‫الرئيسية‬ العالم العربي ليبيا مؤتمر برلين 2 حول ليبيا .. النجاحات والتحديات
ليبيا - يوليو 2, 2021

مؤتمر برلين 2 حول ليبيا .. النجاحات والتحديات

مؤتمر برلين 2 حول ليبيا .. النجاحات والتحديات

 

انطلقت أعمال مؤتمر برلين 2 حول ليبيا، فى 23 يونيو 2021، بمشاركة 15 دولة إضافة إلى 4 منظمات دولية. وتضم قائمة الدول المشاركة كل من ليبيا وتركيا والولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا وسويسرا والمملكة المتحدة. كما تشمل قائمة المشاركين تونس والجزائر والمغرب ومصر والإمارات.

ويشارك في المؤتمر أربع منظمات دولية هي الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي “الناتو” والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية. وتغيب عن المؤتمر وزيرا الخارجية الصيني والروسي، وحضر ممثلان عنهما. وهذه هي المرة الأولى التي تشارك فيها الحكومة الليبية في فعاليات مؤتمر برلين[1].

ويأتى انعقاد مؤتمر برلين، بحسب ما افاد به سفير ألمانيا لدى ليبيا أوليفر أوفتشا، لتحقيق ثلاثة أهداف: الأول؛ تقييم ما تحقق في مؤتمر برلين الأول (المنعقد فى يناير 2020)، وهو في المقام الأول وقف إطلاق نار دائم، وسلطة تنفيذية مؤقتة، واستئناف إنتاج النفط وتعافي الاقتصاد.

والهدف الثانى؛ تمثيل ليبيا كعضو كامل العضوية في مؤتمر برلين، حيث يمثلها رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة ووزيرة الخارجية نجلاء المنقوش. والهدف الثالث؛ إنجاز القضايا المفتوحة في خريطة الطريق، وعلى رأسها الانتخابات الوطنية، التي يجب الإعداد لها في نهاية العام (24 ديسمبر 2021)، وكذلك انسحاب القوات الأجنبية والمقاتلين من أجل تعزيز تنفيذ أهداف وقف إطلاق النار[2].

وتسعى هذه الورقة إلى توضيح مدى إمكانية نجاح هذا المؤتمر فى تحقيق تلك الأهداف. وعليه سيتم تقسيم الورقة إلى محورين رئيسيين: الأول؛ يتعلق بالعوامل التى قد تساهم بنجاح المؤتمر فى تحقيق أهدافه، والثانى؛ يرتبط بالعوامل التى قد تحول دون تحقيق هذه الأهداف.

 

أولًا: العوامل المساهمة فى إنجاح المؤتمر:

يمكن الإشارة إلى مجموعة من العوامل التى قد تساهم بنجاح مؤتمر برلين فى تحقيق أهدافه كما يلى:

1- وجود تمثيل ليبي رسمي يمثله رئيس حكومة وحدة وطنية، للمرة الأولى، عكس مؤتمر برلين الأول الذي حضر فيه خليفة حفتر وفائز السراج كممثلين لحالة الانقسام الليبية، وجلسا في قاعتين جانبيتين من دون أن يشاركا فى المؤتمر[3].

"مؤتمر برلين 2" حول ليبيا .. النجاحات والتحديات

2- ينعقد مؤتمر برلين 2 في ظل تحسن في أجواء العلاقات بين أطراف إقليمية لطالما شكلت ليبيا مسرحًا لصراعاتها. فقد شهدت علاقات القاهرة بأنقرة تحسنًا غير مسبوق منذ القطيعة بين البلدين على خلفية الإطاحة بحكم الرئيس الراحل محمد مرسي في سنة 2013.

فالنظام المصري المحاطة بالنزاعات على حدودها (غزة-إسرائيل، وضع غير مستقر في السودان، أزمة مفتوحة مع أثيوبيا)، ترى من مصلحتها ترسيخ الاستقرار في الجبهة الليبية، عبر اتخاذ مسافة من الدور العسكري الإماراتي في ليبيا مقابل تقارب مع تركيا وقطر. لكن مصر تعايشت على مر عقود مع النزاعات المسلحة، بل أصبحت لها خبرة في لعب أدوار وساطة وإدارة الأزمات.. ولذلك فإن إعطاء دور للنظام المصري في الملفات الأمنية والعسكرية الشائكة في ليبيا قد يكون من الأمور التي لن تتردد أجهزة السيسي في الاضطلاع بها، خصوصا إذا كان ذلك يمنحها تحقيق مزيد من المصالح.

كما ضاعفت الدبلوماسية الألمانية جهودها لتأمين حضور الجار المغاربي الذي كان ضعيفا في مؤتمر برلين الأول. فقد وجهت برلين دعوات لدول الجوار المغاربي: تونس والجزائر والمغرب أيضا هذه المرة رغم حالة الفتور في العلاقات وكان الملف الليبي واحدا من مسبّباته، ومن شأن حضور المغرب الذي احتضن جولات حوار ليبي ناجحة، إضفاء مزيد من الزخم الدبلوماسي للعملية السياسية والانتخابية.

كما تعد مشاركة الجارة الجزائر ورقة استراتيجية مهمة في أفق الترتيبات الأمنية والعسكرية التي يمكن التوصل إليها. إذ تشترك الجزائر بحوالي ألف كيلومتر من الحدود مع ليبيا، وتشكل حدود البلدين منطقة حساسة تربط شمال أفريقيا بمنطقة الساحل والصحراء.

وتبدي الدول الغربية مزيدا من الاهتمام بدور الجيش الجزائري في تلك المنطقة، ولاسيما بعد التطورات الدراماتيكية في شمال تشاد في أبريل الماضي إثر هجوم قوات متمردين تشاديين قادمين من جنوب ليبيا، والتي أدت إلى مصرع الرئيس التشادي ادريس ديبي. ودور الجيش الجزائري خارج حدود البلاد، لم يعد من المحظورات بعد التعديلات التي أدخلت على الدستور الجزائري، وكشف الرئيس عبد المجيد تبون النقاب لأول مرة عن سيناريو “تدخل جزائري” كان سيحدث قبل عامين لمنع سقوط العاصمة طرابلس من قبل قوات مرتزقة، كما قال مؤخرا في حوار مع قناة “الجزيرة” القطرية[4].

3- الاهتمام الأمريكى المتصاعد بالملف الليبى، وهو الاهتمام الذى تجلى بصورة كبيرة فى رفع مستوى التمثيل الدبلوماسى الأمريكى داخل ليبيا، والذى ظهر مع تعيين وزارة الخارجية الأمريكية سفيرها في ليبيا ريتشارد نورلاند مبعوثا خاصا إلى ليبيا بالإضافة إلى مهمته.

ومنذ ذلك الحين، يعمل نورلاند على التواصل مع جميع الأطراف المنخرطة فى النزاع الليبى من أجل حل الأزمة الليبية. وقد كشف نورلاند عن جانب من هذه الاتصالات، عندما أكد، فى 21 يونيو الحالى، أن “هناك مفاوضات جارية مع بعض الأطراف المهمة تهدف إلى محاولة دفع بعض المرتزقة والمقاتلين الأجانب للرحيل”. ومؤكدًا على أنه “سيكون ذلك تطوراً مهماً للغاية ومؤثراً جداً، لكننا لا نقترح الانتظار حتى العام المقبل في محاولة لتحقيق بعض التقدم”[5].

4- الدعم الأوروبى لحكومة الوحدة الوطنية، فلم يمضِ وقت طويل منذ منح مجلس النواب الليبي الثقة لحكومة دبيبة في 10 مارس 2021، حتى شهدت ليبيا تحركات دبلوماسية من قِبل عدة دول أوروبية بالإضافة لتمثيل الاتحاد الأوروبي، البداية جاءت عبر زيارة وزراء خارجية دول: فرنسا، وإيطاليا، وألمانيا يوم 25 مارس 2021 لليبيا، تزامن ذلك مع  تلقّي “محمد المنفي” رئيس المجلس الرئاسي دعوة من الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون لزيارة باريس، ثم في 5 أبريل دون إعلان مسبق زار رئيس المجلس الأوروبي طرابلس، والتقي بكلٍ من رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس الحكومة عبد الحميد دبيبة، ووزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش.

"مؤتمر برلين 2" حول ليبيا .. النجاحات والتحديات

ولم تتوقف التحركات الأوروبية عن الزيارات المتبادلة بل تعدّت لفتح السفارات؛ حيث أعيد فتح السفارة الفرنسية في 29 مارس، ثم السفارة اليونانية في 7 أبريل، مع إعادة فتح المجال الجوي بين اليونان وليبيا. ومن سياق الزيارات السابقة نجد أن الخطاب الرسمي لقادة المؤسسات الاوروبية وتحديدًا المفوضية والمجلس الأوروبي، والخطابات المنفردة لزعماء الدول المنخرطة في الأزمة الليبية مثل فرنسا وإيطاليا تسير على نهج أوروبي موحد تجاه القضايا الرئيسية في  ليبيا وهى: (التعاون الاقتصادي – الأمن والإرهاب – الهجرة – خروج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة)[6].

كما أعلن الاتحاد الأوروبي في السابع عشر من مارس 2021، تمديد مهمة العملية العسكرية “إيريني” التي تختص بمراقبة حظر الأسلحة في ليبيا وذلك لمدة عامين (تنتهي في مارس 2023)، التي تم تدشينها على ضوء مخرجات مؤتمر “برلين”، تنفيذًا لقرارات مجلس الأمن بشأن الأسلحة من خلال استخدام الطائرات والأقمار الصناعية والبحرية، وتأتي تلك الخطوة في أعقاب انتهاء العملية “صوفيا”، ومن الملاحظ أن هناك اهتمامًا ألمانيًا بذلك برز فيما قررته الحكومة الألمانية في التاسع والعشرين من مارس 2021 بتمديد مشاركتها البحرية في العملية بالعسكريين والمعدات البحرية والجوية[7].

أيضًا، فقد أرتفعت حدة التهديدات الأوروبية لمن يعرقل جهود حكومة الوحدة الوطنية لحل الأزمة الليبية، وكان أخر هذه التهديدات؛ تهديد الاتحاد الأوروبي أي شخص يُعتقَد أنه يحاول تأجيل الانتخابات في ليبيا إلى ما بعد الموعد المقرر في 24 ديسمبر المقبل أو انسحاب القوات الأجنبية من البلاد بالتعرض لعقوبات، وذلك وفق ما ذكره تقرير لصحيفة The Guardian البريطانية، فى 22 يونيو الحالى[8].

 

ثانيًا: العوامل المساهمة فى إفشال المؤتمر:

يمكن الإشارة إلى مجموعة من العوامل التى قد تحول دون نجاح المؤتمر فى تحقيق أهدافه كما يلى:

1- انخفاض التمثيل الدبلوماسى لدى بعض الدول إلى ما دون وزراء الخارجية، وخاصة تلك المتهمة بتأجيج الصراع والمساهمة في استجلاب المرتزقة. فالحضور العربي والإقليمي كان على مستوى متساو حيث أرسلت مصر، وتركيا، والجزائر، وتونس وزراء خارجيتها، ولكن الحضور الاماراتي كان ضعيف المستوى مقارنة بباقي الدول العربية حيث قلصت الدولة التي دعمت خليفة حفتر، في وقت سابق، مشاركتها إلى مستوى وزير دولة في وزارة الخارجية.

"مؤتمر برلين 2" حول ليبيا .. النجاحات والتحديات

وشاطرت روسيا الإمارات في ذات التقليص، كما تشاطرها في ذات التوجهات، حيث مثل روسيا نائب وزير خارجيتها ولم يحضر الوزير شخصيا. وعلى اعتبار أن المؤتمر يناقش في المرتبة الأولى مسألة إلغاء التواجد الأجنبي من مرتزقة أجانب في ليبيا، فيمكن من خلال ذلك تبرير سبب هذا التخفيض، إذ طالما انزعجت روسيا والإمارات من الأحاديث الرامية لإخراج المرتزقة.

كما تثير تصريحات روسيا التي سبقت المؤتمر والتي أكدت على ضرورة أن تكون أي مخرجات عن المؤتمر محصنة بقرارات من مجلس الأمن المخاوف من رغبة روسيا في استعمال حقها في الاعتراض عن أي بند لا يثير إعجابها من خلال حق الفيتو وقد استخدمته مرارا في العديد من الجلسات الخاصة بليبيا، خدمة لمصالح الأطراف التي دعمتهم بالسلاح والعتاد[9].

2- سيعقد مؤتمر برلين 2 في ظل تصاعد حدة الخلافات بين الأطراف الليبية، فقد وصل النقاش المتعلق بالأساس الدستوري لإجراء الانتخابات في ديسمبر المقبل إلى حائط مسدود. ولا تزال هناك عدة أسئلة مع اقتراب الموعد النهائي المحدد في 1 يوليو لحل هذا المأزق – وهو التاريخ الذي حددته “المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا” من أجل ضمان وقت تحضير كافي للاقتراع. ويدور أحد النقاشات الرئيسية حول ما إذا كان يجب إجراء استفتاء على مسودة الدستور قبل الانتخابات أو إقرار قانون مؤقت وتأجيل المسائل الدستورية الأوسع. ويركز نقاشٌ آخر على ما إذا كان يجب إجراء انتخابات رئاسية ونيابية مباشرة في الوقت نفسه أو السماح لمجلس النواب المنتخب باختيار رئيس للبلاد. ولا تزال التساؤلات قائمة أيضاً حول شروط الأهلية للمرشحين، (على سبيل المثال، ما إذا كان بإمكانهم حمل جنسيات متعددة)[10].

كما أن مجلس النواب يرفض الإفراج عن ميزانية الدولة، ويشترط عقيلة صالح، مُضي مجلس الدولة برئاسة خالد المشري، قدما في اتفاق توزيع المناصب السيادية، وعلى رأسها منصب محافظ البنك المركزي، الذي يفترض أن يؤول إلى الشرق. بينما يشترط مجلس الدولة (نيابي استشاري) استكمال توحيد المؤسسة العسكرية قبل الوصول إلى المرحلة النهائية من توزيع المناصب السيادية. فالمجلس الأعلى للدولة، لا يريد أن يظهر كالساذج، الذي يمنح منصب حساس مثل محافظ البنك المركزي، لأحد الموالين لحفتر، في الوقت الذي يرفض الأخير توحيد المؤسسة العسكرية وإخضاع مليشياته لقيادة المجلس الرئاسي، بل تشي تحركاته العسكرية بنوايا غير مطمئنة بشأن أمن واستقرار البلاد[11].

أيضاً، شهدت الأيام الماضية عودة التوتر بين قوات حفتر والسلطات الانتقالية متمثلة في المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية، فقد أعلن”خليفة حفتر” رفضه الاعتراف برئيس الحكومة “عبد الحميد الدبيبة” باعتباره وزيراً للدفاع، مشيراً إلى أن هذا المنصب لا يزال شاغراً، وتجسدت حدة الخلافات أيضا في تصريحات المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي”أحمد المسماري” والذي أعلن رفض المؤسسة العسكرية لتعيين “محمد الحداد” رئيساً لأركان الجيش من قبل الحكومة المؤقتة، وأن هذا المنصب لابد أن يمر من خلال البرلمان[12].

وقبل توجهه إلى مؤتمر برلين، فقد أعطى رئيس الحكومة الإنتقالية عبدالحميد الدبيبة الإشارة لفتح الطريق الساحلية بين مصراتة وسرت التي تربط بين شرق وغرب البلاد، بعد إغلاق دام حوالي سنتين منذ هجوم قوات الجنرال حفتر على العاصمة طرابلس. ولكن، رفض حفتر فتح الطريق، كما قامت وحدة عسكرية تابعة له بإغلاق معبر حدودي مع الجزائر بعد انتشار كثيف في جنوب ليبيا.

وتنشر خطوات حفتر مزيدا من الغيوم الداكنة في أجواء المشهد الليبي، ما يهدد بوضع عراقيل جديدة أمام العملية السياسية التي قد يكون حفتر يرى أنه لا موقع له فيها. وهو ما يفسر رد فعل المجلس الرئاسي الليبي الذي يرأسه محمد المنفي (من شرق البلاد) وإصداره بأنه بصفته القائد الأعلى للجيش، قرارا بحظر إعادة تمركز الوحدات العسكرية مهما كانت طبيعة عملها “مطلقا”، أو القيام بأي تحركات لأرتال عسكرية لـ”أي غرض كان”[13].

3- صعوبة إخراج المرتزقة من ليبيا، حيث يشتبك ملف انسحاب المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا مع أبعاد مترامية تجعل مهمته ليست سهلة بالنسبة للحكومة الليبية؛ إزاء حجمها الضخم الذي تُقدّره الأمم المتحدة بـ  20 ألفًا، وآلية خروجها الزمنيّة، وتبعِيّتِها للأطراف الليبية المتنازعة، وارتباطها بقوى إقليمية ودولية قد تجد في بقائها وتغذيتها بالمال والسلاح والعتاد ضمانة؛ لترسيخ مكانتها في مرحلتيّ التسوية وإعادة إعمار البلاد وحصد المكاسب السياسية والاقتصادية المرجوة منهما.

فبالرغم من نص اتفاق وقف إطلاق النار على بند إجلاء المقاتلين و”المرتزقة” الأجانب في مهلة تسعين يومًا منذ توقيعه، ولكنها انتهت بدون مغادرتهم، بينما تشير التقارير الأمميّة الحديثة إلى استمرار وجودهم في مناطق مختلفة من البلاد، وشغلهم بشكلٍ جزئيّ أو كلي لعشر قواعد عسكرية في الساحة الليبية.

بجانب، نفي روسيا صلتها بوجود مرتزقة روس بخاصة مجموعة “فاغنر” في ليبيا بما قد يعرقل مغادرتهم، وإعلان الرئاسة التركية في 5/5/2021 م  _بقاء قواتها في ليبيا، طالما الاتفاق العسكري الذي عقدّته مع حكومة الوفاق الوطني السابقة برئاسة فايز السراج في نوفمبر 2019 م “نافذًا”، وسبق أن قامت تركيا في 22/12/2020 م بتمديد نشر جنودها وخبرائها في ليبيا لمدة 18 شهرًا مردَفين بطائرات مسيّرة ومدربين ومستشارين عسكريين، وسط أجواء جهود الحل السياسي الليبي بما لا يعكس نوايا جادة للخروج من الساحة الليبية[14].

أضف إلى ذلك، تخشى العديد من الدول من عودة المرتزقة الذين يحملون جنسيتها من ليبيا إلى بلادهم الأصلية ما يمثل تهديدًا أمنيًا عليها؛ نظرًا لما تمتلكه هذه المرتزقة من خبرات قتالية وأسلحة وعلاقات دولية. وفى هذا السياق، فقد حذّرت السلطات السودانية من خطورة إعادة «المرتزقة» في ليبيا إلى بلادهم بأسلحتهم، ما يهدّد دول المنطقة، جاء ذلك خلال لقاء بين وزيرة الخارجية السودانية مريم المهدي، ونظيرتها الليبية نجلاء المنقوش، في العاصمة القطرية الدوحة، على هامش اجتماع وزاري عربي طارئ بطلب من مصر والسودان، لبحث تطورات أزمة سد «النهضة» مع إثيوبيا[15].

4- يبدو أن تركيز اجتماعات قمة الناتو المنعقدة فى 14 يونيو الحالى (2021) التي شارك فيها لأول مرة الرئيس الأمريكي جو بايدن على التحدي الاستراتيجي الصيني، جعل ملف إدارة العلاقات الصعبة مع الجارين الروسي والتركي، بما فيها تزايد تواجدهما العسكرى فى ليبيا، يأتي في درجة أقل أهمية[16].

5- لا تزال بعض الدول الأوروبية غير متحمسة لدعم حكومة الدبيبة، ففي الوقت الذى زار أكبر مسؤول (رئيس الوزراء) في إيطاليا واليونان ليبيا اكتفي الرئيس الفرنسى ماكرون بإرسال وزير الخارجية، ودعا رئيس المجلس الانتقالي الليبي لزيارة باريس؛ ربما يمكن تعليل موقف الرئيس الفرنسي من زاويتين: الأولي هي  عدم رضا ماكرون على هذه الحكومة التي لم تأتِ بحليفه رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، والثانية الموقف المعلن من رئيس الحكومة الليبية بعدم التراجع عن الاتفاق الموقع مع تركيا في نوفمبر2019، والإشادة بالعلاقات التركية الليبية وأهميتها؛ مما جعل الرئيس الفرنسي يفضل التعامل المباشر مع رئيس المجلس الانتقالي المنتمي لشرق ليبيا، والذى ربما يكون مفضّلًا لدى ماكرون عن دبيبة، فضلًا عن غموض مصير حفتر في المعادلة الليبية الحالية[17].

6- أن التحركات الأوروبية لا تهدف إلى حل الأزمة الليبية بقدر ما تهدف إلى استعادة جزء من النفوذ المفقود لصالح كلٍ من تركيا وروسيا، وهو النفوذ الذى تراه الدول الأوروبية يمثل ضغط وتهديد مباشر عليها.

فبالنسبة لتركيا، فهناك تعارض للمصالح الأوروبية مع تركيا، حيث أن تركيا لديها ثلاثة أهداف رئيسة من وجودها في ليبيا، تتعارض مع دول فرنسا، وإيطاليا، واليونان كلٌ على حدة في ملف منفرد؛ البداية من التمركز في البحر المتوسط للسيطرة على حركة اللاجئين والهجرة غير الشرعية؛ بغية إمساك ورقة ضغط على الاتحاد الأوروبي مثلها مثل ما يحدث عن بحر إيجة مع اليونان، الفارق هنا أن المتضرر المباشر هي إيطاليا بحكم حدودها البحرية في المتوسط.

والهدف الثاني لتركيا هو التنقيب عن ثروات المتوسط؛ حتى تصبح لاعبًا مؤثرًا في الطاقة في الوقت الذى ترفض اليونان الاتفاق بين تركيا وليبيا كونه يؤثر على مصالحها الاقتصادية في التنقيب على الغاز والنفط، لاسيما في ظل عدم ترسيم الحدود البحرية بين اليونان وليبيا. وتطمح تركيا أيضًا لإيقاف مشروع “إيست ميد” أو الشراكة فيه، وهو ما ترفضه اليونان على إثر توتر العلاقات بينهما وتعارض المصالح واستمرار تركيا التنقيب في البحر المتوسط في المناطق المتنازع عليها دون اللجوء لترسيم الحدود البحرية والعمل على تقاسم الثروات.

أمّا الهدف الثالث لتركيا فيتمثّل في توظيف بقائها في ليبيا لتعزيز وجودها في غرب إفريقيا وفي القارة الإفريقية عمومًا، وهى تعمل على ذلك من قبل الأزمة الليبية عبر أدوات دبلوماسية بعد زيادة عدد سفاراتها في إفريقيا من 12 سفارة عام 2002م إلى 42 سفارة عام 2021م، وارتفاع عدد مجالس التعاون التجاري من 6 إلي 46 منذ تولي حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا عام 2003م وحتى الآن، كما مزجت بين البعد العسكري والتجاري؛ حيث وقعّت صفقةً للتنقيب عن المعادن في حقول بغرب النيجر في يناير 2020م بجوار اتفاقية للتدريب العسكري مع الحكومة النيجرية، فضلًا عن افتتاح قاعدة عسكرية في الصومال عام 2017. من هنا تتعارض مصالح تركيا في غرب إفريقيا مع نفوذ فرنسا وقواعدها العسكرية وخاصة تلك الموجودة في النيجر، ولذلك فموضع قدمٍ لكلٍ من فرنسا وتركيا في ليبيا يُعدُّ أمرًا ضروريًا لحماية مصالحهما في غرب إفريقيا، وهو ما يجعل التنافس بين الدولتين يشتد في ليبيا وينتقل منها إلي غرب إفريقيا أيضًا.

وفيما يتعلق بروسيا، فإنها تسعى للسيطرة على مينائي طبرق ودرنة في شرق ليبيا وربطهما بالقاعدة الروسية في طرطوس السورية، وهو ما يمهد لروسيا الضغط على الاتحاد الاوروبي ومصالحه في المتوسط.

من جانب آخر روسيا لاعب مهم في مسارات الطاقة العالمية، وحتى تضمن استمرار بقائها في المقدمة عملت على وجودها عبر شركاتها النفطية في دول المتوسط فهي موجودة في ليبيا، والعراق، ومصر وغيرها. وبالنسبة للمشهد الليبي وقعّت شركة روسنفت الروسية مع الشركة الوطنية الليبية للنفط اتفاقية عام 2017م لشراء النفط الليبي وفتح مجالات للتعاون، بفرض أن روسنفت وسّعت نشاطها في ليبيا ورغم تصدّر الشركات الأوروبية عقود الامتياز في ليبيا، إلا أن ذلك يخلق مجالًا تنافسيًا ربما يؤثر بالسلب على شركتي توتال وإينى الأوروبيتين وحصصهما المستقبلية.

وهناك تهديدٌ آخر يمكن لروسيا خلقه للأوروبيين عبر إنشائها قواعد عسكرية في ليبيا يتمثل في تركيب أنظمة دفاع جوي في سرت يمكنها استهداف الطائرات لمدى يصل لقاعدة صقلية التابعة لحلف الناتو[18].

7- إدراك تركيا أن المؤتمر يستهدفها بالأساس، فالمؤتمر يأتى بالتزامن مع المبادرة الفرنسية بخصوص إخراج القوات الأجنبية والمقاتلين المرتزقة من ليبيا، حيث اقترحتها فرنسا طبقاً لمجلة بوليتيكو الأمريكية على عدة دول في مقدمتها الولايات المتحدة وتركيا، محددة جدولاً زمنياً سقفه ستة شهور، وعلى ثلاث خطوات أولها سحب القوات التي دعمت بها تركيا حكومة الوفاق، ثم مجموعات فاغنر الروسية، ثم القوات التركية النظامية، لِيَلِيَ كل ذلك توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.

"مؤتمر برلين 2" حول ليبيا .. النجاحات والتحديات

وتعكس هذه المبادرة في حال صحت (حيث لم تؤكدها أو تنفها الجهات الرسمية) رغبة فرنسية في العودة لدور أكثر فعالية في الملف الليبي من جهة، ومناكفة تركيا مرة أخرى من جهة ثانية، رغم أن الفترة الأخيرة شهدت تواصلاً ولقاءات ودية بين الجانبين وتراجعاً في حدة الخطاب المتبادل بينهما.

ويأتى المؤتمر أيضًا بالتزامن مع التطورات الداخلية في ليبيا، حيثُ تواترت في الآونة الأخيرة بعض المؤشرات التي توحي باحتمالات التصعيد من معسكر خليفة حفتر. ولعل أهمها الاستعراض العسكري الذي نظمه الأخيرُ نهايةَ الشهر الفائت (مايو) في بنغازي في ذكرى معركة طرابلس، وإعلانه مؤخراً عن إغلاق الحدود مع الجزائر لتنفيذ عملية عسكرية في الجنوب الليبي لطرد مرتزقة أفارقة كان هو من استقدمهم واستعان بهم في حروبه وحصاره للعاصمة، وكذلك نفيه فتح الطريق الساحلي الذي كان أعلن عنه رئيس حكومة الوحدة الوطنية الدبيبة قبل يومين.

مؤشرات التصعيد هذه تغذيها خلافات ضمنية أو فتور نسبي في العلاقات بين تركيا وروسيا مؤخراً، على هامش الموقف التركي من أزمة أوكرانيا، وكذلك الرسائل التركية الإيجابية تجاه الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) في القمة الأخيرة في بروكسل. وقد حصلت بعض التطورات التي يمكن فهمها كرسائل عتب و/أو ضغط روسية على أنقرة، مثل وقف الرحلات السياحية الروسية إلى الأخيرة بذريعة جائحة كورونا، وحالة التصعيد المتزايدة في الآونة الأخيرة في الشمال السوري من قبل النظام وروسيا وقوات سوريا الديمقراطية التي ما زالت تتمركز في تل رفعت وغيرها بغطاء روسي.

ويزيد من الهواجس التركية أن بعض الأصوات في ليبيا – من ضمنها وزيرة الخارجية – كانت قد طالبت بخروج القوات التركية، قبل أن تصدر توضيحات تنفي الأمر بهذه الصيغة، ما يدفع أنقرة للتحرك تحسباً لأي طارئ.

في المقام الأول، سيكون ثمة تحفظ تركي كبير على التحرك الفرنسي إن صح – والذي عليه بعض الشواهد – خصوصاً وأنه يركز عليها ويبدأ بها في الخطة والجدول الزمني، والأهم أنه يساوي بينها وبين قوات الفاغنر الخاصة الروسية. وتعيد أنقرة التأكيد في كل مرة على أن وجودها في ليبيا قانوني ورسمي ومعلن، حيث أنها أتت إلى ليبيا بناء على دعوة من حكومة الوفاق التي كانت تحظى بالاعتراف الدولي، بعد توقيع مذكرة تفاهم للتعاون العسكري والأمني معها.

وهذا يعني أن مساواتها بالفاغنر أو غيرها إجحاف بحقها لن تقبله، وأن المطالبة بخروج قواتها ليس من حق أي طرف خارجي، وإنما هو ضمن صلاحيات السلطات الليبية فقط، لا سيما بعد تشكيل حكومة لعموم البلاد بعد الانتخابات العامة. إذ أن عدداً من الخبراء كانوا قد أشاروا لعدم امتلاك حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية الحالية صلاحيات تعديل أو إلغاء الاتفاقات والتفاهمات السابقة عليها.

لكن تركيا لا تكتفي بذلك، وإنما تتحوط لأي تطورات عسكرية غير مرغوبة. وكان ذلك في ما يبدو أحد أهم أسباب الزيارة التركية رفيعة المستوى قبيل قمة الناتو، والتي كانت مفاجئة في حينها على صعيد التوقيت، وكذلك في ما خص تركيبة الوفد الذي ضم وزراء الخارجية والدفاع والداخلية ورئيس أركان الجيش إضافة لرئيس جهاز الاستخبارات والناطق باسم الرئاسة ورئيس دائرة الاتصال فيها.

الزيارة التي أتت “بناء على تعليمات الرئيس أردوغان وقبل قمة الناتو”، وقابل خلالها المسؤولون الأتراك نظراءهم الليبيين، ولم تصدر عنها تصريحات رسمية تفصيلية، هدفت في ما يبدو لتأكيد مشروعية وقانونية الوجود التركي في ليبيا من جهة، وكررت الدعم التركي لحكومة الوحدة الوطنية من جهة أخرى، وكذلك رتبت معها الخطوات المطلوبة مستقبلاً لمواجهة السيناريوهات المحتملة وفي مقدمتها التصعيد العسكري من زاوية ثالثة.

كما أن أنقرة تعول على تنسيق أفضل مع الولايات المتحدة في الموضوع الليبي، حيث إنه من الملفات القليلة التي يتوافق فيها البلدان، وتدرك واشنطن أن الدور التركي فيها موازٍ وموازن للدور الروسي الراغب في موطئ قدم راسخ في جنوب المتوسط[19].

 

 

[1] “اختتام مؤتمر برلين 2 حول ليبيا: تشديد على إجراء الانتخابات بموعدها وتقدم بملف المرتزقة”، العربى الجديد، 23/6/2021، الرابط: https://bit.ly/3j6j4wR

[2] “ليبيا… سفير ألمانيا يوضح أسباب دعوة بلاده لمؤتمر “برلين الثاني””، العربى الجديد، 23/6/2021، الرابط: https://bit.ly/3zPUwhn

[3] “هل حمل مؤتمر برلين جديداً لليبيا؟”، العربى الجديد، 24/6/2021، الرابط: https://bit.ly/3h525bB

[4] “تحليل: مؤتمر برلين..زمن الخيارات الصعبة في ليبيا”، دويتش فيلة، 22/6/2021، الرابط: https://bit.ly/3qlhtox

[5] “واشنطن تجري محادثات بشأن رحيل القوات الأجنبية من ليبيا”، إندبندنت عربية، 22/6/2021، الرابط: https://bit.ly/3qzznnH

[6] “التحركات الأوروبية تجاه ليبيا: “الأهداف والنتائج””، منتدى السياسات العربية، 14/6/2021، الرابط: https://bit.ly/3h32xqy

[7] ““مؤتمر برلين 2”.. خطوات إيجابية نحو دعم الاستقرار الليبي”، المرصد المصرى، 23/6/2021، الرابط: https://bit.ly/3wO1m5b

[8] ” الاتحاد الأوروبي يهدد “معرقلي الانتخابات” في ليبيا.. لوّح بعقوبات ثقيلة وطالب بانسحاب المرتزقة”، عربى بوست، 22/6/2021، الرابط: https://bit.ly/3vQOqdl

[9] ” مؤتمر برلين 2.. حضور روسي وإماراتي مقلص وتوصيات فضفاضة”، القدس العربى، 23/6/2021، الرابط: https://bit.ly/3vSEuQL

[10] “إنجاح عملية برلين بشأن ليبيا”، معهد واشنطن لدراسة سياسات الشرق الأدنى، 21/6/2021، الرابط: https://bit.ly/3wSTUWv

[11] “مؤتمر برلين2 وتجاهل دعوة الحكومة الليبية لردع المعرقلين (تحليل)”، الأناضول، 24/6/2021، الرابط: https://bit.ly/3wSYfJ7

[12] ” بتوجيه من الرئيس.. لماذا اتجه رئيس المخابرات المصرية إلى ليبيا في هذا التوقيت؟”، مركز رع للدراسات الاستراتيجية، 17/6/2021، الرابط: https://bit.ly/3j73il9

[13] “تحليل: مؤتمر برلين..زمن الخيارات الصعبة في ليبيا”، مرجع سابق.

[14] “الحكومة الليبية وتحديات ما قبل الاستحقاق الانتخابي”، شؤون عربية، 17/6/2021، الرابط: https://bit.ly/3gRUy0X

[15] “السودان يحذّر من رحيل «المرتزقة» من ليبيا «مسلّحين»”، الأخبار، 17/6/2021، الرابط: https://bit.ly/3d5WEb6

[16] “تحليل: مؤتمر برلين..زمن الخيارات الصعبة في ليبيا”، مرجع سابق.

[17] “التحركات الأوروبية تجاه ليبيا: “الأهداف والنتائج””، منتدى السياسات العربية، 14/6/2021، الرابط: https://bit.ly/3h32xqy

[18] المرجع السابق.

[19] ” تركيا تواجه محاولات تسخين الملف الليبي”، عربى21، 21/6/2021، الرابط: https://bit.ly/3j9mizz

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لماذا يزور رئيس الحكومة الليبية المغرب فى هذا التوقيت؟

  وصل رئيس الحكومة الليبية، عبد الحميد الدبيبة، فى 27 يونيو 2021، إلى العاصمة المغربي…