‫الرئيسية‬ العالم العربي دول الخليج الخلاف السعودى الإماراتى على خلفية أزمة أوبك .. مؤقت أم مستدام؟
دول الخليج - يوليو 13, 2021

الخلاف السعودى الإماراتى على خلفية أزمة أوبك .. مؤقت أم مستدام؟

الخلاف السعودى الإماراتى على خلفية أزمة أوبك .. مؤقت أم مستدام؟

 

 

اضطرت منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) وحلفاؤها، في إطار مجموعة “أوبك+”، فى 5 يوليو الحالى، لوقف المحادثات الخاصة باستمرار تخفيض إنتاج النفط وزيادته تدريجيًا إلى أجل غير مسمى. وذلك بعد خلاف علني نادر بين الإمارات والسعودية على خلفية رفض الإمارات، رابع أكبر منتج للنفط في مجموعة أوبك بلس، مقترحاً قدمته السعودية وروسيا بتمديد قيود الإنتاج حتى ديسمبر 2022، بدلاً من إنهائها في إبريل من نفس العام كما كان مقرراً في الأصل. وقد أثار هذا الخلاف السعودى الإماراتى العديد من التساؤلات التى تركزت بصورة رئيسية حول؛ مدى تأثير هذا الخلاف على التحالف بين الدولتين، وهل هذا الخلاف مؤقت أم مستدام؟. وهو ما سنحاول الإجابة عنه خلال السطور القادمة عبر تقسيم الورقة إلى محورين رئيسيين: الأول؛ يتناول أسباب الخلاف بين الدولتين داخل منظمة أوبك، والثانى؛ يتناول إمكانية استمرار هذا الخلاف وانعكاسه على التحالف بين الدولتين.

 

المحور الأول: أسباب الخلاف بين الدولتين داخل منظمة أوبك:

في السنوات الأخيرة، وبالأخص في الفترة من عام 2018 إلى عام 2021، تعرض سوق النفط العالمي إلى هزات كبيرة، بفعل التلاعُب في حجم المعروض، والتجاذُبات السياسية التي كانت تنسحب في الأخير إلى أسعار هذا المنتج الاستراتيجي. أهم المستجدات التي أثّرت سلبًا على استقرار أسواق النفط في الأعوام الأخيرة، كانت تحوُّل الولايات المتحدة الأميركية إلى أكبر منتِج في العالم بعد أن كانت واحدة من أكبر المستهلِكين، ونموّ تيار عالمي ينظِّر إلى وجوب التخلُّص التدريجي من الاعتماد على هذا المورد، من أجل إنقاذ ما تبقّى من الاستقرار البيئي لكوكب الأرض، وصولًا إلى الصراع السعودي الروسي على أسعار النفط، وإغراق الأسواق إلى حد تهاوي الأسعار بشكل غير مسبوق، ثم كارثة “كورونا” البيولوجية التي دمّرت الطلب على النفط، بفعل تعطُّل الأنشطة الاقتصادية إجباريًّا في معظم دول العالم.

ما استقرّت عليه المنظمة الدولية المعنية بتنظيم تجارة النفط في العالم “أوبك”، التي تضم 13 دولةً، والنسخة “بلس” التي تضم 23 دولة من بينهم روسيا، أن الخيار الأفضل هو: تقليل المعروض في السوق العالمي مع زيادته تدريجيًّا، تزامنًا مع ارتفاع الطلب، بحيث يؤدي تقليل المعروض وتقليل الإنتاج إلى ارتفاع سعر البرميل الواحد نتيجة الطلب، ويمكن للدول المنتجة أن تحقِّق ربحًا معقولًا من هذه الكمية، بدلًا من الإغراق الذي يؤدي إلى انخفاض الأسعار وخسارة المنتِجين[1].

وبالفعل، استقرت «أوبك بلس»، فى إبريل 2020، على خفض 20% من حجم الإنتاج اليومي لكل دولة، وتحددت نقطة الأساس لحجم الإنتاج بناءً على إنتاج الدول في أكتوبر 2018، ما عدا السعودية وروسيا[2]. نجحت هذه الاستراتيجية في الصعود بسعر برميل النفط الواحد إلى متوسط 75 دولارًا، وهو أعلى سعر منذ أكتوبر 2018. وبناءً على ذلك، تعقدُ “أوبك بلس” اجتماعًا شهريًّا لتقييم الاتّفاق المعروف باتفاق “خفض الإنتاج”، والتنسيق بين الدُّول ومراجعة الأسواق، وقد تقرّرَ أن يكون هناك اجتماع، فى 5 يوليو 2021، من أجل تمرير قرار بتمديد الاتفاق، بحيث تحدث زيادة طفيفة في المعروض بمقدار 400 ألف برميل يوميًّا بداية من أغسطس القادم، وأن يمدَّد الاتفاق قبل نهايته المقررة في إبريل من العام القادم، بحيث ينتهي، بدلًا من ذلك، في نهاية العام القادم ديسمبر 2022.

وافقت كل الدول الحاضرة للاجتماع، على تمديد الاتفاق مع زيادة تدريجية في الإنتاج (زيادة الإنتاج اليومي بنحو مليوني برميل)، وهي الصيغة التي قدمتها السعودية بصفتها رئيسة المنظَّمة، ووافقت عليها روسيا، ثاني أكبر منتِج للنفط في العالم، ولكن فشلَ تمرير الاتفاق بسبب رفض دولة واحدة: الإمارات[3]، التى قالت إنه لا يوجد داعٍ للنظر في تمديد الاتفاق قبل نهايته، غير أنها تفضِّل رفع الإنتاج اليومي بشكل فوري لنحو 600 ألف برميل، بدلًا من 400 ألف برميل.

ويرجع رفض الإمارات إلى تمديد هذا الإتفاق إلى مجموعة من الأسباب أبرزها:

الخلاف السعودى الإماراتى على خلفية أزمة أوبك .. مؤقت أم مستدام؟

1- رفض نقطة الأساس المرجعية في الاتفاق. ففي حالة الإمارات، اعتمد تحالف “أوبك+” أكتوبر 2018، شهر الأساس الذي تخفض حصتها النفطية بناء عليه، بينما تريد أبوظبي اعتماد أبريل 2021 كشهر أساس مثل السعودية وروسيا. ففي أكتوبر 2018، بلغ متوسط إنتاج الإمارات النفطي قرابة 3.1 ملايين برميل يوميا، بينما بلغ الإنتاج في أبريل 2021 -قبل شهر من تنفيذ اتفاق خفض الإنتاج الحالي- نحو 3.84 ملايين برميل يوميا. وإن نجحت الإمارات في اعتماد شهر المرجع، فهذا قد يدفعها إلى الطلب من التحالف تطبيقه بأثر رجعي، لضخ مزيد من النفط في السوق العالمية.

2- حاجة الإمارات لسيولة نقدية لتعويض ما فقدته خلال العام الماضي والنصف الأول 2021، بسبب تبعات فيروس كورونا، وتراجع مداخيل البلاد من قطاعات السياحة والخدمات والتجارة. فالشهر الماضي (يونيو)، طرحت إمارة أبوظبي سندات سيادية ضمن شريحة بقيمة ملياري دولار لمدة 7 سنوات، لتوفير النقد اللازم لتلبية متطلبات الإنفاق الجاري في الإمارة النفطية.

وفي إبريل الماضي، طرحت شركة موانئ دبي العالمية سندات بقيمة مليار دولار لأجل 10 سنوات، لتوفير السيولة اللازمة لعملياتها التشغيلية. كذلك، في مايو 2020، طرحت إمارة أبوظبي سندات بقيمة 3 مليارات دولار، وسط تباطؤ اقتصادي بسبب جائحة كورونا وانخفاض أسعار النفط حينها الذي لامس 15 دولارا لبرميل برنت. وفي أبريل 2020، طرحت الإمارة سندات سيادية بقيمة 7 مليارات دولار موزعة على ثلاث شرائح، بفترات سداد 5 و10 و30 عامًا[4].

3- إنفاق إمارة أبوظبي، التي تنتج تقريباً كل النفط الإماراتي، نحو 25 مليار دولار سنوياً لتزيد إنتاجها إلى 5 ملايين برميل يومياً بحلول نهاية هذا العقد. ويرى ولي العهد محمد بن زايد، الحاكم الفعلي لدولة الإمارات، أن هذه الخطة ضرورية لزيادة حجم الأموال اللازمة للاستثمار في صناعات جديدة وتنويع الاقتصاد.

4- على عكس السعودية ومعظم الدول الخليجية الأخرى العضوة في أوبك بلس، لدى أبوظبي شركاء أجانب في صورة شركات دولية تستثمر في أسهم حقول النفط والغاز التي تملكها. وقد انضم إلى شركاء قدماء مثل شركتي BP Plc وTotalEnergies SE، شركاء آخرون من الهند والصين على مدى السنوات الثلاث الماضية.

5- تسعى أبو ظبى إلى جعل نفط مربان معياراً لنفط المنطقة، فقد سمحت أبوظبي بتداول صنفها الرئيسي من الخام، المسمى مربان، في بورصة جديدة للعقود الآجلة مطلع هذا العام. وهي سابقة لدولة عضوة في منظمة أوبك، حسب Bloomberg. وتريد الإمارات أن يعتمد تجار النفط وغيرهم من المنتجين في الشرق الأوسط “مربان” معياراً للمنطقة. ولذلك، تحتاج إلى إنتاج كميات كبيرة منه لدعم السيولة والتجارة. وقالت شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) إنها تتوقع توفير أكثر من 1.1 مليون برميل يومياً للبورصة اعتباراً من أغسطس 2021. وزيادة إنتاج مربان إلى ما يقرب من كامل السعة القصوى البالغة نحو مليوني برميل يومياً ستعزز عرض شركة أدنوك الإماراتية بجعله معياراً لنفط المنطقة[5].

وقد تسبب رفض الإمارات لهذا الإتفاق فى إثارة حفيظة حليفتها السعودية، والذى ظهر فى التلاسن الحاد، وغير المسبوق، الذى انفجر في اليومين الماضيين على شاشات البلدين، بين الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير النفط السعودي، ونظيره الإماراتي سهيل المزروعي، بدأه الأول، وعلى غير العادة، بانتقاد الإمارات لمعارضتها هذا الاتفاق منفردة، والتأكيد على أن السعودية تعطل إنتاج نفطها بكمية تفوق الإمارات بكثير، وهي تفعل منذ سنوات، فرد نظيره الثّاني، أيّ المزروعي مَصحوبًا باتّهامٍ مُبَطّنٍ للسعوديّة بمُحاولة فرض رأيها وتقديم مصالحها على مصالح الآخَرين، وقال إنّ بلاده أيّدت دائمًا المواقف السعوديّة وأنها تضحي بإنتاجها من النفط أكثر مما يفعل أي من أعضاء أوبك بلس الآخرين، وأنّها تُريد الآن الحُصول على حصّة عادلة تتناسب مع تضحياتها واستِثماراتها الضّخمة في الصّناعة النفطيّة تَدُرّ عليها عوائد أفضل[6].

 

المحور الثانى: إمكانية استمرار الخلاف بين الدولتين وانعكاساته على التحالف بينهما:

الخلاف السعودى الإماراتى على خلفية أزمة أوبك .. مؤقت أم مستدام؟

تدور وجهات النظر المختلفة حول إمكانية استمرار الخلاف بين السعودية والإمارات وانعكاساته على التحالف بينهما حول قرائتين رئيسيتين:

القراءة الأولى: ترى أن الخلاف بين الإمارات والسعودية هو خلاف عابر سوف يتم حله فى أقرب وقت؛ ويقدم أنصار هذه القراءة مجموعة من الحجج والبراهين التى تدعم وجهة نظرهم تتمثل أهمها فى:

1- أن الخلاف الحالى بين الدولتين هو بالأساس خلاف اقتصادى بحت، بل ويركز على قطاع واحد (قطاع النفط)، فى حين أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين تسير بصورة جيدة.

حيث بلغت الاستثمارات الإماراتية في السعودية أكثر من 34 مليار درهم (9.26 مليارات دولار)، فيما تجاوزت الاستثمارات السعودية في الإمارات 16 مليار درهم (4.36 مليارات دولار). كما استحوذت الإمارات على 65.9% من تجارة المملكة غير البترولية خليجياً، خلال الربع الثاني من عام 2020، لتصل إلى 3.6 مليارات دولار من إجمالي 5.46 مليارات دولار تجارة السعودية خليجياً. من جانب آخر، أوضحت مؤشرات مركز إحصاء أبوظبي أن السعودية كانت الشريك التجاري الأكبر للإمارة في عامي 2018 و2019، حيث بلغت قيمة الميزان التجاري المتبادل بين الجانبين 110 مليارات درهم (29.95 مليار دولار) خلال العامين[7].

2- التآزر الأيديولوجي بين البلدين على السرديات الإستراتيجية الكبرى المناهضة للثورة، بما في ذلك إضفاء الطابع الأمني على الإسلام السياسي، وجماعة الإخوان المسلمين، والمجتمع المدني على نطاق أوسع[8].

3- استمرار وتزايد التعاون العسكرى بين البلدين، فقبيل أيام، اختتمت القوات الجوية والدفاع الجوي الإماراتي، في 16يونيو الماضي، مشاركتها في التمرين الجوي المشترك والمختلط “طويق 2 ” والذي استمر لمدة أسبوعين في السعودية. ويأتي هذا التمرين بعد أيام من زيارة الفريق أول فياض بن حامد الرويلي رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة السعودية الإمارات، مايو الماضي، والتقى خلال زيارته كلا من محمد بن أحمد البواردي وزير الدولة الإماراتي لشؤون الدفاع، والفريق الركن حمد محمد ثاني الرميثي رئيس أركان القوات المسلحة الإماراتي[9].

 

القراءة الثانية: ترى أن الخلاف الحالى بين الإمارات والسعودية هو خلاف استراتيجى وسيستمر لفترة طويلة من الزمن بصورة ستؤدى فى النهاية إلى انهيار التحالف بينهما؛ ويقدم أنصار هذه القراءة مجموعة من الحجج والبراهين التى تدعم وجهة نظرهم تتمثل أهمها فى:

1- تصعيد الطرفين ووصول الموضوع إلى الضغط الاقتصادي، وهذا يعني أن النوافذ السياسية باتت مغلقة حالياً. حيث ضعفت الروابط الشخصية التي تجمع بين محمد بن زايد ومحمد بن سلمان بشكل ملحوظ منذ انتخاب الرئيس الأميركي جو بايدن في يناير الماضي. وفي حين عمل الزعيمان، في ما مضى، على توطيد علاقتهما وتقاربهما من بعضهما البعض من خلال تبادل الزيارات الرسمية والمكالمات الهاتفية، لم يتحدث بن سلمان وبن زايد مع بعضهما سوى مرة واحدة فقط منذ انتهاء عهد ترامب، وفقاً لتقارير صحفية (آخر لقاء عقد بينهما كان في جدة في مطلع مايو الماضي)[10]. كما أن تدخل الوسطاء الروس والأمريكان والكويتيون لإنهاء الخلاف بين الدولتين هو مؤشر على غياب التنسيق وصعوبة اللقاء والتواصل بين طرفي الخلاف[11].

2- اتخاذ السعودية منذ مطلع شهر يوليو الحالى مجموعة من القرارات الاقتصادية التى تؤثر بالسلب على الاقتصاد الإماراتى تمثلت فى:

– قرار السعودية عدم السماح للشركات الاجنبية العمل في المملكة وهي تتخذ من عواصم اقليمية اخرى مقارا رئيسية لاعمالها، واعطت مهلة لذلك تنتهي في 2024. ومن المعروف أن كثيراً من تلك الشركات الدولية تتخذ ومنذ عقود من الامارات عموماً ودبي خصوصاً مراكز اقليمية لها[12].

– وقف السعودية الرحلات من الإمارات وإليها في ظل تفشي متحورات كورونا اعتبارا من 4 يوليو، بعدما أصدرت الداخلية السعودية قرارا بمنع سفر المواطنين، دون الحصول على إذن مسبق من الجهات المعنية، إلى كل من الإمارات وإثيوبيا وفيتنام. ولترد الإمارات على الخطوة السعودية بإعلان شركة “طيران الإمارات” تعليق جميع رحلات الركاب من وإلى السعودية حتى إشعار آخر، اعتبارا من يوم الأحد أيضًا.

– تعديل السعودية قواعد الاستيراد من دول الخليج، وفيما يعتبره الكثيرون خطوة تصعيدية موجة ضد الإمارات في المقام الأول، أعلنت السعودية عن تعديل قواعد الاستيراد من الدول الأخرى الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي لتستبعد السلع المنتجة بالمناطق الحرة، وهي السلع التي تُعد المحرك الرئيسي لاقتصاد دبي، أو التي تستخدم مكونات إسرائيلية، من الامتيازات الجمركية التفضيلية[13].

ويبدو أن هذه القرارات السعودية الأخيرة تستهدف بشكل مباشر عصب الاقتصاد الإماراتي، وتؤثر بشدة في شرايينه وقطاعاته الحيوية. فعلى مستوى استهداف قطاع السياحة، قررت السعودية حظر سفر مواطنيها من الإمارات وإليها، وهو ما يعني حرمان الإمارات من أكثر من مليوني سائح سعودي سنويا، وحرمان دبي لوحدها من 1.5 مليون سعودي، وحرمانها كذلك من إيرادات نقد أجنبي تقدر بمليارات الدولارات، خاصة أن السعوديين الأكثر إنفاقا داخل الإمارات.

كما يترتب على قرار السعودية الخاص بوضع قيود على سفر مواطنيها إلى الإمارات شل حركة شركات الطيران الإماراتي إلى المملكة، وهو سوق مهم بالنسبة لدخل هذه الشركات التي تعاني من أزمات مالية طاحنة جراء أزمة تفشي وباء كورونا. فخسائر شركة طيران الإمارات لوحدها بلغت العام الماضي 20.3 مليار درهم (5.5 مليارات دولار) مقارنة مع أرباح السنة السابقة التي بلغت 1.1 مليار درهم (288 مليون دولار)، وامتدت الخسائر إلى شركات أخرى، منها فلاي دبي وغيرها.

لم تكتف السعودية بذلك القيد الشديد، بل وضعت الإمارات في مرتبة واحدة مع دول تعاني من تفش لوباء كورونا مثل إثيوبيا وفيتنام وأفغانستان، وهو ما يشوه صورتها الذهنية التي تسعى لترويجها، خاصة المتعلقة بتطور القطاع الصحي فيها والانتشار الكبير للقاحات ومحاصرة الفيروس وانتعاش السياحة.

أما الضربة الأكبر التي تلقاها الاقتصاد الإماراتي، فهي إطلاق السعودية إنذارا نهائيا للشركات العالمية مفاده: “إما نقل مكتبك الإقليمي للمملكة، أو خسارة العقود الحكومية المربحة، وذلك في موعد أقصاه 2024″، علما أن معظم هذه المكاتب تقع في إمار ة دبي. وبالتالي، فإن الشركات العالمية الحريصة على الوجود في أكبر اقتصاد عربي وأكبر منتج للنفط في العالم ستتجه إلى الرياض، حرصا على الفوز بالعقود الحكومية الضخمة المدرة للأرباح والعوائد، وهنا ستهجر تلك الشركات دبي لتحولها إلى مدينة أشباح[14].

3- تصاعد الخلافات بين الدولتين على المستوى السياسى والاستراتيجى، وتتمثل أبرز تلك الخلافات فى:

– سعي الإمارات إلى امتلاك آلة عسكرية متطوِّرة تضمن لها التفوق الجوي الكامل في الخليج. ففى الوقت الذى تواجه فيه السعودية صعوبات فى الحصول على أسلحة متطورة من جانب الولايات المتحدة بسبب معارضة نواب الكونجرس فى توريد السلاح للرياض على خلفية تورطها فى حرب اليمن وقضية مقتل الصحفى السعودى جمال خاشقجى، فإن الإمارات تقوم بإبرام صفقات ضخمة مع واشنطن، والتى كان أخرها على صفقة بلغت قيمتها 23.37 مليار دولار. وهي الأكبر بين الصفقات التسليحية لدولة الإمارات مع الولايات المتحدة. وستحصل أبو ظبي بموجبها على 50 طائرة من طراز أف – 35 و18 طائرة حربية مسيرة، وصواريخ جو – جو، وجو – أرض[15].

– المُصالحة السعوديّة مع قطر التي هبطت على الإمارات هُبوط الصّاعقة، حيث جاءت اتفاقيّة “العُلا” للمُصالحة مطلع هذا العام، اتفاقيّة ثنائيّة بحتة بين الرياض والدوحة، وجرى طبخها من وراء ظهر حُلفاء السعوديّة مِثل البحرين وأبو ظبي مِصر، وكشفت الشّهور الستّة عن تسارع خطوات المُصالحة بين الرياض والدوحة، وجُمودها بالكامل، بل تدهورها بصُورةٍ أكبر من قبل بين الدوحة وأبو ظبي.

– الغضب السّعودي من قرار الإمارات الانسِحاب من طَرفٍ واحد من الحرب المُشتركة في اليمن عام 2019، ودون التّنسيق والتّشاور المُسبَق، وذلك بسبب تفاقم حجم الخسائر البشريّة في صُفوف القوّات الإماراتيّة، وتَجَنُّبًا لتهديدات الحوثيين بقصف دبي وأبو ظبي بالصّواريخ أُسوَةً بالرياض وجدّة، وتركيز أبو ظبي على السّيطرة على الجنوب اليمني الخالِ من قوّات “أنصار الله” الحوثيّة، ومنع حُكومة المنفى اليمنيّة من العودة بشَكلٍ كامل والاستِقرار في عدن العاصمة الثّانية، وتشكيلها المجلس الانتِقالي الجنوبي وجيشه ليكون واجهتها هُناك[16].

ووفقاً لمصادر مقربة من القصر السعودي، أثار البعض في دوائر محمد بن سلمان، مخاوف من أن محمد بن زايد ربما دفع المملكة إلى مغامرات محفوفة بالمخاطر من أجل إنشاء درع يمكن للإمارات من خلاله تعزيز مكاسبها في جنوب اليمن. ففي حين اضطرت المملكة لتحمل أعباء تشغيل العمليات العسكرية والسمعة السيئة التي تكبدتها جراء الحرب المكلفة ضد الحوثيين في الشمال، ضمنت أبو ظبي موطئ قدم لها على طول الساحل اليمني المهم إستراتيجياً عبر بديلها – المجلس الانتقالي الجنوبي[17].

– ترتيب العلاقة مع الأتراك، فمنذ سنة تسعى السعودية وتركيا لإعادة ترتيب العلاقة بينهما بعد تراشق إعلامي حول ملفات عديدة في المنطقة أبرزها ملف اغتيال الصحفي جمال خاشقجي خريف العام 2018 والتداعيات السلبية التي شهدتها العلاقة بين الجانبين، لذا فإن أبوظبي تحدثت بجدية مع الرياض منذ فترة عن أن هذا التقارب سيؤثر على الاستثمار الإماراتي بالحرب على جماعات الإسلام السياسي والذي تمثل أنقرة أحد أهم داعميه.

– المفاوضات مع طهران، الحوار السعودي الإيراني في بغداد ومن ثم في مسقط وعلى الرغم من أن أبوظبي كانت تشارك به مع الأردن ومصر فإنها أسرت للبعض القول إنها تخشى من تطور هذا المسار والذي سيؤثر في نهاية المطاف على تفاهماتها مع إيران في حال وجدت الأخيرة من المملكة شريكاً خليجياً عوضاً عنها.

– اللعب في الميدان اللبناني، تعتقد الرياض أن أبوظبي تحاول وراثة دورها في الساحة اللبنانية عبر مجموعة عوامل ومتناقضات عبر تمويل شخصيات ومنصات ومجموعات تتهم بإثارة الفوضى، وأبلغت السعودية كل من يعنيهم الأمر أنها تضع فيتو على رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري وأنها غير حاضرة للاستثمار به في مكان أو آخر بعد سلسلة الإخفاقات التي مني بها، إلا أن أبوظبي سارعت لتبني الحريري وباتت الإمارات مكاناً جديداً لحضور الحريري العربي ويحظى بدعمها، الأمر الذي استفز السعوديين بشكل كبير، وخاصة أن ولي العهد السعودي أبلغ نظيره الإماراتي رفضه إعادة فتح الأبواب لسعد الحريري[18].

– تتهم الإمارات السعوديّة بدفعها إلى التّطبيع مع دولة الاحتِلال الإسرائيلي، والتّعجيل بتوقيع اتّفاقات “أبراهام”، في إطارِ تفاهمٍ سِرِّيٍّ مُلزِمٍ مع الأمير محمد بن سلمان، وليّ العهد، على أن تلحق الرّياض بها، ولكنّ الأمير بن سلمان نقض الاتّفاق وتراجع عنه خوفًا من رُدودِ فِعلٍ سعوديّة داخليّة، وخُروج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عرّاب التّطبيع، من البيت الأبيض، رُغم أنّ الأمير بن سلمان التقى ببنيامين نِتنياهو، ومايك بومبيو، وزير الخارجيّة الأمريكي السّابق، في “نيوم” لوضع الخُطوط لاتّفاق التّطبيع، ولكنّه انسحب وأنكر هذا اللّقاء الثّلاثي المذكور[19].

– ظهور خالد مشعل على قناة “العربية”، يبدو أن استضافة قناة “العربية” لرئيس حركة “حماس” في الخارج خالد مشعل، فى 4 يوليو، ودعوته الرياض عبر شاشتها لفتح أبواب العلاقة مع حركة “حماس”، يمثل أيضا تحديا للإمارات التي تلتزم موقفا في غاية التشدد من “حماس” وأخواتها المنضوية تحت لواء التيار الإسلامي الإخواني[20]. كما ترك المذيع لمشعل المساحة كي يعبِّر عن رؤيته في أمور شائكة مثل تشريع دول أخرى لإقامة علاقات مع الاحتلال، العدو الأول للأمة.. وهو ما اعتُبِر هجومًا على الإمارات من منبر سعودي، بعد استقبالها (الإمارات) وزير الخارجية الإسرائيلي مؤخرًا[21].

الخلاف السعودى الإماراتى على خلفية أزمة أوبك .. مؤقت أم مستدام؟

ختامًا؛ تعد الخلافات بين السعودية والإمارات حقيقية وخطيرة، ومن الممكن أن تنمو بمرور الوقت إلى خلافات أعمق، لكنها لن تصل إلى نهاية الشراكة بين أبوظبي والرياض. فكلا الدولتين لديه نفس المخاوف الرئيسية، إيران وشبكة وكلائها الإقليميين، وتركيا وتحالفها الإقليمي الناشئ، والتهديد المستمر للجماعات الإسلامية “الجهادية والسياسية”. وفي منطقة منقسمة بين قوى الوضع الراهن والإمبراطوريات القديمة العائدة، فإن الإمارات والسعودية راسختان في معسكر الوضع الراهن.

وبالفعل، هناك عدم توافق جوهري بين الطريقة التي تريد بها السعودية والإمارات إدارة موارد الطاقة الخاصة بهما، ومن المحتمل أن يستمر ذلك في تأجيج الخلافات. ولكن، حتى مع الاختلافات الأخرى المختلفة، فمن غير المرجح أن يؤدي ذلك إلى نزاع مرير كما كان الحال في الخلاف مع قطر[22].

 

 

[1] “النفط وأمور أخرى.. قصة الخلاف الأخير بين السعودية والإمارات”، نون بوست، 7/7/2021، الرابط: https://bit.ly/3hMzb08

[2] ” تُنذِر بخروجها من «أوبك».. الإستراتيجية الإماراتية للنفط في السنوات القادمة”، ساسة بوست، 8/7/2021، الرابط: https://bit.ly/2Vovc2h

[3] “النفط وأمور أخرى.. قصة الخلاف الأخير بين السعودية والإمارات”، مرجع سابق.

[4] ” الإمارات والبحث عن مصالحها في “أوبك+” طلبا للسيولة (تحليل)”، الأناضول، 9/7/2021، الرابط: https://bit.ly/36q3aWz

[5] بلومبيرج، ” لماذا تصر الإمارات على تحدي السعودية؟ فتش عن خطتها الجريئة لتزعُّم سوق النفط”، عربى بوست (مترجم)، 7/7/2021، الرابط: https://bit.ly/3AIyLQX

[6] “هل انهار “التّحالف الاستراتيجي” بين الإمارات والسعوديّة؟ ما هي الأسباب الحقيقيّة الخمسة وراءه؟ وكيف خرجت قطر الرّابح الأكبر حتّى الآن؟ وهل ستُغلَق مقرّات “العربيّة” وأخَواتها في دبي قريبًا كرَدٍّ على مُقابلة مشعل و”مُخالفاتٍ” أُخرى؟”، رأى اليوم، 5/7/2021، الرابط: https://bit.ly/3xt8sfB

[7] “كيف يؤثر قرار السعودية حول الاستيراد على التجارة مع الإمارات؟”، الخليج أونلاين، 7/7/2021، الرابط: https://bit.ly/3qXPJXh

[8] ميدل إيست إى، “MBS VS MBZ: إنتهى شهر العسل”، 180 بوست (مترجم)، 7/7/2021، الرابط: https://bit.ly/36oh4II

[9] ” السعودية والإمارات.. شراكة استراتيجية تزداد قوة”، العين الإماراتية، 7/7/2021، الرابط: https://bit.ly/3yFTQcX

[10] ميدل إيست إى، “MBS VS MBZ: إنتهى شهر العسل”، مرجع سابق.

[11] ” ماذا تعني الوساطة الأمريكية والروسية بين السعودية والإمارات؟”، عربى21، 8/7/2021، الرابط: https://bit.ly/2UwLAgN

[12] ” إنفجرت بين السعودية والامارات.. تنابذ نفوذ هنا وهناك”، 180 بوست، 6/7/2021، الرابط: https://bit.ly/3yHrnnn

[13] ” الظاهر والمخفي.. مؤشرات الخلاف بين السعودية والإمارات”، أر تى عربى، 5/7/2021، الرابط: https://bit.ly/3xEZ9JX

[14] ” السعودية والإمارات…من يخسر أولا؟”، العربى الجديد، 7/7/2021، الرابط: https://bit.ly/3jX3kfT

[15] ” هل أصبحت الإمارات قوة إقليمية كبرى بعد صفقة الأسلحة الأمريكية؟”، بى بى سى عربى، 15/4/2021، الرابط: https://bbc.in/2UBHBzI

[16] “هل انهار “التّحالف الاستراتيجي” بين الإمارات والسعوديّة؟ ما هي الأسباب الحقيقيّة الخمسة وراءه؟ وكيف خرجت قطر الرّابح الأكبر حتّى الآن؟ وهل ستُغلَق مقرّات “العربيّة” وأخَواتها في دبي قريبًا كرَدٍّ على مُقابلة مشعل و”مُخالفاتٍ” أُخرى؟”، مرجع سابق.

[17] ميدل إيست إى، “MBS VS MBZ: إنتهى شهر العسل”، مرجع سابق.

[18] “هل انكسرت الجرة بين السعودية والإمارات؟”، عربى بوست، 8/7/2021، الرابط: https://bit.ly/3qY71Dr

[19] “هل انهار “التّحالف الاستراتيجي” بين الإمارات والسعوديّة؟ ما هي الأسباب الحقيقيّة الخمسة وراءه؟ وكيف خرجت قطر الرّابح الأكبر حتّى الآن؟ وهل ستُغلَق مقرّات “العربيّة” وأخَواتها في دبي قريبًا كرَدٍّ على مُقابلة مشعل و”مُخالفاتٍ” أُخرى؟”، مرجع سابق.

[20] ” الظاهر والمخفي.. مؤشرات الخلاف بين السعودية والإمارات”، مرجع سابق.

[21] “النفط وأمور أخرى.. قصة الخلاف الأخير بين السعودية والإمارات”، مرجع سابق.

[22] ” السعودية والإمارات.. خلاف شركاء أم انهيار تحالف؟”، الخليج الجديد، 10/7/2021، الرابط: https://bit.ly/3xwQJ6Z

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

المصالحة الخليجية وتأثيرها على القرن الإفريقي

  ألقت مقاطعة ثلاثة من دول مجلس التعاون الخليجي هي؛ السعودية، الإمارات، البحرين، بالإ…