‫الرئيسية‬ العالم العربي الصومال مستقبل الصومال بعد إلغاء تمديد ولاية الرئيس
الصومال - مايو 26, 2021

مستقبل الصومال بعد إلغاء تمديد ولاية الرئيس

مستقبل الصومال بعد إلغاء تمديد ولاية الرئيس

 

 

بعد إلغاء التمديد للبرلمان والرئيس محمد عبد الله فرماجو، يوم السبت 1 مايو الجاري، يتجه الصومال نحو مرحلة جديدة من الهدوء النسبي، عقب سلسلة  من التوترات السياسية والأمنية، خصوصاً في العاصمة مقديشو.

القرار  الصادر عن البرلمان لاقى ترحيب المعارضة السياسية بالعودة إلى اتفاقية 17 سبتمبر الماضي، التي تنص على  إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية غير مباشرة قبل انتهاء ولاية الرئيس (انتهت في 8 فبراير الماضي)، وإعادة النظر في نظام معقد ينتخب وفقه مندوبون خاصون يختارهم زعماء العشائر، البرلمانيين الذين ينتخبون بعد ذلك الرئيس.

ووافق البرلمان الصومالي، في جلسة 1 مايو، على إلغاء مشروع كان أقره في 12 إبريل الماضي، للتمديد للرئيس محمد عبد الله فرماجو والبرلمان لمدة عامين.

وقال رئيس البرلمان محمد شيخ عبد الرحمن مرسل إن 140 نائباً (حضروا الجلسة من أصل 275 يتكون منهم المجلس) صوّتوا لصالح مشروع إلغاء التمديد، والعودة إلى اتفاقية 17 سبتمبر 2020، مضيفاً: لم تسجل أصوات معترضة، أو امتنعت عن التصويت لصالح هذا المشروع.

وكان فرماجو استبق القرار، باستعراض إنجازاته الأمنية والسياسية في البلاد، وكلف رئيس الحكومة محمد حسين روبلي، تنظيم الانتخابات النيابية والرئاسية، إلى جانب تسليمه ملف الأمن الشائك، والذي كان أكبر مبرر لرئيسي إقليمي بونتلاند، سعيد عبد الله دني، وجوبالاند، أحمد محمد إسلام مدوبي، لعدم الوثوق في دعوات فرماجو إلى عقد مؤتمر تشاوري لحل الأزمة.

جدل سياسي

وجاءت خطوة الغاء التمديد، بعد جدل وتوتر سياسي استمر لأكثر من شهرين، وضغوط دولية وداخلية تطورت إلى مواجهات عسكرية ذات طابع سياسي في الصومال، كادت أن تعصف بالاستقرار السياسي وتعود بالصومال إلى عهد الحرب الأهلية في البلاد التي تعاني من الهشاشة السياسية والأمنية

كان الرئيس الصومالى المنتهية ولايته فى فبراير الماضي عبد الله فرماجو قد أربك المشهد السياسي فى الصومال، وأقلق المجتمع الإقليمي والدولي، بعد أن وقع مرسوماً مدد به أجل المؤسسات التنفيذية والتشريعية لمدة عامين. وتأجيل الانتخابات التي كان من المقرر أن تجري في فبراير الماضي بالانتخاب غير المباشر.

وفي 12 أبريل، صادق البرلمان الصومالي على تمديد ولاية الرئيس لمدة عامين، وكذلك تمديد أجل البرلمان لعامين، على أن تجرى الانتخابات بالاقتراع العام المباشر في 2023، الأمر الذي رفضته المعارضة الداخلية والمجتمع الدولي، وأدى إلى احتقان في المشهد السياسي الصومالي، وتطور إلى انقسام سياسي وأمني داخل العاصمة مقديشو، ومن ثم تحول إلى مواجهات مسلحة بين مقاتلين مسلحين تابعين للمعارضة والجيش الحكومي.

فقد عمت اشتباكات عديدة أحياء واسعة من العاصمة، ممَّا أعاد إحياء المخاوف من اندلاع معارك بين الفصائل المتناحرة.

دوافع القرار

وجاء قرار إلغاء التمديد، الذي  كان متوقعاً لنزع فتيل التوتر من الشارع الصومالي، وفتح باب حوار جديد بين الأطراف السياسية الفاعلة في البلاد، لإجراء انتخابات. كما أن هذا الأمر فرض حالة هدوء سياسي وأمني، خصوصاً بعد أن أسند ملف الانتخابات والأمن إلى روبلي الذي وعد بإجراء حوار جديد مع المعارضة وتنظيم مؤتمر تشاوري خلال أسابيع للاتفاق على آلية لتنظيم الانتخابات واستكمال تطبيق اتفاقية 17 سبتمبر 2020 بين الرئيس وخمسة من قادة المناطق.

ولعل من أبرز دوافع القرار إن البرلمان تدارك خطورة الوضع الراهن، وأنقذ البلاد من حالة الفوضى وعدم الاستقرار، وذلك في خطوة لتصحيح ما أفسده سابقاً حتى لا يكون طرفاً في أزمة قد تعيد البلاد إلى المربع الأول.

ومما سهل قرار البرلمان ، تخلي فرماجو عن تمسّكه بمشروع التمديد، وهو ما  شكل انفراجة سياسية وأمنية في البلاد، لأن التمديد هو السبب الرئيس وراء التوتر الأمني الذي شهدته العاصمة في الأيام الماضية، وقد تساهم هذه الخطوة أيضاً في تبديد المخاوف الشعبية من إمكانية تجدد الأحداث الأمنية في مقديشو. وبحسب تقديرات استراتيجية، لموقع “افريقيا اليوم”، فإن تولي فرماجو ملف الانتخابات كان المعضلة الأكبر بالنسبة لرؤساء الولايات والمعارضة. كما أن تسليم ملف الانتخابات والأمن إلى روبلي يضفي مصداقية على قرارات الحكومة الصومالية، كون رئيس الوزراء ليس منافساً على كرسي الرئاسة..

وبحسب المحلل السياسي والكاتب الصومالي عبدالقادر ورسمة ، يخشى  من محاولة فرماجو الالتفاف على القرار الأخير إذا سنحت له الفرصة. وقد يعود إلى البرلمان متى شاء لإلغاء هذا الإجراء، لأن البرلمان يمثل جزءاً مكملاً لمخططاته.

إلا أن أمام رئيس الوزراء فرصة أكبر، خاصة عبر التحرك لحلحلة الوضع وإعادة القوات إلى ثكناتها، إذا تفاهم مع قوى المعارضة التي تقود التمرد المسلح الرافض للتمديد والاستهانة بالدستور الذي يعتبر الضمانة الوحيدة للحفاظ على المصالحة الصومالية الهشة..

أصل الأزمة

ويعيش الصومال أزمة سياسية عميقة منذ النصف الثاني من العام الماضي، بعد فشله في إجراء انتخابات أواخر 2020 ومطلع 2021 كما هو مخطط، بسبب غياب الإجماع السياسي. فيما أبدت الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وواشنطن القلق من تصاعد العنف. الأمر الذي حمل الرئيس فرماجو على التخلي عن موقفه الداعي لتمديد فترته الرئاسية، ودعوة البرلمان إلى اجتماع السبت1 مايو ، للموافقة على القرار وإنهاء الاحتقان وعودة الهدوء الحذر إلى مقديشو.

وكان الخلاف الكبير حول آليات تنفيذ بنود اتفاق 17 سبتمبر،  مثل لجنة الإشراف على الانتخابات في المستوى الفيدرالي وكيفية تمثيلها، وكيفية تعيين اللجنة الولائية للإشراف على الانتخابات في إقليم غدو التابع لجوبا لاند، وكيفية انتخاب ممثلي “صومالي لاند” في مقديشو، وقد حُلّ معظم الإشكالات في اتفاق فنيّ في 16 فبراير 2021، ولكن أزمة جديدة ظهرت بانتهاء الولاية الدستورية للرئيس والبرلمان، وتعاظمت أزمة الثقة بين الفرقاء السياسيين، إذ أصر حاكما ولايتَي “جوبا لاند” و”بونت لاند” على ضرورة تفويض الرئيس فرماجو صلاحياته ونقلها إلى رئيس وزرائه لكونه رئيساً منتهي الولاية، ولكونه مرشحاً انتخابياً لمنصب الرئيس لدورة ثانية، وأصرّا على إصدار مرسوم يؤكد انتهاء الولاية الدستورية للرئيس والبرلمان إذ انتهت ولاية البرلمان في 27 ديسمبر الماضي، فيما انتهت ولاية الرئيس فرماجو في 8 فبراير الماضي، وطالب الحاكمان بوجود طرف ثالث من المجتمع الدولي يضمن تنفيذ ما يُتفق عليه، وبالتالي أعلنت حكومة فرماجو على لسان وزير الإعلام فشل المفاوضات وتقدّم الرئيس للبرلمان بطلب التمديد تجنّباً للفراغ الدستوري.

وفجّر التمديد أزمة جديدة مع ولايات أخرى وأحزاب قوية رفضت فيه هذا الإجراء، واعتبرته محاولة للهيمنة الديكتاتورية وإعادة البلاد إلى سلطة الرجل الواحد وعدم احترام الدستور المؤقت بعد حرب أهلية طويلة طاحنة، وتطور الأمر بإعلان كل من حاكم ولاية هيرشبيلي علي عبد الله حسين وحاكم ولاية غلمدغ أحمد عبدي كاربي وحاكم ولاية جنوب غرب الصومال عبد العزيز حسن محمد موقفهم الرافض للتمديد، وهو الإعلان الذي باركه رئيس الوزراء محمد حسين روبلي وشكّل حالة ضغط كبيرة على الرئيس، إضافة إلى ضغوط قَبَلية كبيرة عليه، بما فيها ضغوط من قبيلته “الدارود” عليه، وكذلك نزوح عشرات آلاف الصوماليين من العاصمة باتجاه مناطق أكثر أمناً، وتجدُّد هجمات حركة “الشباب المجاهدين” واحتلالهم لبلدة صومالية مع تخوفات وصول مجموعات منهم إلى العاصمة لاستغلال الفراغ السياسي ونُذُر الحرب القائمة التي تُخْصِب فيها تربة العصابات والمليشيات.

إزاء هذا الوضع التأزيمي اشتدت حالة الاستقطاب المحلي والإقليمي والدولي بين الأطراف، وشرع كل فريق في استدعاء شبكة علاقاته للتدخُّل لصالحه، وبدا المشهدُ قاتماً بالتكتُّل القَبلي المُنْذِر بعودة الاحتراب الأهلي في دولة لا تزال تعاني آثار الحرب الأهلية ومخاوفها المسيطِرة، وهشاشة التشريعات المنظمة لحياة سياسية مستقرة، وبالفعل فقد عمل بعض دول المنطقة -غير المستفيدة من استقرار الوضع على صورة لا تناسبها- على صبّ الزيت على النار لاعتبارات تتعلق بتصفية حساباتها مع دول أخرى مؤثرة في الصومال، أي أن الصومال باتت ميداناً للصراعات الإقليمية والمنافسات الخارجية، وهو ما كان سيؤدي إلى استنزاف سياسي سيقتل الحياة السياسية الصومالية.

وبحسب تقديرات لـ”موقع Trt” نشطت الدبلوماسية العلنية والسرية من الدول الحريصة على استقرار الصومال وإبعاده عن شبح الحرب الأهلية، وسارعت إلى إقناع الفرقاء بتثبيت مربّع التوافقات الأولى وعدم تجاوزها، لا سيما أن فيها أرضية واسعة للتلاقي، وأن باقي التفاصيل هي مسائل فنية يمكن الوصول إلى حلول فيها بتوفير مناخ سياسي صحي وإعداد بيئة حوار إيجابية وإبداء حسن النوايا العملية، وعملت هذه الدبلوماسية البعيدة عن الأضواء في تقريب وجهات النظر وتقديم التزامات وضمانات للفرقاء وبناء جسر تواصل مستديم وتهدئة النفوس وإزالة الشكوك والتخوّفات التي تزيد كلما ابتعدت الأطراف عن اللقاء المباشر وتعقدت الأحداث الميدانية.

أما القوى الدولية الغربية فقد هددت بوقف الدعم عن الصومال في حال التراجع عن المسيرة الديمقراطية، وهو دعم محدود على كل حال، ولم يشكّل حالة ضغط حقيقية لوجود قناعة بأن هذه الدول سترضخ للإرادة السياسية التي تعبّر عنها المؤسسة التشريعية والمصالح العليا لهذه الدول، لا سيما أن بعض هذه الدول أبلغ الحكومة الصومالية بتفهّمه للقرارات التي تهدف إلى منع الانجرار إلى الفراغ الدستوري، كذلك فإن هذه الدول لا يعنيها من الصومال سوى استمرار الحرب على المجموعات الموصوفة بالتطرف مثل حركة الشباب المجاهدين، وضمان عدم عودة القرصنة البحرية، أي ألا تكون الصومال مصدر تهديد للممرات المائية الحيوية القريبة منها، وألا تكون منطلقاً لأي عمل معادٍ لمصالح هذه الدول ونفوذها في المنطقة.

مخاوف وتحديات

ومع تطورات المشهد السياسي الصومالي  الموتور، كانت فرص الحل ستكون أفضل لو كانت رسالة فرماجو بالتخلي عن مسار العملية الانتخابية، أمنياً وسياسياً، لصالح رئيس الوزراء جدية، فهي تتطلب خطوات، بينها توقيع فرماجو مرسوماً يعلن فيه التخلي عن صلاحياته بسبب انقضاء ولايته، وحل البرلمان الذي أصبح أساس التوترات السياسية الأخيرة بسبب قرار التمديد وموجة العنف المسلحة التي أعقبت هذه الخطوة..

كما توجد الكثير من التحديات الأمنية والسياسية في طاولة رئيس الوزراء الصومالي محمد حسن المكلف بقيادة العملية السياسية والأمنية، من أجل إنهاء الانقسام السياسي وإعادة الثقة بين الفرقاء السياسيين بمختلف مكوناتهم العشائرية والقبلية وأحزاب المعارضة في الحكومة الفيدرالية وحكام الأقاليم. فالاستقرار السياسي في الصومال يمثل تحدياً لدى الأوساط الدولية والداخلية على حد سواء، كما أن الوضع الأمني يمر بمسار معقد بعد أن تمردت بعض القيادات الأمنية من الشرطة الفيدرالية والجيش ضد قرار الرئيس القاضي بالتمديد. إضافة إلى أن التقاطعات الدولية والتدخلات فى الشأن الصومالى تعتبر أكثر تعقيداً من إشكالات الداخل، ولكن يتوقع مراقبون للشأن الصومالى نجاح محمد ربل في قيادة المرحلة القادمة، حيث إنه يمثل إجماعاً وطنياً لكونه لم يكن ضمن المرشحين للرئاسة، فلذلك فإن قيادته للعملية السياسية والأمنية للانتخابات الرئاسية والبرلمانية ستتسم بالحيادية.

ومع إن محادثات الانتخابات ستنزع فتيل الأزمة الأمنية في مقديشو على المدى القصير، إلا أن العديد من المشاكل الكامنة التي منعت تنفيذ اتفاق 17 سبتمبر ما تزال بدون حل، فقد أدت قرارات “فرماجو” إلى تعزيز التصور لدى زعماء المعارضة بأنه متعطش للسلطة، ولا نية لديه لترك منصبه، كما اتهموه بأنه يقوم بعمل ترتيبات لمصلحته قبل الانتخابات الرئاسية التالية من خلال تعيين حلفائه في المناصب البيروقراطية المشرفة على العملية الانتخابية، كما رفض رئيس ولاية جوبالاند “أحمد مادوب”، وهو من أشد منتقدي “فرماجو”، دعم الانتخابات ما لم تغادر القوات الفيدرالية منطقة “جيدو” في جوبالاند، وهو ما رفض “فرماجو” القيام به.

وبالتالي قد تتسبب مطالبات “مادوب” في حدوث خلاف مجددا، حيث يرفض القوميون المتشددون المؤيدون لـ”فرماجو” هذه المطالبات بالنظر إلى اهتمام “مادوب” بالحفاظ على النفوذ الكبير نسبيًا للولايات الفيدرالية على القضايا المحلية. ولكن بدون دعم “مادوب”، لا يمكن إجراء الانتخابات في جوبالاند.

وفي فبراير الماضي، سحب “مادوب” اعترافه بـ”فرماجو” كرئيس، وقال وزير الإعلام في جوبالاند مؤخرا إن الولاية لن تحضر محادثات الانتخابات الجديدة حتى يتم نقل قضايا الأمن القومي (وبالتالي قرار نشر القوات المسلحة الصومالية في جيدو) من يد “فرماجو” إلى رئيس الوزراء “روبلي“.

ويعزز دعم كينيا لـ”مادوب” -مدفوعا برؤيتها لأهمية إقامة منطقة عازلة بين كينيا وحركة “الشباب”- موقفه التفاوضي مع مقديشو.

فرص التوافق

ويبدو رئيس الوزراء هو رجل المرحلة الحساسة إذ بدأ عمله بإعادة الجيش المنتشر في العاصمة إلى ثكناته، وهو ما أدى إلى تنفيس الاحتقان الأمني والعسكري بين القوى السياسية المحتمية بسلاح قبائلها في أحياء العاصمة، فمن المتوقّع أن تزيل هذه القوى استحكماتها وتحصيناتها العسكرية في مقديشو تدريجياً بخاصة بعد الإعلان المرتقب لخطة رئيس الوزراء في إدارة ملف الانتخابات وتأمينها على المستوى القومي، ويبقى نجاحه رهناً بالتزام الفرقاء عدم التصعيد والتحريض والبحث عن الحلول والبدائل التوافقية، فيما تظل عيون بعض المتدخّلين الإقليميين مشغولة بنقض حالة التوافق وتغذية الخلافات لاستنزاف الصومال وحرمان أصدقائه الاستفادة من تموضُعهم فيه.

واجمالا، فإن قرار إلغاء التمديد أوقف حدة الاحتقان السياسي في البلاد، ويمهد الطريق إلى مفاوضات جديدة بين الولايات الفيدرالية والحكومة الصومالية. كما أنه يساهم في عودة الكثير من الأسر الصومالية التي نزحت إلى مناطق أخرى من العاصمة جراء الاشتباكات إلى منازلها”.

مسار الانتخابات

ثلاثة عقود لم يشهد الصومال فيها استقراراً سياسياً بعد إسقاط حكم الجنرال محمد سياد برى فى يناير 1991 من القرن الماضي، حيث تبع ذلك انهيار الدولة المركزية، واندلاع الحرب الأهلية التى حولت الصومال إلى واحد من أفقر دول العالم وأكثرها هشاشة واحتراباً، جرت محاولات عدة لإعادة الدولة وأجهزتها، ولكن فشلت جميع الجهود لإقامة حكومة موحدة في البلاد حيث أعلن الأقليم الشمالي انفصاله تحت اسم (جمهورية أرض الصومال)، ودخلت بقية الأقاليم والمحافظات في حرب أهلية مريرة. وكانت أول محاولة لحكومة مركزية فى الصومال فى عام 2004 عندما أُعلنت الحكومة الفيدرالية الانتقالية في نيروبي، ولكن كان دخولها لمقديشو كان أمراً صعباً، لذلك لجأت إلى أن تؤسس مقرها في بيدوا.

وفي بدايات عام 2006 تأسس اتحاد إعادة السلام ومكافحة الإرهاب من أمراء الحرب العلمانيين في مقديشو، لمجابهة القوة المتنامية لاتحاد المحاكم الإسلامية. هذا، وتجرى الانتخابات الصومالية بصورة غير مباشرة، حيث يختار زعماء العشائر فى الولايات نواب البرلمان، ويختار البرلمان رئيس الحكومة، فى عملية سياسية معقدة تتحكم فيها القبلية والعشائرية.

وخلال الأيام الماضية، دعا رئيس الوزراء الصومالي “محمد حسين روبلي” قادة الولايات الفيدرالية الخمسة في الصومال للاشتراك في جولة أخرى من المحادثات التي تبدأ في 20 مايو لتنظيم الانتخابات، على أمل التغلب على أشهر من الجمود بشأن كيفية إجراء التصويت.

ويقتضي النظام السياسي الصومالي الذي يحظى فيه رؤساء دول الولايات الفيدرالية بحكم شبه ذاتي، ضرورة إجراء مفاوضات بينهم وبين الحكومة الفيدرالية لعقد الانتخابات.

التدخلات الدولية وتأثيراتها

فيما تتقاطع في الصومال الصراعات والنزاعات القبائلية داخلياً مع الأطماع الخارجية، المتمثلة في التدخل الإقليمي والدولي، لتنتج دولة مهترئة وممزقة خارجة عن التصنيف الدولي في ما يخص التعليم والصحة والحكم الرشيد. وهذا الوضع جعلها مكاناً خصباً للأطماع الدولية. فبالإضافة إلى التدخلات الإقليمية المتمثلة فى إثيوبيا وكينيا هنالك تدخلات من أمريكا والإمارات وإسرائيل ممَّا يزيد من تعقيد الوضع السياسى.

وقد واجه الرئيس المنتهية ولايته فرماجو صعوبات كثيرة فى محاولاته إضعاف الدور الإقليمي فى الصومال، حيث طرد السفير الكينى في مقديشو بعد اتهام كينيا بالتدخل فى انتخابات ولاية جوبالاند واستدعاء مبعوثها في نيروبي. أما التمويل الخارجي الذي تحظى به التنظيمات المتشددة المسلحة هناك، وعلى رأسها حركة الشباب ، أسهم في تعميق حالة عدم الاستقرار التي يعيشها الصومال.

وكان الدور الإسرائيلي واضحاً منذ التسعينيات من القرن الماضي، حين استغلت إسرائيل مدخل العمل الإنساني وأقامت علاقات مع بعض قادة الفصائل الصومالية والجبهات المسلحة، وبدأت جمعيات ومنظمات صهيونية أمريكية، وجماعات تبشيرية يهودية، من بينها شهود يهوه، بدور مهم في عمليات تبشيرية منتظمة تحت غطاء المساعدات الإنسانية في أكثر من منطقة في الصومال، حسب ما ذكرت دراسة لمركز مقديشو للدراسات، وأن إسرائيل كانت تسعى لتقسيم الصومال بالاعتراف باستقلال أرض الصومال، لولا موقف الجامعة العربية الرافض لتقسيم البلاد.

مستفبل مضطرب

وأمام تطورات المشهد السياسي الصومالي الحالي، فإن المستقبل المنظور للبلد الأشد اضطرابا في القارة الافريقية يبدو مضطربا،

اذ لا يزال الاحتكاك السياسي بين مقديشو والولايات الإقليمية في ذروته، وينذر بعواقب وخيمة تهدد عملية المسار الفيدرالي في الصومال. وذلك وفق تقدير لوطالة بلومبرج، مايو الجاري،  حيث لا ترتبط الحكومة المركزية بأي علاقة اتصال مع الأقاليم الفيدرالية ما عدا أقاليم جنوب غرب الصومال. وتبقى حركة الشباب المجاهدين المعادلة الأكثر صعوبة أمنياً في الصومال، وستبقى الحركة ما بقيت التدخلات الخارجية. وما دامت المجاعات والمآسي حاضرة، فإن الصومال لن يخرج من دائرة عدم الاستقرار والاحتراب بانتخابات تنتج حكومة تكون سيطرتها محدودة حتى داخل العاصمة مقديشو، في وقت تظل فيه السيطرة العشائرية والقبائلية أكبر مهدد للمسيرة السياسية فى البلاد. فالصومال في حاجة ماسة إلى وحدة أبنائه، والعون والمساعدة المخلصة من أصدقائه.

وستؤخر الأزمة السياسية المتواصلة في الصومال من الإصلاحات الأمنية وتعيق جهود “مكافحة الإرهاب”. ففي عام 2017، توصلت الجهات الصومالية الفاعلة إلى اتفاق مع المجتمع الدولي لبناء جيش وطني صومالي أكثر وحدة وتماسكا بحيث يمكنه في النهاية أن يحل محل بعثة الاتحاد الأفريقي للصومال التي مضى عليها 14 عاما، في مهمة “حفظ السلام” في البلاد.

وحاولت حكومة “فرماجو” منذ ذلك الحين الدفع بإصلاحات في قطاع الأمن لتنفيذ الخطة، والتي تشمل دمج بعض قوات ولايات الصومال المتمتعة بالحكم شبه الذاتي مع قوات الحكومة الوطنية. لكن الاضطرابات التي أثارها قرار التمديد الأخير أظهرت مدى هشاشة هذه العملية، بالنظر إلى أن بعض القوات المسلحة الفيدرالية تدخلت نيابة عن قادة المعارضة.

كما أبرزت الأزمة الحالية حاجة الفصائل السياسية الصومالية للحفاظ على ولاء قوات الأمن في حال الحاجة إلى تسوية النزاعات السياسية في البلاد.

وبحسب “مركز ستراتفور للأبحاث والدراسات” يمكن أن تهدد الأزمة السياسية أيضا الاستقرار المالي  للصومال من خلال تقويض محاولات الحكومة لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية من أجل تخفيفات لعبء الديون.

فقد أعلن صندوق النقد الدولي في مارس 2020 بعد سنوات من المفاوضات، أن الصومال اتخذت كل الخطوات اللازمة لبدء عملية تستهدف تخفيف عبء الديون بموجب مبادرة “البلدان الفقيرة المثقلة بالديون”، كما وافق صندوق النقد الدولي على حزمة تمويل مدتها 3 سنوات للمساعدة في دعم خطط الإصلاح الاقتصادي للصومال.

لكن الانتهاء من العملية التي تتطلبها المبادرة يستغرق 3 سنوات، كما تتطلب حزمة التمويل من الحكومة الصومالية تنفيذ المزيد من الإصلاحات الاقتصادية، وهو ما يمكن أن يتعطل بسبب استمرار الأزمة السياسية.

كما كانت الحكومة الصومالية بصدد عملية إطلاق لقطاع النفط والغاز في البلاد وكانت تأمل أن تعلن عن العطاءات الفائزة في أول جولة ترخيص في أوائل عام 2021. ومع ذلك، يبدو أن عملية تقديم العطاءات قد تباطأت وسط الاضطرابات المتعلقة بالانتخابات؛ حيث لم تصدر تحديثات لاحقة بشأن الموضوع منذ فبراير الماضي.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

دراسة: التطبيع الصهيوني الصومالي.. تاريخ طويل من السجالات ومستقبل ملتبس

منذ سنوات، يتعرض الصومال لضغوط أمريكية وإسرائيلية من أجل تطبيع العلاقات مع تل أبيب، وإعلان…