‫الرئيسية‬ العالم العربي السودان زيارة أسياس أفورقي للسودان: الأسباب والدلالات
السودان - مايو 17, 2021

زيارة أسياس أفورقي للسودان: الأسباب والدلالات

بدأ الرئيس الإريتري أسياس أفورقي صباح الثلاثاء 4 مايو 2021 زيارة إلى السودان استمرت ليومين، التقى فيها مع رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، وناقش فيها مجموعة من الملفات الهامة والتي تخص البلدين؛ في وقتٍ تتشابك فيه الصراعات والمصالح في المنطقة. فما هي أسباب تلك الزيارة؟ وكيف يُمكن قراءة دلالاتها في هذا التوقيت؟ تلك هي التساؤلات التي ستسعى تلك الورقة للإجابة عليها..

السودان - سد النهضة

 

 

بدأ الرئيس الإريتري أسياس أفورقي صباح الثلاثاء 4 مايو 2021 زيارة إلى السودان استمرت ليومين، التقى فيها مع رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، وناقش فيها مجموعة من الملفات الهامة والتي تخص البلدين؛ في وقتٍ تتشابك فيه الصراعات والمصالح في المنطقة. فما هي أسباب تلك الزيارة؟ وكيف يُمكن قراءة دلالاتها في هذا التوقيت؟ تلك هي التساؤلات التي ستسعى تلك الورقة للإجابة عليها..

 

أولاً: أسباب الزيارة:

ترجع أسباب الزيارة إلى وجود مجموعة من القضايا التي تهم كلا الطرفين، بعض هذه القضايا إقليمي يخص المنطقة ككل، وبعضها ثنائي يخص السودان وإريتريا، وفيما يلي تفصيل لتلك القضايا..

 

  1. 1. القضايا الثنائية: لم تغب القضايا الثنائية عن الأجندة الرئيسية التي تستهدفها الزيارة؛ في ظل توجس أسمرا من وجود خلايا معارضة لها داخل الأراضي السودانية منذ استقلال إريتريا عن إثيوبيا في العام 1993. وتعتبر هذه الزيارة هي الثالثة لأفورقي للسودان بعد الإطاحة بنظام البشير، الذي ظلت أسمرا تتهمه منذ أكثر من 25 عاما بدعم جماعات جهادية إريترية تسعى لزعزعة استقرار البلد الوليد آنذاك. وزاد التوتر أكثر في فبراير 2018، بعد أن أغلقت حكومة البشير آنذاك الحدود نتيجة اتهامات متبادلة بإيواء المعارضين وتغذية أنشطة التهريب. وهكذا من الواضح أن الخلافات الثنائية العالقة بين البلدين قد أخذت حيزًا كبيرًا من الزيارة، حيث لم تصل العلاقة بين البلدين بعد إلى مرحلة الحسم النهائي لنقاط الخلاف التاريخية بينهما، والتي يزيد من حدتها اليوم ما يجري في المنطقة الشرقية؛ خاصةً وأن الخرطوم تتهم أسمرا بالوقوف مع إثيوبيا ودعمها عسكريًا، وسط تقارير عن حشود عسكرية إريترية في منطقة الحمرا داخل الأراضي السودانية.[1] وأظهر أفورقي خلال زيارته للخرطوم حرصًا على التواصل مع المكون المدني الذي يعارض مسألة التصعيد على الحدود مع إثيوبيا، بعكس اهتمامه في زيارات سابقة بتوطيد علاقاته مع المكون العسكري، واستهدف تقديم ما يمكن أن يقنع الحكومة بضرورة التواصل والتفاهم المشترك عبر الحوار للتعامل مع الأوضاع المتأزمة. وبحث أفورقي مع رئيس الحكومة عبدالله حمدوك إمكانية فتح أبواب التكامل الاقتصادي بين البلدين وتوسيعه ليشمل دول المنطقة باعتباره مدخلاً لحل القضايا السياسية، وخلق مشروعات مشتركة تنهض باقتصاديات هذه الدول.

 

  1. 2. القضايا الإقليمية: تتصدر ملفات أمنية شائكة أجندة زيارة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي للخرطوم، وتشمل تلك الملفات الوضع في المثلث الحدودي المتاخم لإقليم تيجراي الإثيوبي، والخلافات المتفاقمة بين السودان وإثيوبيا حول ملفي الحدود وسد النهضة، هذا إلى جانب المخاوف المتعلقة بأنشطة محتملة لجماعات إرهابية مناوئة لنظام أفورقي والوضع الأمني في منطقة القرن الإفريقي على ضوء الأزمة الصومالية الأخيرة. ويرجع السبب الرئيسي للزيارة إلى التصعيد الكبير بين السودان وإثيوبيا الخاص بإقليم بني شنقول، والذي يرتبط بشكل أو بآخر بملف سد النهضة الذي يقع في الإقليم. ومع تصاعد أزمة سد النهضة بين مصر والسودان من جانب، وإثيوبيا من جانب آخر، ورفض أديس أبابا لأي اتفاقية ملزمة قبل بدء عملية الملء الثاني للسد، قال السودان في بيان له إن تنصل إثيوبيا من الاتفاقات السابقة يعني المساس بسيادته على إقليم بني شنقول المبنى عليه سد النهضة، والذي انتقل إليه بموجب بعض من هذه الاتفاقات. ورفضت الخارجية الإثيوبية هذه التصريحات، وقالت في بيان إن هذه التصريحات السودانية مرفوضة ومضللة للتغطية على ما أسمته بالتحركات العسكرية العدائية للسودان على الحدود. إلا أن هذه الزيارة لا تعني احتمالية أن تلعب إريتريا دورًا للوساطة في أزمة سد النهضة، وذلك لأن علاقاتها بمصر متوترة حاليًا، كما أن إريتريا منذ تولي آبي أحمد القريب من أسياس أفورقي؛ منحازة في كثير من مواقفها للموقف الإثيوبي، حتى أنها منخرطة في حرب داخلية في إثيوبيا في إقليم تيجراي، وبالتالي من غير المُحتمل أن تلعب دورًا في الوساطة بشأن سد النهضة. لكن من ناحية أخرى؛ فإن إريتريا باستطاعتها التوسط في النزاع بين إثيوبيا والسودان، حيث هناك ملفات تستطيع أن تلعب فيها إريتريا داخل السودان، وبالتالي ربما يرضخ السودان أو يستجيب للوساطة الإريترية.[2]

 

ثانيًا: دلالات الزيارة:

يلعب أفورقي على تعقيدات المشهد السوداني للاستفادة من تباين مواقف الأطراف الحاكمة من التصعيد العسكري على الحدود مع إثيوبيا. ويخشى من إمكانية إقدام إثيوبيا على خطوة الملء الثاني لسد النهضة من دون الوصول إلى اتفاق ملزم، ما يعني أن السودان ومصر سيعملان على تصعيد الأوضاع على الحدود التي تتواجد فيها قواته، وبالتالي فإن دعم جبهة تحرير تيجراي بالسلاح يعرضه لخسائر كبيرة. ويحاول أفورقي استجداء السودان كي لا يفتح مجدداً صفحة تقديم الدعم إلى حركة الجهاد الإسلامي الإريترية المعارضة، التي تتواجد عناصرها بكثافة في شرق السودان، ويدرك أن إتاحة المنابر الإعلامية والسياسية للحركة يؤدي إلى مشكلات له، خاصةً أن الأوضاع في بلاده قابلة للاشتعال في أي لحظة. ويشكل شرق السودان أحد أسباب تعقيدات العلاقة بين البلدين، إذ أن إريتريا تخشى من إمكانية توظيف المعارضة الموجودة هناك ضدها، وفي الوقت ذاته فإن لديها مصلحة في استمرار الأوضاع غير المستقرة عقب فشل تنفيذ مسار الشرق بالسودان حتى الآن. هذا وتسعى إريتريا إلى توظيف حالة الضعف التي عليها الحكومة الانتقالية في السودان؛ نتيجة انشغالها بصراعات داخلية لتحافظ على السلام البارد مع الخرطوم بعد أن حقق أفورقي مكاسب مهمة على رأسها ترسيخ أقدامه في تيجراي. وكما استغل الخلافات داخل إثيوبيا وسيطر على أراضٍ واسعة لم يحلم بها قبل الوصول إلى اتفاق سلام بين البلدين، فهو يحاول الآن الحفاظ على هذه النجاحات من خلال تحييد السودان باستغلال الوضع الداخلي لها أيضًا.[3]

 

الخُلاصة؛ تأتي الزيارة في ظل استشعار أسمرا للمخاطر الكبيرة التي يُمكن أن تلحق بها؛ إذا ما تفاقمت حدة التوتر أكثر بين إثيوبيا والسودان بشأن الأزمة الحدودية حول منطقة الفشقة، والتي اندلعت في نوفمبر الماضي. في الوقت الذي تتهم بعض الدوائر إريتريا بتأجيج تلك الأزمة والانحياز للجانب الإثيوبي سواء عبر الدعم المباشر الذي تقدمه لمجموعات الأمهرا، أو عن طريق إشعال الأوضاع الداخلية في إقليم التيجراي الإثيوبي، وبالتالي زيادة تدفقات اللاجئين الإثيوبيين إلى داخل الأراضي السودانية. كما تأتي الزيارة في ظل توتر كبير بين إثيوبيا والسودان ومصر حول سد النهضة وهو ما يهدد أمن المنطقة بشكلٍ عام والبحر الأحمر بشكل خاص، الأمر الذي تحاول أسمرا توظيفه لصالحها. إلا أنه في المُقابل؛ يبدو أن السودان يتعامل بحذر مع سلوك الرئيس الإريتري، ويركز على خلافه الدائر مع إثيوبيا دون توسيع دائرة الخلاف بما يجعله أيضاً أكثر حرصاً على احتواء أفورقي الذي لديه أوراق سياسية تمكنه من اللعب بها في شرق السودان من خلال علاقاته القوية مع قبيلة البني عامر.

 

[1]                  كمال عبد الرحمن، “الرئيس الإريتري يبحث 4 ملفات ساخنة في الخرطوم”، عربية Sky News، 4/5/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/WAhQu

[2]                “سر زيارة الرئيس الإريتري للسودان في هذا التوقيت”، عربي Sputnik، 4/5/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/KkT08

[3]                  “إريتريا تسير على حبل مشدود بين السودان وإثيوبيا”، مرجع سبق ذكره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

السودان تغييرات تطرأ على الموقف من الجارتين الإثيوبية والمصرية

  بعد أكثر من عامين على إسقاط نظام الرئيس السابق عمر البشير، لايزال الانتقال السياسي …