‫الرئيسية‬ العالم العربي تونس تونس .. معركة تشكيل المحكمة الدستورية
تونس - يوليو 5, 2021

تونس .. معركة تشكيل المحكمة الدستورية

تونس .. معركة تشكيل المحكمة الدستورية

 

 

تونس تشهد لأكثر من عام، أزمة سياسية متصاعدة، بين الرئاسيات الثلاث، الحكومة والبرلمان والرئاسة، انعكست بشكل كبير على جميع مناحي الحياة التونسية، وساد الغضب جميع أركان المجتمع  التونسي.

بل تشئ التقديرات الاستراتيجية إلى أنه لا يبدو أن الأوضاع في تونس ذاهبة باتجاه التهدئة أو الحل، بعد أن بلغ المشهد السياسي مرحلة من الانسداد غير المسبوق، على خلفية أزمة الثقة ومعركة الصلاحيات الممتدة منذ أكثر من سنة، فكل المؤشّرات تفيد بأن الأيام المقبلة ستشهد مزيداً من التصعيد، سواء في المواقف أو التصريحات، بعد أن توسّعت المعركة لتشمل قطاعات الأمن والدفاع والخارجية والهيئات الدستورية.

أولا: مظاهر الأزمة السياسية

الخلاف حول الصلاحيات الدستورية للرئاسيات الثلاثة

تونس .. معركة تشكيل المحكمة الدستورية

تدور أصل الأزمة في تونس منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حول الخلاف بين الرئاسات الثلاث، والذي يشهد استقطاباً ثنائياً طرفه الأول الرئيس قيس سعيّد، والثاني رئيسا البرلمان راشد الغنوشي والحكومة هشام المشيشي، حول موضوع توزيع الصلاحيات الدستورية بين المؤسسات الثلاث، عبر محاولة كل مؤسسة فرض النظام السياسي الذي يناسب مصالحها وأهدافها.

فالرئيس سعيّد يبدو متمسّكاً بتأويلاته للدستور التي يعارضها خبراء دستوريون وأساتذة قانون كثيرون، ومصرّاً، في الوقت نفسه، على رفض الحوار مع من يصفهم بـ “المتآمرين والمنافقين والفاسدين وذوي النفوس المريضة”، كما أنه لا يُخفي رفضه الصيغة الدستورية الحالية، وعدم اقتناعه بالبرلمان والأحزاب السياسية والنظام السياسي الحالي، فينادي بنظام رئاسي يمسك فيه الرئيس بكل الصلاحيات التنفيذية، ويتراجع فيه دور رئيس الوزراء، ليتحوّل إلى وزير أوّل يقتصر دوره على تنفيذ سياسة الرئيس وتوجيهاته.

في المقابل، يرفض الطرف الآخر الذي يمثله الغنوشي المشيشي التسليم لسعيّد بما يريد، ويتمسّكان بالنظام السياسي الذي أقره دستور عام 2014. الذي حدد شكل النظام بالنظام البرلماني، وحدد صلاحيات الرئيس في التصديق على اختيارات البرلمان وقراراته في اختيار الحكومة والقوانين، وذلك وفق الكاتب التونسي بشار نرش، بمقاله “أي حل لأزمة الثقة في تونس؟” بـ”العربي الجديد”.

عدم التصديق على التعديل الوزاري

تونس .. معركة تشكيل المحكمة الدستورية

ومن ضمن إفرازات الأزمة السياسية في تونس، الخلافات بين “سعيد”، ورئيس الحكومة “هشام المشيشي”؛ بسبب تعديل وزاري أعلنه الأخير في 16 يناير الماضي.

ورغم تصديق البرلمان على التعديل، فإن “سعيد” يرفض دعوة الوزراء الجدد لأداء اليمين الدستورية أمامه، معتبرا أن التعديل شابته “خروقات”، وهو ما يرفضه “المشيشي”.

والإثنين الماضي، أعلن “سعيد” موافقته على إجراء حوار وطني باقتراح من الاتحاد العام للشغل، لكنه وضع شروطا اعتبرت تعجيزية، حيث اشترط أن يكون محور الحوار تعديل الدستور، عبر تغيير النظام السياسي، وتنقيح النظام الانتخابي.

اقحام المؤسسة الأمنية والعسكرية في العملية السياسية

ومؤخرا، أقحم سعيد المؤسسة العسكرية والأمنية في المشهد السياسي، إذ أعلن خلال خطاب تصعيدي، تعيين نفسه بمنصب القائد الأعلى لكل القوات المسلحة في البلاد، وليس العسكرية فقط، كما هو متعارف عليه منذ الاستقلال.

وتوجه الرئيس التونسي بتهديد مباشر في كلمته لنواب وشخصيات نافذة و”متحصنين بعلاقات مصاهرة”، على حد وصفه، قائلاً: “اليوم صبر وغداً أمر”.

وعن أسباب هذا التصعيد، قال القيادي البارز بالحركة، محمد القوماني، لـ”الجزيرة”، مسألة الحريات والديمقراطية مسألة بالغة الأهمية، دفع التونسيون من أجلها تكلفة عالية في النضال ضد الحكم الفردي الاستبدادي، وهناك اليوم تخوفات حقيقية من النزعة التسلطية التي ظهرت لدى الرئيس، خاصة في خطابه الأخير.

وأضاف القوماني أن حركة “النهضة” ترى أن “خطاب الرئيس يمثل منعرجاً خطيراً يهدد الاستقرار السياسي ووحدة الدولة المُؤمّن عليها رئيس الجمهورية بمقتضى الدستور، حيث أبدى سعيد إصراراً على احتكار تأويل الدستور، والنزوع إلى التأويلات الشاذة كما وصفها المشيشي في رده على الخطاب ذاته”.

ويستغل سعيد هذا الاحتكار في تأويل الدستور، بحسب القوماني، لـ”تمديد سلطته إلى ما ليس من صلاحياته. فبعد أن عيّن الشخصية الأقدر لرئاسة الحكومة (المشيشي) حسب مزاجه، ودون أي اعتبار لاقتراحات الأحزاب والكتل الكبيرة في البرلمان، عمد إلى تعيين عدد كبير من الوزراء في حكومة الميشيشي، ولكن حين غيّر الأخير بعضهم غضب الرئيس ورفض التعديل الوزاري وعطله إلى الآن، واليوم يعلن نفسه قائداً على القوات العسكرية والأمنية في محاولة للسطو على صلاحيات رئيس الحكومة”.

كما أن رئيس الدولة يخطو خطوة خطيرة في اتجاه إقحام المؤسسة الأمنية في التجاذبات السياسية وهو يتوعد النواب بصورة واضحة.

تلاعب إماراتي بورقة اليسار

تونس .. معركة تشكيل المحكمة الدستورية

جبهة الانقاذ، التي تكونت الإثنين 28 يونيو، بمشاركة منظمات وجمعيات وأحزاب وشخصيات تونسية – أغلبها يسارية – تتولى الدعوة لإجراء استفتاء شعبي لتغيير النظام السياسي والقانون الانتخابي، وذلك عبر إطلاق عريضة توجه للشعب لجمع التواقيع باعتباره “صاحب السيادة الأصلية”، على نفس طريقة حركة تمرد المصرية في 2013..

يقود هذه المبادرة حزب “حركة مشروع تونس”، لصاحبه محسن مرزوق، فضلًا عن حزب “بني وطني” الذي يقوده سعيد العايدي، وعدة شخصيات،  بينها شوقي الطبيب الرئيس السابق لهيئة مكافحة الفساد وكمال الجندوبي الرئيس السابق لهيئة الانتخابات والصادق بالعيد أستاذ القانون الدستوري والمنجي الحامدي وزير الخارجية السابق ومنظمات، من بينها “ائتلاف صمود” و”الرابطة التونسية للمواطنة” و”المبادرة التونسية من أجل جبهة موحدة لكافة القوى الديمقراطية والمدنية”.

يقول القائمون على هذه الجبهة إن هدفهم الأساسي إصلاح المنظومة السياسية بعد استيفاء كل محاولات الإصلاح من داخل المنظومة سواء عن طريق البرلمان أم ممثلي السلطة التنفيذية، وذلك من أجل إرجاع السلطة للشعب.

ويرى هؤلاء أن النظام السياسي الحاليّ أثبت فشله وخلق أزمات عديدة في مؤسسات الدولة وعطل دواليبها، ومن المنتظر أن تتوزع المبادرة على أكثر من نشاط، منه ما يتعلق بتجهيز عريضة لجمع الإمضاءات بشأن تغيير النظام السياسي، وأخرى تشمل تحركات ميدانية للتعريف بأهمية الذهاب نحو إجراء الاستفتاء.

وبغض النظر عن مدى دستورية الاستفتاء على فصول الدستور التي تحدد النظام السياسي للبلاد، فهذه المبادرة تتماشى مع الأفكار التي يطرحها رئيس الجمهورية قيس سعيد، الذي سبق أن كشف في أكثر من مرة تبنيه فكرة تغيير النظام السياسي والقانون الانتخابي، إلى جانب تنقيح الدستور الذي قال إنه “قام على وضع الأقفال في كل مكان”.

وفق الدستور، فإن النظام السياسي الحاليّ، هو نظام برلماني معدل، يمنح البرلمان صلاحيات واسعة في مراقبة الحكومة واختيار رئيسها، ويوزع السلطة التنفيذية بين رئيس دولة منتخب مباشرة من الشعب، لكنه لا يتمتع بصلاحيات واسعة، ورئيس حكومة منتخب من الأغلبية داخل البرلمان وله أغلب الصلاحيات.

ويسعى سعيد إلى تغيير النظام السياسي من برلماني معدل إلى رئاسي كما كان معمول به في دستور 1959، وذلك للاستحواذ على كل صلاحيات الحكم في تونس والمسك بزمام الأمور، وقد أسر بذلك للأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نورد الدين الطبوبي مؤخرًا.

وبمتابعة تحركات الرئيس وتصريحاته، يظهر أنه طامع في السلطة ومستأثرًا بها، زاهدًا في الثورة التونسية وما أفرزته، حتى إنه لم يحتفل بعيد الثورة مع التونسيين ولا بعيد الاستقلال ولا الجمهورية دون توضيح سبب ذلك.

تعتبر هذه المبادرة التي يقودها سعيد وبعض رفاقه اليساريين، متنفسًا للرئيس سعيد بعد الضغط الكبير الذي تمارسه ضده أحزاب عديدة.

ويعلم حلفاء قيس سعيد، أن الرئيس وحده لن يتمكن من فرض توجهاته وأجنداته التي تخدم مصالحهم في تونس، لذلك كان عليهم أن يتدخلوا ويُعاضدوا مجهوداته الرامية لضرب الثورة التونسية والتشكيك بها مهما كلفهم الأمر، لذلك أوكلوا المهمة لمحسن مرزوق.

وبحسب “نون بوست”، فإن تحالف محسن مرزوق مع الإمارات بعد فشل رهان هذه الأخيرة على الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي الذي كان أذكى منهم وأشد دهاءً، فقد أدار لهم ظهره حتى لا تشهد بلاده إعادة إنتاج المشهد المصري، فاختار التوافق مع حركة النهضة عوض إقصائها وزج قياداتها في السجون كما تسعى الإمارات.

استمرار السجال السياسي حول  المحكمة الدستورية

ويمثل اقرار قانون المحكمة الدستورية أحد المعارك الكبرى التي تشهدها الساحة السياسية في تونس، حيث يعمد الرئيس سعيد لتأخير اقرار قانونها، اذ أنها الجهة الوحيدة القادرة على تحديد صلاحيات سعيد ولجم قراراته، وتسيير الأمور المعطلة بالبلاد، وهو نهج يتبعه الرئيس شعيد لتحميل الحكومة والبرلمان المسئولية عن عدم الانجاز أو تحقيق مطالب المواطنين..

وفي 3 إبريل الماضي، رفض سعيّد التصديق على تعديل قانون المحكمة الدستورية، وردّه إلى البرلمان من أجل قراءة ثانية.

وبرر سعيّد ردّه للقانون-وفق ما يذهب إليه الباحث والصحفي التونسي وليد التليلي، بـ”نون بوست ” بانتهاء مدة انتخاب أعضاء المحكمة، حيث تنص الفقرة الخامسة من الفصل 148 بالدستور، على اختيارهم في أجل أقصاه سنة بعد الانتخابات التشريعية (أجريت في أكتوبر 2019).

والمحكمة الدستورية هيئة قضائية أُقرَّت بموجب دستور 2014، تراقب مشاريع تعديل الدستور، والمعاهدات ومشاريع القوانين، والقوانين، والنظام الداخلي للبرلمان، وتبت في استمرار حالات الطوارئ، والنزاعات المتعلقة باختصاصي الرئاسة والحكومة.

وفي 29 يونيو، أثار إلغاء مكتب البرلمان التونسي، جلسة كانت مقررة للتداول بشأن امتناع الرئيس قيس سعيّد عن اصدار القوانين، وفي مقدّمتها مشروع القانون المتعلق بالمحكمة الدستورية، خلافاً بين من اعتبروا أن الخطوة تتعارض مع المطالب الداخلية والخارجية الخاصة بالمحكمة الدستورية، وآخرين رأوا أن التأجيل جنب البرلمان مشاحنات هو في غنى عنها لا سيما بعد اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس برئيس البرلمان راشد الغنوشي بعد قطيعة دامت حوالي 6 أشهر. وبحسب دوائر سياسية، فإن إلغاء هذه الجلسة جنّب البرلمان مزيداً من المشاحنات مع رئيس الدولة وقطع الطريق أمام جلسة سياسية مشحونة كانت ستخصص لمحاكمة سعيّد بسبب تعطيله إصدار القوانين.

ورجح أن يكون لقاء سعيّد والغنوشي أحد أسباب إلغاء هذه الجلسة، فبالرغم من عدم اتضاح معالمه ونتائجه إلى حد الآن، فإن مجرد لقائهما كان بمثابة إذابةِ الجليد بينهما، ولم يعد الغنوشي مستعدا للعودة إلى نقطة أسوأ من مربع البداية.

وعاد الحديث عن المحكمة الدستورية بقوة هذه الأيام في تونس، في انتظار جلسة مقبلة ، ستحاول استكمال انتخاب ثلاثة أعضاء بأغلبية 145 صوتاً، بعدما رفض سعيّد توقيع التعديل الذي كان يتيح الانتخاب بـ131 صوتاً فقط.

ولكن الجدل الدائر هذه الأيام عن المحكمة الدستورية لا يتعلق بقدرة الكتل أو عدمها على جمع هذه الأصوات، وإنما بالضغط الدولي على تونس لاستكمال المؤسسات الدستورية، وعلى الرغم من أن هذا الموضوع ليس جديداً فقد تمت إثارته من جديد بعد الاجتماع الافتراضي الذي جرى بين رئيس الحكومة التونسية، هشام المشيشي، ونائبة وزير الخارجية الأميركية ويندي شيرمان، الجمعة الماضي.

وخلال اللقاء الافتراضي، أكّد المشيشي حرص حكومته على “دعم الاستقرار السياسي في تونس واستكمال بناء المؤسسات الدستورية والعمل على تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية للتونسيين بمساعدة حلفائها الاستراتيجيين”، مشيراً إلى “رغبة البلدين في بناء علاقات تنمية متكاملة والارتقاء بها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية والمثمرة خدمةً لمصلحة البلدين”.

من جهتها، أكدت نائبة وزير الخارجية الأميركية، في بيان، أن “الولايات المتحدة حليف استراتيجي ومهم لتونس”، وأن بلادها “تعمل على تعزيز علاقات التعاون في مختلف المجالات”.

وأبرزت في هذا الإطار “أهمية تركيز المحكمة الدستورية والعمل على ضمان الاستقرار السياسي وإنجاح المسار الديمقراطي”.

ثانيا : محاولات كسر الجليد

وأمام الشلل الذي يضرب الحياة السياسية والدستورية التونسية، قرر مكتب البرلمان التونسي، يوم 15 يونيو، عقد جلسات عامة في 29 و30 يونيو و1 يوليو، تتناول امتناع الرئيس قيس سعيّد عن التصديق على القوانين، وفي مقدّمتها مشروع القانون المتعلق بالمحكمة الدستورية، والنظر في عدد من مشاريع القوانين.

ووفق تقديرات سياسية، قد تكون هذه الجلسة فرصة للحوار بين مؤسستي البرلمان والرئاسة، أو ستكون حلقة أخرى من حلقات الصراع المستمرة منذ فترة.

خاصة وأن هناك لبساً وسوء فهم بين رئيس الجمهورية والنواب، فبحسب نواب، فإن رئيس الجمهورية حُشر في زاوية أدت إلى توتير العلاقة بينه وبين المجلس، بعد أن عمل بعض النواب على ذلك لأسباب سياسية وتدخلات إقليمية.

كما أن بعض من هُزم في الانتخابات الماضية أو فقد مواقعه بعد حل الحكومة السابقة يحاول العمل على تشويه المجلس ورئاسة المجلس وإحداث قطيعة بين السلطات بتعليلات واهية ومغلوطة.

وكان رئيس الجمهورية أدى القسم في مجلس نواب الشعب في 13 أكتوبر 2019، وبإمكانه زيارة المجلس والجلوس مع النواب في أي وقت، والحوار يبقى مطلوباً، وبإمكانه أيضاً مخاطبة الشعب من خلال المجلس، لكن القطيعة ليست جيدة، كذلك فإن الاستماع بأذن واحدة لن يقود إلى أي حل، بحسب تقديرات حركة النهضة.

فيما تلوح بالأفق مقترحات حول  موعد لهذا اللقاء بتاريخ 25 يوليو الذي يتزامن مع عيد الجمهورية، والذي لم يحضره الرئيس قيس سعيد، العام الماضي، ولم يلبّ دعوة البرلمان، ولم يتمكن المجلس بالتالي من الاحتفال بسبب هذا الرفض..وإلا يكون البديل هو توجيه  سعيد الدعوة إلى 217 نائباً لزيارته دون إقصاء، للتباحث في لمسائل العالقة ، وعلى سعيد عدم الاكتفاء بعدد من النواب يستقبلهم دون سواهم….اذ باتت القناعات السياسية تذهب إلى

أن هناك شبه إجماع اليوم على أن لا حل إلا ببناء حوار بين السلطة التنفيذية والتشريعية، وهو ما سيقدم حلولاً لتونس، ولو اتفقت السلطات الثلاث على إيجاد حل للأزمة، فإن جزءاً كبيراً من المشاكل سينتهي.

وفي اطار سعي السياسيون لكسر جمود الحياة السياسية بتونس، كشف النائب عن حزب “قلب تونس”، محمد السخيري، في تصريح لـ”العربي الجديد” عن أن هناك “مشاورات لكسر الجليد بين الرئاسات الثلاث، وذلك حفاظاً على مؤسسات الدولة”، مؤكداً أن “الهدف بناء تونس جديدة والدفع نحو الحوار الوطني”.

كاشفا عن أن هناك “مساعي من قبل نواب ومن حزب “قلب تونس” لتقريب وجهات النظر والرؤى وبحث هدنة سياسية ووضع مصلحة الشعب التونسي فوق كل اعتبار”، مؤكداً أن هناك “مشاورات لفتح قنوات اتصال مع رئيس الجمهورية والتباحث في المشاكل العالقة، وهناك دفع وتنسيق للذهاب نحو الحوار الوطني”.  وأن هناك لجنة تتكون من نواب سيعملون على كسر العراقيل وبناء أرضية صلبة تمهد للحوار، معتبراً أن هذه المبادرة ستدفع إلى حوار جاد بحسب مواعيد واضحة وبحيث يشمل الحوار الأحزاب كافة.

ثالثا: المعركة القادمة في 8 يوليو حول تشكيل المحكمة الدستورية

ومع تحديد موعد 8 يوليو، جلسة بالبرلمان التونسي لانتخاب 4 أعضاء من أعضء المحكمة الدستورية، تبدو الأزمة قابلة للاشتعال.

حيث أكد النائب عن “حركة الشعب”، ورئيس لجنة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد بالبرلمان، بدر الدين القمودي، في تصريح صحفي، نقلته وكالة الأنباء التونسية،  أنّ “رئيس الجمهورية قيس سعيد لن يصادق على مشروع تنقيح القانون الأساسي للمحكمة الدستورية، لأنه خارج الآجال الدستورية وفق الفصل 148 من الدستور، إلى جانب الإخلالات القانونية والشكلية التي تمت في جلسة البرلمان وفق التدابير الاستثنائية”.

وذهب شقيق الرئيس، نوفل سعيد، إلى التأكيد على أنّ مصادقة البرلمان “لا تعني أنّ القانون أصبح دستورياً”، مشيرا على صفحته الرسمية في “فيسبوك”: “الآجال الدستورية لإحداث المحكمة الدستورية هي آجال آمرة، المحكمة الإدارية حسمت الموضوع منذ 2015، التصويت الثاني على مشروع قانون لا دستوري لا يُصَيِرُه دستوريا،باستعماله حق الرد، رئيس الجمهورية منح مجلس النواب فرصة إضافية لتدارك اللادستورية، ولم يفعل، رئيس الجمهورية يبقى أولا وأخيرا هو الساهر على احترام علوية الدستور، الذي أقسم على احترامه، هذا هو منطق دولة القانون، ما زاد على ذلك يدخل في خانة السرديات السياسية”.

وأشعلت تدوينة شقيق الرئيس والتلميح إلى امتناع سعيد عن المصادقة على القانون غضب الائتلاف الحكومي؛ بسبب ما اعتبره من جهة تدخل العائلة في شؤون الدولة، ومن جهة أخرى تواصل تعطيل دواليب الدولة ومضي الرئيس في خرق قواعد الدستور.

فيما بيّنت النائبة عن حزب “النهضة” زينب البراهمي، أنّ “خيار الرئيس الذهاب إلى صلاحية الرد، وتجاوز آجال الطعن في دستورية القانون أمام الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين، هما إقرار ضمني بدستورية النص”.

وقالت البراهمي، في تدوينة على حسابها في “فيسبوك”، إنه “بعدما منح مجلس نواب الشعب فرصة ثانية لرئيس الجمهورية لتدارك تأويله الخاطئ للدستور، تدخلت اليوم مؤسسة لا دستورية في علاقة السلطة التشريعية برئيس الجمهورية وهي مؤسسة الشقيق”.

وتابعت أنّ “التدخل السافر، أو الاعتداء المتواصل على الدستور من قبل تلك المؤسسة اللادستورية “مؤسسة الشقيق”، كفيل لوحده للتأكيد على ضرورة إرساء المحكمة الدستورية في أقرب الآجال”، وفق الباحث التونسي، بـ”نون بوست”.

رابعا: رؤية المستقبل

ما يحدث في تونس معركة سياسية، أكثر منها دستورية أو قانونية بين رئاسة طامحة إلى نظام رئاسي كامل، وبرلمان متمسّك بنظام شبه برلماني.

وعلى الرغم من أنّ علاقات القوى الحالية لا تشير إلى إمكانية نجاح أيٍّ من طرفي المعركة في الانقلاب على الوضع القائم، فلا الرئيس قادرٌ على فرض النظام الرئاسي أو إنهاء حكومة المشيشي أو حل البرلمان المحكوم بضوابط قانونية مقيدة، ولا البرلمان والحكومة قادران على عزل الرئيس، والاستمرار في الحكم من دون عراقيل ومنغصات، الأمر الذي يعني أن معالم التغيير المنشود في مقاربات (ومنهجية) الحكم والتحكّم بمفاصل النظام والدولة في تونس، لن يكتب لها التغيير، طالما بقي كل طرف يتعامل مع الطرف الآخر في طروحاته وتصريحاته من مبدأ إثبات القوة، لا من منطق التعقل السياسي. لذا يبقى احتمال انتصار طرفٍ على آخر بعيدا، خصوصا في غياب المحكمة الدستورية التي يشهد تشكيلها تجاذبات سياسية حادّة منعت تشكيلها منذ عام 2014.

يمكن القول إن الدعوة التي أطلقها الاتحاد العام للشغل إلى إجراء حوار وطني يمكن البناء عليها، لإنهاء هذه المعركة والأزمة، وربما يكون للوساطة الدولية أو الإقليمية دور فاعل في تحقيق هذا الأمر، حيث تزايد الحديث أخيرا عن إمكانية توسّط فرنسا التي تملك علاقات جيدة مع كل الأطراف في الساحة السياسية التونسية، لتقريب وجهات النظر وإيجاد حلول قد تخرج البلاد من مأزقها، فالجلوس إلى طاولة الحوار وتقديم التنازلات المتبادلة والتعامل مع الخلافات في إطار مؤسساتي، بعيداً عن الشخصنة، وتغليب منطق الحوار يعتبر الأسلوب الأفضل والأنجع لفض هذه الخلافات، في حين أن استمرار التشبث بالمواقف السياسية على حساب المصلحة العامة قد يدفع إلى تعطيل مؤسسات الدولة ومصالحها، وبالتالي تعميق الأزمة واستفحالها، فسياسة الهروب إلى الأمام لن تنتج أي حل، وعلى جميع الأطراف السياسية والاجتماعية تحمّل مسؤولياتها، في ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعيّة المتفاقمة جرّاء انتشار وباء كوفيد – 19 وحركة الإضرابات والاحتجاجات المتلاحقة وغلاء الأسعار وارتفاع نسبة البطالة والتراجع المستمرّ للخدمات العامّة.

فالوصول إلى حل للوضع الراهن وإخراج تونس من أزمتها العميقة يمكن أن يتحقق اليوم بطريقتين، إما بالحوار المفتوح بين كل القوى التونسية بدون شروط مسبقة أو فيتوهات جاهزة، على أن توضع على قائمة أعماله الأولويات الوطنية والأجندات الحقيقية للشعب التونسي، أو من خلال الذهاب إلى استفتاءٍ يخرج تونس من نفق الصراع الدستوري، ويحسم النظام السياسي التونسي والقانون الانتخابي، قبل الذهاب إلى انتخابات مبكرة برلمانية ورئاسية، تعيد إنتاج السلطة التونسية وعلى أسس واضحة وسليمة.

لا يمكن التنبؤ متى تنتهي هذه المعركة، لكن في كل ساعة تأخير ضرر كبير وتأثير سلبي على الشعب التونسي كافة، خصوصا وأن تونس أمام استحقاقات مالية مهمّة تستوجب معها إيجاد أرضية اتفاق ووحدة بين جميع مؤسسات الدولة، بما يساهم في التركيز على الاقتصاد وجلب التمويلات والاستثمارات، واستعادة ثقة المانحين بعيداً عن التجاذب الحزبي والصراع الأيديولوجي.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

انقلاب الرئيس التونسي “قيس سعيد” على الدستور والمسار الديمقرطي .. المواقف والتطورات ومآلات المستقبل

    قبل شهرين من الآن وفي 24 مايو الماضي، كشفت الصحافة التونسية عن  وثيقة مسربة من مك…