‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر سد النهضة “الملء الثاني لـ سد النهضة” بين سياسة الأمر الواقع الإثيوبية والمناورات المصرية السودانية
سد النهضة - مصر - يونيو 28, 2021

“الملء الثاني لـ سد النهضة” بين سياسة الأمر الواقع الإثيوبية والمناورات المصرية السودانية

"الملء الثاني لسد النهضة" بين سياسة الأمر الواقع الإثيوبية والمناورات المصرية السودانية

 

ما بين الخيار العسكري، والمفاوضات المتعثرة، وترقب التحركات الأمريكية للدفع نحو مفاوضات جديدة ترعاها، بين إثيوبيا من جهة، ومصر والسودان من جهة أخرى، قد لا تتناول عملية الملء الثاني لسد النهضة، بحثا عن حلول مستقبلية لاستكمال الملء والتشغيل، يأتي التنسيق المصري السوداني بصورة متصاعدة في الفترة الأخيرة، لمواجهة التعنت الاثيوبي في عملية الملء الثاني لسد النهضة، دون اتفاق والاكتفاء  بالتعهد بامداد مصر والسودان بالمعلومات فقط، تتجه أزمة سد النهضة لمآلات خطرة، نحو الحسم العسكري الذي يبدو أنه بعيدا عن الجانب المصري.

حيث بات الجانب المصري بات أكثر ميلا للتوجيهات الأمريكية بعدم التصعيد العسكري، ومنح واشنطن فرصة للتوسط والحل الدبلوماسي-وفق تقديرات سياسية تحدثت عنها الـ”سي ان ان ” الأمريكية- وسط تضارب مصري على المستوى الداخلي – تراوح بين قمع الداخل المستاء من سياسات وتخبط النظام إزاء الأزمة، كما جرى باعتقال  السفير المصري السابق في فنزويلا، يحي نجم، والهجوم الإعلامي على كل من يعلق بطريقة لا تعجب أجندة المخابرات، كالناشط والمهندس ممدوح حمزة، والفنان ايمان البحر درويش، ودخول مؤسسة الأزهر على الخط واصدار فتوى بحرمة ما تقوم به إثيوبيا من حجز للمياة وتعطيش الشعبين المصري والسوداني- وتصعيد اللهجة السياسية من قبل دوائر القرار وتسريبات اعلامية للمس بالمواقف الاثيوبية.

"الملء الثاني لـ سد النهضة" بين سياسة الأمر الواقع  الإثيوبية والمناورات المصرية السودانية

ولعل تصعيد إثيوبيا في لهجة تصريحاتها، بإعلان رئيس وزرائها آبي أحمد نية بلاده بناء 100 سد على النيل، دون التقيد بأية مطالبات مصرية سودانية، وكذا اعلان قائد القوات الجوية الاثيوبية قدرات أديس ابابا على حماية السد من أي عدوان، وأن بلاده لن تسمح لأي طائر المرور بالقرب من سد النهضة إلا بإذن!!!، تلك التصريحات ما دفعت نحو قيام وزيري الخارجية والري المصريين بزيارة عاجلة لإثيوبيا، الاربعاء 9 يونيو الجاري.

ويستهدف وزير الخارجية المصري “سامح شكري”، ووزير الري “محمد عبدالعاطي”؛ مواصلة التنسيق مع الجانب السوداني؛ وبحث الخطوات المقبلة لمواجهة الموقف الإثيوبي في ملف السد.

وتأتي الزيارة أيضا، بعد أيام من انتهاء مناورات “حماة النيل” بين الجيشين المصري والسوداني، في الخرطوم. ورشح عن القمة بيان مشترك، طالب المجتمع الدولي بلجم إثيوبيا ومنع الملء المنفرد لسد النهضة، والتدخل العاجل تجنبا لأية  تصعيد دولي بالمتطقة..

وتصر إثيوبيا على ملء ثانٍ للسد، في يوليو وأغسطس المقبلين، بعد نحو عام على الملء الأول، حتى لو لم تتوصل إلى اتفاق. بينما يتمسك السودان ومصر بالتوصل أولا إلى اتفاق ثلاثي، للحفاظ على منشآتهما المائية، وضمان استمرار تدفق حصتيهما السنوية من مياه نهر النيل.

الداخل المصري بين محاولات الطمانة والخداع

وتشهد الساحة المصرية، سلسلة من محاولات التهدئة السياسية من قبل النظام المصري، الذي خرج وزير خارجيته قبل أسابيع، ليعلن أن الملء الثاني للسد لن يؤثر على مصر، بدعوى وجود مخزون مائي كبير أمام بحيرة السد العالي، لتعويض النقص المائي المقدر احتجازه أمام بحيرة سد النهضة، وهو ما قوبل باستهجان واستياء داخلي، دفع الأجهزة السيادية نحو التغطية على تلك التصريحات، بتصريحات فنية لوزير الري والموارد المائية، محمد عبد العاطي، يستهجن فيها ما ذهب إليه وزير الخارجية سامح شكري، بتطرقه نحو قضايا فنية ليست من اختصاصه، مشيرا للعديد  من التأثيرات السلبية للملء الثاني على موارد مصر المائية.

وفي اطار المناورات المصرية التي قد تدخل في إطار الخداع الاستراتيجي، هندست المخابرات المصرية خطابا اعلاميا موجّه لطمأنة المواطنين بشأن قضية سد النهضة، الخطاب يروج لانتهاء الأزمة وعدم وقوع أي ضرر محتمل على مصر بسبب الملء الثاني المرتقب، استناداً إلى التقارير الفنية والصحفية عن “صعوبات إتمام عملية الملء وإبطاء الإنشاءات في منطقة التعلية الوسطى في السد”، وذلك لإشاعة مناخ من التفاؤل والتأكيد على فشل إثيوبيا في الملء الثاني، استناداً لتصريحات تداولتها وسائل الإعلام بشكل غير دقيق على لسان وزير الري الإثيوبي سيليشي بيكيلي، خلال ندوة حضرها في 2 يونيو الحالي في جامعة في جنوب إثيوبيا.

إصرار إثيوبي

وعلى الرغم من أن بيكيلي أكد في كلمته أن “الملء الثاني سيتم إنجازه في 22 يوليو المقبل، وسيبدأ توليد الكهرباء في 22 أغسطس المقبل”، ولكن أُشيع أنه “اعترف بفشل الملء”، وأنه “سيتم تعلية القطاع الأوسط من السد إلى 573 متراً فقط بدلاً من 595 متراً”. ما يعني عجز بلاده عن إنجاز الملء الثاني كما كان مقرراً بحجز كمية 13.5 مليار متر مكعب من المياه، والاكتفاء بحجز كمية لا تزيد عما تم حجزه العام الماضي بين 7 و9 مليارات متر مكعب، وهو ما يكفي بالفعل لتشغيل اثنين من التوربينات الجديدة الخاصة بتوليد الكهرباء.

وقبل بيكيلي، سبق أن نقلت “العربي الجديد” في 10 مايو الماضي، عن مصدر اثيوبي،  بأنه سيبدأ في كل الأحوال، توليد الطاقة الكهربائية في أغسطس المقبل، وأن الخطط التنموية في مجالات عدة، بالشراكة مع دول أخرى مرتبطة ببدء التوليد في هذا التوقيت، وأنه من الضروري لتحقيق ذلك إتمام الملء الثاني. وبحسب المخطط الإثيوبي، فسوف يتم توليد نحو 750 ميغاوات من وحدتين مكتملتين الآن لإنتاج الكهرباء، وتولد كل وحدة 375 ميغاوات، ويبلغ معدل إنجاز المشروع الإجمالي حاليا نحو 80 %. ففي الأسبوع الأول من مارس الماضي تم تركيب أول أنبوبين ضخمين من الأنابيب المخصصة لنقل المياه من بحيرة التخزين الرئيسية إلى المحطة الكهرومائية لإنتاج الطاقة، وذلك بالتعاون مع شركتين إيطالية وفرنسية متخصصتين في هذا النشاط. ومن المقرر تركيب أربعة أنابيب أخرى بعد بدء التشغيل التجريبي لإنتاج الكهرباء.

لكن حتى مع التسليم بوجود مشاكل فنية منعت إثيوبيا من استغلال بدء الفيضان السنوي مبكراً، فإن القضية تتعدى مسألة كمية المياه المحجوزة، لأنه في كل الأحوال، حتى مع نجاحها في حجز كمية المياه المستهدفة بالكامل، فلم يكن المواطن المصري سيشعر بضرر جسيم في هذه المرحلة من الملء. وعلى الرغم من توافر المتطلبات المائية لبدء الملء مع تصريف كميات كافية إلى بحيرة سد الروصيرص السوداني، فإن المشاكل الفنية في السد التي تتعلق بالتعلية الوسطى تحديداً “ربما لا تمكّن الإثيوبيين من الملء المبكر، أو قد تسمح بذلك مع عدم وصول الملء للمعدلات المرجوة سريعاً”.

ووفق تقديرات استراتيجية مصرية، فإن القاهرة ترصد تباطؤاً متزايداً في إنجاز التعلية الوسطى، ربما يتعلق بنقص حاد في عدد الأيدي العاملة على خلفية التوترات التي يشهدها إقليم بني شنقول ـ قمز الإثيوبي الذي يقام مشروع السد على أرضه.

إلا أن ذلك لا يتيح التسليم بصحة أن يعترف وزير الري سيليشي بيكيلي، بنفسه، بفشل التعلية الوسطى أو انخفاض معدلات الإنجاز في السد، نظراً لكونه من المسؤولين الأكثر تشدداً في بلاده تجاه مصر والسودان. كما أنه يتمسك دائماً بأن الملء الثاني لن يرتب أي ضرر على دولتي المصب.

إلا أن الشيء الأكيد حتى الآن، هو أن التعلية الوسطى للسد أنجزت بحوالي 566 متراً، ويتبقى 29 متراً لتحقيق الارتفاع المستهدف، وأن الجدول الزمني المناسب لتحقيق ذلك والاستفادة منه لحجز الكمية المطلوبة هو أن يتم الانتهاء من الإنشاءات خلال 25 يوماً على الأكثر، لكن هذا الأمر يعني أنه في خلال عملية الملء ذاتها، سيتم الحجز بصورة تعسفية من دون السماح بتمرير أي كميات من المياه لسد الروصيرص، لتعويض ما فات الإثيوبيين من وقت.

وهنا تتضح أهمية الطلبات المصرية والسودانية السابقة بالإدارة المشتركة لفترات الملء والتشغيل، لأن غياب المعلومات وانعدام الشفافية من قبل الجانب الإثيوبي، والترصد المتبادل، يعرقل الاستجابة المشتركة للتغيرات الفنية والمناخية الطارئة. كما يحيط الإجراءات بالغموض وصعوبة توقع المشاكل الوارد حدوثها.

وإلى جانب هذه المسألة، فإن حجز أي كمية من دون الإخطار بها سلفاً، ومن دون منح دولتي المصب الوقت الكافي لتدبير احتياجاتها، يُصعّب قبول استمرار الوضع الحالي المفتقر إلى اتفاق شامل وملزم على قواعد الملء والتشغيل، لأنه يهدد بتكرار حالة الغموض هذه كل صيف، بما في ذلك السنوات التي ربما تشهد انخفاضا في كميات الأمطار أو فترات الجفاف الممتد.

مخاطر الملء الثاني

"الملء الثاني لـ سد النهضة" بين سياسة الأمر الواقع  الإثيوبية والمناورات المصرية السودانية

وبحسب رسالة مصر إلى مجلس الأمن، في إبريل الماضي، والتي تتناقض تماما مع تصريحات سامح شكري المثيرة للجدل، قإن “الملء الثاني المنفرد بحجز 13.5 مليار متر مكعب في خزّان السد، سيسبب أضرارا كبيرة، بل وكارثية، على دولتي المصب”.

وبحسب الباحث في الشأن الافريقي، د.بدر الشافعي بمقاله بـ”العربي الجديد” : “حطورة الملء الثاني لسد النهضة” ، فقد لا تتضرّر حصة مصر من مياه التخزين الموجودة في السد العالي ، ولكن الاقتصاد المصري سيتضرر.

فمفهوم عدم الضرر، وفق رواية الوزير شكري، يعني وجود فائض مياه في خزّان السد العالي (إجمالي التخزين 162 مليار متر مكعب) يكفي لمواجهة أي عملية حجز للمياه تقوم بها إثيوبيا، علما بأنه لكي يتحقق ذلك، يتم حرمان بعض الفلاحين من زراعة بعض المحاصيل ذات الاستهلاك العالي من المياه، الأرز تحديدا في شمال الدلتا.

وبالتالي، يعدّ هذا الحرمان ضررا من الزاويتين، الاقتصادية والاجتماعية؛ إذ من شأن التخزينين، الأول والثاني (18.5 مليار متر مكعب، تضاف إليها ثلاثة مليارات تبخر وتسرّب”؛ عدم زراعة أكثر من ثلاثة ملايين فدّان من الأرز، يمكن تصديرها إلى الخارج بعائد يقدرب 10 مليارات دولار.

وبجانب ذلك، الضرر الناتج من شراء مصر المياه الافتراضية (virtual water)، والتي تعني استيراد المياه في صورة سلع ومنتجات من الخارج، إذ تستورد مصر، بحسب البيانات الرسمية لوزارة الري، 30 مليار متر مكعب من المياه الافتراضية.  كما أن هناك ضرر فعلي لأي حصةٍ من المياه تدّخرها إثيوبيا، فزراعة مليون فدّان تحتاج 5.5 مليارات متر مكعب من المياه؛ وبفرض أن لكل فلاح فدّانا ونصف فدّان، بحسب إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (9 ملايين فدّان موزعة على 6 ملايين عامل)، وأن هذا الفلاح يعول أسرةً تتكوّن، كحد أدنى من ثلاثة أفراد ؛ فمعنى هذا بطالة قرابة 700 ألف فلاح، وقرابة 3 ملايين مواطن مصري. وهذه النسبة يمكن أن تصبح ثلاثة أضعاف، في حالة الملء الثاني، ” 13.5 مليار متر مكعب”.

إذن، قد لا تتضرّر حصة مصر من مياه التخزين الموجودة في السد العالي من هذه الزاوية، ولكن الاقتصاد المصري سيتضرر. وكذلك ستكون هناك تداعيات اجتماعية بسبب عملية الملء. ومما يفاقم الأمر أن وزارة الري، في بعض الأحيان، قد تحجز المياه في خزّان السد العالي، ولا تصرفها للفلاحين ترشيدا للاستخدام، لكن مع قرب موسم الفيضان والحديث عن “احتمال” فيضان كبير في إثيوبيا، قد لا تتمكّن الوزارة من تصريف كمية كبيرة من مخزون السد للفلاحين؛ لاستقبال الدفعة الجديدة، ما قد يضطرها لتصريف كل جزء من هذه المياه في مفيض توشكى أو الصحراء الغربية، وهو أمرٌ ناجمٌ عن غياب المعلومات الدقيقة عن حجم الفيضان، ما دفع مصر، مرارا وتكرارا، إلى مطالبة إثيوبيا بتبادل المعلومات بشأنه، كما أن تصريف المياه في توشكى يعطي مبرّرا لإثيوبيا بأن لدى مصر فائض مياه، وأن هناك تناقض بين القول والفعل.

وعلى الرغم من ذلك، فإن مصر لديها عجزا مائيا سنويا يقدّر ب 20 مليار متر مكعب،هذا في حالة حصولها على حصتها كاملة من مياه نهر النيل؛ فوفق بيانات وزارة الري والموارد المائية المصرية، تبلغ إجمالي احتياجات البلاد المائية الحالية حوالى 110 مليار متر مكعب سنويًّا، تستورد منها، كما سبق القول، 30 مليار متر مكعب سنويًّا في صورة مياه افتراضية.

بينما يبلغ إجمالي الموارد المائية من مياه النيل والأمطار والمياه الجوفية وعمليات التحلية حوالي 59.25 مليار متر مكعب سنويًّا. وهذا يعني وجود فجوةٍ في الميزان المائي بين الاحتياجات (المتنامية) والموارد المائية (المحدودة) تبلغ حاليا 20.75 مليار متر مكعب سنويًّا؛ يتم سداد معظمها من خلال عملية إعادة تدوير مياه الصرف الصحي والزراعي والصناعي، ومن المياه الجوفية المسرّبة من نهر النيل؛ بالإضافة إلى عملية التحلية. ولكن يلاحظ أن عملية إعادة التدوير مكلفة “عدة مليارات”، فضلا عن كونها تؤثر على كفاءة المياه، في حين يتم سداد النسبة الباقية من خزّان السد العالي عند أسوان.

ساهم هذا العجز المائي في تراجع نصيب الفرد في مصر من المياه بصورة مطَّردة مع زيادة عدد السكان من 22 مليون شخص عام 1950 إلى أكثر من 100 مليون شخص عام 2020، فوفقًا لأحدث بيانات منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، تراجع نصيب الفرد في مصر من 869 مترا مكعبا من المياه عام 1997 إلى 589 مترا فقط عام 2017، ومن المتوقع أن يصل إلى 534 مترا مكعبا بحلول عام 2030، وهو ما يعني نصف مقدار حد الفقر المائي، وفق الأمم المتحدة، والذي يقدّر بألف متر مكعب للفرد سنويا.

وبالتالي، أي تناقص في هذه الحصة بسبب ملء السد قد يفاقم العجز المائي بمقدار هذا الخصم؛ ما يعني أن للسد ضررا كبيرا على مصر اقتصاديا واجتماعيا، وأنه لا ينبغي حصر مفهوم الضرر في حدوث العطش، بالنظر إلى النسبة الضئيلة التي يتحصل عليها المواطن من مياه الشرب.

علاوة على الكلفة المالية لتحلية مياة البحر وتنقية مياة الصرف الصحي، والتي قدرتها أوساط مصرية بنحو 200 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة، باقامة محطات تحلية مياة كبرى في عدد من محافظات مصر، وما يحمله استخدام تلك المياة من تأثيرات صحية وبيئية مستقبلية، تهدد صحة المصريين وتحمل الدولة أعباءا مالية أخرى في العلاج.

هواجس مصر والسودان

وتشيء التقديرات الاستراتيجية إلى أن البلدين ، لديهما ثلاثة هواجس رئيسة، فإصرار إثيوبيا الاستمرار بالسد يحمل الكثير من التداعيات السلبية لمصر، خصوصا أن 90%  من حاجتها للمياه تعتمد على النيل، فمع انحدار نسب المياه ستضطر مصر لاستعمال مخزونها في السد العالي وعند انتهاء المخزون ستصيح مصر رهينة إثيوبيا.

أما المشكلة السودانية فتختلف عن مصر، فهي بحاجة لمعطيات وبيانات من قبل إثيوبيا خلال مراحل تعبئة السد لكي لا يصبح كما حصل في المرة الأولى من انخفاض نسب المياه وانقطاع الكهرباء، حيث صرح وزير الري السوداني بأن ملء السد من دون البيانات قد يهدد نصف سكان السودان، وهو الأمر الذي يتفاقم في حالة انهيار السد، المقام على بعدكيلومترات معدودة من الخدود السودانية.

النقطة الثانية وهي الأهم: إصرار إثيوبيا على مشاريع بناء سدود أخرى حيث بعض التوقعات تشير إلى أن مشاريعها ستحتفظ بمئة مليار متر مكعب من مياه النيل.

أما الهاجس الثالث، فمطالبة إثيوبيا بحصة من نهر النيل الأزرق حيث إن تمكنت من الملء الثاني فستصبح إثيوبيا قادرة على المناورة والتفاوض بشكل أكبر، وهو ما يحرم مصر من أكبر حقوقها المائية، ويقلص قدراتها التتفاوضية مستقبلا.

بين الخيار العسكري وتراجع الحلول الدبلوماسية

ومع اقتراب مواعيد الملء الثاني، وتعنت إثيوبيا ، وعدم حلحلة الموقف المأزوم من قبل الأطراف الدولية، فإن الخيارات المتاحة تضيق أمام مصر، وهو ما يقرب الخيار العسكري، المرتبط اساسا  بالارادة السياسية التي تبدو غير متوافرة، لدى نظام السيسي، الذي يخشى تطورات عسكرية وسياسية، قد تضعه في موضع المواجهة الشعبية في الداخل المصري.

حماة النيل
حماة النيل

وعلى مدار سنوات عدة، أثبتت جولات المفاوضات فشلها حتى اليوم، وإثيوبيا تلعب على الوقت لتمرير مشاريعها المائية من دون الأخذ بعين الاعتبار الاتفاقات مع دول الجوار، مما قد يؤدي إلى ارتفاع منسوب التوتر بين دول حوض النيل. وخصوصا أن إثيوبيا لديها مشاريع سدود أخرى مما قد يؤدي إلى دق ناقوس الخطر للأمن القومي المائي لمصر، وفق ما يذهب إليه شادي غسان نشابة، بمقاله “سد النهضة بين الأمر الواقع والمواجهة العسكرية”،بموقع “الخليج الجديد”.

وأمام المشهد الحالي، فإن كثير من دوائر صناعة السياسية في مصر والسودان، باتت مقتنعة  مع تضاؤل فرص الحل الدبلوماسي، لأزمة سد النهضة، القائمة بين إثيوبيا من جانب، وكل من مصر والسودان من جانب آخر، بأن الصدام بين الجانبين، ربما يصبح أمرا حتميا بمرور الوقت، في ظل تراجع فرص الحل الدبلوماسي.

وكانت الفترة الأخيرة، قد شهدت تصعيدا في التصريحات، خاصة بعد أن أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الاثنين 31 مايو الماضي، أن بلاده ستبني أكثر من 100 سد صغير ومتوسط، في السنة المالية الجديدة، في مناطق مختلفة من البلاد، وهو ما أثار غضب القاهرة، إذ ردت الخارجية المصرية بقوة عليه، معتبرة أن إعلانه “يكشف مجددا عن سوء نية إثيوبيا وتعاملها مع نهر النيل وغيره من الأنهار الدولية التي تتشاركها مع دول الجوار وكأنها أنهار داخلية تخضع لسيادتها ومسخرة لخدمة مصالحها”.

ومنذ تصريحات أبي أحمد، عن المئة سد الإثيوبية الجديدة، لم تتوقف التصريحات المتبادلة، بين مصر وإثيوبيا، إذ قال وزير الخارجية المصري الأسبق نبيل فهمي، عبر برنامج تليفزيوني محلي، إن مجريات الأمور، تشير إلى أن الصدام قد يكون حتميا بين مصر والسودان من جانب، وإثيوبيا من جانب آخر.

وقال فهمي “الموقف الإثيوبي يعكس تثبيت موقف خطير جدا، وهو أن تقرر دولة واحدة مصير مرور مياه نهر عبر حدود دول أخرى، وهو شئ خطير جدا، واذا تم قبول هذا المبدأ فسيطبق أيضا في حالات أخرى، ومن ثم يخلق صداما حتميا”، ومن جانبها حذرت وزيرة الخارجية السودانية، مريم صادق المهدي، وفقا لبيان للخارجية السودانية، مما وصفته بتعنت الطرف الإثيوبي، مما قد يجر المنطقة إلى مزالق لا تحمد عقباها.

غير أن عضو الوفد الإثيوبي، لمفاوضات سد النهضة، يعقوب أرسانو قال خلال ندوة في جامعة (دبري برهان)، في اقليم إمهرة، إن بلاده تمر بمرحلة عصيبة، في المفاوضات الخاصة بسد النهضة، لكنه أردف قائلا أنه لاتوجد قوة يمكنها تغيير موقف أديس أبابا.

وفي ظل مراوحة مواقف الأطراف لأماكنها، فأن الخيار العسكري بات الأقرب، في ضوء العديد من الخطوات، التي اتخذتها مصر والسودان مؤخرا، وأهمها المناورات العسكرية المشتركة بين الجانبين، في الفترة ما بين 26 و31 مايو الماضي، التي جرت في السودان، وحملت عنوان “حماة النيل” ، بمشاركة عناصر من القوات البرية والجوية والدفاع الجوي للبلدين.

غير أنه ورغم تلك التطورات في الجانب العسكري، وسعي القاهرة إلى إبرام اتفاقات عسكرية، مع دول الجوار الإثيوبي، وصلت لأربع دول مجاورة لإثيوبيا، فإنه لايمكن إغفال كلمة واشنطن، والتي ربما تكون الكلمة الفصل، وقد بدا أن واشنطن وأوروبا، ترفضان الحل العسكري للأزمة، وتميلان إلى حل سياسي تتوافق عليه، كل من القاهرة، والخرطوم، وأديس أبابا، في وقت تتحدث فيه أصوات مصرية وسودانية، عن أن إعطاء المحادثات مزيدا من الوقت، سيكرس سياسة الأمر الواقع الإثيوبية، ويعطي وقتا لأديس أبابا، لاتمام عملية الملء، وفق تقدير لـ”بي بي سي”.

الردع الاثيوبي

إلا أن تمكن أديس أبابا من اكمال ملء السد، سيمنحها سلاحا رادعا، يلغي فكرة أي خيار عسكري لدولتي المصب، إذ أن ضرب السد بعد ملئه ، سيؤدي إلى تدفق ملايين المترات المكعبة من المياه، عبر النيل الأزرق في السودان، لتقتلع سد الرصيرص السوداني، ومن ثم ستحدث دمارا هائلا، وهو ما حدا ببعض الأصوات السودانية، للقول بأن السودانيين الذين يعيشون على مقربة من السد، سيكونون في وضع دروع بشرية له.

وعلى الرغم من القدرات العسكرية المصرية والسودانية،  إلا أن تصريحات  قائد القوات الجوية الإثيوبية الجنرال “يلما مرديسا”، الأحد 6 يونيو الجاري، وتعهداته أن بلاده قادرة على منع أي هجوم على سد النهضة، الذي يثير نزاعًا مع كل من السودان ومصر.

وأكد “مرديسا” أن الجيش سيضطلع بدوره الكامل في حراسة سد النهضة وحمايته من أي عدوان.

وفي سياق الردع الاثيوبي، فقد طورت اديس ابابا من قدراتها العسكرية في الفترة الأخيرة، وخاصة التوسع في نشر منظومات الصواريخ الاسرائيلية، ومنظومات دفاع جوي فائقة الدقة من الصين، وهو ما يصعب العمل العسكري، وهو ما يمكن ان تستعيض عنه الأكراف بأعمال تخريبية أخرى، لا ترق للمواجهة العسكرية..

وكان الملء الأول لسد النهضة ، قد بدأ عام 2020 حيث احتفظ بحوالي خمسة مليار متر مكعب، وخلال الملء الثاني سيتم حفظ حوالي 13.5 مليار متر مكعب ويُقدَّر أن تعبئة كامل السد حسب الأوساط الإثيوبية ستأخذ بين خمس وسبع سنوات.

فيما تنص اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية عام 1997 والذي اعتمدته الأمم المتحدة عام 2007، على عدم إقامة مشاريع مائية في مصادر المياه الدولية المشتركة بدون إخطار، وضرورة العمل بأقصى ما يمكن على مبدأ الإفصاح وتبادل المعلومات الخاصة والتشاور مع الدول الأخرى بهدف التوصل إلى اتفاق بخصوص تقسيم المياه على أسس عادلة مع تفادي إلحاق الضرر الجسيم بحقوق الدول الأخرى.

وتكمن خطورة الملء الثاني لـ سد النهضة، إن تم بالتالي أصبح أمرا واقعا، مما يعني انتفاء أي وسيلة ضغط فعلية وبالتالي تكون نجحت إثيوبيا بسياسة تمرير الوقت، طالما بدأت إثيوبيا بالملء الثاني ، اذانه بعد إجراء الملء الثاني لا يمكن إجراء أي عمل عسكري ضد السد لأنه بذلك حسب الخبراء، سيتضرر السودان بشكل كارثي من انهيار السد، فتصبح إثيوبيا لديها مربط الحل والنزاع بشأن السد الكبير.

السيناريوهات المقبلة

وأمام تلك التطورات، تلوح بالأفق القريب سيناريوهات ثلاثة، إما أن تتراجع إثيوبيا  الملء الثاني لـ سد النهضةوتقرر التأجيل تخوفا من ضربة عسكرية، إما الخيار الدبلوماسي من خلال ضغط من قبل القوى المؤثرة مثل أميركا والصين والاتحاد الأوروبي حيث ما زال حتى اليوم التدخل خجولا إلى حد ما، وإما أن تحدث ضربة عسكرية للسد وهو خيار صعب للجميع ولكن ممكن.

من المتوقع أن تحاول مصر حتى آخر لحظة استعمال نقاط قوتها الناعمة من خلال الضغط الدبلوماسي، إضافة إلى نقاط القوة القانونية، ولكن كما يبدو أن إثيوبيا ما زالت مراهنة على لعبة الوقت، وكلما يقترب الانتهاء من الملء كلما تحصل على تفاوض أفضل، فالسؤال الذي يطرح نفسه هل ستنتقل مصر والسودان إلى التفاوض الخشن؟ هل سنشهد تحشيدا عسكريا مصريا وسودانيا لمزيد من الضغط على إثيوبيا والوصول الى حل من دون مواجهة؟ أم ستحصل مواجهة عسكرية ومن بعدها الاتفاق؟

ولعل ما يحدد مسار المستقبل، حقيقة الموقف والارادة المصريةتجاة الازمة، وسط اتهامات عدة تقويها وقائع الأحداث، بأن السيسي يخادع المصريين لتنويمهم مع تأكده تماما بأن الملء الثاني لـ سد النهضة أمر واقعي، وفق تأكيدات أمريكية له، بأن التدخل الأمريكي للتفاوض حول المراحل القادمة وعملية التشغيل، وهو ما كانت الاكارات ألمحت إليه في مبادرتها الشهر الماضي، بالتوسع في الاستثمارات المشتركة بين مصر وإثيوبيا والسودان بأموال اماراتية، لزراعة ملايين الأفدنة في إثيوبيا والسودان وتصدير حاصلاتها الزراعية إلى مصر والامارات، مع سماح مصر باستمرار إثيوبيا في ملء السد.

وفي السياق ذاته، اتهم الفنان ايمان البحر درويش الادارة المصرية، بالعبث والخداع للمصريين، مستشهدا باعلان السيسي يوم انتهاء مناورات “حماة النيل” عن اقامة اقكبر مشاريع تحلية مياة البحر في العالم في مصر، وأيضا هو ما تحدث عنه السفير المعتقل يحي نجم مؤخرا، بأن السيسي لو كان في استراتيجيته تحرك عسكري مضاد للتعنت الاثيوبي، فإنه عليه الاعلان عن الانسحاب من  اتفاقية المبادئ التي وقعها في مارس 2015، والتي مكنت إثيوبيا من الوصول إلى ما وصلت إليه حاليا، كما أن عليه أن يطلب تفويضا من البرلمان بالردع العسكري لأية مخاطر تهدد أمن مصر، والاعلان عن تحذير من تواجد أية عناصر مدنية في محيك منطقة السد العالي، وعدم مسئوليته عن أمنهم، وكذا حشد قوات مصرية في السودان، لتخويف وردع إثيوبيا، وتحسبا لأي عمل عسكري قادم..

ولعل عدم اتخاذ السيسي مثل تلك الاجراءات أو غيرها مما تفررضه الظروف الخالية، يؤكد أنه لا نية لأي عمل عسكري قادم، وأن الاعلانات والتحذيرات عن الخط الأحمر وعدم التعرض لأمن مصر المائي، مجرد خداع للمصريين وتنويم لهم وأن كل الأمور متفق عليها مسبق، وهو نفس ما ذهب غليه الخبير الاستشاري المصري ممدوح حمزة.

وتبقى الأيام المقبلة حبلى بكثير من  التطورات في ملف سد النهضة، وهو ما قد يدفع  السيسي نحو مزيد من القمع الداخلي أو التعديلات في قيادات الجيش، وهو أمر مستغرب، جرى خلال الأيام المقبلة، بتغييرات قيادات المنطقة المركزية الجنوبية والشئون المعنوية، وكلها تغيييرات لا تنم عن أي عمل عسكري في المدى القريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

دمج الاقتصاد غير الرسمي.. الأهداف والمآلات

  تبلغ قيمة الإيرادات في الموازنة العامة للدولة (2021/2022) نحو 1.365 تريليون جنيه، بينما …