‫الرئيسية‬ العالم العربي فلسطين تداعيات العدوان الصهيوني على غزة
فلسطين - مايو 25, 2021

تداعيات العدوان الصهيوني على غزة

العدوان علي غزة

 

 

بعد 11 يوما من العدوان الصهيوني على قطاع غزة والقصف المدفعي المتواصل برا وبحرا وجوا، أعلنت الوساطة المصرية بدعم قطري، عن التوصل لاتفاق غير مشروط من أجل وقف إطلاق النار بين الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، الاتفاق يتضمن تهدئة مؤقتة لحين الاتفاق على بنود التهدئة الدائمة خلال ثلاثة أيام، وأن اتفاق التهدئة يتضمن وقف إطلاق النار في كامل فلسطين، ووقف التهجير في حي الشيخ جراح، ودخلت الهدنة حيز التنفيذ في الثانية من فجر الجمعة من الجانبين.

فيما ارسلت مصر وفدين أمنيين إلى الإسرائيليين وقطاع غزة للعمل من أجل تثبيت وقف إطلاق النار، كما تعهد وزير الخارجية الأمريكية بليكيس بزيارة عاجلة للشرق الأوسط ، وتعهد الرئيس الأمريكي -الذي عرقل صدور قرار من مجلس الأمن لثلاث مرات يطالب بوقف اطلاق النار- بمساعدات انسانية لقطاع غزة، وبحسب مصادر ميدانية نقلت عنها “العربي الجديد”، فإنه رغم التوصل للاتفاق إلا أنّ فصائل المقاومة تواصل رفع درجة التأهب في غزة تحسباً لأي “غدر” إسرائيلي، مؤكدة في ذات السياق أنّ المقاومة حصلت على ما تريد من اتفاق التهدئة المبرم.

وقد تم التوصل لقرار التهدئة  بعد التوفيق بين اشتراطات فصائل المقاومة والجانب الإسرائيلي، حيث رضخت تل أبيب للقبول بهدنة، تبدأ في وقت متزامن بعدما كانت تتمسك أن تأتي الموافقة معلنة بشكل إعلامي من الفصائل، وهو ما رفضته حركة حماس وفصائل المقاومة الأخرى، فيما اعتبرت حركة حماس، ما حدث خلال المواجهة مع الاحتلال طوال الأيام الماضية انتصاراً حقيقياً، وفقاً لكافة المعايير العسكرية، والحربية، إذ أن حكومة الاحتلال أجبرت على الإعلان المسبق من جانبها لوقف إطلاق النار وهو القرار الذي أجازه المجلس المصغر لحكومة الاحتلال قبل إعلان المقاومة موافقتها المبدئية.

وكان المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي المصغّر (الكابينت)، قد أقر في اجتماعه مساء الخميس، وقفًا لإطلاق النار من جانب واحد، وأبلغ به الجانب المصري، في حين نقلت “رويترز” عن مصدر في “حماس” أن الحركة وافقت على التهدئة، على أن تدخل حيز التنفيذ في الساعة الثانية صباحًا، وبعد وقت قصير من ذلك، نقلت “رويترز” عن مسؤول في “حماس”، لم تذكر اسمه، أن إسرائيل وحماس ستدخلان في هدنة “متبادلة ومتزامنة” في غزة اعتباراً من الثانية صباح الجمعة، واستبقت الطائرات الإسرائيلية ذلك بغارات جديدة شنّتها في القطاع بعد دقائق من إعلان “الكابينت”، في حين ردّت المقاومة على الفور برشقة صاروخية صوب مدينة عسقلان المحتلة المحاذية للقطاع المحاصر، ووفق تقديرات سياسية، فإن ما تم الإعلان عنه هو توافق على وقف إطلاق النار فقط، يوقف بموجبه جيش الاحتلال الإسرائيلي قصف قطاع غزة وتوقف فصائل المقاومة الفلسطينية إطلاق الصواريخ من القطاع تجاه إسرائيل.

ورغم أن ما يصدر من تصريحات إعلامية، عن الجانب الإسرائيلي بالتحديد، طوال الأزمة الحالية لا يمثل سوى قمة جبل الجليد، فإن مسار الأحداث وقبول نتنياهو وقف إطلاق النار، رغم تصريحاته الأربعاء بتمسكه باستمرار ما وصفها بـ”العملية العسكرية” حتى تحقيق هدف “النصر أو الردع”، يشير إلى مدى ضعف الموقف الإسرائيلي في ظل تزايد الضغوط الداخلية والخارجية على نتنياهو، وبمجرد أن دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ فجر الجمعة، كان هناك مشهدان متناقضان تماماً على الأرض. مسيرات وتجمعات احتفالية في غزة ومدن الضفة الغربية المحتلة بانتصار المقاومة، يقابلها مشهد إسرائيلي داخلي يغلب عليه تبادل الاتهامات بين السياسيين وبعضهم البعض والعسكريين والسياسيين من جهة أخرى.

وانعكس المشهدان في التصريحات الصادرة بشأن وقف إطلاق النار، إذ قالت حركة “حماس” إن “الاحتلال (الإسرائيلي) هرب أمام ضربات المقاومة الفلسطينية وفشل في تحقيق ما يريد”، وأضاف متحدث الحركة عبداللطيف القانوع لـ”الأناضول”: “الاحتلال هرب أمام ضربات المقاومة الفلسطينية، وفشل في تحقيق ما يريد، وستظل المقاومة هي الدرع الحامية لشعبنا ومقدساته”، بينما كشفت التصريحات الإسرائيلية، التي سبقت الإعلان عن موافقة حكومة نتنياهو على وقف إطلاق النار بوساطة مصرية، عن عمق المأزق الذي تواجهه تل أبيب، إذ كان هناك توجه لإعلان إسرائيلي لوقف إطلاق النار من طرف واحد، وهو ما لم يحدث وتم الإعلان عن التوافق على وقف إطلاق النار مع حماس.

ولعل تلك الحالة، من الهزيمة النفسية والسياسية الاسرئيلية، هي ما دفعت قوات الاحتلال لمعاودة اقتحام الأقصى  والاعتداء على مسيرات فلسطينية، صباح الجمعة، كرسالة للداخل الصهيوني، بأن السياسات ما زالت قائمة، وما زال المشروع الصهيوني متحكما فيما يجري على أرض الواقع  في الداخل المحتل، ويبقى نتنياهو – الذي أشعل هذه الحرب من الأساس من حي الشيخ جراح والمسجد الأقصى من الأساس – يواجه ما يمكن وصف بأسوأ كوابيسه. فهل يوافق على شروط المقاومة – وجميعها شروط تقع ضمن إطار احترام القانون الدولي ومن الصعب على أي وسيط في المفاوضات أن يلتف حولها؟ والتي تتعلق بوقف الاعتداءات في الأقصى ووقف التهجير والانتهاكات بحق المقدسيين بجانب اعادة الاعمار في غزة وغيرها من المدن الفلسطينية، وعلاج الجرخة والمصابين وتعويض أسر الشهداء.

أم يلجأ رئيس الوزراء المتهم بالفساد إلى إشعال الحرب مرة أخرى، رغم التحول الواضح في الموقف الدولي تجاه القضية الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، ومن ثم يجد نفسه في مواجهة محتملة مع الإدارة الأمريكية برئاسة بايدن خارجياً وخصومه السياسيين داخل إسرائيل على المستوى الداخلي؟

فالمواجهة الحالية مختلفة تماماً عن حرب 2014 التي استمرت 50 يوماً ودمر خلالها الاحتلال قطاع غزة وأوقع أكثر من 2200 شهيد، ففصائل المقاومة الفلسطينية اليوم تحظى بدعم شعبي جارف في المنطقة العربية وحول العالم، بينما تواجه إسرائيل موقفاً لم تواجهه من قبل مع تزايد الانتقادات لها حتى داخل أروقة السلطة في واشنطن بصورة لم تكن موجودة من قبل.

خسائر الفلسطينيين المادية

وعلى الرغم من الانتصارات السياسية والاستراتيجية التي حققها الفلسطينيون، في الحرب الرابعة التي قادها اليمين الصهيوني المتطرف، والتي سنستعرضها  لاحقا، فإن الكثير من الخسائر المادية التي وقعت في حق الفلسطينيين، والتي ترقى لجرائم حرب ، ينبغي التحرك الدولي والاقليمي، لمعالجتها قانونا واغاثيا، وتمثلت حصيلة الخسائر الفلسطينية، خلال 11 يوما  من العدوان الصهيوني على الفلسطيني، في جميع المدن المحتلة وفي قطاع غزة، خلّف خسائر باهظة في الأرواح والممتلكات، والمنشآت السكنية والتجارية، والمؤسسات الحكومية، والأراضي الزراعية، في غزة.

وأسفرت الهجمات الصاروخية الإسرائيلية على القطاع، براً وجواً وبحراً، عن استشهاد 232 فلسطينياً، بينهم 65 طفلاً، و39 سيدة، و17 مُسنّاً، فيما أدت إلى إصابة أكثر من 1900 بجروح مختلفة، منها 90 صُنفت شديدة الخطورة، ومن بين الإصابات، وفق وزارة الصحة الفلسطينية، 560 طفلاً، و380 سيدة، و91 مُسناً. وبحسب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، فقد أفضت الهجمات الإسرائيلية إلى نزوح أكثر من 75 ألف فلسطيني من مساكنهم، لجأ منهم 28 ألفاً و700 إلى مدارس الوكالة، إما بسبب هدم بيوتهم، أو هرباً من القصف.

كذلك لجأ آخرون إلى بيوت أقربائهم في مناطق فلسطينية أخرى. ووفق إحصاءات حكومية، فقد تعرضت 1447 وحدة سكنية في غزة للهدم الكلي بفعل القصف الإسرائيلي، إلى جانب 13 ألف أخرى تضررت بشكل جزئي بدرجات متفاوتة، وهدم جيش الاحتلال الإسرائيلي، بشكل كلي، 205 منازل وشقق وأبراج سكنية، ومقرات 33 مؤسسة إعلامية، فضلاً عن أضرار بمؤسسات ومكاتب وجمعيات أخرى.

بجانب، تدمير ثلاثة مساجد تدميراً كلياً وهي: مسجد العكلوك، وعبدالرزاق اقليبو، وعمر بن الخطاب، وطال القصف، عمارة أنصار الوقفية في مدينة غزة، ومشروع “ميراث النبوة، وهو عبارة عن سلسلة محلات وقفية في منطقة الزيتون بمدينة غزة بمساحة 260 متراً مربعاً”، بحسب وزارة الاوقاف الفلسطينية، والذي سجل تضرر 35 مسجداً وكنيسة بأضرار جزئية متفاوتة، كما أغلقت الوزارة نحو 42 مسجداً في محافظات القطاع، بسبب قربها من أماكن القصف. علاوة على تضرر 6 مقابر بمدينة غزة، هي: مقبرة التوينسي، ابن مروان، الشيخ شعبان، السيفا، جباليا البلد، الفار.

فيما استشهد 28 فلسطينياً، بينهم 4 أطفال، وأصيب قرابة 7 آلاف بالضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس، خلال مواجهات مع الجيش الإسرائيلي، يستخدم فيها الرصاص الحي والمعدني وقنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين، كما استشهد فلسطينيان أحدهما في مدينة أم الفحم والآخر في مدينة اللد، وأصيب آخرون خلال مظاهرات في البلدات العربية داخل إسرائيل.

بدايات الحرب

ومنذ 13 أبريل الماضي، تفجرت الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، جراء اعتداءات وحشية ترتكبها الشرطة الإسرائيلية ومستوطنون في مدينة القدس المحتلة، وخاصة المسجد الأقصى ومحيطه، وحي “الشيخ جراح” (وسط)، إثر مساعٍ إسرائيلية لإخلاء 12 منزلاً من عائلات فلسطينية وتسليمها لمستوطنين، وهو ما دفع حركة حماس وعدد من حركات المقاومة الفلسطينية لتحذير الكيان الصهيوني من اعتداءاته الأقصى والمقدسيين، ومع تصاعد الانتهاكات أطلقت المقاومة الفلسطينية رشقات صواريخها نحو البلدات الصهيونية، في الداخل الفلسطيني وفي القدس.

النتائج الاستراتيجية

-فشل مشروع نتانياهو السياسي:

على المستوى السياسي، ندجت المقاومة الفلسطينية في ايقاف مخطط رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو، لدفن القضية الفلسطينية عبر ابتلاع الضفة الغربية والقدس، وعزل غزة، ومساومة عرب الداخل، وبحسب تقديرات استراتيجية، نشرتهاا “عربي بوست”، هذه  العناصر الثلاثة كانت تعد مكونات استراتيجية إسرائيل الأساسية خلال السنوات الماضية، ولكن حرب غزة أطاحت بكل ذلك.

حيث بدا الفلسطينيون مستسلمين لمصيرهم الذي تسعى إليه استراتيجية دفن القضية، والذي وصل لذروة مأساويته، في صفقة القرن التي وضعها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، والتي تسلم القدس لإسرائيل على طبق من فضة وبرضا المطبعين العرب، وحتى عندما خرج ترامب من البيت الأبيض، بدا أن الدوائر السياسية الدولية والعربية المعنية تقليدياً بالقضية الفلسطينية أصبحت غير مكترثة بها، فيما كل مكون من مكونات الشعب الفلسطيني مشغول بشؤونه الخاصة، ولكن هبة المقدسيين وعرب 48 دفاعاً عن الأقصى ورفضاً لطرد سكان الشيخ جراح، ثم تدخل حركات المقاومة في غزة عبر التحذير من اقتحام الأقصى، وإطلاق الصواريخ على القدس، وضع إسرائيل ورئيس وزرائها بنامين نتنياهو في مأزق، وأثبت قصور استراتيجية دفن القضية.

وفي تقرير لصحيفة Telegraph البريطانية، يصرُّ كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين في إسرائيل على أن الهدف من الهجوم الأخير على غزة هو تحقيق “هدوءٍ طويل الأمد”، كما قال وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس، وقد راهن القادة الإسرائيليين للوصول إلى هذا الهدف من خلال الاستخدام الحصري للقوة. بل كانت إسرائيل تتجنَّب وقف إطلاق النار، لأنها تقول إنها تحتاج إلى وقتٍ لتنفيذ أكبر عددٍ ممكنٍ من الضربات الجوية من أجل إعاقة قدرات حماس واستعادة قوة الردع الإسرائيلية.  ومع ذلك، تشير أربع مواجهاتٍ رئيسية خلال السنوات التسع الماضية إلى حدود هذا الردع، وأن حركات المقاومة ازدادت قوة رغم ضراوة القصف الإسرائيلي.

وبدأت حماس عام 1987 وتحول جناحها العسكري كتائب عز الدين القسام من منظمة صغيرة تركز على الأعمال الأمنية الخاطفة، لحالة أشبه بجيش صغير يطور أسلحته الخاصة، ويتدرب طول فترات الهدنة، ليقاتل في حرب عصابات تلائم طبيعة غزة المزدحمة، وقادر على منع الاحتلال من البقاء، لدرجة أنه نفذ عملية كوماندوز بحرية في حرب عام 2014، كما أن استراتيجيات اغتيال قيادات حركات المقاومة التي اتبعتها إسرائيل لم تضعفها، على مدار السنوات الماضية.

ومن خلال قراءة تطورات الحرب الرابعة على غزة، بدا  أن القادة الإسرائيليين يسعون من التصعيد، حسب زعمهم، للحصول على فترةٍ طويلةٍ من الهدوء النسبي حتى الجولة التالية من الحرب، وذلك عبر افتراض أن إلحاق أكبر  أذى ممكن بقطاع غزة وحركات المقاومة سيردعها عن إشعال صراع قريب، فهم يعتبرون ضمنياً أنه ستكون هناك حربٌ قادمة. وتصف القيادة الإسرائيلية ما تفعله في غزة الآن بـ”جزِّ العشب”، وهي تعلم أنه سينمو مرةً أخرى بعد فترةٍ طويلة، ويقوِّض انتصار المقاومة الفلسطينية وقدرتها على ردع العدوان الصهيوني،  المفهوم القائل بأن إسرائيل تستطيع، دون أيِّ تكلفةٍ على نفسها، الاستمرار في كونها قوة محتلة، والانخراط في تمييزٍ منهجي ضد الفلسطينيين بدعمٍ من المجتمع الدولي.

ومع استمرارها في هذا المسار، يبدو أن القادة الإسرائيليين يُقِرون ضمنياً أنه في حين أن إسرائيل قد لا تحقِّق نصراً حاسماً في غزة، فإن الحفاظ على الوضع الراهن أفضل من أيِّ بديل، حتى لو استلزم الأمر حرباً كلَّ بضع سنين. لكن الأمر المختلف هذه المرة هو أن الحرب لم تعد مقتصرةً على قتال حماس في غزة، كما يؤكد الرد العسكري للمقاومة الفلسطينية، أن استراتيجية إسرائيل لتحقيق هدوءٍ طويل الأمد هي استراتيجية غير ناجحة، ليس فقط مع حماس في غزة، ولكن بشأن “القضية الفلسطينية” بشكلٍ عام، إلا أن  بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء، قادراً إلى حدٍّ كبير على دفن القضية الفلسطينية، بشكلٍ رئيسي ليس من خلال الاستخدام الصريح للقوة، ولكن من خلال القنوات الدبلوماسية والسياسية والعلاقات العامة والحرب الإعلامية (أي الحرب على حركة مقاطعة إسرائيل وكذلك حرية التعبير)، كلَّما أمكن ذلك.

ووصل هذا النهج ذروته في رئاسة ترامب واتفاقات أبراهام، التي أجازت تطبيع الاحتلال العسكرية، والاستيلاء على الأراضي بالقوة، والإلحاق الفعلي للأراضي، ومع ذلك، فإن الفلسطينيين الآن ينتفضون في كلِّ مكان. خلال الأسابيع الأخيرة، وجدت الحكومة الإسرائيلية نفسها تمارس قوةً أوضح على العديد من الجبهات مرةً أخرى، ليس فقط القصف على غزة، ولكن من خلال مداهمة المسجد الأقصى، وقمع الاحتجاجات السلمية ضد عمليات الطرد القسري في حيِّ الشيخ جراح في القدس الشرقية، وإرسال وحداتٍ من شرطة الحدود إلى التجمُّعات الفلسطينية في الداخل الإسرائيلي.

كما أصبح من الواضح أن القدس في قلب المعادلة الجديدة التي أشعلتها حرب غزة وقبلها هبة المقدسيين وعرب 48، وبات وقف الانتهاكات في الأقصى وحي الشيخ جراح من ضمن الشروط التي أصرت عليها المقاومة الفلسطينية لإبرام هدنة، فلقد انتفض المصلون في الأقصى من أجل حي الشيخ جراح، وانتفض عرب 48 من أجل الأقصى، ثم قصفت حماس القدس، لكي تفشل مسيرة المستوطنين لاقتحام الأقصى، وثارت الضفة الغربية من أجل غزة، والآن فلسطينيو الشتات ممثلين في اللاجئين بلبنان يخرقون هدوء الجبهة الشمالية لإسرائيل برشقات شاردة من الصواريخ، لقد أعادت هبة المقدسيين وعرب 48 وحركات المقاومة ربط ما جزأته اتفاقيات “أوسلو” ، كما أثبتت حدود القوة الإسرائيلية.

خسائر اقتصادية لإسرائيل

وكانت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، قد كشفت  الجمعة 21 مايو، إن مجمل الخسائر الاقتصادية التي تكبدتها إسرائيل نتيجة العدوان على غزة خلال 11 يوماً يقدر بنحو 7 مليارات شيكل، أي 2.14 مليار دولار، وذلك وفقاً لتقديرات أولية غير رسمية، وبحسب مسئول بوزارة المالية الاسرائيلية، لـ”الأناضول” بلغت الخسائر نحو 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بخسائر 0.3% من الناتج المحلي خلال عملية “الجرف الصامد” التي استمرت 51 يوماً صيف 2014، وتشمل تلك الأضرار من بين أمور أخرى، الأضرار التي لحقت بالنشاط الاقتصادي، وانخفاض الإنتاج في المصانع، والانخفاض الكبير في الاستهلاك الخاص، والتكاليف التي تكبدها الاقتصاد بسبب النشاط الحربي.

وتقول هيئات اقتصادية، وخبراء في مجال الاستثمار إن الأضرار التي لحقت بالناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل جراء العملية العسكرية التي بدأت في 10 مايو الجاري وأطلقت عليها إسرائيل “حارس الأسوار” يمكن أن تصل إلى ما بين 0.6% و0.8% مع حساب دقيق للخسائر، ويبلغ إجمالي الناتج المحلي لإسرائيل حالياً حوالي 1.4 تريليون شيكل، والتي تعادل 400 مليار دولار تقريباً، على الجانب الآخر، أطلقت الفصائل الفلسطينية ما يزيد عن 4 آلاف صاروخ تجاه مدن جنوب ووسط إسرائيل، أسفرت عن مقتل 12 إسرائيلياً وإصابة نحو 330 آخرين، بحسب قناة “كان” الرسمية، كما أدى إطلاق الرشقات الصاروخية من قطاع غزة إلى إدخال ملايين الإسرائيليين إلى الملاجئ ووقف حركة القطارات بين مدن وسط وجنوب البلاد، وتعليق هبوط وإقلاع الرحلات الجوية لفترات بمطار بن غوريون الدولي بتل أبيب، واللد.

كما جرى اغلاق انتاج الغاز الطبيعي في حقل “تمار” بمياه البحر المتوسط، بعد اطلا قصاروخ من غزة بالقربمنه، تبعه طائرة مسيَّرة، ما دفع وزارة الطاقة الإسرائيلية إلى إغلاق الحقل كاملاً، ويملك الاحتلال أكثر من 8 حقول للغاز الطبيعي في مياه المتوسط، إلى جانب آبار تخزين وقود في موانئ أشدود وعسقلان وحيفا، تعرض بعضها لهجوم بالصواريخ، وفي الأيام الثلاثة الأولى من التصعيد الإسرائيلي على قطاع غزة، وبالتحديد من الثلاثاء حتى الخميس، أُدخِلَت 1744 مطالبة في أنظمة التعويضات من جانب إسرائيليين قالوا إن ممتلكاتهم تضررت بفعل صواريخ المقاومة.

وفي تقرير نشرته، الجمعة 14 مايو، صحيفة “كالكليست” المختصة في الاقتصاد الإسرائيلي، يشكل عدد المطالبات المسجلة في الأيام الثلاثة الأولى 40 % من مجمل المطالبات المقدمة في حرب 2014 التي استمرت 50 يوماً، وقالت مصلحة الضرائب في إسرائيل إن هناك مئات الحالات الأخرى التي جرى التعامل معها، ولم تُدخَل بعد في أنظمة التعويضات. وتتوزع التعويضات المدخلة بين 1000 مطالبة من مستوطنات غلاف قطاع غزة، والباقي من بقية أنحاء الأراضي المحتلة في الداخل، حيث سجلت تل أبيب، بما في ذلك اللد والرملة 150 مطالبة تعويض عن أضرار لحقت بالمركبات، وأكثر من 450 مطالبة عن أضرار لحقت بالمباني، وفي المنطقة الشمالية، بما في ذلك عكا، قُدِّمَت 10 مطالبات تتعلق بأضرار في المركبات و30 مطالبة بأضرار في المباني. وفي القدس، قُدمت 17 مطالبة بالتعويض عن أضرار في المركبات و24 مطالبة بالتعويض عن الأضرار الهيكلية.

وفي قطاع الطيران، بلغ إجمالي عدد الرحلات المجدوَلة، الاثنين، للوصول إلى إسرائيل عبر مطار بن غوريون الدولي، 83 رحلة، حتى الاثنين الماضي، ألغيت منها 70 رحلة على الأقل، بينما الرحلات الأخرى كانت في غالبيتها محلية، بينما الأحد، أظهر مسح لوكالة “الأناضول” إلغاء مطار اللد (بن غوريون الدولي) 40 رحلة قادمة من مدن حول العالم، كان مقرراً وصولها الاثنين إلى إسرائيل، من إجمالي 47 رحلة، ووصفت صحيفة “كالكليست”، السبت، قرار شركات الطيران العالمية تعليق رحلاتها، بأنه “خطوة تركت إسرائيل وشركات طيرانها المحلية، وحيدة في الساحة”، والخميس، أعلنت شركات طيران “دلتا إيرلاينز” و”يونايتد إيرلاينز” و”لوفتهانزا” و”النمساوية”، حصول تغييرات في جدول الرحلات، تبعتها السبت شركتا “الاتحاد” و”فلاي دبي” الإماراتيتان، مع رفض أغلب شركات الطيران حول العالم تنفيذ رحلات حالياً إلى الاحتلال بسبب التصعيد الحاصل، واستمرار إطلاق رشقات صاروخية من غزة، يبدو أن صناعة السياحة الوافدة أمام تأجيل حتى إشعار آخر.

وكانت وزارة السياحة الإسرائيلية قد أعلنت في 13 إبريل الماضي، عودة رحلات السياحة الأجنبية اعتباراً من 23 مايو 2021، بعد فتح المرافق كافة، عقب عمليات تطعيم واسعة ضد فيروس كورونا، لكن تظهر تقارير إسرائيلية أن شركات الطيران ترفض طلباً من هيئة الطيران المدني بتحويل الرحلات القادمة إلى مطار “رامون” جنوبيّ البلاد بدلاً من “بن غوريون”، ما يعني أن لا مطارات آمنة للإسرائيليين، حتى مع فرضية وصول رحلات سياحية، فإن المدن المختلطة (داخل الخط الأخضر) لم تشهد منذ عقود حالة العصيان والاشتباكات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين كما هي عليه الآن، وكما أسواق الأسهم، فالسياحة المحلية والوافدة سريعة التأثر سلباً بأية توترات أمنية، إذ تقع مدن القدس وتل أبيب، وصولاً إلى مشارف إيلات (جنوب)، في مرمى صواريخ الفصائل الفلسطينية، وتراجعت السياحة الوافدة إلى الاحتلال بنسبة 81.7% خلال العام الماضي، مقارنة بـ 2019، مدفوعة بالتبعات السلبية الحادة لتفشي جائحة كورونا عالمياً.

وفاقم اضراب الكرامة، الذي نظمه الفلسطيينيون، الثلاثاء الماضي، حصار الاقتصاد الاسرائيلي ، في قطاعات النقل والقطاع الطبي والتعليمي والعمل، وبدا الشلل التام متوغلا في نحو 40% من قطاعات الاقتصاد الاسرائيلي، وفق تقديرات إسرائيلية، نقلتها صحف “جرليزوم بوست، و”إسرائيل أوف تايمز”، والجارديان وغيرها من الصحافة العالمية.

تحولات جذرية بمعادلات القوى بالداخل الفلسطيني

وعلى الرفم من الانتقال من التطبيع والعلاقات السرية، إلى التحالف مع دول عربية والتطبيع العلني بين إسرائيل والإمارات والبحرين، وكذلك التطبيع مع السودان والمغرب في الفترة الأخيرة، وبذلك اعتقد العدو الصهيوني وحلفاؤه، أن منظومة أمنية إسرائيلية عربية وبرعاية أمريكية قد تشكلت لصالحه، وأنه بعد 73 عاما من تأسيس كيانه، بات وقد حقق أغلب أهدافه في تفكيك العالم العربي، خاصة دول الطوق، والتطبيع والتحالف مع دول الأطراف، واستغلال الثروات العربية، لكن المفاجأة الكبرى،  بحسب الكاتب والمحلل العراقي، د.مثنى عبد الله، بـ”القدس العربي”

والتي لم يحسب لها حساب جاءت من الداخل والذي فرض عليهم أن يكون  الحزن والظلم والفقر والجوع هو قدرهم، ووفق هذه النظرة، بنى الكيان الصهيوني سياساته للتعامل مع فلسطيني  الداخل، فكان هنالك تواطؤ بين النظام السياسي والشرطة والمستوطنين للاعتداء عليهم، خاصة في مدن الساحل. وعلى الرغم من أنها دولة أمنية، زاد  ارتكاب الجرائم ضد الأوساط العربية، كما تم اعتماد سياسة التهميش والإذلال، وعدم فسح المجال لهم للوصول إلى الوظائف التي تتناسب مع مؤهلاتهم، واقتصار قبول تعيينهم بوظائف هي في أسفل السلم الوظيفي الخدمي، إضافة إلى المحاولات الخبيثة الرامية إلى وضعهم في سياق يتناسب مع المقياس الإسرائيلي، وهو تخليهم عن هويتهم الفلسطينية، وإرثهم وتاريخهم، لكن لا مساواة لهم مع الآخرين.

ومع كل هذه السياسات العنصرية، فإن الخطورة التي كان يراها العدو من عرب الداخل لم تختف من أجندته. ففي عام 1996 وعندما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في ولايته الأولى، تم تسريب تقرير إسرائيلي يشير إلى أن عرب 48 يشكلون خطراً كامناً ضد الكيان الصهيوني. كما تجلت العنصرية ضد العرب بشكل واضح في انتخابات عام 2015 عندما ناشد نتنياهو اليهود بأن يهرعوا للمشاركة في الانتخابات، لأن العرب اجتاحوا الصناديق على حد وصفه، ما يدل دلالة واضحة على أن أهلنا في الداخل يستقرون في العقل الصهيوني كخطر داهم، وأنهم في خانة الأعداء وليسوا في خانة المواطنة، وبذلك فقد امتد هذا

فكانت السياسة المعتمدة معهم هو أن ينسوا أنهم جزء من الشعب الفلسطيني، وبذلك أطلقت عليهم تسمية عرب إسرائيل، أي بمثابة جزء تابع أو ملحق بها، لكنها في الوقت نفسه لا تريدهم أن يكونوا جزءا من دولتها. وهذا يتناغم تماما مع الدعوة إلى يهودية الدولة، التي أسس لها بن غوريون، وطالب بأن تكون دولة لليهود فقط. أما العربي فهو ليس مواطنا فيها لا من الدرجة الثانية ولا الثالثة ولا حتى من الدرجة العاشرة.

إلا أن فلسطينيي الداخل أظهروا للمجتمع الدولي أن القضية الفلسطينية لا يمكن تجاهلها أبدا، وأن انتصارهم بات واضح المعالم.. لقد أسقطوا تسميات عرب إسرائيل وعرب 48، وأسقطوا التطبيع الذي كان يلوذ به العدو كمنظومة حماية، فتبين له أن الداخل هو من يهدده. كما فرضوا معادلة جديدة هي أن المساس بالقدس والمقدسات الإسلامية، يعني أن لا أمن ولا أمان في كل فلسطين المحتلة، وأن القدس هي الخط الأحمر لإسرائيل، وهو التحدي الأكبر الذي يفرضه أهلنا في الداخل، لأن العدو يعتبرها عاصمته الأبدية، كما أنهم يقولون لكل العرب والعالم الإسلامي، إن عملية تهويد القدس التي تبنتها إسرائيل منذ احتلال القدس الشرقية عام 1967 وصلت مراحل متقدمة، وأصبح الصراع اليوم على السيادة في ما يخص المسجد الأقصى. فمنع شباب القدس من البقاء عند باب العمود، وإخراج المعتكفين من داخل المسجد في شهر رمضان المنصرم، كلها دلائل على أن إسرائيل تقول، أنا لي السيادة على المكان، بما فيه المسجد الأقصى. لقد أعادت المقاومة الشعبية من قبل فلسطيني  الداخل من أجل القدس والمسجد الأقصى وحي الشيخ جراح.

إن استراتيجية نتنياهو التي دعمتها الإدارة الامريكية السابقة، والتي تقوم على إعطاء الأولوية لتطبيع إسرائيل علاقاتها مع الدول العربية، تجد نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي، فقد اعتقد الكثيرون أن القضية الفلسطينية قد هُمّشت بشكل نهائي واستراتيجي، خصوصا أن الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة بايدن دعمت سياسة التطبيع هذه، واعتبرتها إحدى الحسنات النادرة للإدارة السابقة. غير أن فلسطيني الداخل أظهروا للمجتمع الدولي أن القضية الفلسطينية لا يمكن تجاهلها.

انفضاح دول التطبيع

ومن ضمن المردودات التي أفرزتها الحرب الرابعة على غزة، انفضاح بعض دول التطبيع والدول العربية، التي آثرت الصمت أو تحركت وفق الأجندة الصهيونية، كالامارات والسعودية والبحرين ، بالخلاف عن شعوبها. وتجلى ذلك في الانحياز الاعلامي الكبير  لتلك الحكومات والنظم، ضد المقاومة ومشروعها، والتقليل من انجازات المقاومة في مواجهة اسرائيل، وكانت صحيفة “الحارديان” البريطانية رصدت انقسام الدول العربية أمام الأزمة في غزة والحرب عليها.

وقال مارتن شولوف مراسل الصحيفة في الشرق الأوسط إن رفض دول التطبيع: البحرين والإمارات والمغرب والسودان شجب ما يجري في الأراضي المحتلة يضعها في مواجهه مع سكانها. وجاء في التقرير أنه في الوقت الذي اقتربت فيه إسرائيل وحماس من الحرب الشاملة، اندلعت بموازاة لها حرب سرد بين الدول العربية. ولأول مرة في المواجهات العديدة بين العدوين غابت الوحدة الإقليمية حول من يجب توجيه اللوم إليه وما يجب عمله لوقف القتال، ففي الوقت الذي اتهمت فيه دول ذات غالبية مسلمة مثل إيران تركيا إسرائيل بالتحريض على العنف في الأقصى وارتكاب جرائم في غزة عبرت الدول الأخرى التي شجبت في الماضي إسرائيل عن حالة ضبط للنفس أو صمت.

وكان الصمت النسبي بقيادة الدول التي وقعت اتفاقيات دبلوماسية برعاية دونالد ترامب والتي تعتبر حاملة راية اتفاقيات إبراهيم اليوم، ووجدت الإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان والمغرب نفسها في وضع اضطرها لموازنة علاقاتها الجديدة مع إسرائيل ضد مواطنيها الذين عبروا وبشكل واضح عن شجب للعنف الإسرائيلي، وقال رئيس مجلس التفاهم العربي- البريطاني كريس دويل “من المدهش في هذا الموقف المنكر وبخاصة الإمارات أنهم لم يتفوهوا ولو بكلمة نقد حول ما يحدث في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة” وهو “ما يرسل رسالة من القيادة الإماراتية أننا لن نتزحزح عن التحالف القائم مع إسرائيل والتي يرونها مهمة في خطط المستقبل والتي تضم مواجهة إيران وتركيا وجماعات الإخوان المسلمين”، كما ظهر هاشتاغ دعمته الإمارات على ما يبدو، تم تداوله نهاية الأسبوع في البحرين والكويت و الإمارات تحت وسم “فلسطين ليست قضيتي”. ولكنه لم يؤثر على الدعم الواسع في المنطقة.

وقالت الصحيفة إن المتابعة الإعلامية للنزاع غير موجودة تقريبا في الصحافة الإماراتية وصامتة في البحرين والسعودية التي لم توقع اتفاقية بعد مع إسرائيل ولكنها ألمحت لإمكانية عمل هذا.

تراجع  مشاريع التطبيع مع الدول العربية والاسلامية

ولعل خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي بينامين نتنياهو، بإنهاء عزلة “إسرائيل” عربياً وإسلامياً قد أثبتت فشلها، خصوصاً مع التأييد الشعبي، في الدول العربية والخليج والدول الاسلامية، للقضية الفلسطينية، حيث خرجت المظاهرات والوقفات التضامنية والتغريدات والمنشورات والمقاطع المصورة على مواقع التواصل الاجتماعيـ مطالبة بقطع العلاقات مع اسرائيل وفتح الحدود مع فلسطين للانضمام للمقاومة الفلسطينية ضد العدوان الصهيوني، وهو ما يضع النظم السياسية والحكومات العربية، التي كانت تتذرع في اقدامها على التطبيع بأنه في صالح القضية الفلسطينية، في حرج بالغ.  ولطالما زعمت “إسرائيل” عبر مسؤوليها باستمرار أن التطبيع معها يحمل استقراراً للمنطقة العربية، ويساعدها في تحقيق فوائد اقتصادية وتجارية، إضافة للقطاعات الأخرى، إلا أن ذلك يبدو غير دقيق.

وفي إطار ذلك قال كبير المعلقين بقسم الشؤون الخارجية بصحيفة “فايننشال تايمز”، جدعون راشمان: إن “استراتيجية رئيس الوزراء نتنياهو لتأمين مستقبل إسرائيل وإخراجها من عزلتها عبر إرساء علاقات دبلوماسية مع دول الخليج، وتهميش القضية الفلسطينية، أثبتت فشلها، وتبين أنها ليست بديلاً عن التوصل لتسوية عادلة مع الفلسطينيين”، وأشار راشمان إلى أن “نتنياهو حقّق إنجازاً تاريخياً في علاقات إسرائيل مع العالم العربي، حيث ساعدت اتفاقيات أبراهام على تطبيع العلاقات، وبدا أن إسرائيل في عهده تعيش في سلام وتنعم بالرخاء وتخرج من عزلتها الدولية”.

وبيّن أن “استراتيجية نتنياهو لتأمين مستقبل إسرائيل انهارت الأسبوع الماضي، مع تصاعد المواجهات الفلسطينية الإسرائيلية التي بدأت في القدس، وإطلاق الصواريخ على مدن إسرائيلية، والقصف الإسرائيلي لغزة، واندلاع اشتباكات عنيفة بين الفلسطينيين واليهود في مدن إسرائيلية عديدة، وتبين أن أمل رئيس الوزراء الإسرائيلي في تهميش القضية الفلسطينية مجرد وهم”، ويبدو أن استمرار التصعيد الإسرائيلي سيجعل اتفاقيات التطبيع تواجه مزيداً من الرفض الشعبي في للدول  العربية والاسلامية ، خاصة أنها ليست محل ترحيب واسع في الأساس.

وفي ضوء ذلك قالت الخبيرة في العلاقات الدولية سينزيه بيانكو : “ليس من المحتمل تراجع عملية التطبيع، ولكن وارد جداً تجميد المشاريع القائمة ما دام التوتر شديداً”، وأضافت في تصريح لشبكة “دو” عربية الألمانية: “الإمارات تبقى يقظة للوضع والمزاج العام في الشارع العربي، ولكنها لن تترك ذلك يملي عليها سياستها الإقليمية”، وبحسب تقديرات استراتيجية لموقع “الخليج أون لاين” فالعدوان العسكري الإسرائيلي ينسف كل الجهود الدبلوماسية التي عملت عليها “تل أبيب” للتقارب مع بعض دول الخليج الأخرى، خصوصاً أن الدول المطبعة لم يكن لها أي دور يذكر في التهدئة أو طرح مبادرات لوقف القصف.

وفي سياق ذلك ذكرت الإذاعة الإسرائيلية، نقلاً عن مسؤول أمريكي، أن العملية الأخيرة ستؤدي لتدهور العلاقات مع دول الخليج وليس مصر والأردن فقط، فيما قال مارتن شولوف، مراسل صحيفة “الغارديان” بالشرق الأوسط، إن الدول العربية التي طبعت مؤخراً مع “إسرائيل” وجدت نفسها في وضع اضطرها لموازنة علاقاتها الجديدة مع “تل أبيب” ضد مواطنيها الذين عبّروا بشكل واضح عن شجب العنف الإسرائيلي.

تكريس ضعف سلطة محمود عباس:

ومن جانب آخر، كرست خرب غزة الرابعة، حالة الضعف والتردي العام الذي تعايشه سلطة محمود عباس، والتي  تمر بأضعف حالاتها في خضم الأحداث الميدانية غير المسبوقة في حجمها وتزامنها، والتي عصفت بكافة أماكن الوجود الفلسطيني بالداخل، ومع إعلان وقف إطلاق النار في غزة، وعدم وجود دور ملموس للسلطة في التظاهرات الغاضبة التي اجتاحت الضفة الغربية ومدن من الداخل الإسرائيلي، بدأت تدور أسئلة ملحة تتعلق بما ينتظر السلطة بعد وقف الحرب على غزة، وتبعات هذه الحرب والأحداث المصاحبة لها والمواجهات مع الاحتلال الاسرائيلي على مستقبلها خاصة في الضفة الغربية؟

وهل يُعد ما يجري مخاضاً يهيئ لتغيير في توازنات القوى الفلسطينية أم أن ما يجري من أحداث سيصب بالمُحصلة اتجاه المحافظة على هذه التوازنات؟ وماذا ستفعل الجهات الإقليمية والغربية “القلقة” من أجل الحفاظ على بقاء السلطة الفلسطينية وما يُصطلح عليها دولياً “حماية الوضع الراهن”؟ كما ظهر سؤال آخر يبدو أنه ملح أكثر بالنسبة للمستويات الأمنية الإسرائيلية؛ ألا وهو: هل ستضطر حركة “فتح” إلى الانخراط في المواجهات مع إسرائيل على غرار الانتفاضة الثانية،  إذا ما تطورت الأحداث، حفاظاً على قوتها ووجودها واحتكارها للسلطة ومنعاً لسحب البساط من تحت أقدامها لصالح حركة “حماس” وقوى شبابية جديدة باتت تفرض نفسها في الساحة؟

ومع استمرار المواجهات وتطورها قد يدفع إلى تصاعد الميدان على نحو خطير في الضفة الغربية، لاسيما أن “فتح” لديها كميات كبيرة من الأسلحة، ولديها آلاف النشطاء الذين يتمتعون بإمكانات وقدرات لافتة.إلا أن التقديرات الاستراتيجية، تشئ إلى  أن فتح والسلطة حتى اللحظة لديها قرار بعدم الانخراط عسكرياً في أي مواجهة مع إسرائيل، وذلك على الرغم من ان المواجهات مع قوات الاحتلال الإسرائيلي تبدو للوهلة الأولى وكأنها فرصة لإنقاذ السلطة من انفجار حتمي في وجهها من قبل الشارع الفلسطيني على ضوء الفجوة الكبيرة بينه وبين القيادة التي تحظى بالامتيازات والرفاهية بفعل الفساد والمحسوبية والاحتكار، بالإضافة لانسداد الأفق السياسي بعد قرار تأجيل الانتخابات.

ونقلت دوائر غربية لصحيفة “هافتنتجون بوست” أن هناك مخاوف ليس فقط من تنامي قوة “حماس” ونشاطها في الضفة الغربية، وإنما أيضاً جهات أخرى لا سيما قوى محسوبة على القيادي المفصول من “فتح” محمد دحلان إضافة إلى ما يُعرف بـ”الحراك المجتمعي” يأتي هذا خاصة في أعقاب خروج مسلحين محسوبين على دحلان في الأيام الأخيرة في رام الله ومحافظات أخرى بالضفة بطريقة استعراضية، مُعرّفين أنفسهم بـ”كتائب الأقصى العائدة بعد غياب”!

فيما ردت سلطة محمود عباس، بانتشار أمني لقوات “حرس الرئيس” والاستخبارات والذي جاء بعد واقعة إطلاق النار تجاه الجنود الإسرائيليين شمال مدينة البيرة ، خلال الأسبوع الماضي، ، ما أدى إلى إصابة جنديين بجراح طفيفة في قدميهما، كما تتحسب السلطة لسيناريو متمثل بمظاهرات ضدها في المرحلة المقبلة، على ضوء معلومات مزعومة لديها أن مجموعة من “الحراكيين” يحاولون اقتحام مقر المقاطعة في رام الله، فيما نقل موقع “عربي بوست” أن رئيس السلطة اجتمع مؤخراً بقادة الأجهزة الأمنية بعد عملية إطلاق النار المذكورة وخروج ملثم بفيديو يدعي فيه أنه أحد عناصر الأجهزة الأمنية الفلسطينية، مهدداً بعمليات ضد أهداف إسرائيلية، وطلب عباس من قادة الأمن عدم السماح بفقدان السيطرة على الوضع ومنع أي “عسكرة” للمواجهة مع اسرائيل.

وفي الوقت ذاته، سعت السلطة وحركة “فتح” إلى تعزيز مشاركة مسؤوليها وقيادات “فتح” وحتى طارق عباس، نجل رئيس السلطة، في المسيرة الضخمة برام الله التي نظمت يوم الثلاثاء 18 مايو الذي شهد إضراباً شاملاً في كل أماكن الوجود الفلسطيني، بناء على تعليمات ونصائح أمنية لاحتواء الانتقادات الشعبية ضدها، كما شارك عضو مركزية فتح جبريل الرجوب وزميلاه عباس زكي ووليد عساف في تشييع شهداء “بلعين وأم الشرايط” بمحافظة رام الله، الخميس 20 مايو. كل هذا فقط للقول “نحن قريبون من الشارع وموجودون في الميدان”، وفي سياق التراجع المعلوم لدى الجميع، تخشى الدول العربية والغربية هي الأخرى على وضع السلطة. ولذلك، تحاول هذه الدول تعزيز مكانة السلطة في المرحلة القادمة بعد وقف العدوان على غزة، بل وإظهار السلطة وكأنها في صُلب الاتصالات الدولية التي تمخضت عن وقف إطلاق النار في غزة.

عكس ذلك، إعلان القطب الفتحاوي جبريل الرجوب مساء الأربعاء 19 مايو على قناة “الشرق” الإماراتية عن هدنة مرتقبة في قطاع غزة، الرجوب نفسه اشتكى قبل أيام من عدم تلقي مقر “المقاطعة” في رام الله أي اتصالات عربية ودولية، في إشارة ضمنية منه إلى غضب السلطة من تركز هذه الاتصالات مع حركة “حماس” وإهمال السلطة، لكنه سُرعان ما عاد كي يشيد بالجهود العربية في عملية تحقيق التهدئة، فيما يبدو إدراكاً من السلطة بأن هذه الأطراف الدولية ما زالت مهتمة بالمحافظة على توازنات القوى وعدم المساس بمكانة السلطة، كما أن رسالة الرئيس الأمريكي جو بايدن الأخيرة المكتوبة إلى محمود عباس بدت وكأنها تخفي خلفها خشيةً أمريكية من ضعف السلطة، ولعل إطلاق جهد سياسي دولي تحتاجه السلطة في هذا التوقيت لإعادة الاعتبار لوجودها بعد أن قامت إسرائيل بإضعافها إلى أقصى حد، ولكن دون قتلها.

خاتمة

ما برح قادة “أوسلو” (1993) يراهنون على إمكانية السلام مع إسرائيل تحت مبدأ “الواقعية”، أو انخماد جذوة المقاومة الفلسطينية ، سواء السلمية أو العسكرية، حتى تفجرت انتفاضات الأقصى وانتفاضة القدس ورأس العاموود، إلى  صواريخ المقاومة الفلسطينية التي طورت الصواريخ بعيدة المدى والموجهة والغواصات البحرية والطائرات المسيرةالتي وصلتلعمق الكيان الصهيوني ناقلة عبر الأقمار الصناعية صورا دقيقة عن قواه العسكرية وتحركاته، ما أفزع القيادات السياسية قبل العسكرية في الكيان الصهيوني، وهو ما قلب موازين القوى والرعب الذي باتت تعايشه اسرائيل، رغم اساطيل الامدادات العسكرية والجسر الجوي الأمريكي الناقل لأكبر صفقات التسليح العسكرية بنحو 750 مليار دولار لانقاذ اسرائيل من صواريخ المقاومة…

ولم تنجح إسرائيل في تحقيق اهدافها التي بنت عليها عمليتها العسكرية الكبيرة في غزة، سواء باغتيال قيادات المقاومة، يحي السنوار ومحمد الضيف، واسماعيل هنية وغيرهم من قيادات المقاومة الفلسطينية، كما عجزت عن تفكيك البنية التحتية للمشروع المقاوم في فلسطين، وخرجت المقاومة كأكبر منتصر في المعركة، سياسيا وعسكريا، بل بات التأييد الشعبي الواسع لها غير مسبوقا، سواء في مدن فلسطين الداخل، او الضفة الغربية والقدس وغزة، بل صارت القيادة في غزة، هي  القادرة على حماية الشعب واسترداد حقوقة وردع العدوان.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مستقبل المنطقة بعد الإطاحة بنتنياهو والتحولات المزلزلة بالحزب الديمقراطي

    تشهد المنطقة والعالم تغيرين جذريين يصبان بشكل مباشر في انعدال تدريجي لميزان القوى…