‫الرئيسية‬ إفريقيا شبكة الصراعات في القرن الإفريقي وتأثيرها على أمن المنطقة
إفريقيا - يوليو 12, 2021

شبكة الصراعات في القرن الإفريقي وتأثيرها على أمن المنطقة

شبكة الصراعات في القرن الإفريقي وتأثيرها على أمن المنطقة

 

 

تشهد البيئة الإقليمية لـ القرن الإفريقي تحديات استراتيجية في طور التشكيل، سواء فيما يتعلق بالتفاعلات الداخلية لدوله، أو فيما يتعلق بالتفاعلات البينية فيما بينها، أو ما يتصل بالتدافع الإقليمي والدولي للدول الكبرى التي تسعى إلى إيجاد موطئ قدم لها هناك.

ويأتي ذلك في أوج الاحتقان الإثيوبي المصري السوداني بسبب سد النهضة، وحالة الاستقطاب الحادة التي تقوم بها الاطراف المتنازعة لكسب دول وقوي في المنطقة إلي جانبها، والتوجس المُشبع بسوء النية بين جيبوتي وإرتيريا من ناحية أخرى، والخلاف الكيني الصومالي والسوداني الإثيوبي بسبب النزاع حول الحدود، والحرب الداخلية في إثيوبيا بين الحكومة المركزية وإقليم جبهة التيجراي والتي ألقت بآثارها السلبية علي كل دول الجوار الإثيوبي، وفتحت الباب علي مصراعيه أمام التدخلات والتنافسات الخارجية، إلي جانب صراع النفوذ المتصاعد بين القوي الدولية والإقليمية علي المنطقة من ناحية ثالثة.

كل هذا جعل مثَّل تهديدًا لاستقرار منطقة القرن الإفريقي. فما هو تفصيل تلك الصراعات؟ وكيف يُمكن قراءة تأثيرها على مستقبل أمن المنطقة؟ تلك هي التساؤلات التي سنسعى للإجابة عليها خلال تلك الورقة..

 

أولًا: إثيوبيا:

شبكة الصراعات في القرن الإفريقي وتأثيرها على أمن المنطقة

جاء التأثير الإثيوبي كواحد من إفرازات العلاقات المُعقدة في القرن الإفريقي، والتي تتسم بوجود منافسات عميقة الجذور في تاريخ العلاقات بين إريتريا وإثيوبيا والصومال وجيبوتي في منطقة يمزقها الصراع؛ اشتُهرت على مدى عقود بالحرب الأهلية والصراعات وضعف التنمية الاقتصادية.

وكانت كلٌّ من إريتريا وإثيوبيا في حالة حرب لسنوات، كذلك تشترك إثيوبيا والصومال أيضًا في تاريخ من المواجهات العنيفة، كذلك إريتريا وجيبوتي، لكن قيام رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بزيارته التاريخية لإريتريا في يناير 2018، والتي أنهت حالة الصراع بين البلدين.

وأدت إلي تحولات وديناميكية جديدة في المنطقة، تبعتها الثورة في السودان، وأسهمت وساطة إثيوبيا في انجاز التوافق بين الفرقاء مما أتاح لإثيوبيا تعزيز ذلك التأثير.

بالنظر إلى طبيعة الخلافات التاريخية والمتجذرة بين البلدين فإنه من الصعوبة بمكان إقامة سلام وتعاون دائم في غضون ثلاثة أشهر بضغوط خارجية لأن الخلاف الإثيوبي الإريتري أكبر وأعمق من النزاع الحدودي حول مثلث بادمي الذي بُني عليه السلام، ولكن الدوافع والطموحات الشخصية لرئيس الوزراء الإثيوبي الجديد آبي أحمد وسعيه للزعامة الإقليمية وتحقيق شعار تصفير الصراعات.

وبالمقابل وبدهائه المعروف تغاضي الرئيس الإريتري أسياسي أفورقي عن إثارة جذور الخلافات التاريخية وقبل تكتيكيًا بالمصالحة لتحقيق جملة من الأهداف الاستراتيجية أهمها رفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة منذ العام 1998، والتسلل للعودة إلي الحظيرة الدولية، والحصول علي مثلت بادمي الحدودي المتنازع عليه والمملوك لجبهة التيجراي، العدو اللدود لأفورقي والذي خطط لاحقًا وتحالف مع آبي أحمد للقضاء عليه، ومن ثمَّ تنفيذ استحقاق الاتفاق بوضع يده علي مثلث التيجراي.

ظنًا من الحليفين بأن مسألة حسم التيجراي لن تأخذ وقتًا طويلًا، ولكن المقاومة العسكرية للتيجراي وخبراتهم السياسية التراكمية إقليميًا ودوليًا قلبت الطاولة عليهما، بحيث أصبح هذا الصراع مصدر قلق وتهديد إقليمي ودولي، مما وضعهم تحت ضغط مستمر وعقوبات بدأت رمزية، وكان من المُتوقع تصعيدها.[1]

هذا وتعيد المعارك التي اندلعت مؤخرًا في إقليم تيجراي، وادِّعاء قيادة الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي تحقيق انتصارات كبيرة، وقبلها الطريقة التي أُجريت بها الانتخابات العامة في البلاد، التي استُثنى منها إقليمان وغُيِّب عمدًا في السجون لمنع مشاركتهم فيها قادة بارزون من الأرومو أكبر قومية في البلاد، تعيد إلى الأذهان التحديات الداخلية الوجودية التي تواجه الدولة الإثيوبية.

الأمر الذي ذهب بالكثير من التوقعات إلى أن تلقى إثيوبيا مصير يوغسلافيا التي انقسمت إلى 7 دول في تسعينات القرن الماضي. حيث بدأت التخوفات أو التنبؤات بتفكك إثيوبيا بعد فترة قصيرة من اختيار الجبهة الحاكمة آبي أحمد رئيسًا للوزراء في أبريل 2018 وظهور رغبته في إنهاء الفيدرالية وبناء دولة مركزية مكانها.

وصارت هذه المخاوف أكبر والتنبؤات أكثر واقعية عندما شنَّ حربه على إقليم تيجراي في نوفمبر 2020؛ مُستعينًا بقوات إريترية وأخرى أمهرية، وبروز مواجهات إثنية في مناطق متفرقة من البلاد. ولم يكتفِ حكام إثيوبيا بشن حرب على بعض مواطنيهم على أساس إثني، بل دخلوا في نزاعات خطيرة مع بعض جيرانهم. بسبب تعنتهم وتصريحاتهم الاستفزازية تحوَّل الخلاف حول سد النهضة إلى مهدد للأمن والاستقرار الإقليميين.

وكان آخر تلك التصريحات في تفصيل السبب المنطقي لفرار قوات آبي أحمد من ميكيلي، أشار رئيس الوزراء إلى قضايا أكثر إلحاحًا بما في ذلك سد النهضة والضغوط الاقتصادية كدوافع أساسية، وأشار إلى أن هناك ضغوطًا خارجية تهدف إلى إخراج السد عن مساره.[2]

كما تنصَّلت إثيوبيا أيضًا من إقرار سابق لها بخط غوين الذي رسم الحدود بينها وبين السودان بغرض مساومة السودان لاحقًا على منطقة الفشقة لكن التحرك العسكري السوداني السريع باسترداد معظم أراضي تلك المنطقة أربك حساباتها.[3]

 

ثانيًا: السودان:

شبكة الصراعات في القرن الإفريقي وتأثيرها على أمن المنطقة

حقق السودان خطوات مهمة في المرحلة الانتقالية الراهنة وإن لم ترتق لتوقعات سابقة قبل شهور؛ رغم ما شهده السودان من بوادر اضطرابات شعبية في منتصف يونيو الماضي على خلفية الحلول الاقتصادية المؤلمة التي تلجأ لها حكومة عبد الله حمدوك، ولمَّحت مؤخرًا للتراجع عن بعضها.

ورغم ما يبدو من مسارين من التنافس المكتوم لتصورات رئيس مجلس السيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو “حميدتي”، لاسيما في ملف التطوير المؤسساتي للقوات المسلحة السودانية، وموقف قوات الدعم السريع بقيادة دقلو، وأدوارهما المستقبلية في ما بعد المرحلة الانتقالية.

خاصةً وأن المادة 34 بالفصل 11 من الوثيقة الدستورية (أغسطس 2019) تنص على أن القوات المسلحة وقوات الدعم السريع مؤسسة عسكرية وطنية حامية لوحدة الوطن ولسيادته تتبع للقائد العام للقوات المسلحة وخاضعة للسلطة السيادية. في نص يواجه منذ بدايته تحديات كثيرة ورفض مبطن من قِبل دقلو بتسليم قواته للمؤسسة العسكرية، وما يعنيه ذلك من تفكيك شخصنة فكرة قوات الدعم ودمجها في عملية التحول المؤسساتي التي تشهدها القوات المسلحة السودانية.

ويُمكن هنا تبين الخلاف بين البرهان وحميدتي –نظريًا- من جهة أن البرهان يتصرف كرجل دولة ناجح في توطيد صلات بلاده بمصر –مثلًا- على نحو غير مسبوق، وتبنِّي خطاب دولي متوازن حتى في مسألة حساسة مثل ملف التطبيع مع الكيان الصهيوني، ومسألة العلاقات مع إثيوبيا حيث قدَّم البرهان صورة رجل الدولة السوداني الذي يتعامل بندية تامة مع رئيس الوزراء الإثيوبي.

في المقابل لعب حميدتي أدوارًا تنطلق من طبيعة قيادته التاريخية لقوات الدعم السريع سواء في الملفات الداخلية في غربي السودان (مسألة الأمن في دارفور وتمكنه من تفادي تصعيدها في الأسابيع الأخيرة)، أو في ملفات خارجية مثل معالجة الأزمة في تشاد، والتقارب مع تركيا (التي زارها برفقة وفد حكومي وبدعوة رسمية من الحكومة التركية لمقابلة نائب الرئيس التركي نهاية مايو الماضي) حيث غلب على هذا الدور استكشاف آفاق علاقات جديدة للسودان مع أطراف مختلفة.

ورغم تكهنات بوجود خلافات عميقة بين الرجلين، فإنه لا يمكن تصور وصول هذه الخلافات (في الرؤى في المقام الأول) لمرحلة انقلاب أحدهما على الآخر، بالنظر إلى عدة عوامل أبرزها: أنهما شركاء منذ اللحظات الأولى لعزل عمر البشير في استقرار السودان، وأن أي إقصاء لأيً منهما غير ممكن واقعيًا بالنظر إلى شبكة الدعم التي يتحصل كل منهما عليها وتمثل قاعدة شعبية لا يستهان بها،

كما أن حجم تقسيم العمل بينهما في الملفات الداخلية والإقليمية وإلى حد ما الدولية يشير إلى رابطة ضرورية لتجاوز المرحلة الانتقالية الحالية واستمرار التوازن المهم، والحرج في واقع الأمر على ضوء الاضطرابات الاقتصادية والسياسية الكامنة في الداخل السوداني، بين أدوار المؤسسات العسكرية والأمنية والسيادية من جهة، وأدوار المكونات المدنية، واحتمالات إعادة ظهور قوة التيارات الإسلامية على الساحة السودانية بمجرد الإعلان عن مواعيد الاستحقاقات الدستورية المؤسسة لمؤسسات ما بعد المرحلة الانتقالية.[4]

وفي المحصلة فإن العلاقة بين البرهان وحميدتي ربما تشهد درجة من التوتر بسبب تباين التصورات أو الخطوات في مسائل معينة، لكن طبيعة المرحلة الانتقالية والتزامات السودان الإقليمية والدولية (في العلاقات مع بعض الأطراف العربية، ومسار تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة تحديدًا) لا تتيح أية مساحة أمام خلاف مفتوح بين البرهان وحميدتي، بل وتجعل الخلاف قاصر على إعادة هيكلة بعض الولاءات سواء داخل القوات المسلحة السودانية، أو المكونات العسكرية شبه النظامية، أو في القوى السياسية القائمة حاليًا أو الكامنة التي تنتظر الاستحقاقات السودانية إما لاستغلالها من قِبل القوى العسكرية والأمنية الحالية أو لفرض قواعد عمل جديدة مع مكونات مدنية.

 

وهكذا؛ فإن الخلاف بين إثيوبيا ومصر من ناحية والسودان من ناحية أخرى وأسلوب تعاطي إثيوبيا مع هذا الخلاف ولخلافها مع السودان حول منطقة الفشقة، ورغبتها المعلنة -وهي الدولة الحبيسة- في بناء أسطول حربي لفت انتباه الدولتين إلى خطورة سياسات حكام إثيوبيا الحاليين التي تهدف إلى تغيير الوضع الجيوسياسي في المنطقة على حسابهما. ولا يُمكن النظر لما يجري داخل إثيوبيا خارج السياق الإقليمي فحكام إثيوبيا يصعِّدون مع جيرانهم بغرض هزيمة خصومهم المحليين ويصعِّدون ضد هؤلاء الخصوم باستخدام المشكلات الإقليمية التي افتعلوها، مما يضع مستقبل وحدة بلادهم وشعوبها في خطر كبير.

 

ثالثًا: الصومال:

شبكة الصراعات في القرن الإفريقي وتأثيرها على أمن المنطقة

تشهد الساحة الصومالية تصاعد في نشاط حركة شباب المجاهدين، التي كثَّفت من نشاطها في الآونة الأخيرة، مع سحب إثيوبيا بعض قواتها المساندة للحكومة الصومالية في مواجهة حركة الشباب، بسبب أزمتها في إقليم التيجراي. وكذلك فإن الانقسامات السياسية والاختلاف على الانتخابات البرلمانية والرئاسية الصومالية وفَّرت فرصة للحركة يمكن استثمارها.

ومن ثمَّ يوفر تراجع الدعم الإقليمي والدولي للصومال، مع اقتراب انسحاب بعثة “أمصيوم”، بالإضافة إلى التحديات السياسية الداخلية والإقليمية، واستمرار الدعم المقدم للحركة، فرصة لاستمرار بقائها كمهدد وجودي للدولة، ولحالة الأمن الإقليمي في المنطقة. ويمثِّل نشاط حركة الشباب الصومالية تهديدًا ليس فقط للدولة الصومالية وإنما لمنطقة القرن الإفريقي والبحر الاحمر برمتها.

خاصةً مع سيطرة التنظيم على موانئ صومالية تقع على البحر الأحمر، واحتمالية إقامة شبكة دعم لوجستي بالتعاون مع جماعة الحوثيين باليمن، مما يهدد حركة الملاحة الدولية، ويهدد المصالح الاستراتيجية للدول التي لديها قواعد لوجستية وعسكرية في المنطقة.[5]

 

رابعًا: النزاع الصومالي الكيني:

شبكة الصراعات في القرن الإفريقي وتأثيرها على أمن المنطقة

ترجع جور الخلاف إلى عام 1960، حينما نالت الصومال استقلالها، بعدما مزقها المستعمر إلى ثلاثة أجراء، فكان هناك الصومال البريطاني والصومال الفرنسي والصومال الإيطالي. شطرا الصومال، تحت الاستعمار البريطاني والإيطالي، نال استقلالهما تباعًا في منتصف عام 1960، وكونا بلدًا واحدة هي جمهورية الصومال الفيدرالية، أما الصومال الفرنسي فظل حبيس الاحتلال حتى نال استقلاله عام 1977، لتتكون دولةً جديدةً اسمها “جيبوتي”.

وبعد ثلاث سنوات، استقلت كينيا عن الاستعمار البريطاني في ديسمبر عام 1963، لتولد من تلك اللحظة الخلافات بين كينيا والصومال بشأن الحدود البحرية بينهما، والتي تحوي حقولًا للنفط. ومسألة الحدود البحرية بين البلدين تفاقمت بصورة كبيرة بدءًا من عام 2009، حينما رفض البرلمان الصومالي التصديق على مذكرة تفاهم تم التوصل لها بين قادة البلدين لحل الخلاف وديًا.

وفي عام 2014، اتجهت الصومال صوب محكمة العدل الدولية لتفصل في النزاع الحدود بين البلدين، وهي خطوة رفضت كينيا الاعتداد بها، واعتبرت المحكمة غير مختصة للنظر في ذلك الأمر، بيد أن الأخيرة أصدرت حكمًا في عام 2016 بأحقيتها في نظر القضية. وخلال السنوات الخمس الماضية اكتسب النزاع الحدودي بين البلدين الجارين الكثير من التعقيد، خاصةً بعد دخول شركات النفط الأجنبية كطرف مؤثر في النزاع، وبعد إخفاق العديد من الوساطات الإقليمية لتسويته عبر توافق القيادة السياسية للبلدين.[6]

وتخشى كينيا أن يؤدي فوز الصومال بالقضية المتعلقة بالحدود البحرية إلى إثارة النزاع على الحدود البرية من جديد في منطقة شمال شرق كينيا، التي يقطنها المكون الصومالي، والتي شهدت ظهور حركات انفصالية مدعومة من مقديشيو، كذلك تخشى كينيا أن تسفر خسارتها للقضية المنظورة أمام محكمة العدل الدولية عن خسارة كافة الحقوق في التنقيب في الجرف القاري، بما يعني اضطرارها للتوافق مع جارتيها الصومال وتنزانيا بشأن الاستغلال الاقتصادي لمنطقة الجرف القاري في المحيط الهندي، الأمر الذي دفع الطرف الكيني إلى تفضيل الحلول السياسية القائمة على المفاوضات المباشرة مع الصومال.[7] ورغم وساطة الأطراف الإقليمية مثل إثيوبيا مُمثلة في آبي أحمد، والدولية مُمثلة في الولايات المتحدة؛ إلا أن تلك الأطراف لم تنجح في التوفيق بينهما.

وكانت كينيا تعوِّل كينيا كثيرًا على نفوذها السياسي في الإقليم عمومًا وفي الصومال خصوصًا، التي تعاني جملة من المشاكل الداخلية نتيجة ضعف الدولة الفدرالية، ويتمثل هذا النفوذ في عدة نقاط.

أولها؛ القوة الكينية المشاركة في قوات أميصوم لحفظ السلام، والتي تتمركز بشكل رئيسي في ولاية جوبالاند المتاخمة لحدودها، وتمارس نفوذًا سياسيًا في تلك الولاية.

وثانيها؛ التحالف الاستراتيجي مع دول الإقليم، حيث ترتبط كينيا بعلاقات استراتيجية مع دولتي إثيوبيا وأوغندا اللتان تلعبان دورًا رئيسيًا في السياسة الصومالية.

وثالثها؛ إيواء مكاتب الهيئات والسفارات الأجنبية في الصومال، حيث تُعد نيروبي مركزًا لمعظم الهيئات والسفارات الأجنبية العاملة بالصومال، بسبب الظروف الأمنية بالعاصمة مقديشو، وبهذا تظل كينيا مؤثرة في المشهد السياسي الصومالي.

ورابعها؛ وجود عدد من السياسيين الصوماليين الذين يحملون الجنسية الكينية.

وخامسها؛ ملف اللاجئين الصوماليين في كينيا، فهناك قرابة نصف مليون لاجئ صومالي في مخيمات داخل كينيا يمثلون حجر زاوية في السياسة الاقتصادية الكينية، فهي تحصل على الدعم الأممي وهيئات حقوق الإنسان من أجل ذلك، وفي الوقت نفسه يُعد الملف ورقة ضغط كينية لابتزاز الصوماليين وإعادتهم إلى بلادهم للضغط على الحكومة الصومالية.

وعلى الجانب الآخر؛ تمتلك الصومال العديد من الأوراق المهمة، والتي قد تلعب دورًا حاسمًا في ترجيح الكفة لصالحها.

أولها؛ قوة الوثائق والمستندات التي قدَّمها النائب العام الصومالي إلى محكمة العدل الدولية، والتي تستند إلى القانون الدولي للبحار. وثانيها؛ تجارة القات التي تدر أموالًا بملايين الدولارات على كينيا من المستهلكين الصوماليين. وثالثها؛ مكاتب الهيئات الأممية وسفارات الدول الأجنبية الخاصة بالصومال في نيروبي، وكذلك عشرات المؤتمرات المتعلقة بالصومال التي تستضيفها نيروبي وتُعد مصدرًا مهمًا من مصادر الدخل لدى كينيا.

ورابعها؛ القوة الكينية المشاركة في بعثة أميصوم تُعد عاملاً اقتصاديًا إلى جانب كونها ذراعًا سياسيًا للحكومة الكينية، تساعدها على تنفيذ أجندتها الاقتصادية في ولاية جوبالاند الصومالية، ولكونها تتمركز في مواقع حيوية داخل العاصمة مقديشو كالمطار ومقرات الدولة الرئيسية، إضافة إلى الدعم الدولي في برنامج مكافحة الإرهاب، وإيقاف نشاط هذه القوة داخل الصومال سيكون له بالغ الأثر على الاقتصاد الكيني.

وخامسها؛ سوق إسلي الذي يُعد أكبر سوق تجارية في نيروبي يسيطر عليه الصوماليون، ويطلق عليه “مقديشو الصغيرة” تعبيرًا عن هيمنة الصوماليين عليه، قد يتأثر بتدهور العلاقات بين البلدين إذا تطور الأمر لصراع قومي.[8]

 

خامسًا: التنافس الإقليمي والدولي على المنطقة:

شبكة الصراعات في القرن الإفريقي وتأثيرها على أمن المنطقة

أحاطت بالتحالف الإثيوبي الإريتري الكثير من التكهنات والافتراضات والتي ربطته بفاعلين خارجيين. يهدفون إلي عزل جيبوتي من ناحية ويترجمون رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة الصين والعمل على عرقلتها في المنطقة، من ناحية أخري  ومن بين هؤلاء الفاعلين الخارجيين الإمارات العربية المتحدة الغاضبة من إفشال جيبوتي جانبًا من مشروع الإمارات للسيطرة علي الموانئ في القرن الإفريقي.

وإن كانت لا توجد أي مؤشرات تفيد بنجاح سياسة الإدارة الامريكية السابقة بقيادة ترامب في تحجيم النفوذ الصيني المُستند علي الأنشطة الاقتصادية الأكثر عمقًا من خلال الديون واستثمارات القروض في المنطقة، ولكن التنافس بين الجهات الفاعلة الدولية في منطقة القرن الإفريقي بسبب المصالح الجيواستراتيجية لا يُمكن إلا أن يؤجج المزيد من الصراعات بين الدول وداخل الدول في المستقبل المنظور. وستكون للمنافسة بين الولايات المتحدة والصين في المنطقة تأثيرًا سلبيًا، ليس فقط على القرن الإفريقي، ولكن أيضًا علي أمن البحر الأحمر، بل والقارة الإفريقية بأكملها.[9]

 

سادسًا: مستقبل القرن الإفريقي:

يتضح مما سبق، تصاعد الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر والقرن الإفريقي، في ظل بيئة تشهد تحولات استراتيجية محورية، قد تغير شكل التفاعلات في المنطقة. وتجتمع كافة التفاعلات السابقة، بما تسببه من تهديدات أمنية تقليدية وغير تقليدية، لتزيد من تهديد ذلك الممر المائي الحيوي، بما يهدد التجارة الدولية. يفرض هذا الوضع قدرًا من الحتمية لتنسيق السياسات التي تستجيب للتهديدات وترفع حالة الأمن الجماعي بين دول المشاطئة له.

وتأتي مصر والسعودية في طليعة تلك الدول التي تحمل عبئًا أكبر في تعزيز الأمن في منطقة البحر الأحمر.[10] ووفقًا للتحديات التي تمر بها دول المنطقة والتي سبق عرضها؛ تبرز عدة سيناريوهات محتملة بشأن مستقبل القرن الإفريقي؛

يذهب السيناريو الأول إلى الحفاظ على مكتسبات اتفاق السلام الإقليمي في المنطقة بدعم صيني- إماراتي، واتساع نطاقه ليشمل جيبوتي- المتحفظة- التي هي جار مباشر لجميع الدول الثلاث المتحالفة إثيوبيا الصومال وإريتريا، والحيلولة دون أية انتكاسة بشأنه؛ خوفًا من العودة إلى المربع الأول مرة أخرى.

السيناريو الثاني، فشل مساعي التحالف الثلاثي بين آديس أبابا وأسمرا ومقديشو وبوادر التكامل الإقليمي المؤسس علي مبادرة آبي أحمد للتكامل والشراكة الاقتصادية بين كلٍّ من (إثيوبيا وجيبوتي والصومال وإريتريا وكينيا) بل وانهيار اتفاق السلام بين آديس أبابا وأسمرا، وعودة التوتر بينهما  واندلاع حرب جديدة بين البلدين، والتي ستؤدي بدورها ان حدثت إلي عودة الامور لمربع الصفر من جديد في منطقة القرن الإفريقي.

السيناريو الثالث، حدوث تغيير سياسي داخل إحدى الدولتين أو الاثنين معًا، يفضي إلي تطورات وتحولات معاكسة.

 

الخُلاصة؛ مآلات الاوضاع في القرن الإفريقي تظل مرهونة بشكل أساسي بالتطورات التي تشهدها إثيوبيا وإريتريا خلال المرحلة المقبلة. التي منها على سبيل المثال احتمالية حدوث التغيير السياسي في إثيوبيا أو إريتريا في ضوء عدم استقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية وتصاعد النزاعات الإثنية، وتُشكِّل التحولات الجارية في الداخل الإثيوبي وتصاعد النزاعات الإثنية في البلاد وتداعيات الحرب مع التيجراي، تحديًا يهدِّد سلطة آبي أحمد في البلاد، ومن ثَمَّ تهديد مستقبل اتفاق السلام مع إريتريا خاصة في ظل وجود بعض التيارات في إثيوبيا ذات توجهات معارضة لعملية المصالحة معها، والتي لا يستبعد ان تدخل في مواجهة مع اسمرا، بالإضافة إلى اندلاع بعض الخلافات الإقليمية بين بعض دول المنطقة مثل النزاع الكيني الصومالي، والسوداني الإثيوبي حول الحدود، واستمرار الخلاف الجيبوتي الإريتري على منطقة رأس دميرة. علاوةً على موقف القوى الدولية والإقليمية من الأحداث الإقليمية في القرن الإفريقي .

كل هذا دفع بالولايات المتحدة إلى تسمية مبعوث أمريكي للقرن الإفريقي، مما يعكس أعلى اهتمام دبلوماسي بالتحولات الاستراتيجية التي تشهدها المنطقة، وما لها من تأثير على المصالح الأمريكية الاستراتيجية؛ خاصةً مع تصاعد احتمالات المواجهة على مياه النيل.

وتأتي المواجهات الحدودية السودانية- الإثيوبية في منطقة الفشقة كإضافة الأزمات الصاعدة إلى الواجهة، لما تنذر به من احتمالية انجرار الإقليم برمته إلى حرب مفتوحة النطاق، واحتمالية انجرار دول إقليمية أخرى، إلى تلك المواجهة التي لا يرغبها أحد، بما يهدد حالة الأمن الإقليمي.

واستمرارًا للتدافع على المنطقة، ومحاولة للحفاظ على المصالح الاستراتيجية لها، في ظل ارتفاع حدة المخاطر هكذا، وأيضًا لتعزيز دورها في توجيه السياسات الإقليمية؛ سعت القوى الكبرى للحفاظ على وجود فعلي لها في المنطقة، بما يعزز من حالة التنافس، ويفاقم من معادلة الأمن بها. ولعل النشاط الروسي الأخير في المنطقة لإيجاد موطئ قدم لها عبر تأسيس قاعدة لوجستية لها بالسودان، أبرز مظاهر ذلك التنافس.

[1]  عمار العركي، “التحالف الإثيوبي الإريتري وأثره على استقرار القرن الإفريقي”، فيس بوك، 16/6/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/EVuOQ

[2]  د. حمدي عبد الرحمن، “صدق أو لا تصدق؛ سد النهضة هو سبب الهزيمة: آخر أكاذيب أبي أحمد عن سبب هزيمته في التيجراي”، فيس بوك، 30/6/2021. متاح على الرابط: https://2u.pw/BUJEb

[3]  ياسين محمد عبد الله، “هل ستكون إثيوبيا يوغسلافيا التالية؟”، فيس بوك، 24/6/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/CSHJs

[4]  محمد عبد الكريم، “توتر تحت السيطرة في السودان: هل توجد خلافات بين البرهان وحميدتي؟”، مركز الإنذار المبكر، 21/6/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/2inMJ

[5]  شيماء البكش، “أمن البحر الأحمر في بيئة استراتيجية متحولة”، المرصد المصري، 3/7/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/6VUS4

[6]  أحمد نزيه، “«الحدود البحرية».. أصل الخلاف بين الصومال وكينيا لأكثر من نصف قرن”، أخبار اليوم، 29/9/2020. متاح على الرابط: https://2u.pw/GhMac

[7]  د. أحمد أمل، “النزاع الصومالي الكيني.. بين السياسة والقضاء الدولي “1-2″، العين الإخبارية، 8/7/2019. متاح على الرابط: https://2u.pw/ehqtw

[8]  ابراهيم عبد القادر محمد، “أزمة الحدود البحرية بين الصومال وكينيا (الواقع والسيناريوهات المحتملة)”، مركز الكتاب للبحوث والدراسات، 5/6/2019. متاح على الرابط: https://2u.pw/i6m80

[9]  عمار العركي، مرجع سبق ذكره.

[10]  شيماء البكش، مرجع سبق ذكره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

فاغنر في مالي: الأسباب والتداعيات

  في الوقت الذي قرَّرت فيه فرنسا تخفيض تواجدها العسكري في مالي، أعلنت السلطات المالية…