‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر رافال الجديدة .. دلالات التوقيت ورسائل الصفقة
مصر - مايو 17, 2021

رافال الجديدة .. دلالات التوقيت ورسائل الصفقة

صفقة الرافال الفرنسية لمصر

 

 

 

خلال أزمة تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المسيئة للإسلام في الربع الأخير من سنة 2020م، وحملات المقاطعة الواسعة للبضائع الفرنسية احتجاجا على التطاول الفرنسي وبذاءة رئيسهم المتطرف،  فأجأ الطاغية عبدالفتاح السيسي الجميع بزيارة باريس في ديسمبر 2020م، واللافت أنه حظي باستقبال فخيم، وفرشت له باريس السجادة الحمراء وهي التي لا تفرش عادة إلا لكبار الزعماء الذين يحظون بمكانة رفيعة عند الدولة الفرنسية.

في مايو 2021م الجاري، اتضح أن وراء هذه الحفاوة والمبالغة الفرنسية في استقبال السيسي يعود إلى عدة أسباب تدور جميعها حول تطابق مواقف السيسي مع المواقف الفرنسية في مجمل القضايا الإقليمية والدولية، رغم أن الرئيس الفرنسي نفسه كان قد انتقد ملف نظام السيسي في حقوق  الإنسان خلال زيارته للقاهرة في فبراير 2019م، وجرى بينهما حينها تلاسن رصدته العدسات والشاشات.

أول الأسباب، أن السيسي وقتها أبدى انحيازا كبيرا للمواقف الفرنسية حتى في ظل تطاولها على الإسلام والنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وتنكيلها بالمسلمين في فرنسا عبر سن تشريعات عنصرية ضد المسلمين، فقد وقفت الآلة الإعلامية لنظام السيسي ضد دعوات المقاطعة للبضائع الفرنسية، ونكلت وزارة الأوقاف بالأئمة والدعاة الذين انتقدوا التطاول الفرنسي على الإسلام والمسلمين. وتم اعتقال الداعية المعروف الشيخ مصطفى العدوى على خلفية إطلاقه تصريحات إعلامية بشأن وجوب مقاطعة المنتجات الفرنسية نصرة للرسول صلى الله عليه وسلم[[1]]؛ ورغم إطلاق سراحه بعد ساعات من احتجازه؛ إلا أن الرسالة كانت قد وصلت، بأن النظام لن يتسامح مطلقا مع الأشخاص والجهات التي تتبنى حملات المقاطعة ضد البضائع الفرنسية. كما أجرى الجيش المصري في ذات التوقيت تدريبات عسكرية مشتركة مع الجيش الفرنسي تكررت مرتين في نوفمبر 2020م. كما جرى استقبال رئيس الوزراء الفرنسي في القاهرة كتعبير عن مساندة القاهرة للموقف الفرنسي والسعي إلى  التهدئة وعدم التصعيد ضد فرنسا.

السبب الثاني، هو تطابق مواقف السيسي مع المواقف الفرنسية رغم عدائها الصارخ للإسلام و المسلمين وحروبها التي لا تتوقف ضد المسلمين، وتحظى حروب السيسي ضد المسلمين في مصر بدعوى الحرب على الإرهاب بترحيب واسع في فرنسا، وقد كشفت تقارير إعلامية فرنسية ومنظمات حقوقية فرنسية أن باريس دعمت نظام السيسي بمصفحات ووسائل إلكترونية وأدوات حديثة تمكنه من مواصلة قمع الإسلاميين حتى لو كانوا هم الفريق الأكثر إيمانا بالديمقراطية في مصر، ويضحون في سبيل الحرية والعدالة والتعايش المشترك ضد نظام مستبد اغتصب الحكم بانقلاب عسكري ولا يجيد سوى القمع والطغيان. كما تتطابق تصورات السيسي في قضايا المنطقة (فلسطين ــ ليبيا ــ سوريا ـ شرق المتوسط ــ  الموقف من الإسلاميين) مع تصورات فرنسا ومواقفها وهي مواقف بالغة التطرف و العداء للإسلام والمسلمين.

السبب الثالث والأهم الذي دفع باريس لفرش السجاد الأحمر لأحد أكبر طغاة العرب، هو أنه في ذات الوقت الذي كانت فيه دعوات المقاطعة تتصاعد ضد  فرنسا لتطاول رئيسها وحكومتها على الإسلام ونبيه والمسلمين، كان السيسي متجها إلى باريس في زيارة رسمية استغرقت ثلاثة أيام لإبرام صفقة سلاح قياسية ما كانت لتحلم بها فرنسا؛ فقد تعاقد السيسي خلال هذه الزيارة على شراء 30 طائرة رافال جديدة، وهي الصفقة التي جرى الإعلان عنها من جانب المتحدث العسكري في 3 مايو 2021م والتي تقدر بنحو “4.8” مليارات دولار!

رحبَّ بالصفقة المقربون من النظام، بينما أثارت كثيرا من الدهشة والاستنكار عند كثيرين في حجمها وتوقيتها، وبات هناك صعوبة شديدة في فهم كيف يتصرف النظام العسكري في مصر، أو بمعنى أدق كيف يمكنه تحقيق التوازن في عقول الجماهير بين الجيش الأقوى في المنطقة وأكبر ثالث مستورد للسلاح في العالم، في الوقت الذي تناقصت فيه مساحة مصر عبر التنازل عن جزيرتي “تيران وصنافير” في ظل  هذه الصفقات المليارية، وهي الآن مهددة بالحرمان من النيل ذاته! فما قيمة هذه الصفقات إذا لم تحافظ على تراب الوطن وتحمي أمنه القومي وتردع الأعداء بالخارج؟! فلم كل هذه الطائرات؟ وهل استفادت مصر من صفقة الرافال الأولى حتى تبرم صفقة ثانية بديون باهظة ومركبة؟!

رسائل الصفقة وكواليسها

تعتبر هذه هي الصفقة الثانية من طائرات رافال الفرنسية، فقد كان نظام السيسي قد تعاقد سنة 2015م على شراء 24 طائرة، وبذلك يرتفع عدد طائرات رافال المصرية إلى 54 طائرة؛ وهو ما يضع مصر في المركز الثاني كأكبر أسطول رافال في العالم بعد فرنسا بلد التصنيع. معنى ذلك أنه في الوقت الذي كان العالم الإسلامي يمارس تصعيدا بحق فرنسا احتجاجا  على مواقفها العدائية للإسلام والمسلمين كان نظام السيسي يكافئهم بأكبر صفقة تسليح عقدتها فرنسا خلال العقد الماضي كله، وقد اعترفت وزيرة الجيوش فلورانس بارلي أن العقد -الذي وقعته مصر لشراء 30 طائرة رافال مقاتلة أخرى من إنتاج شركة “داسو” (Dassault) الفرنسية للطيران- سيوفر 7 آلاف فرصة عمل في فرنسا على مدى 3 أعوام. فالصفقة في هذا السياق تمثل رسالة تضامن ودعم من نظام السيسي للدولة الفرنسية، وعدم اكتراث مصري للتطاول الفرنسي على الإسلام ورموزه وسن تشريعات من شأنها المس بحرية الاعتقاد للأقلية المسلمة فقط دون باقي الأٌقليات الدينية في فرنسا. بهذه الصفقة فإن مصر تحولت إلى أحد أهم زبائن السلاح الفرنسي، وخلال السنوات الخمس الماضية اشترت مصر نحو 40%  من أسلحتها من فرنسا، تليها الولايات المتحدة وروسيا، بينما من المقرر بعد الصفقة التاريخية مع إيطاليا (قدرها 10 مليارات دولار)، أن تحلّ روما في المركز الثالث على اللائحة بدلاً من روسيا، وهو ما كان يشكل مصدر قلق للفرنسيين الذين يرغبون في الاحتفاظ بالريادة في هذا المجال، علماً أنّ مصر تعتبر رابع أكبر مشتر من فرنسا في الفترة نفسها.[[2]]

الرسالة الثانية، هي عدم الشفافية، فلم يكشف بيان المتحدث العسكري عن قيمة الصفقة بينما كشفت وسائل الإعلام الفرنسية عن قيمتها، من جانب آخر فإنه بناء على المستوى الفني للرافال والحظر الأمريكي على بعض أسلحتها وذخائرها فإن الطائرة الروسية “سوخوي ــ35” (وفقا للخبير العسكري العميد صفوت الزيات) أقل تكلفة وأفضل وأبعد مدى وأكثر تسليحا عن المقاتلة الفرنسية، وهي في كل الأحوال أفضل لمصر من الرافال، وتصنف مقاتلات ثقيلة، ومن الناحية الفنية أكثر جدوى في العمل بعيد المدى، وهذه نقطة مهمة، لكن مشكلتها تتمثل في الأعداد القليلة للغاية، فيما توصف الرافال بأنها مقاتلات متوسطة. فلماذا لم يتم شراء صفقة “سو ـ35” بدلا من الرافال وقد كان الإعلام التابع للنظام يتحدث كثيرا عن صفقة “سو ـ35” المرتقبة خلال السنتين الماضيتين وأشيع في الإعلام الروسي أن مصر تسلمت 5 منها؟

يمكن تفسير ذلك بأن قرار التسليح في مصر مثل أي قرار في نظام حكم له طبيعة فردية لا يخضع لدراسات ويعتمد على علاقات وأمور أخرى، فصفقة الرافال تعتبر قفزة لمدى أكبر للوصول لأهداف أعمق، لكن تبقى الكثير من التفاصيل غائبة. وقد تكون بديلا لصفقة “سو ـ35” الروسية؛ وهو ما يعني أن نظام السيسي رضخ أمام الضغوط الأمريكية التي وضعت فيتو على إتمام صفقة السوخوي وهددت بتوقيع عقوبات قاسية على النظام في مصر وفق قانون كاتسا الأمريكي، وقد تكون الإدارة الأمريكية قد هددت بتجميد المساعدات العسكرية للجيش المصري والتي تقدر بنحو “1.3” مليار دولار سنويا. فالولايات المتحدة رغم أنها تتمتع بعلاقات وطيدة مع نظام السيسي إلا أنها عملت منذ عقود مضت على احتكار التسليح المصري، ومنع البلاد من حيازة أي أسلحة قادرة على العمل خارج حدود الدولة، لأسباب تتمثل في تأمين العمق الإسرائيلي وتحجيم الدور المصري وضمان التفوق الإسرائيلي.

الرسالة الثالثة، أن الصفقة  في هذا التوقيت وفي ظل التوتر القائم مع إثيوبيا بشأن أزمة سد النهضة وإصرار أديس أبابا على الملء الثاني لبحيرة السد في يوليو المقبل دون اكتراث لعواقب ذلك على دولتي المصب مصر والسودان، قد تكون في هذا السياق رسالة تهديد للجانب الإثيوبي حتى يكف عن استكباره وعناده. وقد ألمح بيان المتحدث العسكري إلى ذلك بالتأكيد على مزايا “الرافال” وأهمها أنها تتمتع بــ”بقدرات قتالية عالية تشمل القدرة على تنفيذ المهام بعيدة المدى، فضلا عن امتلاكها منظومة تسليح متطورة، وقدرة عالية على المناورة، وتعدد أنظمة التسليح”. وقد ربط مقربون من النظام بين الصفقة والتهديدات التي أطلقها السيسي أواخر مارس 2021م والتي اعتبر فيها أن “المساس بحق بلاده في المياه خط أحمر، ولا أحد بعيد عن قدراتها”، وهي تصريحات حملت لأول مرة نبرة تهديد رسمي موجه إلى إثيوبيا. كما يمكن أن تأتي الصفقة في سياق تنويع مصادر التسليح؛ لا سيما وأن الولايات المتحدة الأميركية عملت منذ عقود مضت على احتكار التسليح المصري، ومنع القاهرة من حيازة أي أسلحة قادرة على العمل خارج حدود الدولة، لأسباب تتمثل في تأمين العمق الإسرائيلي وتحجيم الدور المصري. وبالتالي فإن الصفقة قد تحرر مصر من بعض القيود المفروضة عليها دوليا، ويجعلها تستند في التعاطي مع الآخرين إلى قدرات وإمكانيات قتالية كاملة ورؤية سياسية ودبلوماسية نشطة، في ظل متغيرات كبيرة بالمنطقة، وبالتالي تمثل إضافة وقوة ضاربة جديدة، ويمنح مصر مرونة ومزيدا من الحرية في اتخاذ ما تراه مناسبا في حماية أمنها القومي. وقد ألمح مقربون من النظام أن  طائرات الرافال “توفر لمصر الردع العسكري في ملف سد النهضة وتوفر للقاهرة التفوق في حال لجأت إلى الخيار العسكري لحل أزمة السد”.

ويرى فريق آخر أن الصفقة لا علاقة لها بأزمة سد النهضة من الأساس لثلاثة اعتبارات:

  • الأول أنه من المتوقع أن يتم تسليمها بين عامي 2024 و2026م؛ وبالتالي فلا معنى لاستخدامها لردع إثيوبيا التي ستشرع في الملء الثاني لبحيرة السد بعد شهرين فقط. بل إن موعد التسليم الذي سيكون بعد ثلاث سنوات ويستغرق أيضا ثلاث سنوات يعني أن أزمة السد ستكون قد تكرست وتمكنت إثيوبيا من إقرار الانفراد بإدارة السد كما يحلو لها دون اكتراث للمواقف المصرية أو السودانية.
  • الاعتبار الثاني، أن الصفقة طالتها انتقادات حول جدواها عسكريا في ظل ترسانة ضخمة جمعتها مصر في السنوات الأخيرة، عبر صفقات تسليح كبرى مع دول، بينها فرنسا والولايات المتحدة وروسيا وألمانيا وإيطاليا، خلافا للقروض التي باتت تنهك الاقتصاد المصري المتأزم فعليا. على المستوى الاقتصادي فقد كشف المتحدث العسكري أن العقد سيموّل بقرض مدته 10 سنوات، كما تشير المعلومات إلى أن 85% من هذا المبلغ تم إقراضه من قبل مجموعة من البنوك الفرنسية وبضمان الدولة الفرنسية. وتزداد الدهشة إذا علمنا أن السيسي لا يزال حتى اليوم يسدد في أقساط الدين من الصفقة الأولى في سنة 2015م[[3]]؛ وهو ما يرهق الاقتصاد المصري بعدما تضخم حجم الديون إلى مستويات غير مسبوقة. وعلى المستوى العسكري والتقني، فقد كانت واشنطن قد وضعت حظرا على صفقة الرفال السابقة في 2015م على بعض أنواع الذخائر كأسلحة الإطلاق البعيد، مثل صاروخ “سكالب إي جي” (SCALP EG) المخصص لتدمير تحصينات ومراكز القيادة والاتصالات، والقواعد الجوية ومخازن الأسلحة والذخيرة، وجسور وموانئ للعدو من خارج مدى الدفاعات الجوية، ويعمل بنظام القيادة الذاتية. وهو ما يحول الرافال إلى مجرد طائرة استعراض لا قيمة لها في المعارك القتالية والصراعات العسكرية. وحتى الصفقة الجديدة عليها بعض الملاحظات كما ذكرت مجلة لوبوان (le point) الفرنسية بالكشف أن جميع الطائرات الجديدة التي ستسلم لمصر ستكون من طراز “إف3-آر” (F3-R)، وهي الأكثر تقدما في الخدمة حاليا، ولكن سيتم الاستعاضة عنها قريبا بطراز “إف4” (F4) في فرنسا في عام 2024 أو 2025، وبالتالي لن تمتلك مصر الطراز الأكثر تقدما. إضافة إلى ذلك فإن هذه الصفقة من الرافال لن تكون مزودة بصاروخ “ميتيور” (Meteor) (جو- جو) الذي يعد عنصرا حاسما في طراز “إف3-آر” بمداه الذي يزيد على 150 كيلومترا، والذي يمكنه من تدمير معظم الطائرات في الشرق الأوسط وأفريقيا قبل أن تكون في نطاق الرماية، مع استثناء طائرة “إف-35” (F-35) الأميركية التي تم تجهيز إسرائيل بها. وحتى إذا افترضنا أن باريس ترغب في تصدير هذا السلاح (بصاروخ “ميتيور” (Meteor) (جو- جو)، فإنها ستحتاج إلى جهود كبيرة للحصول على الضوء الأخضر من الولايات المتحدة التي يمكنها من خلال لوائحها الخاصة بتصدير الأسلحة منع أي صفقة تشتمل على عنصر أميركي، وهو ما ينطبق على صاروخ ميتيور، وكذلك صاروخ سكالب الأساسي في تسليح رافال، لأنه يمكنها من ضرب أهداف أرضية بطريقة دقيقة وفعالة من مسافة آمنة.[[4]]
  • الاعتبار الثالث، أن العقيدة القتالية للجيش المصري منذ قديم الزمان تقوم على السيطرة على الحكم وحل أزمات الخارج بالسياسة والتعامل مع الأزمات الداخلية بالأدوات العسكرية؛ وهو شديد الوضوح في مواقف السيسي من الداخل والخارج، فبينما يتعامل بمنتهى العنف والقسوة مع الداخل نراه مرنا وديعا وأكثر ضعفا وهشاشة في مواقفه مع الخارج حتى لو كان هذ الخارج يمثل أكبر تهديد للأمن القومي المصري كما تفعل إثيوبيا حاليا. وقد التقط المفكر العبقري جمال حمدان ذلك قبل 7 عقود حين لخّص العلاقة بين الحاكم والمحكوم في مصر بهذه الفقرة البليغة لغة ومضمونا “وهكذا بقدر ما كانت مصر تقليديا، من البداية إلى النهاية، شعبا غير محارب في الخارج، كانت مجتمعا مدنيا يحكمه العسكريون كأمر عادي في الداخل، وبالتالي كانت وظيفة الجيش الحكم أكثر من الحرب، ووظيفة الشعب التبعية أكثر من الحكم، وفي ظل هذا الوضع الشاذ المقلوب، كثيرا ما كان الحكم الغاصب يحل مشكلة الأخطار الخارجية والغزو بالحل السياسي، وأخطار الحكم الداخلية بالحل العسكري؛ أي إنه كان يمارس الحل السياسي مع الأعداء والغزاة في الخارج، والحل العسكري مع الشعب في الداخل، فكانت دولة الطغيان عامة استسلامية أمام الغزاة، بوليسية على الشعب”.[[5]]

معنى ذلك أن السلاح المتراكم في الوحدات والمخازن وصفقات السلاح المليارية التي يبرمها نظام العسكر في مصر لن تستخدم لحماية الأمن القومي المصري على النحو المأمول من جانب الشعب ضد التهديدت الخارجية؛ بل الهدف منها هو ردع خصوم النظام وتكريس سلطوية الجيش وتمثل فرصة لكبار القادة والجنرالات للحصول على عمولات باهظة من السمسرة في هذه الصفقات غير الشفافة وغير المجدية للشعب المقهور. وعلى الأرجح لن تستخدم هذه الأسلحة المتراكمة لحماية الأمن القومي المصري الذي تهدده إثيوبيا وتمارس لأول مرة في التاريخ حالة استعلاء على مصر وشعبها.

الخلاصة أن المؤسسة العسكرية المصرية في ظل صفقات السلاح الملياية والتي تحكم مصر حاليا أمام اختبار قاس في أزمة سد النهضة مع إثيوبيا؛ فإما أن تلتزم بالدور الوظيفي للجيوش وحماية أمن مصر القومي حتى لو كان ذلك بتدخل عسكري لردع العدو الإثيوبي أو تمضي كالمعتاد في التعامل السياسي مع التهديدات الخارجية كما رصد المفكر الكبير جمال حمدان. فهي مؤسسة للحكم لا للحرب.

وتخزين السلاح من خلال إجراء صفقات مليارية عبر الديون هو توريط لمصر وإغراق لها في مستنقع الديون الخارجية وهي التي مكنت الإنجليز من احتلال مصر في أواخر القرن التاسع عشر من خلال توسع الخديو سعيد ومن بعده إسماعيل في الديون. ويمضى السيسي بإصرار على خطاهما في توريط مصر وإغراقها. وقد ونبهت ورقة تحليلية نشرها مركز كارنيجي للسلام أعدها الباحث ماجد  مندور[[6]] في نوفمبر 2020م أن نظام السيسي يعتمد على سياسة مالية واقتصادية تستهدف الاحتماء في المنظومة المالية العالمية، تتألف هذه السياسية الاقتصادية للنظام من ثلاثة مكوّنات:

  • أولاً، الاعتماد المتزايد على القروض الخارجية لتمويل العمليات الحكومية ومشاريع البنى التحتية الكبرى. ويشمل ذلك زيادةً في السندات الحكومية وسندات الخزينة القصيرة الأمد، أو “الأموال الساخنة”.
  • ثانياً، الزيادة المضطردة في صفقات السلاح منذ 2014م؛ ما جعل من النظام ثالث أكبر مستورد للأسلحة عالمياً بين عامَي 2015 و2019.
  • ثالثا، أدّى المستوى المرتفع للاستثمارات الخارجية المباشرة في قطاع النفط والغاز المصري إلى ربط الاستثمارات الغربية طويلة الأمد باستقرار النظام.

وتترتّب على تحوّل النظام إلى مستورد كبير للأسلحة نتيجتان أساسيتان. أولهما توريط الدول الغربية وصناعتها الدفاعية، التي هي المورِّد الأساسي لأجهزة المراقبة وضبط الحشود، في قمع الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالديمقراطية في مصر. وثانيهما تعطيل استعداد الدول الغربية لإدانة انتهاكات حقوق الإنسان والتصدّي لها. وترتب على توريط مصر في الديون الخارجية والاستثمارات الدولية في شركات الطاقة بأن هذه القوى  الدولية بات لها مصلحة أكبر في بقاء نظام السيسي، وهكذا ترتبط استثمارات بمليارات الدولارات باستمرارية النظام.  وتضمن هذه السياسات أيضاً أن أي مطالب ناشئة بتحقيق الدمقرطة سوف تصطدم بالمصالح الدولية، بما يؤمّن بصورة أساسية بقاء النظام لفترة أطول بكثير مما كان ليصمد لولا هذا الدعم الوافر». معنى ذلك أن هذه الصفقات هي ثمن لبقاء السيسي في الحكم وضمان الحماية الدولية لنظامه أكثر من كونها تمثل ضرورة أو احتياجا للقوات المسلحة؛ فهو يشترى بها صمت الغرب على جرائمه وانتهاكاته،  كما يشتري بها قادة الجيش الذين باتوا سماسرة سلاح، وعمولات هذه الصفقات باهظة ومغرية ولا تغيب عن أحد.

 

[1] مصر: اعتقال الداعية مصطفى العدوي بسبب دعوته لمقاطعة منتجات فرنسا/العربي الجديد 04 نوفمبر 2020

[2] فرنسا ومصر: مصالح سياسية واقتصادية وراء صفقة “رافال”/ العربي الجديد  ــ 05 مايو 2021

[3] محمود سامي/ صفقة رافال ثانية لمصر.. قفزة عسكرية أم دوافع سياسية؟/ الجزيرة نت ـــ 8 مايو 2021

[4] لوبوان: مصر تسعى لامتلاك أقوى جيش في المنطقة.. والنتيجة تراكم الديون/ الجزيرة نت ــ 6 مايو 2021م 

[5] خليل العناني/ مصر الحائرة بين “النهر” و”القصر”/ الجزيرة نت ــ 19 أبريل 2021م

[6] ماجد مندور/ أموال للطغاة: رعاة السيسي الدوليون/ موقع صدى التابع لمركز كارنيجي للسلام ــ 24 نوفمبر 2020م

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

حقوق الإنسان في مصر.. عن كلمة السيسي والاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.. قراءة في المضامين وردود الأفعال

    ألقى عبدالفتاح السيسي كلمة[1]، في مؤتمر حافل شهد حضور عدد من الوزراء والنواب…