‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر إعدام 17 معتقلا سياسيا بقضية كرداسة..  مغزى التوقيت بين الرسائل والدلائل
مصر - مايو 10, 2021

إعدام 17 معتقلا سياسيا بقضية كرداسة..  مغزى التوقيت بين الرسائل والدلائل

عامل التوقيت في تنفيذ حكم الإعدام بحق 17 معتقلا سياسيا في قضية "اقتحام قسم شرطة كرداسة" مغزى قد لا تخفى دلالته للمتابعين للشأن المصري وتشابكاته الإقليمية من عدة أوجه أو محاور،

إعدام_كرداسة

 

 

 

لعامل التوقيت في تنفيذ حكم الإعدام بحق 17 معتقلا سياسيا في قضية “اقتحام قسم شرطة كرداسة” مغزى قد لا تخفى دلالته للمتابعين للشأن المصري وتشابكاته الإقليمية من عدة أوجه أو محاور، ذلك أن تنفيذ الإعدام جاء في شهر رمضان المبارك وهو ما  يخالف ما استقرت عليه الأعراف المصرية بعدم تنفيذ أحكام الإعدام في المناسبات الدينية المختلفة؛ فقد نص قانون تنظيم السجون (المادة 69) وقانون الإجراءات الجنائية (المادة 475)، على عدم تنفيذ أحكام الإعدام في المناسبات والأعياد الدينية للمحكوم عليهم؛ فلماذا صدر قرار التنفيذ في هذا التوقيت؟ وما هو الهدف  من إعدام هؤلاء الضحايا الأبرياء في شهر رمضان الكريم وقبل عيد الفطر بأسبوعين فقط؟ ولماذا تجاوزت سلطات الانقلاب أعرافها عند تنفيذ أحكام الإعدام بحقهم بعد محاكمة افتقدت إلى أدنى معايير الشفافية والنزاهة والعدالة؟

وتحمل قضية اقتحام قسم شرطة كرداسة الرقم 12749 لسنة 2013 جنايات مركز كرداسة، وكانت دائرة الإرهاب بمحكمة جنايات الجيزة برئاسة القاضي محمد ناجي شحاتة قد أصدرت حكما أوليا في فبراير 2015م بإعدام 183 متهماً بالقضية والسجن 10 سنوات للطفل المتهم، وبراءة متهمين اثنين. وألغت محكمة النقض في العام التالي (2016) أحكام اﻹعدام في حق 149 من المتهمين وأمرت بإعادة محاكمتهم. لكن محكمة النقض رفضت هذا الحكم وجرى إعادة المحاكمة أمام دائرة إرهاب أخرى برئاسة محمد شيرين فهمي، وفي 2 يوليو/ تموز 2017، قضت الدائرة رقم 11 برئاسة المستشار شيرين فهمي بإعدام 20 متهماً وبمعاقبة 80 متهماً بالسجن المؤبد ومعاقبة 34 متهماً بالسجن المشدد 15 عاماً، وقضت بالسجن 10 سنوات لطفل بإيداعه دار أحداث، وبراءة 21 متهماً.

وفي صباح الإثنين 24 أبريل 2021م، جرى تنفيذ حكم الإعدام في 9 معتقلين بالقضية. وبعدها بيومين صباح الأربعاء 26 أبريل 2021م جرى تنفيذ حكم الإعدام في 8 معتقلين آخرين بالقضية.  وكان قطاع مصلحة السجون بوزارة الداخلية  قد نفذ حكم الإعدام في 4 أكتوبر 2020م بحق ثلاثة معتقلين بالقضية، هم: شحات مصطفى محمد علي الغزلاني عمار، سعيد يوسف عبد السلام صالح عمار، وأحمد محمد محمد الشاهد. ووفقًا لدفاع المتهمين؛ فإن القضية شابها العديد من الانتهاكات، منها بطلان إجراءات القبض والتفتيش لعدد من المتهمين، كما استند الحكم لتحريات أجهزة الأمن مجهولة المصدر دون سواها من أدلة في ظل شيوع الاتهام وعدم بيان الأدلة تفصيلاً. كذلك، فإن استجواب المتهمين تم في منطقة عسكرية، وأجبر العديد منهم على تقديم اعترافات انتزعت تحت التعذيب، وبدون حضور محاميهم، كما لم يتمكن المحامون من التواصل معهم أثناء التحقيقات والمحاكمة، مما لم يمكنهم من تقديم الدفوع الكافية.

 

مغزى التوقيت

يمكن تفسير مغزى التوقيت في تنفيذ هذه المذبحة خلال هذه الفترة من وجهين.

الأول، أن هذه المذبحة الجماعية تمثل رسالة لتركيا  في مرحلة تشهد تقاربا بين البلدين والنظامين مفادها أن هذا التقارب لا يعني مطلقا قبول النظام بأي مصالحة مع الإخوان أو التقارب من الإسلاميين عموما، كما أنها تمثل رسالة لأنقرة وللرئيس التركي على وجه التحديد أن النظام في مصر لن يخرج عن الخط الذي رسمه تحالف الثورات المضادة الذي يستهدف  استئصال الإسلاميين من المنطقة عموما وأن هذا التقارب المصري التركي لن يكون على حساب الحرب التي يشنها النظام العسكري في مصر على  الإسلاميين والتي تمثل صك شرعية للنظام في تل أبيب وواشطن ولفيف من العواصم الأوروبية الأخرى التي ترى في حرب السيسي على الإسلاميين تحت لافتة “الحرب على الإرهاب” هي صك الشرعية الأول للنظام إلى جانب التحالف العسكري والأمني مع إسرائيل  وحماية المصالح الأمريكية والغربية في مصر والمنطقة.

معنى ذلك أن هذه المذبحة الجماعية في هذا التوقيت وبمخالفة القوانين حتى وإن كانت تحت لافتة “حكم قضائي” مسيس، لكنها في ذات الوقت تمثل اختبارا  للمواقف التركية الجديدة في ظل حالة التقارب، والنظام في مصر يقيس مدى وحجم ومنسوب رد الفعل التركي حتى يبنى على ذلك حدود  ومستقبل العلاقات بين البلدين. وبرصد ردود الفعل التركية بين إعدام تسعة نشطاء في فبراير 2019م وحملة الإعدام الجماعي مؤخرا، فإن الموقف التركي كان في الأولى (إعدام 9 نشطاء في 2019) بالغ الغضب والانحياز للضحايا، ودان بشدة مواقف النظام العسكري الانقلابي في مصر،«بل إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وصفها بالجريمة ضد الإنسانية، ووصف تستر نظام السيسي بأن ذلك جرى تنفيذا لحكم قضائي مؤكدا أن القضاء والانتخابات وكل هذه الأمور في مصر  بلا معنى هناك فقط نظام استبدادي بل حتى شمولي». ووصل الحد بالرئيس التركي إلى معايرة الأمريكان والأوروبيين بمواقفهم المشينة التي تتغاضى عن هذه الجرائم وتجري صفقات المصالح مع نظام اغتصب الحكم بانقلاب عسكري وأجهض مسارا ديمقراطيا وليدا.  أما رد الفعل التركي حاليا (أبريل 2021م) وبعد إعدام 17 بريئا في نهار رمضان (1442هـ) بينهم دعاة إلى الله، فإن النظام التركي التزم الصمت على هذه الجريمة، قد يكون الأتراك مقتنعين أنها “جريمة ضد الإنسانية” لكنهم فضَّلوا الصمت وكتمان الأمر في صدورهم ليمنحوا الأولية لتطبيع العلاقات مع نظام شمولي اغتصب الحكم بانقلاب عسكري. من حقنا أن نفهم الأمر على أنه تخلٍ تركي عن القيم والمبادئ التي طالما نادوا بها من قبل، وكان الرئيس التركي أكثر من يعبر عن هذه القيم والمبادئ الإنسانية، لكننا لا ننكر في ذات الوقت أنه لا يزال يفتح بلاده للمظلومين والمضطهدين الذين فروا بدينهم وهاجروا إلى بلاده ينشدون العدل والأمان والحرية. يضغط العسكر في مصر على الرئيس التركي كما ضغط سادة قريش على النجاشي بشأن المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة، وكما أبى النجاشي تسليم المسلمين لقريش لا يزال أردوغان يأبى تسليم المؤمنين المضطهدين للسيسي وعساكره أصدقاء “تل أبيب” المقربين.

اختفت تماما ردود الفعل التركية الرسمية على هذه الجريمة النكراء، ولم يصدر تصريح إدانة واحد من الحكومة التركية لهذه الجريمة، ولم يدن هذه الجريمة سوى تصريحات لياسين أقطاي، وهو مستشار لأردوغان باعتباره رئيسا لحزب “العدالة والتنمية” الحاكم وليس باعتباره رئيسا للجمهورية. معنى ذلك أن تصريحات أقطاي التي استنكرت تنفيذ حكم الإعدام بحق 17 مصريا مسلما في نهار رمضان جاءت مغلفة بغلاف حزبي وليس بغلاف حكومي رسمي. الأمر الذي يعني أن الحكومة التركية قد حسمت خيارها. يعزز من هذه الفرضية أنه في الأسبوع التالي مباشرة لتنفيذ هذه الجريمة استقبلت القاهرة وفدا تركيا برئاسة نائب وزير الخارجية سادات أونال، يومي الأربعاء والخميس (5 ــ6 مايو 2021م) حيث يلتقي بنائب وزير الخارجية بحكومة الانقلاب “حمدي سند لوزا” لبحث تطبيع العلاقات بين البلدين. وأفاد بيانان صادران عن وزارتي الخارجية بالبلدين أن المحادثات الاستكشافية، ستتناول الخطوات الواجب اتخاذها لتطبيع العلاقات بين البلدين على الصعيدين الثنائي والإقليمي.

الوجه الثاني لمغزى التوقيت إذا جرت قراءته في سياقه المحلي والإقليمي والدولي أنه يأتي قبل أسابيع قليلة من حدثين بارزين: الأول هو بدء إثيوبيا في حجز مياه النيل بداية من يوليو المقبل (2021م)، والثاني، ذكرى الانقلاب في 3 يوليو وما تلاه من مذابح وحشية.  وبدلا من لملمة الصفوف وتوحيد الشعب ضد أكبر عدوان يهدد مصر عبر تاريخها كله فإذا بالنظام يقدم على هذه الجريمة النكراء بالتزامن مع بث مسلسل درامي هزلي (الاختيار 2) يزيف التاريخ ويكرس الانقسام والاستقطاب الحاد في وقت كان يتعين فيه على أهل الحكم ــ لو كانوا راشدين  ــ لملمة الصفوف لمواجهة العدوان الإثيوبي وجفاف النيل المرتقب باعتبارها قضية قومية تستوجب الوحدة والتكاتف، لكن النظام العسكرى أبى إلا الإصرار على شق الصفوف وتمزيق كل أواصر الوحدة وتفتيت كل معنى لتماسك المجتمع وقوته لمواجهة هذه الأخطار الوجودية الخطيرة. معنى هذا أن النظام بالمسلسل المشبوه أولا ثم  بمذبحة الإعدام الجماعي يصر على المضي  في طريق الدماء، والإصرار على القمع والظلم والاستبداد الذي طال الجميع إسلاميين وعلمانين وغير مسيسيين، فالنظام مصرٌّ على سفك واسترخاص دماء المصريين  التي بدأها بعشرات المذابح الدموية في الحرس الجمهوري والمنصة ورابعة والنهضة وغيرها، وقبلها أثناء ثورة يناير ومجلس الوزراء ومحمد محمود وماسبيرو والعباسية؛ من أجل تكريس حكمه الشمولي؛ فالدماء هي اللغة التي يفهمها النظام، الذي تأسس بقوة السلاح عبر انقلاب عسكري على المسار الديمقراطي في 03 يوليو 2013م، وليس ثمة فارق بين القتل برصاص القناصة أو بالاغتيال مباشرة بزعم تبادل إطلاق النار أو القتل بقصف أحكام القضاء المسيس؛ فالمذبحة الأخيرة بإعدام 17 بريئا هي مذبحة جرى التغطية عليها بغلاف قضائي مزيف يتلقى الأوامر من سادته في الأجهزة السيادية (المخابرات ــ الأمن الوطني) لتحقيق أمرين: التنكيل بالمعارضين من جهة، وتخويف الشعب من المعارضة والاحتجاج أو الثورة من جهة ثانية خصوصا إذا تدهورت  الأوضاع بالتزمن مع ججز المياه المرتقب والذي يتزامن مع ذكرى الانقلاب ومذابحه المروعة. هي إذا  رسالة  تحمل مضامين التهديد  والوعيد لجميع القوى التي شاركت في ثورة 25 يناير، وخصوصا قيادات الإخوان وحزب الحرية والعدالة، فالنظام لا يتهاون في إجراءات تأمينه وتكريس سلطويته وهو مستعد لأعلى درجات التصعيد؛ خصوصا أن رءوس كبار النظام على المحك إذا سقط أو تراخى، كما أنه بهذه الإعدامات يبعث برسالة للقوى المدنية عموما بشقيها الإسلامي والعلماني أنه سيعاقب بكل عنف وقسوة أي تيار مدني يتطلع إلى حكم مصر حتى لو بالوسائل الديمقراطية كما حدث مع الإخوان وحزب الحرية والعدالة. فالمعادلة التي يقوم عليها حكم مصر تتعلق بسياقات خارجية أكثر منها داخلية ترتبط ارتباطا وثيقا بضمان حماية الكيان الصهيوني والحفاظ على معاهدة السلام المزعوم إضافة إلى ضمان المصالح الأمريكية والقوى الإقليمية الخليجية وعلى رأسها الرياض وأبو ظبي.

 

الرسائل

الرسالة الأهم في مذبحة الإعدامات الجماعية في نهار رمضان والضحايا صائمون أنها برهان ساطع لكل المعنيين بالأمر تؤكد على إصرار النظام على وأد  أي بصيص أمل لدى البعض  أو أوهام  بشأن أي مصالحة مجتمعية شاملة بين النظام من جهة والقوى السياسية والثورية من جهة أخرى وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين التي تمثل الفصيل الشعبي الأكبر في البلاد، وذلك للاعتبارات الآتية:

  • الفلسفة التي جيء بالسيسي لفرضها تعتمد اعتمادا كليا على إرهاب المجتمع المصري وتمزيقه لإضعاف مراكز القوة والمناعة الشعبية والمدنية بداخله، وتكريس الانقسام على المستويين السياسي والاجتماعي؛ بهدف منع أي تحول ديمقراطي جاد في مصر. وتحجيم الهوية الإسلامية بما يضمن عدم تحول مصر إلى دولة ديمقراطية أو إسلامية؛ لخطورة ذلك على الكيان الصهيوني والمصالح الأمريكية والخليجية في مصر والمنطقة. وقد اعترف الدكتور محمد البرادعي الذي كان نائبا للمؤقت عدلي منصور أنه استقال من منصبه رفضا لفض الاعتصام بالقوة، وأوضح أن معارضته لاستخدام القوة في فض الاعتصامين “ليس فقط لأسباب أخلاقية، وإنما كذلك لوجود حلول سياسية شبه متفق عليها، كان يمكن أن تنقذ البلاد من الانجراف في دائرة مفرغة من العنف والانقسام”. وأضاف أنه تعرض لتهديدات من جانب أجهزة وصفها  بالسيادية لأنه كان يمضي في طريق حل الأزمة سلميا بينما كانت هذه الأجهزة  تصر على تعقيد الموقف وعدم حل الأزمة بشكل سلمي.  وحتى تستقيم المفاهيم والتصورات فإن ما يتعلق بالمصالحة المصرية الشاملة خصوصا مع الإسلاميين فإن السيسي لا يتمتع بأي استقلال في اتخاذ قرار بهذا الشأن؛ لأنها مسألة إقليمية ولبعض القوى الدولية والإقليمية فيها نفوذ تستطيع فرضه على السيسي والمؤسسة العسكرية، لأنها ترتبط ارتباطا وثيقا بمستقبل الكيان الصهيوني وضمان أمنه واستقراره على المدىين القصير والطويل.
  • السيسي لا يرى نفسه مضطرا في الوقت الحالي للتصالح مع رافضيه، بل يجد نفسه مضطرا للالتزام بتوجيهات رعاة انقلابه وداعميه التي تقوم على استئصال فكرة الحرية والديمقراطية من مصر بشكل عام حتى لا تنتقل عدواها إلى ممالكهم. وهم يستندون في توجيهاتهم إلى المليارات التي دفعوها ولا يزالون، وهو يدرك أيضا أن عرشه سيكون مهددا بأي مصالحة سياسية، أو بأي تسامح سياسي تجاه المعارضة بكل تياراتها، ولذلك فإنه يغلق المجال السياسي بوجه الجميع وليس بوجه الإخوان فقط، ولا أدل على ذلك من ملاحقته لكل الرموز الليبرالية واليسارية المعارضة لحكمه، والزج بها في السجون جنبا إلى جنب مع الرموز والقواعد الإخوانية والإسلامية، والأكثر من ذلك زجه بقيادات عسكرية في السجون وتحت الإقامة الجبرية مثل سامي عنان وأحمد قنصوة وأحمد شفيق وغيرهم. قبل أن يقوم مؤخرا ببعض الانفراجات الصغيرة.
  • كما تقف تصورات السيسي عن هذه المصالحة عقبة في طريق لم شمل المجتمع المصري؛ لأن السيسي لا يريد مصالحة بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما يريد صك إذعان واستسلام من الإخوان والقوى السياسية كلها لتوجهاته وسياساته مهما كانت بالغة الشذوذ والإضرار بمصالح مصر وأمنها القومي.  يريد السيسي من الإخوان وغير الإخوان الإقرار بشرعية النظام وعدم معارضته مطلقا، والانصياع الكامل لسياساته وتوجهاته مهما كانت بالغة الشذوذ والانحراف وتمثل تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري. فتصورات السيسي عن المصالحة السياسية  تشبه تماما تصوراته عن أزمة التصالح في مخالفات البناء مع الشعب كله؛ فالسيسي هو من خلق الأزمة وسن قانونا  اعتبر عشرات الملايين من المصريين مخالفين للقانون، وراح بناء على هذا القانون “الشاذ” يهدم مئات المنازل للمواطنين ليكونوا عبرة لغيرهم من أجل إجبار الشعب على دفع إتاوات باهظة مقابل تقنين بيوتهم التي يعيشون فيها منذ عشرات السنين، وبالتالي فإن السيسي يريد مصالحة سياسية على غرار قانون التصالح في مخالفات البناء؛ تحقق له المكاسب ويفرض بها تصوراته على الجميع بأدوات البطش والقمع الأمني؛ وفق قاعدة “الإذعان الكامل أو السحق الشامل”.

الرسالة الثانية، التأكيد على أن جميع مؤسسات الدولة تحت السيطرة، فالنظام يستهدف من مذابح الإعدامات الممهورة بأحكام قضائية مزيفة ومسيسة افتقدت لأدنى معايير العدالة والنزاهة التأكيد على أن كل مؤسسات النظام تحت السيطرة، فليست فقط الشرطة التي تقتل الناس في الشوارع، وليس فقط الجيش هو من يهدم البيوت على رءوس أصحابها ويقتل بلا رحمة، ولكن القضاء أيضا يقتل بلا قانون.  شعار النظام «نحن شبه دولة .. لا قانون ولا عدالة .. نقتل من نشاء وقتما نشاء دون خوف من مساءلة أو عقاب».  الرسالة للداخل والخارج تقول إن النظام أحكم قبضته على جميع مفاصل الدولة ومؤسساتها وهيمن على مؤسسة القضاء حتى باتت ألعوية يوظفها وفقا لتحقيق أهدافه ومصالحه السياسية، يعزز ذلك أن السيسي أطاح بكل قاض يملك أي مسحة من استقلال، وقام بتصعيد أولئك الذين يصدرون أحكاما بناء على تحريات الأمن الوطني لا صحيح القانون ووضوح الأدلة، وصواب الاستدلال. فقد أطاح بالمستشار يحيى الدكروري لأنه مارس نزاهة القاضي في إلغاء اتفاقية ترسيم الحدود البحريةالتي أدت إلى التنازل عن جزيرتي “تيران وصنافير”، وأجرى تعديلات مشبوهة على قانون السلطة القضائية يفضي تلقائيا إلى همينة شبه مطلقة للنظام على مفاصل القضاء. من جانب آخر، فإن جرائم الاغتيال تحت لافتة تنفيذ أحكام القضاء بالإعدام هو (مثل السجون تماما) تعبير عن أحد أقوى التعبيرات عن السلطة ومدى تحكمها وسيطرتها على الأمور؛ وبالتالي فإن القتل المعلن عبر منصات القضاء يحمل شرعية زائفة كما يحمل رسالة قوة أكبر في مضمونها ورسالتها من القتل الغادر بالشوارع في تبادل مزعوم لإطلاق النار؛ لأن هذه الصورة (الاغتيال في الشوارع) توحي بالتنازع على السلطة والصراع ضد النظام، أما القتل عبر أحكام القضاء المسيس فإنها صورة تبرهن للعالم الخارجي مدى قوة النظام وتماسكه وسيطرته على  الأمور.

الرسالة الثالثة، هي التهديد والوعيد، فالنظام يهدد الجميع بالتأكيد مجددا على أن رؤوس الجميع تحت المقصلة، فكلما زادت معدلات الظلم والاستبداد تعين على النظام زيادة منسوب الخوف وتمتين جدرانه، ولا يوجد أقل من القتل المعلن الذي يرتدي عباءة الشرعية الزائفة كأداة لتمتين وتضخيم هذه الجدران. فزيادة منسوب الخوف يؤدي إلى توحش السلطة وتبجحها؛ وبالتالي يدخل المجتمع في تزايد مضطرد للظلم من جهة وجدران الخوف من جهة أخرى حتى يتداعى الجدار بفعل الثورة أو بفعل الصراع بين أركان السلطة أو من تلقاء نفسه بفعل تفكك السلطة وهشاشتها وعدم قدرتها على تلبية الحاجات الأساسية للمواطنين. كما أن النظام يبرهن على سطوته وجبروته بالتأكيد على حماية ضباطه وعناصره المتورطين في الدماء سواء كانوا في الجيش  أو الشرطة أو غيرهما، دون اكتراث للانتقادات المحلية والدولية وخصوصا من منظمة العدل الدولية أو مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أو هيومن رايتس ووتش. فرغم مقتل أكثر من ألف موطن على يد الجيش والشرطة في مذبحة رابعة والنهضة فلم يقدم ضابط واحد للمحاكمة. بل جرى تقديم من تبقوا من ضحايا مذبحة رابعة وغيرها لمحاكم صورية ليجري ذبحهم عبر منصات القضاء المسيس.

في المقابل جاءت مشاركة حشود غفيرة في جنازات الضحايا لتمثل صدمة لنظام السيسي وأجهزته الأمنية؛  مبلغ الصدمة أن الناس تعارفت على عدم المشاركة في جنازات من أعدموا في قضايا جنائية فيتم دفنهم في هدوء بمشاركة قليلة من أقاربهم ويكفي ما تسببوا فيه من عار لأهلهم. لكن في جنازات ضحايا الإعدامات تتابعت الحشود الغفيرة بصورة كبيرة ودوَّت هتافات الناس (لا إله إلا الله .. الشهيد حبيب الله. لا إله إلا الله.. السيسي عدو الله)، في برهان ساطع على أن هؤلاء الدعاة إلى الله جرى إعدامهم ظلما وعدوانا فزاد تعاطف الجماهير معهم؛ ويكفي أنهم عُرفوا بين الناس بالإيمان والاستقامة وتاريخهم وحياتهم خير شاهد وقد تواتر بين أهالي كرداسة أن من اقتحموا قسم الشرطة وقتلوا ضباطه هم بلطجية لإخراج محبوسين بسجنه والسطو على الأسلحة التي كانت به. لكن نظام السيسي أبى إلا اتهام الأبرياء دون دليل أو بينة.[[1]]

 

 

 

[1] آلاف المصريين يشيعون جنازة “شهيد إعدامات كرداسة” بهتافات ضد السيسي/ العربي الجديد ــ 02 مايو 2021// https://www.youtube.com/watch?v=Y-Y_TZOQHnM//https://www.youtube.com/watch?v=l7zlQecXLzM

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

استجواب عباس كامل في الكونجراس الأمريكي

    “عباس كامل رئيس المخابرات المصرية يواجه استجواب بشأن تورط مزعوم في مقت…