة من قبل السلطة، إما للخروج من المشهد بشكل كامل، كما حدث مع توفيق عكاشة صاحب قناة الفراعين الذي أغلقت قناته الفضائية وأُسقطت عضويته في البرلمان المصري قبل أن يختفي من المشهد، وإما لضبط توجهات وسائل الإعلام التي يديرونها عبر استبعاد الإعلاميين الذين مارسوا انتقادا متتابعا للنظام، كما حدث مبكرا للإعلاميين يسري فودة وريم ماجد من قناة أون تي في التي كانت مملوكة في ذلك التوقيت لرجل الأعمال نجيب ساويرس، وصولا إلى إيقاف برنامج الإعلامي إبراهيم عيسى على قناة القاهرة والناس، بعد ممارسة ضغوط مكثفة على مالكها قطب الإعلانات الشهير طارق نور، وصلت ذروتها بالتعنت في إقامة معرض لومارشيه السنوي للأثاث الذي ترعاه وكالته الإعلانية، قبل أن تتراجع الأجهزة الأمنية وترخص بإقامة المعرض بعد استبعاد عيسى، الذي عاد مجددا في 2021.

كان طارق نور نفسه أحد أكثر رجال الأعمال صراحة في الاعتراف، بل والتصالح، مع خطة نظام السيسي لإعادة تشكيل المشهد الإعلامي. في حوار له مع صحيفة المصري اليوم أقر نور صراحة بتدخل بعض أجهزة الدولة للاستحواذ على كيانات إعلامية قائمة واستحداث كيانات جديدة، ولكنه ادعى أن ذلك لا يجيء بدافع رغبتها في الهيمنة على الإعلام، ولكن “إنقاذا لهذه الكيانات من السقوط وبطلب من ملاكها أنفسهم أحيانا” على حد قوله. بيد أن شهادة نور، وإن كانت قدمت توصيفا هو الأكثر صراحة لهوية “الأيدي الخفية” التي تعيد تشكيل خارطة الإعلام الخاص في مصر، فإنها تتناقض مع إشارة أحد أبرز ضحايا عملية إعادة التشكيل تلك، وهو رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس، من أكد أنه اضطر للتخلي عن مجموعته الفضائية “أون تي في” لأنها سببت له صداعا وأغضبت الحكومة والقوى السياسية، رغم حرصه على تأكيد أنه لم يتعرض لضغوط مباشرة لبيعها.

وتلى ذلك شرائ شركات المخابرات ، المتحدة ، فالكون، المستقبل، اعلام المصريين…وغيرها لكافة الصخف الخاصة والقنوات الخاصة بشكل سافر، وظهور اعلام السامسونج، بتوجيه من ضابط المخابرات المتحكم في موجة الاعلام في مصر ، احمد شعبان، وهي الطريقة والحطة التي يرتضيها السيسي حاليا وتقنعه بانه يعيش في عصر الستينيات..

وهي خطة تقوم في المقام الأول على خلع الأجهزة السيادية لأقنعة الوقار التقليدي، وإعادة تشكيل المشهد الإعلامي بوجوه مكشوفة. لا يكتفي الرقيب العسكري الجديد بالجلوس في أروقة الصحيفة أو القناة لتحديد ما هو مناسب وما ليس مناسبا، ولكنه اليوم يمتلك القناة الفضائية ويديرها بنفسه، ويوظف المهنيين تحت سلطته مباشرة، وفي أحيان كثيرة يقوم بنفسه بإعداد وتقديم المادة الصحفية المكتوبة أو المرئية، صانعا بذلك أوركسترا بروباغندا نموذجية، أما الفضاءات التي لا يستطيع الرقيب السيطرة عليها فسوف يكون مصيرها الحجب التام والمنع من الوصول إلى الجماهير، وهو مصير لقته مئات المواقع الصحفية والمستقلة في الفترة الأخيرة.

ولعل تلك الأجواء هي ما جعلت مصر تصنف حاليا في المرتبة 161 من بين 180 دولة في سلم احترام حرية التعبير والصحافة حسب منظمة مراسلون بلا حدود، كما وصل عدد المواقع الإعلامية المحجوبة في مصر إلى حد الآن نحو 568 موقعا حسب مؤسسة حرية الفكر والتعبير المصرية.

ومن ثم تأتي استقالة اسامة هيكل، ضمن التشابك العميق والمعقد بين الأجهزة الاستخبارية التابعة للجيش المصري والمحطات التلفزيونية وشركات الإنتاج والصحافة، ويبقى الباب مفتوحا على مزيد من الأزمات في الفترة المقبلة، وسط تحديات المشهد السيسي المرتبك في مصر، والذي وصل لأن يتحدث السيسي نفشه لمجلة ألمانية، عن أن هناك تحريضا على انقلاب على السلطة القائمة..!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

حقوق الإنسان في مصر.. عن كلمة السيسي والاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.. قراءة في المضامين وردود الأفعال

    ألقى عبدالفتاح السيسي كلمة[1]، في مؤتمر حافل شهد حضور عدد من الوزراء والنواب…