‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر ارتباك الإدارة المصرية إزاء أزمة سد النهضة .. الأسباب والانعكاسات
مصر - سد النهضة - مايو 26, 2021

ارتباك الإدارة المصرية إزاء أزمة سد النهضة .. الأسباب والانعكاسات

سد النهضة

 

 

بحسب الاستشاري العالمي المصري ممدوح حمزة إن أسلوب إدارة الحكومة المصرية لملف سد النهضة،  “يلخص مصر الحالية؛ فالطريق إلى الهاوية يقوده نظام السيسي مع سبق الإصرار والترصد”!!

أولا: معالم الارتباك :

1- تصريحات مرتبكة:

أزمة النظام المصري، في إدارة أزمة سد النهضة تتفاقم يوما بعد يوم، في ظل ارتباك وارتجال وعشوائية في إدارة التحاور مع الأطراف الدولية وأطراف الأزمة؛ إثيوبيا، والسودان، فوسط جهود دولية متصاعدة من قبل واشنطن والأطراف الدولية لحلحلة الأزمة ودفع إثيوبيا نحو مسار التفاوض، قبل الملء الثاني لسد النهضة، تأتي تصريحات وزير الخارجية سامح شكري للإعلامي نشأت الديهي، بأن مصر لن تتضرر من الملء الثاني لسد النهضة، إثر وجود مخزون من المياة أمام بحيرة السد العالي، تكفي مصر لتجاوز أزمات الملء لمدة عامين، تلى ذلك تقرير مخابراتي، يكشف أن التقديرات الجغرافية، تشئ إلى نفس المعنى بأن معدلات الفيضان، هذا العام على إثيوبيا تزيد عن معدلات العام الماضي، بنحو 600%، ما يحول دون الإضرار بدولتي المصب.

تلك التصريحات والتقديرات لاقت استحسانا من إثيوبيا، التي سارعت لإعلان ترحيبها بالموقف المصري، كاشفة عن انتهائها من 80% من انشاءات سد النهضة، مستنكرة الحملات التي تشنها مصر والسودان، طوال الفترة الماضية حول مخاطر الملء الثاني لسد النهضة.

ومع استشعار الحرج داخل النظام المصري من تصريحات وزير الخارجية، تراجع شكري عن التصريحات الكارثية، مطالبا إثيوبيا بعقد اتفاق قبل عملية الملء الثاني،  واعتبر شكري، التصريحات الإثيوبية الأخيرة عن إجراء عملية الملء الثاني للسد النهضة كما هو مخطط لها بصرف النظر عن وجود اتفاق بين الدول الثلاث، تعكس تعنت إثيوبيا، كما أنها بمثابة خروج عن قواعد القانون الدولي ومخالفة واضحة لاتفاقية إعلان المبادئ.

وكان وزير الخارجية الإثيوبية، “دمقي مكونن”، صرح، بأن ملء سد النهضة للسنة الثانية سيتم كما هو مقرر، وذلك في كلمة له عبر اجتماع افتراضي بعنوان «الاستخدام العادل لنهر النيل: دور سد النهضة الإثيوبي الكبير في التعاون الإقليمي”، وفق ما نقله موقع الجزيرة مباشر.

وأوضح شكري في مداخلة هاتفية، الأحد، مع برنامج «الحكاية»، على قناة “ام بي سي مصر”  أن مصر تعمل على تفعيل الدور الإفريقي، إلى جانب مشاركة الأطراف دولية للتوصل إلى اتفاق ملزم، مُضيفًا أن تحجج الجانب الإثيوبي بالسيادة بهدف عرقلة تدويل الخلاف تحت مظلة القانون الدولي غير مقبول إذ “لا أحد يعترف بسيادة عندما يتعلق الأمر بنهر دولي”..

متماديا في تصريحاته الكارثية، بقوله إن مصر يمكنها أن تتقبل ضرر في سبيل تحقيق إثيوبيا أهدافها التنموية، لكنه أوضح بالوقت نفسه أن هناك أضرار لا يمكن تحملها، مؤكدًا على أن الدولة المصرية ستتخذ الإجراءات المتعلقة بقضية سد النهضة «بحكمة وتأني وبدون تسرع لمعالجة الأمور..”.

ثم عاد شكري ليؤكد رفضه اتهام إثيوبيا لمصر بتدويل القضية، قائلاً إن أديس أبابا وافقت بالفعل على تدويل الأزمة من خلال مشاركة الاتحاد الأفريقي بإرادتها الحرة، كذلك فإنها شاركت في المفاوضات التي عقدت في واشنطن، وأنها تلجأ لمثل هذه التصريحات عندما تعتقد أن الأمر سيكون في مصلحتها، وشدد على أن مصر لن تسمح بالملء الثاني المنفرد دون وجود اتفاق شامل ينظم عملية الملء والتشغيل، وإذا قامت إثيوبيا بذلك، فسيُعتبَر تصرفاً مخالفاً لاتفاق المبادئ، وتكون بذلك متنصلة منه ومن التعهدات التي قدمتها.

إلا أن الأوساط السياسية المصرية، اعتبرت الخلط والتناقض الذي يثيره شكري بتصريحاته، تشكك في مصداقية خطاب الإدارة المصرية التي أكدت مرارًا أن مصر ستُصاب بضرر بالغ فيما يخص أمنها المائي جراء الملء الثاني لسد النهضة.

فيما انتقد وزير الري محمد عبد العاطي عدم تقديم الولايات المتحدة أية مقترحات بناءة بشأن ملء السد، وكانت الولايات المتحدة، قد أكدت منتصف الشهر الجاري، التزامها بتقديم الدعم السياسي والفني لتسهيل التوصل إلى نتيجة ناجحة لمفاوضات سد النهضة، وقالت الخارجية الأمريكية في بيان، مؤخرا، إن مبعوثها الخاص للقرن الإفريقي، جيفري فيلتمان، ناقش مع قادة الدول الثلاث، استئناف المفاوضات تحت رعاية الاتحاد الإفريقي واستئنافها على وجه السرعة، بناء على إعلان المبادئ الموقع عام 2015، مؤكدة أن فيلتمان سيعود إلى المنطقة مرة أخرى لمواصلة الجهود الدبلوماسية المكثفة لحل الخلافات في المنطقة.

يُذكر أن المفاوضات الثلاثية التي جرت بين كل من مصر وإثيوبيا والسودان، في أبريل الماضي، برعاية الرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي، في العاصمة الكونغولية كينشاسا، قد فشلت ولم تحقق أي تقدمًا على صعيد الوصول لاتفاق قانوني ملزم حول آلية ملء وتشغيل السد وكذلك الملء الثاني والتي من المتوقع أن تقوم به إثيوبيا بصورة أحادية منتصف يوليو المقبل.

2-بين الحيار العسكري والتفاوض

ومن جانب أخر، أعلنت القاهرة عن عقد مناورات عسكرية شاملة مع السودان، أطلقت عليها “حماة النيل”. وخرج معتز عبد الفتاح أستاذ العلوم السياسية والإعلامي المقرب من النظام أن مصر والسودان تستعدان لخوض حرب ضد إثيوبيا في ظل التعنت الإثيوبي بالمضي قدما في عملية الملء الثاني لسد النهضة من دون اتفاق. وقال عبد الفتاح في بث مباشر على صفحته بموقع فيسبوك، الأحد 23 مايو الجاري، “نعم بدأت تدق طبول الحرب! الجيشان السوداني والمصري يقومان بتدريبات مشتركة لتوحيد المفاهيم ورفع الكفاءة القتالية، والولايات المتحدة تخوض جهودا دبلوماسية اللحظة الأخيرة”. مضيفا : “إثيوبيا أيضًا تحشد قواتها على حدودها مع السودان مع تهديدات مستترة بأنها لن تقبل أي مساس بالسد أو بحدودها وأنها ستشعل المنطقة حربًا”. وأردف قائلًا إن “السيناريو الذي لم نكن نتمناه أو نريده هو ما سيحدث بالفعل، والولايات المتحدة قالت إنها ستتدخل، وعلى العالم كله أن يتدخل الآن وإلا فعليه أن يصمت للأبد”.

وتأتي تصريحات عبد الفتاح، المقرب من الأجهزة الأمنية المصرية، كرسالة مستهدفة على ما يبدو، لتجاوز مردودات تصريحات سامح شكري، التي اعتبرتهاالدوائر الاستراتيحية، أنها انتصار لإثيوبيا واعتراف مجاني من مصر، لإثيوبيا بالملء الثاني للسد، دون اتفاق مبدئي مع القاهرة، وكانت وزارة الخارجية الإثيوبية قد قالت في بيان منذ يومين إنه “لا يمكن لأي قوة أن تعطل الجهود الجارية لملء السد وتشغيله”، معلنة أنها ستبدأ تشغيلًا تجريبيًا لتوليد الطاقة في السد خلال موسم الأمطار المقبل.

3-سيناريوهات الملء الثاني بلا حلول رادعة:

وتتراوح سيناريوهات عملية الملء الثاني لسد النهضة، وفق 3 احتمالات، كشف عنها وزير الري المصري محمد عبد العاطي، في تصريحات نقلتها عنه وكالات الأنباء العالمية، السبت الماضي، قائلا: ” هناك 3 سيناريوهات مختلفة لمواجهة قيام إثيوبيا بتنفيذ المرحلة الثانية من ملء وتعبئة “سد النهضة”.

السيناريو الأول : أن يأتي الفيضان عاليا، وتكون مناسيب البحيرة في السد العالي آمنة، وتستطيع استيعاب الصدمة؛ فيكون التأثير أقل.

السيناريو الثاني: حدوث فيضان متوسط، ومن هنا ستخصم المياه التي ستُحجز في “سد النهضة”، من رصيد مصر والسودان، وهذا مواجهته جيدة.

السيناريو الثالث “الأسوأ”: هو ملء “سد النهضة” وسط وجود جفاف طبيعي مع الجفاف الصناعي، مؤكدا أن مصر تستطيع، رغم ذلك، مواجهة هذا السيناريو حال حدوثه.

ووصف الوزير المصري ملء إثيوبيا للسد بأنه صدمة مائية ستقلل كمية المياه التي تستفيد منها مصر؛ لأنه سيؤدي إلى وجود جفاف صناعي، مشيرا إلى أن أديس أبابا تخطط لتخزين 13.5 مليار متر مكعب من المياه هذا العام.

واستبعد “عبدالعاطي” نجاح إثيوبيا في تخزين هذه الكميات في ظل مؤشرات حول وجود مشاكل فنية وتقنية تحول دون قدرتهم على الوصول لهذه الكمية.

وجاءت تصريحات “عبدالعاطي” بعد ساعات من إعلان نظيره الإثيوبي “سليشي بقلي” إتمام بناء أكثر من 80% من سد النهضة، المتنازع عليه مع مصر والسودان. تلك التصريحات التي استهدفت تبسيط الكارثة على المواطن المصري، ولم تقدم أية حلول  بمواجهة إثيوبيا، والاكتفاء بالاستعدادات المصرية المحلية، التي تجيدها وزارة الري .

ثانيا: أسباب الارتباك الاستراتيجي:

تلك التصريحات والمواقف المتباينة، تكشف إلى أي حد  تعاني الدبلوماسية بل والسياسة المصرية من ارتباك وتخبط، ولكن تلك الحالة التي وصلت لها مصر، تعود لعدة أسباب، منها:

1-تعدد المقترحات الدولية والاقليمية:

ووسط الارتباك السياسي الذي يعايشه النظام المصري في المرحلة الراهنة، تتعدد الطروحات لحل الأزمة، سواء على المستوى الدولي أو المستوى الاقليمي، فيما ساعد الضعف والارتهان لارادات وأجندات الخارج من ارتدادات الأزمة، فتعددت المبادرات والرؤى التي يعوزها مراعاة الشأن الداخلي المصري، ومن ثم تهميش الحقوق المصرية، والغريب أن النظام العسكري المنتشيء بدبابته وقواته العسكرية وصفقاته العسكرية والتسليحية الضخمة، بات يراهن ويتحرك وفق أجندات تلك الأطراف.

2-اتفاق اولي مؤقت للملء الثاني:

ومن تلك المبادرات، ما كشفت عنه صحيفة “المونيتور” مؤخرا، عن الاقتراح الذي قدمته جمهورية الكونغو الديمقراطية، الرئيسة الحالية للاتحاد الإفريقي، كمبادرة جديدة لحل النزاع الدائر بشأن سد النهضة الإثيوبي. وقدم فيليكس تشيسيكيدي، رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية والرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي، مبادرة جديدة في 9 مايو ،  خلال جولة شملت مصر والسودان وإثيوبيا، لإحياء المحادثات المتوقفة منذ أكثر من شهر. واجتمع تشيسيكيدي مع مسؤولين من الدول الثلاث في محاولة لاستئناف المفاوضات الملائمة التي امتدت لعقد من الزمن حول السد الذي تبنيه أديس أبابا على النيل الأزرق، وهو الرافد الرئيسي لنهر النيل.

وتحظى المبادرة بدعم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتشمل اتفاقا أوليا قصير الأجل بشأن مرحلة التعبئة الثانية لخزان السد، وينص على أن تقدم إثيوبيا معلومات عن جداول ملء المياه وحجم تدفقات المياه إلى دولتي المصب. وأعربت إثيوبيا عن دعمها لها. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الإثيوبية دينا مفتي في مؤتمر صحفي في 8 مايو: “ليس لدينا اعتراض على توقيع اتفاق شامل، لكننا نريد في الوقت الحالي التوصل إلى اتفاق بشأن الملء الثاني لبحيرة السد”، وأضاف المفتي أنه يجب استئناف المحادثات تحت مظلة اتفاق عنتيبي الذي لا تعترف به مصر والسودان وتعتقد إثيوبيا أن مصر والسودان لديهما نصيب الأسد من مياه النيل بموجب اتفاقيات تعود إلى الحقبة الاستعمارية. وتضغط إثيوبيا على مصر والسودان لإدراج الحصص التاريخية للبلدين من مياه النيل فى الموضوعات المطروحة للتفاوض.

المبادرة الجديدة المقترحة، ستسمح لإثيوبيا بفرض أمر واقع على دولتي  المصب، وهو الأمر الذي وصفه أحمد المفتي، العضو السابق في وفد السودان إلى مفاوضات سد النهضة، المبادرة الكونغولية بأنها كارثية، انطلاقا من أن الحجة القائلة بأن الوقت ينفد باطلة، لكن خطورة الاتفاق المؤقت تكمن في أن إثيوبيا ستتمكن من التحكم في مياه النيل مستقبلاً، بلا شريك أو رقيب، وستتخذ أديس أبابا من سابقة ملئها السد مرتين بقرار سيادي حجّة للخروج عن أي اتفاق يمكن إبرامه مع مصر والسودان، وإقدامها على تغيير نسب التدفق ومعدلات التشغيل بين فترة وأخرى. ومن المتوقع أن تعمل إثيوبيا بهذا النهج، أخذا في الاعتبار استنادها الدائم إلى اتفاق المبادئ الموقع بين الدول الثلاث في مارس 2015، والذي يجيز لها إعادة ضبط القواعد من وقت لآخر، وأن الإخطار المسبق الوحيد الذي تكلّف به إثيوبيا ضمن الاتفاق هو إخطار دولتي المصب بأي ظروف غير منظورة أو طارئة تستدعي إعادة الضبط لعملية تشغيل السد.

3-اتفاق محاصصة النيل الأزرق:

وكانت مفوضية الاتحاد الأفريقي، بالتعاون مع الكونغو الديمقراطية وعدد من الخبراء الفنيين، خلال عملها، مؤخرا، على وضع مسودة لصيغة اتفاق مؤقت، وآخر دائم، من حصيلة المناقشات الأخيرة خلال جولة كينشاسا الفاشلة، بحيث يتم الإسراع في توقيعها، بمجرد تلبية الضمانات المطلوبة من الأطراف الثلاثة، والتي ما زالت محل خلاف، خاصة مطلب إثيوبيا بتوازي الاتفاق النهائي على قواعد الملء والتشغيل مع وضع محاصصة جديدة لمياه النيل الأزرق. وكانت إضافة هذه المسألة للاتفاق، من الأمور التي رفضت مصر والسودان التطرق إليها في المفاوضات تحت رعاية الولايات المتحدة بين عامي 2019 و2020، لكن إثيوبيا استمرت خلال التفاوض، تحت لواء الاتحاد الأفريقي نهاية العام الماضي، بما حمله بيان قمة يوليو الماضي، من عناصر، بما في ذلك الاعتراف بعمل حساب للتطورات الجديدة على النيل الأزرق، تماماً كتمسكها بالتفسير الحرفي لاتفاق المبادئ الموقع في 2015.

وفي ذلك الوقت، أعلنت الرئاسة المصرية أنه “سيتم لاحقاً العمل على بلورة اتفاق شامل لكافة أوجه التعاون المشترك بين الدول الثلاث فيما يخص استخدام مياه النيل”، فيما اعتُبر ارتداداً كبيراً عن موقف مصري ثابت ضد الخطة الإثيوبية لإعادة المحاصصة. الأمر الذي فسرته المصادر الفنية والدبلوماسية المصرية بأنّ “إثيوبيا اشترطت للمضي قدماً في المفاوضات للوصول إلى اتفاق كامل بشأن قواعد الملء والتشغيل، أن يتم الاتفاق أيضاً على خطة جديدة للتعاون في الاستخدام المنصف والعادل لمياه النيل الأزرق، أي بين مصر والسودان وإثيوبيا فقط، والانعكاس المباشر لهذا الأمر هو إلغاء جميع الاتفاقيات السابقة لتقسيم المياه بين دولتي المصب، خاصة اتفاقية 1959 التي سيفرغها سد النهضة عملياً من مضمونها.

4-دعوة مصرية للجنة رباعية دولية:

وتدعو حكومة السيسي والسودان إلى تشكيل لجنة رباعية دولية للتوسط فى المحادثات التى تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة إلى جانب الكونغو الديمقراطية بصفتها رئيسا للاتحاد الافريقى، وتصر إثيوبيا من جانبها على أن تقتصر الوساطة على الاتحاد الإفريقي. وتنطلق إثيوبيا في مواقفها المتعنتة ضد مصر، من واقع ومنطلقات، تلخصها “د.أماني الطويل” مديرة البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية ، في تصريحات لـ”المونيتور”: إثيوبيا تمكنت من تعزيز رؤيتها حول السد داخل مراكز الأبحاث الأمريكية بفضل الدعم والمساعدة من إسرائيل، التي لديها مصلحة إستراتيجية للحد من قدرات مصر في المنطقة، وستكون مياه النيل واحدة من أبرز الأدوات في هذا الصدد”.

وقد فشلت جهود الاتحاد الإفريقي للتوصل إلى اتفاق لإنهاء المأزق مرارا ولم تدم الجولة الأخيرة من المحادثات التى عقدت فى كينشاسا يومى 4 و 5 أبريل حيث اتهم كل طرف الآخر بعرقلة المحادثات، وبعد فشل الجولة الأخيرة من المفاوضات في كينشاسا، رفضت مصر والسودان اقتراحا إثيوبيا بتبادل البيانات بشأن الملء الثاني للخزان دون التوصل إلى اتفاق مسبق.

5-التدويل ومخاطره وتجلياته:

وبحسب الدكتور عباس شراقي، أستاذ المياه والموارد المائية والشئون الإفريقية بجامعة القاهرة، في تصريحات تلفزيونية، أكد أن نظام السيسي تقدم بشكوى لمجلس الأمن مرتين في شهري مايو ويونيو 2020، والسودان تقدم بشكوى مرتين كذلك، ومجلس الأمن استجاب وعقد جلسة في 29 يونيو 2020، لكن إثيوبيا نجحت في أعادة الملف مرة أخرى للاتحاد الأفريقي، رغم أن الاتحاد الأفريقي فشل في حل الأزمة حتى الأن.

ولكن التأخير في رفع الملف إلى مجلس الأمن ترتب عليه مخاطر جسيمة على مصر لاسيما وأن إثيوبيا تسير في اتجاه الملء الثاني للسد في يوليو القادم…ذلك الرأي يحبذ التوجه للحل العسكري، بعد أن تحرك النظام متأخرا بمجلس الأمن، وسط ترجيحات قوية بوقوف الصين وروسيا في مواجهة أي قرار ضد إثيوبيا في مجلس الامن، ورغم ذلك كان من الأفضل لمصر أن ترفض وساطة الاتحاد الأفريقي وتبقى مع مجلس الأمن.

5-التأثيرات الإماراتية:

وتعد الإمارات من كبريات الدول المستثمرة في إثيوبيا ، وتحديدا في مشروعات سد النهضة، وقد سبق وأن دعمت الإمارات اديس ابابا بنحو 2 مليار دولار كوديعة في البنك المركزي،  لدعم العملة الاثيوبية.

ومع تصاعد لهجة النظام المصري في ابريل الماضي، والتهديد بالخيار العسكري، توالت زيارات مسئولي الامارات واتصالاتهم بمصر، لتخفيف حدة التصعيد ، وقام محمد بن زايد بزيارات لكل من مصر وإثيوبيا ، كما استضاف المسئولين السودانيين، لتمرير اتفاق يقضي، بوقف التصعيد العسكري، ودخول الاطراف في مفتوضات دائمة حول تشغيل وإدارة سد النهضة، متجاوزين أزمة الملء الثاني، التي ترفض كلا من مصر والسودان تمريرها دون اتفاق ملزم لإثيوبيا. مقابل ان تقوم مصر باساثمارات زراعية واسعة في داخل الاراضي الاثيوبية، بأموال إماراتية ، تقوم بعدها بتصدير المنتجات آلة الإمارات ومصر، محققة مكاسب للجميع.

تلى ذلك اتصالات متطورة قدمت خلالها الاماراتعرضا اخر، بايفاد قوات اماراتية لحفظ السلام بيتن إثيوبيا والسودان ومصر، لضمان عم التصعيد العسكري، سواء على الحدود الاثيوبية السودانية او مع مصر. إلا أن المخابرات المصرية مؤخرا رفضت تلك المبادرة، الا ان الدور الاماراتي بالتعاون مع امريكا لجأ لأساليب اقناع سياسية واقتصادية اخرى مع مصر، اسفرت عن تعديل مصر من لهجتها مؤخرا، بشأن سد النهضة.

وهو ما يمكن من خلالها، تفسير تصريحات وزير الخارجية سامح شكري، والتي تناقلت صحف غربية ووكالات أنباء عن مصادر دبلوماسية مصرية، أنها  كانت “مقصودة تماماً” في إطار تنسيق بينه وبين رئاسة الجمهورية والمخابرات العامة، بعد اجتماع عقد، الأسبوع الماضي، لتقييم الموقف في قضية سد النهضة، بالتزامن مع الاتصالات الدائرة مع الولايات المتحدة والإمارات والاتحاد الأفريقي، في أعقاب زيارتي المبعوث الأميركي للقرن الأفريقي جيفري فيلتمان ورئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي إلى القاهرة، حيث تم التوافق على توجيه رسائل جديدة للرأي العام المصري للطمأنة والصبر وعدم تعجل التوصل إلى اتفاق نهائي.

هذا الموقف المصري الدعائي، داخلياً وخارجياً، بشأن أضرار السد والذي انتقل من التخويف والمبالغة فيه إلى الطمأنة، تغير بعدما حمل التدخل الأميركي الإماراتي في القضية رسائل واضحة عن ضرورة التخلي عن التصعيد، والتهديد باستخدام الحل العسكري مقابل ضمان التوصل إلى اتفاق في مرحلة لاحقة. هذا من جهة أولى، ومن جهة ثانية تيقن مصر من استحالة التوصل إلى اتفاق قبل الملء الثاني.

إلا أن عدم تنسيق تغير الموقف الدعائي مع وزارة الري، باعتبارها الجهة المختصة بالجانب الفني، وكذلك عدم إبلاغ فريق الخبراء القانونيين والفنيين، الذين تعتمد عليهم الحكومة المصرية في صياغة مواقفها ومراجعة المسودات المختلفة الخاصة بمشاريع الاتفاقيات، تسبب في حالة من الغضب والارتباك، لا سيما مع تدخل تصريحات شكري في شؤون فنية بحتة، ومخالفتها لبيانات رسمية سابقة.

وفي مرحلة لاحقة على إعلان التصريحات، تلقى وزير الري محمد عبد العاطي – الذي سبق أن أكد تأثر مصر سلبياً بالملء الثاني المنفرد دون اتفاق – تعليمات بإصدار تصريحات جديدة لدعم تصريحات شكري، في نفس اتجاه الطمأنة الذي أصبح عنوان السياسة المصرية تجاه الأزمة. وعلى خلاف حديثه السابق عن التأثر السلبي، قال عبد العاطي، في تصريحات تلفزيونية السبت الماضي، إن السيناريو الأول والأرجح في الملء الثاني يتمثل في حدوث فيضان عالٍ مع وجود مناسيب آمنة في بحيرة السد العالي كافية لاستيعاب تأثير الملء الثاني. وأشار، في الوقت ذاته، إلى إمكانية حدوث فيضان متوسط سيؤدي لنقص كمية المياه، ووجود إمكانية ضعيفة لتزامن الملء الثاني مع حدوث جفاف.

6-الدور الأمريكي:

وتعاني الدبلوماسية المصرية من برود في العلاقات مع الجانب الامريكي، حيث لا اتصالات سياسية من قبل الرئيس الجديد جو بايدن، والذي اعتلى السلطة في واشنطن منذ ما يزيد عن 4 أشهر، بلا اتصال مع السيسي أو النظام المصري، ما يعبر عن   أزمة مكتومة، بسبب انتهاكات نظام السيسي لحقوق الانسان، إلا أن جاءت الفرصة الأحيرة للسيسي لتطوير دور مصر الاقليمي المتراجع منذ التمدد الاماراتي، في المنطقة، بالتدخل السياسي في أزمة غزة والعدوان الصهيوني علها، والتي استفادت منها مصر سياسيا، عبر تجدد الاتصالات بين الإدارة الأمريكية والسيسي مؤخر،ترجمها اتصالان بين بايدن والسيسي.

وتعايش مصر استياء ً سياسيا خلفته زيارة المبعوث الأميركي للقرن الأفريقي، جيفري فيلتمان، للقاهرة، منذ أسبوعين. وكان من الواضح، بالنسبة للقاهرة، إثر زيارة فيلتمان، أنّ واشنطن ليس لديها الاستعداد لإعطاء تأييدها الواضح لأيّ طرف في قضية سدّ النهضة، وأنّها تميل إلى تطبيق مقترحات مؤقتة لا تلبي أهداف مصر على المدى البعيد، وتتجه أكثر ما يكون إلى ضمان عدم تفاقم الأزمة ومنع تحول مسار الحل من التفاوضي إلى العسكري.

فيما تركز مصر في المرحلة الحالية على استغلال ما تحقق في أزمة غزة، سواء أكان عودتها لممارسة دور إقليمي واضح في موضوع مستقل حركياً وسياسياً عن الهيمنة الإماراتية والسعودية، أو لجهة التقارب مع الإدارة الأميركية وفتح لقنوات اتصال على مستويات أعلى مما كان معتاداً منذ فوز بايدن بالرئاسة في نوفمبر الماضي.

وتسعى  القاهرة إلى استخدام ذلك في قضية السدّ، تحديداً على ثلاثة مستويات أساسية: أولها انتزاع اعتراف صريح من الإدارة الأميركية بحق مصر في التوصل إلى اتفاق شامل وملزم كما كان موقف إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، والثاني تصعيد الضغط على إثيوبيا بصورة فعّالة لتوقيع الاتفاق والسير في المفاوضات مجدداً، والمستوى الثالث عدم قصر التركيز الأميركي في الضغط على قضية قومية تيغراي التي ما زالت محل الاهتمام الأكبر داخل إدارة بايدن وترتبط بها العقوبات والوعود المختلفة، وتوسعة الضغط ليشمل أيضاً النزاع الحدودي بين إثيوبيا والسودان لحلّه نهائياً.

ولا يمكن الفصل بين هذه المستويات المأمولة، وبين تطورات الموقف المصري من قضية سدّ النهضة خلال الفترة الأخيرة. وبدأ ذلك مع محاولة احتواء آثار التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية عن عدم تأثر المصالح المائية المصرية من الملء الثاني للسدّ، والذي فسّرته دوائر مصرية، في وقت سابق، بأنّه استجابة لضغوط أميركية وإماراتية للتهدئة، شملت أيضاً القيادة السودانية التي تعمدت، في الوقت ذاته، توجيه رسائل تستبعد الحرب، وصولاً إلى الإعلان عن انطلاق مناورات “حماة النيل” العسكرية، متنوعة الأسلحة، بين مصر والسودان، بعد ثلاثة أيام. ويحمل الاسم الجديد للمناورات، بدلاً من “نسور النيل” رسالة تلويح جديدة ضد إثيوبيا، كما يحمل الترويج المصري، لاتساع مجالها ليشمل القوات البرّية، مؤشرات على العودة إلى سيناريو الترويج لإمكانية الدفاع المشترك عن حدود السودان، بالتزامن مع تردد أنباء عن حشد عسكري إثيوبي.

ولما تمثله قضية سدّ النهضة من ضرورة عاجلة لمصر، تبدو فرص الرهان على الموقف الأميركي وحده غير كافية، حتى إذا ترسخ إيمان الجميع في القاهرة والخرطوم وأديس أبابا، بأنّ واشنطن وحدها التي تستطيع إحداث الفارق في هذا الملف، في ظلّ ضعف التأثير الأوروبي، والحياد السلبي الصيني والروسي، والمواقف الضعيفة التي تصل إلى حدّ التخاذل وإعانة إثيوبيا من القوى الإقليمية، كالإمارات وإسرائيل. ويعود سبب ذلك إلى أنّ العلاقات بين الحكومة الإثيوبية وإدارة بايدن تمرّ بمرحلة حرجة، ربما أسوأ مما كانت عليه العلاقات بمصر قبل اتصال بايدن بالسيسي. فوفقاً لمصدر حكومي إثيوبي، نقلت عنه “العربي الجديد”، فإنّ زيارة فيلتمان لأديس أبابا، واتصالات الوساطة التي قام بها الرئيسان الإريتري أسياس أفورقي والرواندي بول كاجامي “قد فشلت في تحقيق أيّ مرونة إزاء ملف تيغراي، فضلاً عن أنّ أديس أبابا تعتبر التقرير السري لفيلتمان، والذي لم تعلن تفاصيله كاملة حتى الآن، غير محايد، وربما يؤدي إلى عدم الترحيب به مجدداً في إثيوبيا”.

وإلى جانب مسألة تيغراي، فإنّ امتداد الرهان المصري على واشنطن منذ عهد ترامب، لا يضمنه شيء، لأنّ الولايات المتحدة من أقل الدول مساعدة لإثيوبيا في مشروع السدّ وغيره وأقلّها تأثيراً عليها أيضاً. أما الدول الأكثر مساعدة لأديس أبابا اليوم واستفادة من السدّ مستقبلاً، مثل الصين وفرنسا وإيطاليا وألمانيا، فما زالت مقتنعة إلى حدّ كبير بالمصفوفات الإثيوبية التي تذهب إلى عدم إيقاع أيّ أضرار بمصر في أيّ مرحلة من ملء وتشغيل السدّ.

7-الموقف الصيني:

كما تعد الصين من الدول المستفيدة من وجود سد النهضة، نظرا لمشاركتها الواسعة في اعمال البناء وتصدير المعدات والتكنولوجيا والخبراء الصينيين، بحانب استثماراتها الزراعية وفي مشاريع البنية التحتي الاثيوبية. ومؤخرا، فشلت الاتصالات التي أجرتها الخارجية السودانية بالصين، في إطار البحث عن ضغوط سريعة على إثيوبيا، بالتوازي مع المحاولات الأميركية لاستئناف مفاوضات الاتفاق على قواعد الملء والتشغيل، أفضت إلى أنّ بكين ما زالت ثابتة على موقفها الرافض لتدويل القضية في الجمعية العامة للأمم المتحدة أو مجلس الأمن، واستعدادها لتقديم “دعم فني” لمسار التفاوض الذي يقوده الاتحاد الأفريقي فقط، بحجة “إيمان الصين بأنّ الحلول الأفريقية هي المناسبة للقضايا القارية المشتركة”.

وبذلك تكون الصين قد كررت امتناعها عن ممارسة أيّ ضغط على إثيوبيا للموافقة على استئناف التفاوض البناء. ويأتي موقف بكين برفض تحرك مجلس الأمن في القضية، من منطلق الحفاظ على استثماراتها في السد، ومنع المجلس من التدخل في صراعات المياه، ارتباطاً بمنازعات خاصة بها مع دول أخرى. وعلى الرغم من موقف الصين الداعم للسدّ وإثيوبيا، فهي ما زالت الدولة الأكثر تجاوباً مع الاتصالات المصرية والسودانية في إطار البحث عن وسائل لتلافي الأضرار عملياً، استكمالاً للاتصالات التي أجريت بين القاهرة وبكين، تحديداً منتصف العام الماضي، عقب الملء الأول، لاستكشاف ما يمكن للصين تقديمه لحلحلة الأزمة، بالضغط على الجانب الإثيوبي، أو بتقديم مساعدات “كبيرة” لمصر لمساعدتها على منع وقوع الأضرار المتوقعة، بما لها من خبرات طويلة في التعامل مع قضايا الأنهار.

وينطلق الدعم الصيني الشفهي، والمقترحات الإيجابية في هذا الصدد، من رغبة القيادة الصينية في عدم التفريط بعلاقاتها بالقاهرة والخرطوم، بعد إعاقة بكين طرح مشروع القرار المصري، المدعوم أميركياً، لإلزام إثيوبيا باستئناف المفاوضات ومنع الملء الأول المنفرد للسدّ العام الماضي، وعدم ممارسة أي ضغط يذكر على الإثيوبيين. وقد منع هذا الأمر دولتي المصبّ من قبول عرض بكين بدخولها كوسيط مستقل، لمحاولة تقديم حلول وسط بين الجانبين، على أن يتم إعدادها بواسطة اختصاصيين فنيين تابعين للحكومة الصينية، إذ فضلت مصر آنذاك إرجاء خطوة التدخل المباشر بهذا الشكل إلى ما بعد انتهاء المفاوضات برعاية الاتحاد الأفريقي.

غير أنّ الصين، بحسب مصادر فنية بوزارة الري المصرية تحدثت لوكالة الأناضول، تعهدت أخيراً بتقديم “كل المساعدات اللازمة” لدعم جهود مصر في معالجة المياه، ورفع كفاءة تحلية المياه، وإعادة استخدامها، وتحسين جودة مياه النيل ذاتها، من خلال جلب منظومات جديدة للتعامل مع أشكال من التلوث المتوقع دخولها على مياه النيل، للمرة الأولى، جراء تغيرات عدة ستحدث على منظومتي الري الإثيوبية والسودانية بسبب السد، بما سيغير الطبيعة البيئية للمياه الواصلة إلى بحيرة ناصر. وأكدت المصادر أنّ التقارير الفنية لا تتحدث فقط عن خروج آلاف الأفدنة من الرقعة الزراعية على مراحل، ربما تبدأ في العام المقبل، ولكن أيضاً عن الإنفاق المالي الضخم الذي يجب على مصر الاستعداد له لعلاج نتائج التطور الذي سيطرأ على استخدامها للأغراض الزراعية والصناعية والتنموية في كلّ من إثيوبيا والسودان، من استخدام مكثف للمبيدات وزيادة كميات الصرف الصناعي والزراعي في حوض النيل.

كما أنّ هناك بالفعل مشاريع من ضمن حزمة التعامل مع آثار سد النهضة، ليست فقط ضخمة بالنسبة لمشاريع منظومة المياه المصرية الحالية، بل هي غير مسبوقة، لأنّها تتعامل مع واقع جديد لم تخبره مصر من قبل. لكن هناك دولاً عدة لها خبرات في التعامل معها كالصين. ومن ناحيتها ترى الأخيرة أن هذه فرصة لن تتكرر كثيراً لزيادة تأثيرها الاقتصادي، وتعميق مستوى التعاون مع جميع الدول الرئيسية بحوض النيل. وفي هذا الإطار، أوضحت المصادر الفنية أنّ وزارة الري بدأت التعاون مع الصين في مجالات علمية مختلفة، كالأدوات المتقدمة لحساب البصمة المائية، وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي بطرق غير معتادة في الشرق الأوسط، وتحسين البيئة النهرية وتخفيض الهدر العام للمسطحات المائية.

ثالثا: انعكاسات استراتيجية للارتباك السياسي والدبلوماسي المصري:

وإثر التجليات السابقة تتعايش مصر العديد من الانعكاسات الاستراتيجية السلبية، والتي تقزم دورها المستقبلي وتفاقم الكثير من التحديات الداخلية.

1-خراب زراعي واقتصادي:

وتعتمد الحسابات والتقارير الفنية المصرية، التي لا تتحدث فقط عن خروج آلاف الأفدنة من الرقعة الزراعية على مراحل، ربما تبدأ في العام المقبل، لكن أيضاً بسبب النفقات المالية الضخمة التي يتحتم على مصر أن تنفقها في المستقبل البعيد لتحسين الظروف البيئية للمياه وتحسين جودتها وجعلها صالحة للشرب، بالنظر للتوسع الكبير الذي سيطرأ على استخدام المياه للأغراض الزراعية والصناعية والتنموية في كلّ من إثيوبيا والسودان.

وقبل كلّ هذه الاعتبارات، سيكون لسد النهضة، حال تشغيله بمعزل عن الإرادة أو حتى المراقبة المصرية، تأثير خطير على الموقف الاستراتيجي لمصر، بوضعها تحت رحمة إثيوبيا، وهو ما عبّر عنه مراراً جميع المراقبين، وحتى المسؤولين الحكوميين المصريين، خصوصاً أنّ التقديرات المصرية والسودانية تتفق على أنّه لا يمكن قبول الرواية الإثيوبية الدائمة بأنّ سدّ النهضة يهدف في الأساس إلى توليد الكهرباء وحسب، بل إنّ ضخامة هذا السد لن تسمح له فقط بالإسهام في تحقيق نهضة غير مسبوقة للزراعة في إثيوبيا على مدار تاريخها، بل سيسمح لها بممارسة ضغوط استراتيجية على السودان ومصر سيصعب التعامل معها مستقبلاً. وقد تكون تلك الضغوط منفذاً لممارسة قوى أخرى لمثلها من خلال أديس أبابا، وكذلك الإسهام في تحويل إثيوبيا إلى مركز الثقل السياسي الرئيسي في منطقة شرق أفريقيا، فضلاً عن زيادة منافستها لمصر على اجتذاب المشروعات التنموية الاستثمارية.

2- فشل مشاريع السيسي المائية:

وفي سياق الانعكاسات والتجليات المترتبة على صيرورة العبث السياسي والارتباك الدبلوماسي بالإدارة المصرية لأزمة سد النهضة، هو فشل المشاريع المائية التي يقوم عليها السيسي ، لتعويض النقص الحاد في حصص مصر المائية، التي تصل لـ50% من الحصة القائمة.

وهو ما رصدته صحيفة “المونيتور”  في عددها 8 مايو الجاري، حيث أعلنت وزارة الري والموارد المائية، في 2 مايو الجاري، عن أربعة مشروعات وخطط للحد من هدر المياه في البلاد، ومواجهة الحاجة المتزايدة للمياه في المستقبل، والمساعدة في التخفيف من الآثار السلبية لسد النهضة الإثيوبي الكبير على نظام الري التابع له.

حيث تنفذ مشروعات في إطار الخطة، أبرزها إعادة تأهيل وتبطين الترع والمصارف بتكلفة 80 مليار جنيه مصري، للحد من فقدان المياه. أما المشروع الثاني فهو بناء وصيانة 92 محطة ضخ ورفع عالية الكفاءة، ويتكون المشروع الثالث من محطات لمعالجة المياه، على غرار محطة بحر البقر بمحافظة الشرقية، حيث يتم معالجة 5 ملايين متر مكعب من المياه يوميا، ومحطة الحمام الجديدة بمطروح التي تخدم مشاريع الدلتا الجديدة بطاقة 6 ملايين متر مكعب من المياه يوميا.

والمشروع الرابع يهدف إلى تشجيع المزارعين على استخدام نظم الري الحديثة في الأراضي الجافة والأراضي القديمة من أجل الحد من هدر المياه، نظرا لأن الممارسات الزراعية التقليدية تستهلك أكبر نسبة من مياه النيل. يشار إلى أن مصر تعتمد بشكل رئيس على حصتها من مياه النيل، أي 97٪ من إجمالي موارد المياه في البلاد، لتلبية حاجاتها المائية. فيما النمو السكاني المتزايد وأنشطة التنمية في مصر انخفضت حصة الفرد من المياه إلى أقل من 600 متر مكعب سنويا، حيث يتجاوز عدد السكان 100 مليون نسمة.

فيما تعاني مصر من نقص في المياه يصل إلى 20 مليار متر مكعب سنويا، مما أجبر الحكومة على إيجاد بعض البدائل والحلول من أجل زيادة الموارد المائية وسد الفجوة بين الموارد المائية وتزايد الطلب على المياه بطريقة للحد من نقص المياه، فيما تقوم الخطة الوطنية للموارد المائية 2037، التي تستند إلى أربعة محاور، تتكون من تحسين استخدام المياه، وتحسين نوعية المياه، وتحسين توافر الموارد المائية، وتحسين البيئة المواتية للإدارة المثلى للمياه، وفق وزير الموارد المائية حوارات قمة المناخ، في 5 مايو الجاري.

وبحسب خبراء المياة، فإن المشاريع التي تم تنفيذها مؤخرا في مصر لن تكون قادرة على تعويض المياه المتدفقة من نهر النيل، وستكون هناك أضرار لمصر إذا ما مضت إثيوبيا قدما في الملء الثاني لخزان سد النهضة في غياب اتفاق مع البلدين الآخرين، فوفق د.نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، لـ”المونيتور” ، هذه الخطط  زالمشروعات لن تزود مصر بكمية كبيرة من المياه، حيث من المتوقع أن يتراوح نقص المياه حول 25 مليار متر مكعب، مقسمة بالتساوي بين مصر والسودان، بسبب تشغيل سد النهضة..

 خاتمة

إمام الإرتباك المصري ورهن قراراتها بالأطراف الإقليمية وعدم حسم توجهاتها الاستراتيجية، تقف مصر أمام منعطف خطر سياسيا واقتصاديا وأمنيا، والتراجع الكبير في حصتها، التي لا يمكن تعويضها من مخزون المياة المخزون أمام السد العالي، على المدى البعيد، إلى جانب تعثر توفير الكميات المطلوبة للزراعة والصناعة والتنمية على المدى البعيد، علاوة على تقزيم دور مصر، وتعريض امنها السياسي والديمغرافي والاقتصادي المصري والسوداني للوقع اسيرة تحت إرادة إثيوبيا، ومخاطر انهيار سد النهضة إثر وقوع أي زلزال في المنطقة المقام عليها وهي منطقة زلازل.

كما أنه من غير المستبعد تحكم إسرائيل في الأمن القومي المصري، عبر التحكم في كميات المياة الواردة إليها من خلال تعاونها الاستراتيجي والاستخباري الواسع بين تل ابيب واديس ابابا، وإما الوقوع تحت مقايضة مقيتة تسمح بمرور المياة من إثيوبيا عبر مصر إلى الكيان الصهيوني، من خلال مشاريع سحارات سرابيوم وخطوط المياة التي تقام في سيناء، والتي تمثل لا محالة خصما من قوة مصر الإقليمية في مواجهة إسرائيل.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

حقوق الإنسان في مصر.. عن كلمة السيسي والاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.. قراءة في المضامين وردود الأفعال

    ألقى عبدالفتاح السيسي كلمة[1]، في مؤتمر حافل شهد حضور عدد من الوزراء والنواب…