‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر العلاقات المصرية التركية .. أسباب فتور العلاقات ومآلاتها
مصر - يوليو 5, 2021

العلاقات المصرية التركية .. أسباب فتور العلاقات ومآلاتها

العلاقات المصرية التركية .. أسباب فتور العلاقات ومآلاتها

 

 

العلاقات المصرية التركية في ظل لقاءات التقارب والاستكشاف الجارية منذ شهور، حول تفكيك عدد من الملفات وإعادة تصميم العلاقات الثنائية على أسس من المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة، وأبرز هذه الملفات، تحجيم المعارضة المصرية التي لجأت إلى عدد من البلدان في أعقاب انقلاب 3 يوليو 2013م فرارا بحياتهم وحريتهم من ظلم الجنرالات وكانت تركيا أحد أهم الدول التي استضافت المضطهدين في مصر وضمنت لهم لجوءا سياسيا آمنا حتى اليوم، ويستهدف النظام المصري من التقارب الجاري حاليا مع أنقرة ألا تكون مركزا للإعلام المناهض للنظام العسكري في مصر، ولا ملجأ لقادة المعارضة المصرية الذين يناوئون النظام العسكري في مصر؛ أملا في حصار الفضائيات المعارضة للنظام التي تبث من تركيا وتحجيم أنشطة المعارضة بالخارج حتى تبقى على الهامش بلا تأثير يمكن أن يهدد النظام.

العلاقات المصرية التركية .. أسباب فتور العلاقات ومآلاتها

هناك أيضا الملف الليبي، لا سيما في أعقاب زيارة قام بها وزير الدفاع التركي خلوصي أكار لطرابلس تبعته زيارة مماثلة لرئيس جهاز المخابرات المصري اللواء عباس كامل، بما يتفح المجال أمام تكهنات عودة الصراع على ليببا من جديد. وتضغط القاهرة من أجل تحجيم النفوذ التركي، وتطالب بإجلاء القوات التركية الموجودة في ليبيا، وترى في وجود هذه القوات سببا من أسباب عدم الاستقرار؛ وهو الأمر الذي ترفضه أنقرة، وتؤكد على أن وجود قواتها في طرابلس وجود شرعي بناء على اتفاقات مع الحكومة الليبية، وترد تركيا بأن الحماس المصري ضد القوات التركية ليس بذات القدر مع القوات الأجنبية الأخرى في ليبيا مثل الوجود الروسي والفرنسي وحتى الإماراتي بخلاف الوجود المصري ذاته ودعم القاهرة لحفتر على مدار السنوات الماضية.

العلاقات المصرية التركية .. أسباب فتور العلاقات ومآلاتها

الملف الثالث هو النفط والغاز في منطقة شرق المتوسط، وهو الملف الذي دفع تركيا نحو التقارب مع القاهرة بهدف الوصول إلى اتفاق  ترسيم للحدود البحرية يضمن مصالحها وثرواتها في مقابل الأطماع اليونانية والإسرائيلية، كما يضمن مصالح القاهرة ويمنحها اتفاقا  يضم مناطق واسعة إلى مياهها الاقتصادية بخلاف اتفاقها مع اليونان الذي يضر بمصالح مصر الاقتصادية ويحرمها من مناطق تضم ثروات هائلة من النفط والغاز. ورغم مكاسب القاهرة من اتفاق ترسيم حدودها البحرية مع أنقرة ، لكن نظام السيسي يرهن التقدم في ملف النفط والغاز شرق المتوسط بمدى التجاوب التركي في باقي الملفات بما يمثل امتثالا تركيًا للمطالب المصرية.

هناك أيضا الملف السوري، حيث تنظر القاهرة إلى الوجود التركي في شمال سوريا باعتباره وجودا غير شرعي، في ظل دعمها لنظام الأسد؛ وبالتالي فنظام السيسي يريد على الأقل التوصل إلى صيغة لا تهدد نظام الأسد من الجانب التركي. لكن تركيا ترد بأن الحماس المصري يقتصر فقط على القوات التركية في شمال سوريا ولا يمتد هذا الحماس إلى المطالبة بخروج القوات الروسية التي تحولت إلى قوات احتلال دائم ومستقر، وكذلك الوجود الإيراني والأميركي؛ ونظام السيسي لا يطالب بخروج هذه القوات، بما يعني أن الهدف ليس تحرير سوريا من القوات الأجنبية بقدر ما هو توجه مصري نحو تقليص النفوذ التركي لحساب الوجود الروسي والإيراني الداعم للأسد.

ودائماً ما ترهن القاهرة التقدم في مسار «تطبيع» العلاقات مع أنقرة بـ«الاطمئنان» إلى مراعاة مصالحها من قبل تركيا، ومنها «احترام الخصوصية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتوقف عن رعاية أي عناصر مناهضة ومناوئة للنظام». ويبدو أن نظام السيسي وضع الملف السوري من أجل ابتزاز تركيا حتى تقبل بمطالبه في الملفين الأول والثاني المتعلقين بالمعارضة المصرية والملف الليبي، في مقابل غض الطرف عن الملف السوري الذي يمثل أهمية كبيرة للأمن القومي التركي ضد المنظمات الإرهابية التي تناصب أنقرة العداء مثل حزب العمال الكردستاني وداعش.

 

فتور العلاقات

الحماس الذي كان ملحوظاً خلال الشهور الماضية ومنذ ديسمبر 2020م  بين مصر وتركيا حول التقارب وتطبيع العلاقات لم يدم طويلاً، إذ تابع الجميع مؤخراً فتوراً في تلك المحاولة، بل وتراشقاً إعلامياً كان أكثر حدة من جانب النظام العسكري في مصر ضد تركيا، تجلى بوضوح في هجوم وانتقاد الآلة الإعلامية المصرية لتركيا، مشككين في إمكانية نجاح التقارب مع أنقرة، نظراً لعدم استجابتها لما أسمتها بالمطالب المصرية.

يبرهن على هذا الفتور في العلاقات الوليدة تصريحات وزير الخارجية سامح شكري خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامي عمرو أديب، ببرنامج “الحكاية” المذاع عبر فضائية “MBC مصر”، مساء الجمعة 25 يونيو 2021م، والتي اشتملت على الرسائل التالية:

العلاقات المصرية التركية .. أسباب فتور العلاقات ومآلاتها

  • رهن شكري، مضي بلاده بمسار «تطبيع العلاقات» مع تركيا بإقدامها على «تغيير المنهج» ومراعاة آراء القاهرة بشأن سياسات أنقرة المتصلة بالمصالح المصرية. وقال إن مصر «خلال الحوار الاستكشافي الذي تم وخرج على مستوى نواب الخارجية (مطلع الشهر الماضي) أبدت كل ما لديها من آراء متصلة بالسياسات التركية، وما نتوقعه من تغيير في المنهج حتى يتم تطبيع العلاقات مرة أخرى».
  • نفى وجود موعد محدد حاليا لاستئناف الجلسات الاستكشافية للنظر في العلاقات المصرية التركية. وأكد الاكتفاء بالتمثيل الدبلوماسي القائم حاليا بين الطرفين على مستوى القائم بالأعمال والذي يجري من خلاله الحوار السياسي الطبيعي في نقل الرسائل وإدارة العلاقة، وتوصيل ما يراه الطرفان من وجهة نظر تجاه تطبيع العلاقات بين البلدين. كما نفى توجه وفد مصر إلى أنقرة ردا على زيارة الوفد التركي الذي زار القاهرة في مايو الماضي، موضحا أن ترتيب اللقاء مع نظيره التركي مولود جاويش أوغلو، بشكل ثنائي مباشر، «سيأتي عندما نواصل المراحل الاستكشافية (في الحوار بين البلدين) التي تتم على المستوى دون الوزاري».
  • تطرق شكري إلى وجود قوات تركية في ليبيا، وقال إنها «قوات نظامية وهي المقصودة ببيان (مؤتمر برلين 2) وغيرها من القوات التي تعمل بالأراضي الليبية»، مدعياً أن أنقرة «تحاول أن تضفي شرعية على الوجود في ليبيا، ولكن هذه الشرعية ليست لها محل لأنها تمت وفقاً لاتفاق لحكومة لم يكن لها ولاية بأن تعقد اتفاقيات مرتبطة بسيادة وفقاً لبنود اتفاق (الصخيرات) الذي أتى بهذه الحكومة وحدد نطاق عملها».[[1]]

وكان شكري في مقابلة له على قناة الجزيرة يوم 14 يونيو 2021م على هامش زيارته للدوحة ولقائه بوزير خارجيتها قد أشار إلى أن من أهم قضايا الخلاف التي يتعين حلها خلال المحادثات بين تركيا ومصر، هو الوجود العسكري في ليبيا. وضرورة الانسحاب الكامل لكافة القوات الأجنبية من ليبيا هو مطلب أممي، وأن تركيا ليست مستثناة من ذلك، وأن هذا الوجود التركي قد قطع الطريق أمام فتح صفحة جديدة في العلاقات. في اللقاء ذاته، أوضح شكري أنهم يتوقعون تحقيق الشروط التي نقلوها للجانب التركي كشرط من أجل تحقيق تقارب في العلاقات بين البلدين.

تصريحات شكري تأتي بعد أيام من إفادة إعلاميين في فضائيات المعارضة التي تبث من أنقرة بأن «مسؤولين أتراكاً طالبوهم بـ(التوقف تماماً) عن العمل بالبرامج التي تهاجم النظام في مصر، ليس فقط عبر شاشات الفضائيات ولكن أيضاً «عدم الظهور عبر منصات مواقع التواصل أو (يوتيوب)»، كما أفادت تقارير أن محمد ناصر وحمزة زوبع “مكملين” وهشام عبدالله “الشرق” قد جرى الطلب منهم وقف برامجهم، وأوقف معتز مطر قناته الخاصة على يوتيوب وصفحاته بمواقع التواصل الاجتماعي بناء على طلب من الحكومة التركية. وهي الإجراءات التي تأتي امتثالا لضغوط القاهرة. وكان شكري قد اعتبر خلال لقاء مع برنامج “على مسؤوليتي”، الذي يقدمه  “أحمد موسى” على فضائية “صدى البلد”، مساء السبت 12 يونيو 2021م، أن استمرار القنوات الفضائية المعارضة في تركيا  يجعل الأمر أكثر صعوية فيما يتعلق بعودة العلاقات مع أنقرة. وأضاف شكري أن هذا الملف يحظى بأهمية كبيرة في القاهرة وأنه تم مناقشة الجانب التركي في مثل هذه الأمور التي لا يمكن تجاوزها، ويجب التعامل معها بمصداقية كالابتعاد عما يزعزع أمن مصر أو يهدده، على حد قوله.[[2]]

العلاقات المصرية التركية .. أسباب فتور العلاقات ومآلاتها

وتأتي تصريحات شكري بعد يوم واحد فقط من تصريحات المتحدث باسم الخارجية التركية تانجو بيلجيتش حول رغبة بلاده في تطوير التعاون مع مصر ودول الخليج والمنطقة. وأكد في مؤتمر صحفي مساء الخميس24 يونيو 2021م بمقر الخارجية التركية أن العلاقات التركية – المصرية مهمة جداً لاستقرار وازدهار المنطقة، كما أن مصر أكبر شريك تجاري لتركيا في أفريقيا. وأن أنقرة  تولي أهمية كبرى لعلاقاتها التاريخية والثقافية المشتركة والاتصالات بين الشعبين. وشدد على أن هدف بلاده يتمثل في زيادة نقاط الاتفاق في القضايا الثنائية والإقليمية وتطوير تفاهم مشترك مع مصر.

معنى ذلك أن التودد التركي يقابله استنكاف مصري يصل إلى حد المساومة والابتزاز، فالنظام التركي يستهدف حماية ثرواته ومصالحه الوطنية وأمنه القومي، أما نظام السيسي فلا يعنيه سوى ضمان وجوده وبقائه والخلاص من كل أشكال المعارضة التي تهدده وتفضح سياساته وجرائمه في حق مصر وشعبها، وأن يحظى باعتراف من دولة بحجم تركيا والتي كانت تتمسك حتى وقت قريب بعدم الاعتراف بشرعية الانقلاب الذي دبره السيسي واغتصب بمقتضاه حكم مصر من رئيس مدني منتخب بإرادة الشعب الحرة.

 

أسباب التصعيد المصري

التقارب المصري مع تركيا كانت وراءه دوافع تتعلق بالرد على تهميش القاهرة إقليميا من جانب “إسرائيل واليونان” اللتين دشنتا في يناير 2020م مع قبرص اتفاقا أوليا يمهد الطريق أمام مد خط أنابيب الغاز المعروف باسم “إيست ميد” بطول 1900 كيلومتر لنقل الغاز الطبيعي العربي المنهوب من منطقة شرق البحر المتوسط إلى أوروبا. وهو الاتفاق الذي أغضب القاهرة وقتها ووصفه مراقبون بأنه يقضي على طموح القاهرة بتحول مصر لمركز إقليمي للغاز، ومن ثم نقله إلى أوروبا.

وفي 9 مارس 2021م، وقّعت الحكومات القبرصية واليونانية والإسرائيلية، اتفاقاً مبدئياً لمد أطول وأعمق كابل كهرباء تحت الماء سيقطع قاع البحر المتوسط بتكلفة نحو 900 مليون دولار، ويربط الشبكات الكهربائية للأطراف الثلاثة. وقال وزير الطاقة الإسرائيلي، يوفال شتاينتز، على هامش توقيع الاتفاق في العاصمة القبرصية نيقوسيا، إن المشروع سيوفر مصدراً احتياطياً للكهرباء في أوقات الطوارئ. فيما قالت وزيرة الطاقة القبرصية ناتاسا بيليدس إن المشروع “خطوة حاسمة على طريق إنهاء عزلة الجزيرة على صعيد الطاقة، وبالتالي اعتمادنا على الوقود الثقيل”.

وجاءت موجة التطبيع الإماراتي البحريني السوداني مع إسرائيل لتشكل تهديدا لمكانة مصر الإقليمية وإضعافا لها لا سيما في أعقاب هزيمة دونالد ترامب في الرئاسة الأميركية.

كل هذه العوامل أسهمت في دفع القاهرة نحو تقييم سياستها حتى توصلت تقديرات الأجهزة المخابراتية والأمنية أن التقارب مع أنقرة قد يعيد الرشد إلى حلفاء النظام في تل أبيب وأبو ظبي، لا سيما في ظل الإعلان عن مشروعات مشتركة بين الطرفين تضر بالأمن القومي المصري مثل قناة “بن جوريون” الموازية لقناة السويس، بخلاف مشروعات نقل النفط عن طريق الموانئ الإسرائيلية بدلا من المرور من قناة السويس، وبذلك فإن القاهرة تستهدف تحذير حلفائها بأن إقضاءها وتهميش دورها على هذا النحو قد يدفعا إلى الحضن التركي الذي يبدي تجاوبا كبيرا مع جهود التقارب مع القاهرة.

ورغم هذه المصالح المشتركة للطرفين إلا أنه يمكن عزو التصعيد المصري وتلكؤه في  تطبيع العلاقات مع تركيا إلى عدة أسباب:

  • الأول، أن هناك جهات إقليمية تسعى بكل قوة لإجهاض محاولات التقريب المصري التركي، وأهمها: الإمارات، وإسرائيل، واليونان، فضلاً عن أن هناك جناحا داخل أجهزة السيسي المخابراتية والأمنية لا  يرغب أيضاً في نجاح تلك الجهود. يبرهن على ذلك الزيارات التي قام بها مسئولون أو وفود من هذه الدول  للقاهرة خلال الأسابيع الماضية والتي استهدفت إجهاض محاولات التقارب بين القاهرة وأنقرة في مهدها، وتوقيت وتزامن هذه الزيارات أمر له كثير  من الدلالات والرسائل والمآرب، لا سيما وأن هذه الجهود تسارعت خلال الشهور الماضية في ظل تسريبات تؤكد عزم الطرفين على التوصل لاتفاق حول ترسيم الحدود البحرية قبل نهاية العام الجاري “2021”م.العلاقات المصرية التركية .. أسباب فتور العلاقات ومآلاتها

وكان ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، قد سافر إلى القاهرة والتقى السيسي، في 24 أبريل 2021. وكذلك سافر إلى مصر كل من ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في 1 يونيو 2021، ورئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس، في 21 يونيو، بالإضافة إلى زيارات بعض الوفود الإسرائيلية للقاهرة خلال الفترة الأخيرة في أعقاب وقف العدوان على غزة بدعوى بحث استمرار التهدئة وتبادل الأسرى. لكن تل أبيب تنظر إلى التقارب بين القاهرة وأنقرة نظرة شك وحذر رغم ثقتها الكبيرة في توجهات السيسي وسياساته العدائية لكل ما هو إسلامي.

هذه الجهات بما لها من نفوذ كبير على القاهرة ودعمها الواسع لانقلاب 3 يوليو وتسويقه ودعمه ومساندته ماليا وسياسيا وإعلاميا على المستويين الإقليمي والدولي، تُمارس ضغوطها على نظام السيسي، كي لا يمضي قدماً في التطبيع مع تركيا عبر القنوات الدبلوماسية والسياسية والمخابراتية والإعلامية، وهناك تسريبات تكشف أن «القاهرة قد أبلغت أنقرة مؤخراً ببعض هذه الضغوط، وأنه يجري بحث سبل احتواء تلك الضغوط وتجاوزها». [[3]]

  • الثاني، المقال الذي كتبه ياسين أقطاي، مستشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على صحيفة “يني شفق” التركية والذي دان فيه أحكام الإعدام الباتة بحق 12 من رموز ثورة يناير وجماعة  الإخوان المسلمين. واعتبر تلك الأحكام بالغة الظلم والجور وهروبا من جانب نظام السيسي عن الأزمات الحقيقية التي تواجه مصر وعلى رأسها سد النهضة الإثيوبي.

ورغم الصمت الرسمي التركي على هذه الأحكام وهي التي دأبت على انتقاد مثل هذه الأحكام خلال سنوات ما بعد الانقلاب العسكري، إلا أن الآلة الإعلامية للنظام التي تسيطر عليها أجهزة المخابرات، شنت هجوما حادا على ياسين أقطاي وتركيا بشكل عام، واستغلت دوائر إعلامية تربطها علاقات وثيقة بتل أبيب وأبو ظبي هذه المقال للتحريض على تركيا والتشكيك في جدوى التقارب معها.

  • السبب الثالث، أن نظام السيسي وضع حزمة من الطلبات لإتمام سير التقارب مع أنقرة من بينها: تسليم بعض المعارضين المصريين الذين صدر في حقهم إدانات بأحكام عسكرية (الأمر الذي كانت قد صرحت تركيا أنه خط أحمر ولا يتوافق مع سياساتها الداعمة لحقوق الإنسان). إضافة إلى تحجيم قنوات المعارضة، وثالثا، الكشف عن مصادر تمويل جماعة الإخوان المسلمين وقياداتها الموجودين في إسطنبول. وقد استجابت أنقرة لمطالب تحجيم قنوات المعارضة والتي بدأ بعضها بالفعل في البحث عن بدائل للبث منها بدلا من الإحراج الذي تتسبب فيه هذه الفضائيات للنظام التركي في ظل تقاربه مع نظام السيسي.

وزاد من التراشق المقال الآخر الذي كتبه ياسين أقطاي مؤخرا حول توجهات النظام التركي ومستهدفاته من التقارب مع النظام المصري؛ حيث أشار إلى القوى والعواصم الإقليمية التي ترغب في عرقلة هذا التقارب، مؤكدا أن التقارب مع القاهرة يقوم على أساس الندية وليس الاستسلام والرضوخ، وأنه من المستحيل بكل تأكيد تسليم تركيا اللاجئين السياسيين الذين لاذوا بها. وأن  الرغبة في تسليم طالبي اللجوء السياسي وضحايا الانقلاب العسكري إلى دولة تصدر فيها أحكام الإعدام الجماعية بأكثر الطرق تعسفاً، يعتبر في الواقع رغبة في وأد أي احتمال لتحقيق تقارب صادق في العلاقات مع تركيا.

ووضع أقطاي حدودا لهذا التقارب التركي-المصري، ومنها:[[4]]

أولًا، مسألة الاتفاق على أمر ما لا تعني في الوقت ذاته الاتفاق على كل الأمور. على سبيل المثال، تركيا لديها خلافات مع الولايات المتحدة وروسيا وإيران وإسرائيل في العديد من القضايا، لكنها تحافظ على التواصل معهم حول بعض القضايا الأخرى حسب ما تتطلبه المصالح المشتركة. ولا يوجد مبرر لاستثناء مصر من تلك القاعدة.

ثانياً، النوايا الحسنة التي تبعثها تركيا من إجل إعادة هذه العلاقات ليست إعلاناً عن هزيمة أو استسلام، ولا تتطلب منها التخلي عن السياسات الأخلاقية والإنسانية التي جسدتها حتى الآن.

ثالثاً، تركيا هي الكيان الأجنبي الشرعي الوحيد المتواجد في ليبيا، ولا يمكن لأي دولة أن تشكك في ذلك. ولا تمتلك مصر الحق الكافي للتشكيك في الوجود التركي في ليبيا. لقد فقدت الكثير من ذلك الحق بعد الدعم الذي قدمته لحفتر الذي حاول الانقلاب على الحكومة الشرعية وارتكب جرائم بشعة.

 

مآلات التقارب التركي ــ المصري

في البداية يتعين التمييز بين ثلاثة مستويات من العلاقات بين البلدين:[[5]]

الأول، هو التواصل والحوار وفتح القنوات الدبلوماسية، وهو مسار قائم وأُنجز فيه الكثير. ورغم صمت القاهرة في بداية هذا المسار إلا أنه كان شكلا من أشكال التسويق الداخلي بعد فترة عداء طويلة لأنقرة، وإظهار أن تركيا مأزومة ومتلهفة أكثر للعلاقة، ومن جهة ثانية كورقة تفاوضية، وثالثًا بانتظار تعبير أصرح بخصوص النظام المصري بحيث يمكن تسويقه على أنه اعتراف رسمي به، مع أن الحوارات والتصريحات بـ”الرغبة في فتح صفحة جديدة” تحمل هذا المعنى ضمنًا.

الثاني هو توقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وهو أمر يبقى احتمالًا قائمًا في المدى المنظور. فالمصلحة المشتركة للبلدين واضحة المعالم فيه، إذ إن السردية اليونانية تضرّ بكليهما، في حين أن اتفاقهما كأكبر دولتين على ساحل شرق المتوسط سيعطيهما مساحات أوسع ونفوذًا جيوسياسيًا أكبر. لكن من معيقات توقيع الاتفاق حرص القاهرة على التنسيق مع اليونان، ومراعاة اصطفافاتها وعلاقاتها الإقليمية، ولا سيما أن بعضها لن يرغب في تقاربها مع أنقرة، وكذلك حمل السنوات الثماني الماضية التي صبغت بالاستقطاب الحاد بينهما. ومن ثمّ، فإن التوقيع مرهون بقرار القاهرة تغليب المصلحة على المناكفة والاصطفافات، خاصة أن تركيا كررت مرارًا رغبتها في ذلك، فضلًا عن تصريحاتها الإيجابية المتواترة.

وأما المستوى الثالث فهو حدوث مصالحة كاملة بين البلدين تنقلهما من مربع الصدام إلى مساحة التفاهمات والتعاون وربما أكثر من ذلك. ولا نحتاج إلى جهد كبير للتدليل على أن هذه الخطوة ما زالت بعيدة ومستبعدة ودونها عقبات كثيرة وكبيرة، ليست أقلها حالة التنافس التي تصبغ علاقات البلدين منذ عقود والمشكلة الشخصية بين قيادتي البلدين.

وبينما تسعى أنقرة إلى الانتقال سريعا من المستوى الأول إلى الثاني، أملا في توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية الذي يضمن مصالح الطرفين قبل نهاية العام الجاري، فإن نظام السيسي يتلكأ ويتباطأ ويناكف وصولا إلى ابتزاز أنقرة بإجراءات استفزازية كما جرى في إعدام 17 معتقلا من شيوخ وعناصر جماعة الإخوان في رمضان الماضي (1442هــ2021م) ثم الحكم البات والقطعي بإعدام 17 من رموز ثورة يناير وجماعة الإخوان وعلى رأسهم الدكتور محمد البلتاجي الذي يحظى بمكانة خاصة عند الرئيس التركي، وعلى عكس ما كانت ترجو أنقرة من أن يفضي التقارب مع القاهرة إلى تخفيف حدة الانتهاكات الجسيمة بحق المعارضة والإسلاميين على وجه الخصوص، فإذا بالنظام العسكري بهذه الجرائم يرفع من حدة الانتهاكات بشكل سافر؛ وهو ما يبعث برسالة سلبية للجانب التركي من زاويتين:

  • الأولى أن هذه الأحكام القاسية قد تكون مقصودة من أجل وأد هذا التقارب في مهده، ووضع القيادة التركية أمام اختبار أخلاقي قاس وعنيف. وأن أجنحة داخل النظام المصري كانت تتوقع رد فعل غاضب من أنقرة تفضي إلى تجميد إجراءات التقارب البطيئة.
  • الثاني، قد تكون هذه الأحكام بمثابة اختبار لمدى تخلي القيادة التركية عن المعارضين في مصر والإسلاميين منهم على وجه الخصوص؛ ومدى تجاوبها مع الضغوط المصرية في ظل هذه الأحكام الجائرة. وبالتالي فالهدف من هذه الأحكام هو رسالة أن التقارب وتطبيع العلاقات بين الجانبين ليس معناه تخلي النظام في مصر عن سجله المتخم في انتهاكات حقوق الإنسان والإصرار على قمع الإسلاميين باعتباره ثابتا من ثوابت سياسات نظام السيسي، وعلى تركيا أن تقبل بهذه المعادلة على هذا النحو المستفز.

الخلاصة أن التوتر الجاري في العلاقات لن يعرقل تقدمها، وما جرى من تصريحات لسامح شكري وتجميد زيارة الوفد المصري لتركيا بشكل مؤقت ماهو إلا شكل من أشكال الابتزاز المصري لتركيا، من أجل الضغط عليها للامتثال للمزيد من الضغوط المصرية لا سيما فيما يتعلق بملف المعارضة المصرية،  وضغوط تركيا على إعلاميين معارضين برهان على تواصل إجراءات التقارب، وقد تنجح ضغوط القاهرة في وقف عدد من البرامج وحظر ظهور عدد من الإعلاميين وصولا إلى إغلاق الفضائيات التي تبث من أنقرة؛ أو على الأقل إجبارها على إيجاد بدائل لتركيا للخروج من الورطة التي تتسبب فيها لأنقرة.

وقد ينجح النظام في الضغط على تركيا لتسليم بعض العناصر التي صدرت بحقها أحكام؛ وبالتالي فإن الأفضل لقادة المعارضة المصرية البحث عن بدائل أكثر أمانا، لا سيما وأن نظام السيسي بدأ مرحلة تقارب مع كل الدول التي تحتضن قيادات أو عناصر تابعة للإخوان، حيث يتقارب مع تركيا، ويوطد علاقاته مع قطر، وفي 21 يونيو 2021م استقبل السيسي هشام الدين تون حسين، وزير خارجية ماليزيا، بحضور سامح شكري وزير الخارجية. وهي التحركات التي يقف وراءها جهاز المخابرات العامة لملاحقة أنشطة المعارضة بالخارج والحد من تأثيرها ضد  النظام.

التقارب المصري التركي يحقق لنظام السيسي مكاسب بالجملة، لكن القاهرة تخشى من إغضاب حلفائها المناوئين لهذا التقارب في تل أبيب وأبو ظبي والرياض، وبالتالي فإن القاهرة ترغب في بقاء العلاقات عند المستوى الأول فقط لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب  بتحجيم المعارضة والفضائيات المعارضة، وقد تنفض يدها بعد ذلك دون التوصل إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية الذي تطمح إليه تركيا والمحدد له قبل نهاية هذا العام 2021م، بما يعني خسارة كبيرة لأنقرة التي تراجعت عن بعض قيمها ومبادئها من أجل المصالح وخصمت بتقاربها مع نظام السيسي الكثير من مكانتها في نفوس الملايين، وبذلك تكون قد سقطت ولو نسبيا في اختبار القيم والمبادئ من جهة، ولم تحقق حتى مصالحها التي كانت تطمح إليها من جهة ثانية، فالسيسي معروف بغدره وخيانته ويكفي تجربته مع الرئيس الشهيد محمد مرسي لتكون برهانا على ذلك وضرورة التعامل معه بحذر كبير.

 

[1] القاهرة ترهن التطبيع مع أنقرة بـ«تغيير المنهج».. وزير الخارجية المصري ينفي تحديد موعد لاستئناف المباحثات/ الشرق الأوسط السعودية ــ الأحد 27 يونيو 2021م

[2] شكري عن العلاقات مع تركيا: استمرار قنوات الإخوان يجعل الأمور أكثر صعوبة/ الخليج الجديد ــ السبت 12 يونيو 2021

[3] ضغوط على مصر لإفشال تقاربها مع تركيا.. تأجيل زيارة وفد القاهرة لأنقرة وغموض بموعد استئناف الجلسات/ عربي بوست ــ 26 يونيو 2021م

[4] ياسين أقطاي/تقارب وعلاقات ندية لا استسلام ورضوخ.. حدود التقارب التركي-المصري/ عربي بوست ــ 23 يونيو 2021م

[5] سعيد الحاج/ التقارب التركي-المصري والمعارضة المصرية/ الجزيرة نت ــ 14 مارس 2021م

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

خطاب السيسي في افتتاح مبادرة “حياة كريمة” بإستاد القاهرة .. الرسائل والدلالات

    خطاب السيسي حمل العديد من الرسائل والدلالات، أهم الرسائل هي محاولة ترميم شعب…