‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر انقلاب الجيش 3 يوليو وعلاقته ببنية الدولة وعقيدة المؤسسة العسكرية
مصر - يوليو 6, 2021

انقلاب الجيش 3 يوليو وعلاقته ببنية الدولة وعقيدة المؤسسة العسكرية

انقلاب الجيش 3 يوليو وعلاقته ببنية الدولة وعقيدة المؤسسة العسكرية

 

انقلاب الجيش، هناك تفسيرات كثيرة تناولت أسباب ودوافع المؤسسة العسكرية المصرية التي جعلتها تتورط في انقلاب 3 يوليو 2013 م وما تلاه من مذابح جماعية بالغة الإجرام والتوحش، وإجهاض المسار الديمقراطي الوليد، وقمع الشعب بالحديد والنار على النحو المؤلم الذي عايشناه ولا زلنا نعاينه، إضافة إلى عمليات التجريف والتزييف والتلاعب بهوية الشعب ومعتقداته وصولا إلى التحولات الكبرى في عقيدة الجيش القتالية التي تم رصدها والبرهنة عليها بكثير من الأدلة والشواهد.

المعادلة الصفرية

التفسير الأول، يرى أن هذه الممارسات الشاذة والإجرامية من جانب ما تسمى بأجهزة الدولة وتورط الجيش في الانقلاب وما تلاه من مذابح وحماية هذا النظام الاستبدادي، إنما يبرهن على تبني النظام لــ«المعادلة الصفرية» التي تستخدمها  أجهزة الدولة مع المجتمع، والتي تقوم على مبدأ “إما نحن وإما هم”، وهي معادلة وإن ظهرت تمثلاتها العارية المتوحشة منذ انقلاب 3 يوليو ٢٠١٣ إلا أنها تعود بجذورها إلى بدايات الحكم العسكري لمصر منذ أوائل الخمسينيات من القرن الماضي.

انقلاب الجيش 3 يوليو وعلاقته ببنية الدولة وعقيدة المؤسسة العسكرية

وبل ولربما أكثر قبل ذلك بحوالي 150 عاما، وتحديدا منذ تولي محمد علي السلطة في مصر، ذلك أن منطق الدولة المصرية “الحديثة” بالطريقة التي أنشأها بها محمد علي هو في تضاد بنيوي مع المجتمع وقواه وممثليه.[[1]] وهو منطق يقوم على رفض أي شكل من أشكال التمثيل الشعبي، سواء أكان سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا انطلاقا من كونه يمثل خطرا على الدولة ذاتها، أو بالأحرى على مصالح من يحكمونها ويسيطرون عليها.

ووفقا لهذا التفسير فإن الصراع الحقيقي لم يكن مع جماعة الإخوان المسلمين بالأساس، وإنما مع فكرة التمثيل المجتمعي والشعبي الذي كان يكرهه بعض أعضاء ما كان يسمى “مجلس قيادة الثورة”، فقد قرر عبد الناصر في يناير 1953 إلغاء كافة أشكال الحياة النيابية والتمثيلية، خاصة الأحزاب السياسية، قبل أن يقوم بحظر جماعة الإخوان المسلمين بعدها بشهور.

معنى هذا وفقا لهذا التفسير، فإن إحدى المهام الأساسية لهذه الدولة “العسكرية” هي تفكيك أي تكوينات أو تنظيمات أو حركات قد تمثل قطاعات شعبية معينة، ويتحول الأمر إلى حرب شاملة أمنية واقتصادية واجتماعية إذا تجرأت أي من هذه القوى ودخلت المجال السياسي منافسا للجيش الذي تحول إلى حزب سياسي يحتكر كل شيء في البلاد.

فالدولة المصرية على النحو الذي كرسه محمد علي في بدايات القرن التاسع عشر، تكره التمثيل الشعبي، وتعتبره خطرا وجوديا عليها وعلى مصالح حكامها ومن يدور في فلكهم من الحاشية وحواشيهم، وأنها إذا سمحت به يجب أن يكون ذلك ضمن شروط معينة وتحت سقف محدد بحيث يصبح تجاوزه ولو دون قصد، كأنه إعلان حرب على الدولة يحتم عليها خوضها وكسبها وكسر عظام من تجرأ على كسر هذه المعادلة، ليس انتقاما منه فحسب، وإنما ردع لكل من يفكر في تقليده.

يبرهن على ذلك أن نظام السيسي لم يشن حربه على الإخوان وحدهم، وإن كان لهم النصيب الأكبر من القمع والبطش لأن وزنهم النسبي مقارنة بغيرهم من التنظيمات الاجتماعية أكبر، وقد كشفت التجربة الديمقراطية القصيرة في أعقاب ثورة يناير أنهم الفصيل الشعبي الأكبر والأكثر تنظيما والقادر على تهديد سلطات النظام الذي تقوده الأجهزة وعلى رأسها المؤسسة  العسكرية التي تعتبر رأس الحربة في تشكيلات الدولة العميقة.  وقد امتدت الحرب السلطوية على كافة التنيظمات السياسية التي عارضت الانقلاب، بل وامتدت إلى مجموعات الأولتراس كأهلاوي ونايت وايتس لدورهم الملموس في ثورة يناير والإطاحة بحكم مبارك؛ وجرى حل هذه المجموعات واعتقال قادتها والزج بهم في غياهب السجون بتهم ملفقة، نفس الأمر جرى مع حركة شباب 6 أبريل والاشتراكيين الثوريين الذي جرى التنكيل بهم والزج بقادتها في السجون والمعتقلات.

انقلاب الجيش 3 يوليو وعلاقته ببنية الدولة وعقيدة المؤسسة العسكرية

وخلال عهدي السادات ومبارك استخدمت الدولة آليات وإستراتيجيات متنوعة من أجل ضمان استمرار هذه المعادلة الصفرية وضمان عدم الخروج عليها، وفي كل مرة حاولت فيها الجماعة كسر هذه المعادلة والخروج عن قواعد اللعبة أو السقف المحدد لها من قبل هذه الدولة السلطوية كان يتم قمعها ومحاولة تحطيمها وكسرها ومحاولة استئصالها، واعتمد الأمر على رؤية وإستراتيجية كل نظام في هذا الصدد ومدى شرعيته ودعمه الشعبي إن وجد أصلا.

كانت حرب عبدالناصر على الإخوان ضمن سياق هذه المعادلة، فقد كان من الصعب مثلا لعبد الناصر أن يبني شرعيته دون أن يقوم بتحطيم جماعة الإخوان، ذلك أن جزءا أصيلا من شرعيته ينطلق من نفي شرعية الجماعة، قبل نفيها من الوجود، وذلك وفق منطق المعادلة الصفرية، وفي هذه الحالة حسب شعار “إما أنا أو المرشد”.

وهو نفس الأمر الذي يفعله نظام السيسي منذ انقلابه في 3 يوليو 2013، ولكن مع فارق مهم هو أن السيسي ليس في صراع وجود فقط مع الجماعة، وإنما أيضا مع كل ما ومن يتصل بثورة يناير التي يعتبرها بوضوح أنها حالة تمرد من المجتمع على الدولة يجب عدم تكراره مهما كان الثمن، وهو ما يقوله في أحاديثه المتكررة التي لا يعبأ فيها أن يحمّل الثورة كل مشاكل البلاد ويعلق فشله ومشاكله عليها.[[2]]

لهذه الأسباب لا يتوقف إعلام السيسي ونظامه عن تشويه الثورة وشيطنة من قاموا بها، والتخويف من تكرارها، فثورة يناير كانت محاولة جريئة لكسر المعادلة الصفرية بين الدولة والمجتمع الذي حاول من خلال قواه الحية وشرائحه الفاعلة انتزاع حق الوجود والتمثيل من الدولة المصرية.  كذلك، لا يمكن فهم منطق التنكيل والإذلال المتعمد الذي تمارسه الدولة بكافة أجهزتها ومؤسساتها وشخوصها ضد آلاف المعتقلين السياسيين -خاصة الشباب- إلا ضمن هذا السياق، فالدولة تحاول قتل ووأد أي تفكير جريء في تكرار الخروج عليها مرة أخرى، خاصة من جيل الشباب.[[3]]

يرتبط بهذا التفسير في معرفة دوافع المؤسسة العسكرية لتدبير هذا الانقلاب الدموي وما تلاه من مذابح وبطش غير مسبوق، ما ذكره المفكر والمؤرخ الكبير جمال حمدان، قبل 7 عقود حين لخّص العلاقة بين الحاكم والمحكوم في مصر بهذه الفقرة البليغة لغة ومضمونا “وهكذا بقدر ما كانت مصر تقليديا، من البداية إلى النهاية، شعبا غير محارب في الخارج، كانت مجتمعا مدنيا يحكمه العسكريون كأمر عادي في الداخل، وبالتالي كانت وظيفة الجيش الحكم أكثر من الحرب، ووظيفة الشعب التبعية أكثر من الحكم.

وفي ظل هذا الوضع الشاذ المقلوب، كثيرا ما كان الحكم الغاصب يحل مشكلة الأخطار الخارجية والغزو بالحل السياسي، وأخطار الحكم الداخلية بالحل العسكري؛ أي إنه كان يمارس الحل السياسي مع الأعداء والغزاة في الخارج، والحل العسكري مع الشعب في الداخل، فكانت دولة الطغيان عامة استسلامية أمام الغزاة، بوليسية على الشعب”.[[4]]  وموقف السيسي الذي قاد انقلابا وحشيا دمويا من سد النهضة الإثيوبي خير برهان على ذلك.

البعد الدولي والإقليمي

التفسير الثاني، يركز على الأبعاد الدولية والإقليمية والدور الوظيفي للنظام في مصر؛ فالجيش يعطي لديمومة علاقاته مع الولايات المتحدة الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي أولوية مطلقة على تأسيس علاقة ثقة متبادلة وقوية مع الشعب المصري، حتى بات كبار القادة بالمؤسسة العسكرية  يرون في تطوير العلاقة مع “إسرائيل” وتعزيز التحالف معها في جميع الملفات السياسية والاقتصادية ، وحماية المصالح الأمريكية في مصر والمنطقة بات من ثوابت الأمن القومي المصري.

وبالتالي فإن تصورات السيسي وغيره من كبار الجنرالات تقوم على اعتبار أن أي تحولات سياسية أو اجتماعية  تحدث في مصر تفضي إلى زعزعة هذه العلاقة، أو تضعفها، هي في حد ذاتها تمثل تهديدا للأمن القومي المصري؛ وعليه فإن السيسي وكبار الجنرالات تعاملوا مع ثورة يناير وإقامة نظام ديمقراطي في مصر باعتباره مسارا  شاذا بالغ الخطورة يهدد الأمن القومي المصري؛ بمقدار ما يهدد العلاقة مع إسرائيل وأمريكا.

هذا التطابق في الرؤى والتصورات  بين كبار قادة الجيش في مصر مع رؤى وتصورات “إسرائيل” والولايات المتحدة الأمريكية، إنما يمثل انعكاسا لمدى الاختراق  الأمريكي الإسرائيلي للصفوف العليا في الجيش المصري منذ اتفاقية «كامب ديفيد» 1979م، حيث يتلقى الجيش مساعدات عسكرية من وشنطن قدرها “1.3” مليار دولار سنويا، كما يتلقى معظم القادة الكبار في الجيش دورات تدريبة ومحاضرات في الولايات المتحدة منذ ثلاثة عقود ليس فقط للتعرف على أفكارهم وتوجهاتهم بل لتشكيل عقليتهم بما يضمن حماية المصالح الأمريكية في مصر والمنطقة؛ وهو ما أسفر عن هذا الاختراق الواسع.

فقد أدركت واشنطن أن السيطرة على الجيش تساوى السيطرة على مصر؛ وبالتالي فإن حماية المصالح الأمريكية في مصر تتم بشكل مباشر من خلال التحالف الوثيق مع الجيش وهي العلاقة التي لا يمكن معها  استبعاد تجنيد أمريكا لقادة كبار بالجيش لحساب أجندتها التي ترى في حماية إسرائيل أولوية مطلقة وبوصلة السياسات الأمريكية في مصر والمنطقة. وعليه يمكن تفسير أسباب  ثبات المساعدات الأمريكية للجيش منذ  اتفاقية كامب ديفيد بينما تم تخفيض المساعدات المدنية المقدمة للشعب من 800 مليون دولار إلى 250 فقط وهناك مقترح بالكونجرس لخفضها 50 مليون دولار أخرى بأن هذه المساعدات ما هي إلا رشوة للجيش في مقابل هذا الدور الوظيفي وحماية المصالح الأميركية والإسرائيلية في مصر والمنطقة.

كما رآت ممالك الخليج في نجاح تجربة مصر الثورية والديمقراطية خطرا يهدد عروش المستبدين؛ فتمالأت وخططت ومولت هذه الجريمة ثم ساندت نظام 3 يوليو بمليارات الدولارات حتى يثبت أركانه ويبقى.

البعد الاقتصادي

انقلاب الجيش 3 يوليو وعلاقته ببنية الدولة وعقيدة المؤسسة العسكرية

التفسير الثالث، يركز على البعد الاقتصادي، ويذهب إلى أن الجيش ما تورط على هذا النحو في الانقلاب والجرائم التي تلته إلا من أجل حماية ببيزنس المؤسسة العسكرية، سواء فيما يتعلق بسرية موازنة الجيش التي تكتب رقما واحدا في الموازنة العامة للدولة دون أي مراقبة من أي جهة، أو بالنسبة لشركات الجيش ومشروعاته والتي تقدر بين (40 إلى 60%) من جملة الاقتصاد المصري، وهي المشروعات التي تجاوزت حدود الاقتصاد الموجه لخدمة وحدات الجيش في أوقات السلم والحرب والتي لا اعتراض عليها مطلقا ما دامت تعزز من قدرة المؤسسة العسكرية على توفير احتياجاتها، لتتحول إلى إمبراطورية مترامية الأطراف وتحولت إلى أكبر محتكر في كثير من قطاعات الاقتصاد المدنية وامتدت بنفوذها إلى السيطرة المطلقة على معظم  أوجه النشاط التجاري والاقتصادي.

وقد رأى الجنرالات أن الثورة والمسار الديمقراطي يمثلان تهديدا مباشرا لهذه الأمبراطورية، وقد أكد اللواء محمود نصر، مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية، في  مؤتمر صحفي عقد يوم 27 مارس 2012م، عن هذه المخاوف مشددا بعبارات تهديد  «أموال الجيش ليست من أموال الدولة ولن نسمح للدولة بالتدخل فيها؛ لأنها ستخربها وسنقاتل دفاعاً عن مشروعاتنا، وهذه معركة لن نتركها، والعرق الذي ظللنا 30 سنة لن نتركه لأحد آخر يدمره، ولن نسمح لغيرنا أياً كان بالاقتراب من مشروعات القوات المسلحة».

وبتحليل مضامين هذه التصريحات فإنها تؤكد على حقيقية كارثية؛ فالجيش يتعامل بمنطق الفوقية وأنه مؤسسة فوق جميع مؤسسات الدولة بل فوق الدولة ذاتها أو بمعنى آخر أكثر وضوحا فإن الجيش يرى نفسه الدولة. وقد أراد الجيش طول الفترة الانتقالية بعد الإطاحة بمبارك أن يؤكد على هذه الفوقية الاستعلائية وأن تبقى ميزانيته وشركاته ومشروعاته مستقلة عن الدولة دون السماح لأي جهة بمراقبة هذه الأموال الهائلة وتلك الإمبراطورية المترامية الأطراف.

من أجل حماية هذا البيزنس الضخم كان الجيش هو من يقف وراء “وثيقة  السلمي” التي طرحها الدكتور علي السلمي في أكتوبر 2011م، وهي الوثيقة التي أسهم  الثوار وعلى رأسهم الإخوان المسلمون في إسقاطها، وهو ما بعث برسالة واضحة إلى الجيش أن الإسلاميين لن يقبلوا بهذه الفوقية والاستقلال المالي عن مؤسسات الدولة التي يجب أن تخضع جميعا لرقابة مؤسسات الدولة المنتخبة اتساقا مع المعايير الصحيحة لمفهوم الدولة من جهة واتساقا مع رغبة جميع الثوار في تأسيس نظام حكم رشيد يخضع لسيادة الشعب ومؤسسات المنتخبة  في كل شيء من جهة ثانية.

الهوية والديمقراطية

انقلاب الجيش 3 يوليو وعلاقته ببنية الدولة وعقيدة المؤسسة العسكرية

التفسير الرابع، يركز على بعد الهوية الإسلامية والحرب الدولية التي تشنها قوى عالمية ضد الإسلام تحت لافتة الحرب على الإرهاب، بهدف تحجيم الانتشار الواسع للإسلام والحيلولة دون إقامة أي نظام ديمقراطي بنهكة إسلامية في المنطقة وخصوصا مصر، فهذا من الخطوط الحمراء التي وضعتها قوى دولية ذات النفوذ الواسع على القاهرة ونظامها السياسي، ترى في وجود نظام ديمقراطي إسلامي في مصر خطرا يهدد المصالح الأميركية وبالتالي يقوض المعادلة القائمة ويهدم الدور الوظيفي للنظام في مصر والذي يتولى الجيش حمايته وحراسته.

معنى ذلك أن الانقلاب العسكري استهدف في المقام الأول الحيلولة دون إقامة نظام إسلامي بأداة ديمقراطية في مصر، حتى لو كان ذلك بإرادة الشعب الحرة. ويمكن البرهنة على ذلك بالشواهد والأدلة الآتية:

  • أولا، الحرب التي يشنها السيسي تستهدف في المقام الأول الإسلاميين فقد جرى الانقلاب على رئيس إسلامي والزج به في السجن بتهم ملفقة ثم الانتقام منه ووضعه في زنزانة انفرادية محروما من زيارة أسرته والعلاج الذي يلزمه وحتى محاميه، ثم جرى قتل الآلاف من أنصاره والزج بعشرات الآلاف في السجون والمعتقلات بتهم ملفقة ثم مصادرة أموالهم وشركاتهم على نحو يخالف كل الشرائع والأديان ولم يحدث في تاريخ مصر كله.
  • اعتراف السيسي نفسه بأنه ما دبر هذا الانقلاب إلا من أجل إجهاض المشروع الإسلامي، ففي أول حوار صحفي للسيسي مع الواشنطن بوست، بعد مرور شهر واحد على انقلابه العسكري، أكد للصحفية (ليلي ويموث) أنه ما قدم إلى الحكم إلا لإجهاض المشروع الإسلامي الذي أراده الرئيس “محمد مرسي”، حيث قال نصا: “لو كان الانقلاب عليه لفشله، كنا صبرنا عليه لانتهاء مدته، ولكنه أراد إحياء المشروع الإسلامي والخلافة”.

وبعد عام كامل من هذا الحوار، وفي لقاء له مع فضائية “العربية” ذات التوجه العلماني قال نصا: “لن يكون في مصر قيادات دينية ولن أسمح بذلك، فأنا المسئول عن الأخلاق والقيم والمبادئ”، ثم أكمل قائلا: “والدين أيضا”، وهنا قاطعته المذيعة متسائلة: “والدين أيضا؟!”، فأكد السيسي فكرته: “وعن الدين أيضا”. لكن السيسي عاد في 2017 م أكثر صراحة ووضوحا في تعامله مع الإسلام، حين صرح لشبكة “فوكس نيوز” الأمريكية (المعروفة بتوجهاتها المتطرفة): أنه لا مكان للدين في الحياة السياسية بعهده.[[5]]  فالسيسي لا يؤمن بالعلمانية المحايدة التي تقف موقفا وسطا من جميع الأديان؛ بل يرى في الأديان تابعا للسلطة توظفه لخدمة أهدافها كيفما تشاء.

  • امتدت هذه الحرب إلى الهوية الإسلامية؛ حيث يجري منذ سنوات أكبر انقلاب على هذه الهوية؛ من أجل تشكيل أجيال جديدة لا تستمد قيمها من الإسلام ولا تجري في دمائها أصول العروبة وشموخها، مع الإخلال بهذه التركيبة من أجل دمج الكيان الصهيوني لتتحول العلاقة مع الاحتلال من عدو إلى صديق في إطار تشكيل ما يسمى بالشرق الاوسط الكبير؛ وذلك بعد أن تمكن جنرالات العسكر من تغيير العقيدة القتالية للجيش ليكون العدو هو من يرفض دمج “إسرائيل” في التركيبة الإقليمية برعاية أمريكية خالصة.

وكان «مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي»[[6]] قد أصدر في 28 يناير 2019م، دراسة أعدها الباحثان عوفر فنتور وأساف شيلوح، بعنوان «هوية مصر في عهد السيسي: السمات المميزة للإنسان المصري الجديد»، تناولت فيها مظاهر ومآلات الحملة الواسعة التي يشنها نظام زعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي من أجل إعادة صياغة الهوية الوطنية لمصر؛ من خلال السعي أولا  لتقليص مركّبها الإسلامي والعربي، وثانيا احتواء سماتها الثورية، وثالثا العمل على بناء جيل مصري جديد يكون أكثر استعداداً للاصطفاف حول الأجندة التي يفرضها النظام، إلى جانب أنها ترمي رابعا إلى تحسين صورة النظام في الخارج.

وفي يوليو 2018 كلف زعيم الانقلاب القوات المسلحة بتنبي ما أسماه بمشروع “الهوية المصرية”[[7]]وذلك لأن عقيدة الجيش المصري تغيرت بالفعل وفقا لتصورات السيسي وأركان نظامه، فبات الإسلاميون والثوار هم “الآخر العدو” وأضحت “إسرائيل” هي الصديق الذي يتعين دمجه والتقرب منه والعمل على ضمان أمنه واستقراره بتوثيق العلاقات والتحالفات العسكرية والاقتصادية والسياسية!

  • شرع النظام في الحرب على الهوية الإسلامية بشكل سافر، فبعد حرق مسجد رابعة العدوية واقتحام مسجد الفتح برمسيس والقائد إبراهيم في الإسكندرية والنور بالعباسية، برهن السيسي عمليا على حربه على الإسلام عندما أجرى الجيش المصري مناورات تدريبية يوم الأربعاء 20 يوليو 2016م خلال حفل تخرج دفعة جديدة من طلبة الكلية الجوية، وكانت الصدمة المدوية أن التدريب الأساسي لهؤلاء الطلاب المتخرجين حديثا من القوات الجوية  هو استهداف مجسم لمسجد بكامل تفاصيله!

وحين أبدى المسلمون استياءهم من هذه “الإهانة الصادمة” لم يكترث رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي وقادة الجيش الذين كانوا شهودا على الجريمة؛ ولم يقدم نظام الانقلاب ولا المؤسسة العسكرية المصرية اعتذارا عن هذه الإساءة وتلك الجريمة حتى اليوم.

  • وفي سبتمبر 2020م، شن السيسي أكبر حملة لهدم المساجد في مصر بدعوى أنها بنيت بالمخالفة للقانون، وتداولت الفضائيات والمواقع والتواصل الاجتماعي آلاف الصور للمساجد المصرية المهدمة والمآذن المحطمة وقد اعترف السيسي بهدم 35 مسجدا بخلاف 77 آخرين تنتظر الهدم، ومن دواعي الأسف أن عناصر الهيئة الهندسية التابعة للجيش والتي تشرف على مشروع محور المحمودية هي التي تولت هدم وتدمير بيوت الله بكل جرأة ووقاحة.[[8]]  وجاءت هذه الجريمة رغم أن السيسي نفسه كلف حكومته بسن قانون رقم 80 لسنة 2016، وتشكيل لجنة رئيسية لتقنين أوضاع الكنائس والتي تم تشكيلها في يناير 2017م رغم أنها أيضا بنيت بالمخالفة للقانون.!

 

الخوف من المحاكمة

انقلاب الجيش 3 يوليو وعلاقته ببنية الدولة وعقيدة المؤسسة العسكرية

التفسير الرابع، الخوف من المحاكمة على الجرائم التي ارتكبها الجيش والشرطة خلال ثورة يناير والمرحلة الانتقالية؛ وقد أشار الرئيس الشهيد محمد مرسي، خلال إحدى جلسات محاكمته الصورية أمام قضاء النظام العسكري، إلى تقرير لجنة تقصي الحقائق الثانية التي تشكلت بقرار رئاسي من مرسي في يوليو 2012م، والتي قدمت تقريرها في 31 ديسمبر 2012م،

مؤكدا خلال مرافعته للدفاع عن نفسه أمام محكمة جنايات القاهرة، باقتضاب أنه تلقى معلومات ضمن تقرير لجنة تقصي الحقائق الثانية عن أحداث الثورة، تفيد بـ”دخول أفراد من جهة سيادية كان يترأسها السيسي (المخابرات الحربية) إلى فنادق مطلة على ميدان التحرير واستئجارهم غرفاً باستخدام بطاقات التعريف الرسمية لهم، وبحوزتهم أسلحة”، مشيراً إلى أنه “لم يأمر بالقبض على هذا القائد ليسمح للنيابة العامة بالتحقيق في هذه المعلومات، وحتى يحافظ على المؤسسة العسكرية”.

تضمن التقرير  شهادة مدير أمن فندق “سميراميس إنتركونتننتال”، المطل على ميدان التحرير، وكذلك مدير فندق “هيلتون رمسيس”، اللذين أكدا على صحة هذه المعلومات.حاولت اللجنة التحقيق في الواقعة، إلا أنها لم تتلق ردوداً من الاستخبارات الحربية بشأنها، ولا بشأن وقائع أخرى كانت تتطلب توضيحاً من هذه الجهة أيضاً.

ودعا هذا الغموض اللجنة إلى التوصية صراحة بالتحقيق في هذه الواقعة، إذ كان من المفترض، وفقاً لتعليمات مرسي آنذاك، أن تجري التحقيقات بمعرفة النيابة العامة، أو أن تحال الواقعة إلى القضاء العسكري لمباشرة اختصاصاته، نظراً لأن الضباط المشتركين في الواقعة ينتمون للمؤسسة العسكرية. كما تضمن التقرير توثيق شهادات نحو 120 من شهود الوقائع الدامية يوم جمعة الغضب ما تلاها، والتي اتفقت على “وقوف بعض القناصة على أسطح مجمع التحرير وفندق رمسيس هيلتون ومبنى الجامعة الأميركية وديوان وزارة الداخلية، وأطلقوا النيران على أشخاص من المتظاهرين”.

واستدلت اللجنة أيضاً بالتقارير الطبية التي أفادت بأن “الوفاة جاءت غالباً من أعيرة نارية وطلقات خرطوش في الرأس والرقبة والصدر”. أما الحقيقة الأخرى التي ثبتت في تحقيقات اللجنة الثانية، فهي أن الاستخبارات الحربية كانت الجهاز الوحيد الفاعل في محيط ميدان التحرير، عقب انهيار الشرطة، وقد صاحب نزول عناصرها إلى محيط الميدان، قرار مبارك بنزول القوات المسلّحة إلى الشوارع لتأمينها. وانتهى التقرير إلى التأكيد على دور الجيش في قنص الثوار.[[9]] لكن هذه التقرير  اختفى تماما بعد انقلاب 30 يونيو في تأكيد على أن الانقلاب إنما يستهدف حماية أركان الدولة العميقة والمتورطين في جرائم مرحلة الثورة.

خلاصة الأمر،  كل هذه التفسيرات تبقى صحيحة لفهم دوافع الجيش للتورط في جريمة الانقلاب وما تلاه من جرائم ضد الإنسانية، هي إذا تفسيرات تتكامل لفهم ما جرى من كل الجوانب والأبعاد ولا ينقض بعضها بعضا، فالجيش تورط لأنه تحول إلى حزب سياسي يوظف كل مؤسسات الدولة لخدمة قياداته وجنرالاته الذين يتمتعون بكل الامتيازات فيزدادون كل يوم غنى وثراء وتزداد مصر بهم فقرا وتخلفا.

الانقلاب إنما استهدف إضعاف مناعة الشعب ضد الظلم والاستبداد  حتى يخضع للدولة بمفهومها السلطوي الشمولي؛ معنى ذلك أنه جرى  ــ عبر الانقلاب  وأدوات البطش ـ إكراه المجتمع حتى يذعن لمفهوم الدولة المفترسة والمتوحشة والتي تمردت فيها الأجهزة (الدولة العميقة الموازية) حتى تحولت إلى تشكيل عصابي أو مافيا تتحكم فعليا في مفاصل الدولة من وراء ستار، لكنها بالانقلاب انتقلت من دائرة الدولة العميقة المتسترة إلى دائرة الدولة المفترسة المتوحشة.

من أهم مكاسب تجربة (الثورة والانقلاب) هو حجم الوعي الكبير بطبيعة المعادلة القائمة في مصر محليا وإقليميا، وأن القرارات العليا داخل الجيش المصري مختطفة لحساب حفنة قليلة من الجنرالات المتحكمين في مفاصل المؤسسة العسكرية والذين ينعمون بامتيازات واسعة ويحققون من وراء هذه الامتيازات ثروات طائلة، وباختطاف المؤسسة العسكرية وتوظيفها لحساب هؤلاء الجنرالات تم اختطاف مصر كلها بناء على مركزية وضع المؤسسة العسكرية في نظام الحكم المصري منذ تأسيس الدولة الحديثة على يد محمد علي في بدايات القرن التاسع عشر وتكرست بانقلاب 23 يوليو 1952م؛ حيث بات كبار القادة يتعاملون مع مصر باعتبارها إقطاعية عسكرية خالصة لهم من دون الشعب.

وعبر اتفاقية كامب ديفيد 1979م، جرت تحولات ضخمة داخل المؤسسة العسكرية؛ وتمكن الأمريكان عبر المساعدات العسكرية من بسط نفوذهم بشكل واسع داخل الصفوف العليا للجيش، وترتب على ذلك تحويل الجيش إلى مؤسسة ربحية استثمارية، وانشغل كبار قادته بأمور البيزنس والصفقات حتى كون الجيش إمبراطورية اقتصادية ضخمة مترامية الأطراف.

وعبر نفوذهم الواسع تمكن الأمريكان من استخدام الجيش في الإجهاز على ثورة يناير وإجهاض المسار الديمقراطي عبر التخطيط لانقلاب 3 يوليو. الذي أراد به الأمريكان حماية مصالحهم وخاصة أمن الكيان الصهيوني، وأراد به كبار الجنرالات حماية نفوذهم السياسي وحماية إمبراطوريتهم الاقتصادية. وبالتالي فإن حكم السيسي يمثل في جوهرة احتلالا بالوكالة لخدمة الأجندة الأمريكية والإسرائيلية وحماية مصالح كبار الجنرالات.

ومن أجل تحرير مصر واستقلال قرارها الوطني يجب أولا تحرير الجيش من الوصاية المفروضة عليه من كبار القادة والجنرالات التابعين لواشنطن وتل أبيب. وإذا تحرر الجيش من هذه الوصاية تحررت مصر من التبعية وتخلصت من احتلال الوكالة، واستقل قرارها الوطني.

 

 

 

[1]  بتصرف ….. خليل العناني/ المعادلة الصفرية للدولة المصرية/ الجزيرة نت ــ 4 أبريل 2021م

[2] بتصرف ….. خليل العناني/ المعادلة الصفرية للدولة المصرية/ الجزيرة نت ــ 4 أبريل 2021م

[3] خليل العناني/ المعادلة الصفرية للدولة المصرية/ الجزيرة نت ــ 4 أبريل 2021م

[4] خليل العناني/ مصر الحائرة بين “النهر” و”القصر”/ الجزيرة نت ــ 19 أبريل 2021م

[5] شرين عرفة/ ماذا بينك وبين الإسلام يا سيسي؟!/ مدونات الجزيرة 28 نوفمبر 2018

[6] صالح النعامي/ دراسة إسرائيلية: السيسي يعيد صياغة الهوية المصرية لتمكين نظامه/ العربي الجديد ــ 28 يناير 2019

[7] محمد البنهاوي/ مؤتمر الشباب 2018| السيسي يكلف القوات المسلحة بتبني «الهوية المصرية»/ أخبار اليوم ــ السبت، 28 يوليه 2018

[8] هدم العشرات.. ماذا بين السيسي والمساجد؟/ الجزيرة نت 20 مارس 2019

[9] “تقصي الحقائق” يؤكد دور المخابرات الحربية بقتل ثوار يناير/العربي الجديد 20 يناير 2015// إيفان هيل ومحمد منصور/ الجارديان: جيش مصر ساهم في التعذيب والقتل خلال الثورة/ نشرته الجارديان بتاريخ 10 أبريل 2013.. انظر  دويتش ويللا الألمانية 12 أبريل 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

خطاب السيسي في افتتاح مبادرة “حياة كريمة” بإستاد القاهرة .. الرسائل والدلالات

    خطاب السيسي حمل العديد من الرسائل والدلالات، أهم الرسائل هي محاولة ترميم شعب…