‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر لماذا يرفض نظام السيسي حماية المصريين من الإبادة والجرائم ضد الإنسانية؟
مصر - يونيو 21, 2021

لماذا يرفض نظام السيسي حماية المصريين من الإبادة والجرائم ضد الإنسانية؟

نظام السيسي

 

 

جاء رفض نظام السيسي في مصر التصويت بـ«نعم» على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في جلسة الثلاثاء 18 مايو 2021م، بإلزام الدول بحماية المواطنين ومنع الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية صادما وكاشفا، لكنه في ذات الوقت متسق تمام الاتساق مع طبيعة النظام وفلسفته باعتباره نظاما عسكريا اغتصب الحكم بانقلاب عسكري وارتكب مئات الجرائم ضد الإنسانية سفك خلالها دماء آلاف المصريين ولا يزال حتى اليوم يمارس أبشع صور الطغيان والعنصرية والتمييزأملا في ضمان بقائه واستمراره.

موقف نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي لم يكن مفاجئا للدوائر الحقوقية التي تتابع المشهد المصري عن كثب، وتعرف حجم الانتهاكات المروعة التي يقوم بها كل يوم، لكنه أصاب ساسة وحقوقيين دوليين وإقليميين وحتى مقربين منه بشيء من الغرابة والدهشة؛ ذلك أن «القرار الأممي تضمن مجموعة من التوصيات، منها أن تتعهد الدول والحكومات بحماية السكان من التعرض لأي جرائم وحشية أو جرائم ضد الإنسانية أو الإبادة الجماعية، وإدراج هذه الجرائم ضمن ولاية مجلس حقوق الإنسان، وضمن إطار الاستعراض الدوري الشامل، وإدراجها أيضا كجزء من التقارير الوطنية، إضافة إلى توصيات أخرى خاصة بدور مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الحقوقية، ودور أجهزة وآليات المكتب المعني بمنع الإبادة الجماعية والمسؤولية عن الحماية في تعزيز الجهود الجماعية الرامية إلى منع الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية».[[1]]

القرار الأممي والتصويت عليه بأغلبية داخل الأمم المتحدة يعكس اهتماما دوليا وأمميا بحماية الشعوب من نظم الحكم المستبدة التي تمارس أبشع صورة الظلم والاستبداد، و«قد أشار موقع المركز الدولي لمسؤولية الحماية، “Global Center for the Responsibility to Protect”، إلى ذلك حيث نقل نتيجة التصويت، وأشار إلى ما أسماه “ضعفا تاريخيا للقوانين والأعراف التي تحمي الإنسانية”. ولفت الموقع إلى “تشريد 80 مليون شخص بالعالم بسبب الاضطهاد والصراع والفظائع”، مؤكدا “تعرض المدنيين لهجمات عشوائية، واستخدام القوة غير المتناسبة والمميتة ضد المتظاهرين السلميين»[[2]]

 

قراءة في موقف النظام

الملاحظة الأولى،

أن موقف نظام السيسي اتسم بأعلى درجات الغباء؛ ذلك أنه من خلال المناقشات التي دارت في أروقة الأمم المتحدة في الجلسة التي عقدت حول “مسؤولية الحماية (R2P) ومنع الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية” كجزء من جدول أعمال دورتها الخامسة والسبعين، كان واضحا أن الغالبية من دول العالم ستصوت لصالح القرار ، خصوصا أن المجموعة الأوروبية التي تضم نحو 88 دولة تبنت القرار وكانت تمارس نفوذها لتمريره، وهو ما حدث بالفعل حيث تم تبنى القرار بأغلبية 115 دولة، بينما رفضته 15 دولة أبرزها مصر وسوريا وإثيوبيا والصين.  وامتنعت 28 دولة عن التصويت. ولم تصوت 35 دولة ليصبح المجموع 193 دولة هي مجموع دول العالم حاليا. وبالتالي فقد برهن النظام بموقفه هذا على صورته المشوهة أصلا وسمعته المشينة وأنه وراء الجرائم الوحشية التي شهدتها مصر خلال السنوات الماضية.

الملاحظة الثانية،

والأهم، أن موقف نظام السيسي وتصويته بــ«لا» على القرار الأممي أثار تساؤلات كثيرة؛ فلماذا يرفض نظام السيسي حماية المصريين من التعرض لأي جرائم وحشية أو جرائم ضد الإنسانية أو الإبادة الجماعية، وإدراج هذه الجرائم ضمن ولاية مجلس حقوق الإنسان؟  معنى ذلك أن النظام لا يتمتع بأي مسحة أخلاقية أو دينية أو حتى دستورية؛ ذلك أن حماية الشعب من الجرائم والإبادة والعدوان هي أصول دينية ومبادئ أخلاقية إنسانية  واستحقاقات دستورية، وتصويت النظام برفض القيام بهذه المهام الدستورية الأصيلة هي بمثابة اعتراف رسمي بأن النظام يتخلى عن أبرز مهمه ووظائفه الأساسية،وأنه هو من يمارس هذه  الجرائم والوحشية بحق الشعب، ورفضه هو شي من الدفاع عن النفس لأنه يخشى العواقب.

ولا يتصرف على هذا النحو المشين إلا مجموعة من اللصوص وقطاع الطرق يعلمون علم اليقين أنهم مافيا أو عصابة سيطرت على البلاد بقوة السلاح، وارتكبت من الجرائم الوحشية ما يستوجب المحاكمة. ويكفي أنه لم يتخذ ذات الموقف المشين إلا دول مارقة كمصر وسوريا وإثيوبيا والصين ورسيا وكوريا الشمالية وكوبا وبورندي وزيمبابوي ومثل هذه النوعية السيئة من الدول.

الملاحظة الثالثة،

أن رفض نظام السيسي للقرار الأممي يعني أنه لا يريد أي التزام قانوني أو تعاقدي دولي بحماية الشعب المصري من أي جرائم وحشية أو جرائم ضد الإنسانية أو إبادة جماعية”، رغم أن هذه الحماية هي من المهام الأساسية لأي نظام حكم في العالم، وبالتالي فإن رفض التصويت على القرار الأممي ورفض التوقيع على معاهدة حماية السكان من جرائم الحرب والإبادة الجماعية والتطهير العرقي يعني أن  لدى النظام نية مبيتة لإطلاق يد أجهزته العسكرية والأمنية في حرب إبادة للشعب كما فعل النظام من قبل في أعقاب الانقلاب العسكري في يوليو 2013م، حيث ارتكب عشرات المذابح الجماعية المروعة كما جرى في الحرس الجمهوري والمنصة ورمسيس ورابعة والنهضة ومصطفى محمود والإعدامات التي فرضها على معارضية وغيرها. وبالتالي فإن النظام ارتكب بالفعل جرائم ترقى إلى أن تكون بالفعل جرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب وإبادة جماعية”.

قبول النظام  هذا الالتزام الأممي بحماية المواطنين من الإبادة الجماعية يعني غل يده مستقبلا تجاه أي حراك جماهيري ضده؛ وهو الأمر الذي يرفضه النظام، ومن ثم لا يمكن لنظام مثل هذا قائم على القمع والقهر، ولا يلتفت للجماهير أو يهتم بها، أن يقبل قرارا كهذا. وبالتالي فإن خيار النظام الوحيد للبقاء هو استخدام القوة غير المتناسبة والمميتة ضد من يعارضه؛  معنى ذلك أن الرفض يمثل رسالة للداخل قبل الخارج أن النظام العسكري ماض في طغيانه وبطشه مهما كانت الانتقادات ما دامت لم تنتقل من دائرة الكلام ولم تترجم إلى أفعال وقرارات وعقوبات يمكن أن تحد من قدرته على الاستمرار.

كما أن رفض القرار الأممي بضرورة حماية المواطنين من الإبادة هو محاولة من النظام للإفلات من المحاسبة على تلك الجرائم التي ارتكبها وما أكثرها! وتلك الجرائم التي ينوي ارتكابها مستقبلا حال خرج الناس محتجين على تردي الأوضاع وانهيار البلاد. فرض القرار الأممي هو بحد ذاته إعلان حرب على الشعب المصري. وعدم التوقيع على معاهدة حماية السكان من جرائم الحرب والإبادة الجماعية والتطهير العرقي يعني أيضا اعترافا ضمنيا بعجز هذه النظم عن حماية شعوبها أو إقرارا بأنها لن تتورع عن ارتكاب هذه الجرائم حاليا ومستقبلا.

الملاحظة الرابعة،

أن هذا الرفض للمعاهدة الأممية يبعث برسالة صريحة بأن النظام لا يملك الإراد أو الرغبة في تحسين حالة حقوق الإنسان أو حماية المصريين من جرائم الإبادة والتطهير العرقي. رغم أن هذا القرار الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة بالأغلبية لن يترتب عليه مساءلة أو عقاب آني – فقط سيدرج الجرائم ضمن جدول الاستعراض الدوري الشامل للدول الذي يتم بآلية دورية كل 4 سنوات- فهذا الرفض ليس له أثر”. رفض النظام ــ إذا ــ لن يغير من الحقيقة المرصودة والمعلومة من ارتكاب جرائم ضد الإنسانية بحق الشعب المصري، من تعذيب وقتل وإخفاء قسري، فهذه جرائم ممنهجة وموثقة، ولن تسقط بالتقادم، ولن يفلت مرتكبوها من العقاب؛ وقعوا على القرارات أم لم يوقعوا فمآلهم للمحاكمة الدولية عاجلا أو آجلا”. وإن أفلتوا من العقاب في هذه الدنيا فلن يفلتوا أبدا من الجزاء يوم الحساب.

الملاحظة الخامسة،

أن رفض نظام السيسي للقرار الأممي ليس الأول من  نوعه؛ فالنظام ينكر من الأساس اتهامه بارتكاب جرائم ضد الشعب، ودائما ما يمتنع عن التوقيع على قوانين دولية تغل يده القامعة وتحد من طغيانه الوحشي بالناس، والتي كان من بينها رفض التوقيع على اتفاقية مناهضة الإخفاء القسري في أكتوبر 2015م. وبحسب «المنظمة العربية لحقوق الإنسان» في تقريرها الصادر في 30 يونيو 2020م، فإن النظام المصري يصر على رفض التصديق على المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان مثل “اتفاق روما الأساسي”، واتفاقية “مناهضة الإخفاء القسري”، والبروتوكولات الملحقة بالعهود الدولية، ويتجاهل اتخاذ إجراءات ضد استمرار التعذيب.

كما يرفض النظام وقف عقوبة الإعدام ويستمر في تقييد حقوق التنظيم والتظاهر والتعبير. ووفقا للتقرير فإن أعلى نسبة رفض مصري للتوصيات الدولية حول حقوق الإنسان هي المحوران الخاصان بالانضمام إلى المعاهدات الدولية الخاصة بذلك. إلى جانب الإجراءات الخاصة بالإطارين التشريعي والمؤسسي، ومحور الحقوق السياسية والمدنية، والتعاون مع الآليات الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان. كما كشف التقرير، رفض النظام في مصر لــ”بعض البروتوكولات الاختيارية الملحقة بالاتفاقيات الدولية الأساسية والتي تعطي حقوقا لبعض اللجان الملحقة بالتفتيش على أماكن الاحتجاز ومقار السجون، ورفضها إلغاء عقوبة الإعدام، والبروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة”.

الملاحظة السادسة،

أن نظام السيسي بعد إقرار الوثيقة الأممية وتمريرها بالأغلبية باتت تحاصره المخاوف والهواجس بشأن ملاحقة قادته في المحافل والمحاكم الدولية؛ ولذلك  طرحت حكومة السيسي  7 يونيو 2021م، للمرة الأولى مشروع تعديل على قانون المحكمة الدستورية العليا، يمكنها من وقف تنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة عن محاكم ومنظمات وهيئات دولية ذات طبيعة سياسية أو قضائية في مواجهة الدولة المصرية، أو التي ترتأي السلطة الحاكمة في مصر أنها تخالف الدستور أو التشريعات المحلية. السبب الرئيس لتقديم هذا المشروع هو تخوف النظام من صدور أحكام وقرارات تنفيذية عن منظمات دولية ودول أجنبية ضد رموز كبيرة داخل النظام في الفترة المقبلة على المستويين السياسي والحقوقي والاقتصادي.

فهناك ترقب لأحكام من القضاء الإيطالي بحق 4 ضباط كبار بجهاز الشرطة المصرية في قضية مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني. وهناك دعاوى مرفوعة ضد السيسي وعدد من رموز النظام بشأن جرائم القتل والتعذيب خلال سنوات ما بعد الانقلاب كقضية فض اعتصام رابعة والنهضة أمام محاكم أميركية وبريطانية ودولية. ورغم تعثر الإجراءات الخاصة بتلك الدعاوى، إلا أنها تبقى مصدر قلق للنظام المصري.[[3]] الأمر الذي يعكس مخاوف النظام الكبيرة بشأن ملاحقة قياداته ورموزه على المستوى الدولي.

 

الخلاصة أن نظام السيسي لا يخجل من الإعلان أمام العالم كله أنه يمارس جميع أساليب الإبادة بحق الشعب المصري وأنه ليس خوَّانا فقط فيما يتعلق بحماية الشعب من الإبادة والعنصرية والتمييز بل هو من يقوم بهذه الممارسات الإجرامية ولا يقبل من الأمم المتحدة أو غيرها أن يكون لها عليه سلطانا يحد من جرائمه ويحمي الشعب المصري من نظام لا يحترف سوى قتل شعبه وإذلاله وإفقاره. وبالتالي فإن رفض التصويت على القرار الأممي ورفض التوقيع على معاهدة حماية السكان من جرائم الحرب والإبادة الجماعية والتطهير العرقي يعني أن  لدى النظام نية مبيتة لإطلاق يد أجهزته العسكرية والأمنية في حرب إبادة للشعب كما فعل النظام بالشعب منذ الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013م. فقد قتل الآلاف وظلم مئات الآلاف ولم يتقدم ضابط واحد للمحاكمة في ظل إصرار النظام على حماية قادته وضباطه القتلة والمتورطين في هذه الجرائم التي لاتسقط بالتقادم.

نظام السيسي

[1] مصر تصوت بـ”لا” على قرار أممي يلزم الدولة بحماية مواطنيها من الجرائم ضد الإنسانية/ العربي الجديد ــ 23 مايو 2021// السيسي يرفض قرارا أمميا يحمي المصريين من الإبادة.. ومخاوف / عربي “21” ــ الأحد، 23 مايو 2021

[2] لماذا رفض السيسي قرارا أمميا لحماية المصريين من الإبادة الجماعية؟/ الاستقلال ــ 27 مايو 2021م

[3] مشروع وقف الأحكام والقرارات الدولية: 3 ملفات تقلق القاهرة / العربي الجديد ــ 09 يونيو 2021

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

دمج الاقتصاد غير الرسمي.. الأهداف والمآلات

  تبلغ قيمة الإيرادات في الموازنة العامة للدولة (2021/2022) نحو 1.365 تريليون جنيه، بينما …