‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر الجيش المصري .. النشأة والتكوين والعقيدة القتالية .. التداعيات الاجتماعية (الجزء الثاني)
مصر - أغسطس 3, 2021

الجيش المصري .. النشأة والتكوين والعقيدة القتالية .. التداعيات الاجتماعية (الجزء الثاني)

الجيش المصري .. النشأة والتكوين والعقيدة القتالية .. التداعيات الاجتماعية (الجزء الثاني)

 

 

كان لمشروع محمد علي باشا التحديثي على النمط الغربي (1805 ــ 1848) تداعيات اجتماعية بالغة الخطورة، امتدت تأثيراتها الكارثية حتى يومنا هذا.

أولا، أدى فرض التجنيد الإجباري سنة 1822م إلى توتر العلاقة بين الحاكم “محمد علي باشا” والرعية، ممثلة في جميع فئات الشعب المصري باستثناء الأقلية الذين  حظوا بمكانة داخل أروقة السلطة وتنعموا بشيء من امتيازاتها. وقد ذكرنا في الجزء الأول شيئا من الأهوال التي تعرض لها الفلاحون المصريون الذين جرى انتزاعهم من أرضهم، وكيف أخمد الجيش ثورات الشعب التي اندلعت رفضا لهذه السياسات.

وساهم في هذه العلاقة المتوترة الوحشية المفرطة التي تعامل بها الباشا وجنوده مع المصريين سواء في عمليات التجنيد أو حتى داخل المعسكرات أو العقوبات المغلظة التي أراد بها الحاكم إخضاع الشعب لتصوراته.

وبدأت عمليات التجنيد الإجباري سنة 1822م بنحو 4 آلاف مصري من الفلاحين، وبعد أقل من عام كان 30 ألفًا من الفلاحين يتدربون بالفعل في المعسكر الجديد الذي أُقيم في “بني عدي” القريبة من منفلوط في مصر الوسطى،  وبحلول شهر يونيو من عام 1824، أصبح لدى محمد علي ست كتائب من الجند النظاميين، يتجاوز عددهم 25 ألف جندي، فأمر بانتقالهم إلى القاهرة. بذلك أصبح لمصر جيش نظامي بدأ يتزايد باطّراد حتى بلغ 169 ألف ضابط وجندي في إحصاء تم عام 1833، وإلى 236 ألف في إحصاء تم عام 1839م.

وساهم في إفساد العلاقة بين الباشا والشعب أنه في البداية حدد فترة التجنيد بثلاث سنوات، وسرعان ما رفعها إلى 15سنة، فلما اعترض الجنود وثاروا خاطب إبراهيم باشا أباه الوالي طالبا الرجوع في القرار لكنه أبى، وتذرع بأن ذلك سيؤدي إلى تناقص عدد الجيش وإضعافه.

الجيش المصري .. النشأة والتكوين والعقيدة القتالية .. التداعيات الاجتماعية (الجزء الثاني)

ثانيا، أفضت سياسات محمد علي إلى تحولات اجتماعية ضخمة، وكان الفلاحون أكثر من تضرروا من هذه السياسات وقد كانوا يمثلون الغالبية الساحقة من الشعب خلال هذه الفترة، فالقاعدة الصناعية التي أنشأها الباشا لخدمة الجيش قد وفرت بالفعل عشرات الآلاف من فرص العمل لكثير من المهنيين والصنايعية والموظفين والكتبة، لكن ذلك جاء على حساب تضرر مئات الآلاف من الفلاحين الذين انتزعوا من أرضهم من أجل التجنيد الإلزامي، وصولا إلى سن قانون الاحتكار بعد إلغاء قانون الإلزام الذي خلق طبقة الإقطاعيين.

قانون “الاحتكار” جعل الوالي مالكا لكل الأراضي المصرية إلا ما يمنحه هو لبعض المقربين منه أو لأسباب خاصة. وبالتالي تحولت الحكومة إلى المحتكر الأول لكل شيء فجميع الأراضي ملك لها، والمصانع حكومية، وحتى المشروعات الكبرى التي أقامها الباشا كالقناطر الخيرية أفضت إلى زيادة الرقعة الزراعية التي يملكها الباشا. معنى ذلك أن الحكومة اغتنت لكن الشعب ازداد فقرا. فقد كان الهدف من كل ذلك هو تسخير كل إمكانات الدولة لحساب الجيش الذي لا يزال حتى يومنا هذا هو المحتكر الأول لكل شيء في مصر.

وقد أدت سياسات الباشا إلى تحولات اجتماعية ضخمة؛ حيث انتهى نفوذ المماليك كطبقة حاكمة وحل محلها أسرة محمد علي وبعض العناصر التركية والجاليات الأجنبية التي وفدت إلى مصر. وتراجع نفوذ الزعامات الشعبية التي جاءت بالباشا إلى الحكم لأنه تربص بهم في إطار سياساته الرامية للانفراد بالحكم. كما تراجع دور الأزهر الشريف بعد أن أخضعته السلطة لأجندتها.  وظهرت طبقة الأعيان من كبار ملاك الأراضي ومتوسطي الملاك وازدادت قوتهم.

كما ظهرت طبقة عمال الصناعة في المصانع واستمرار طوائف الحرف للصناعات الصغيرة كوسطاء للحكومة. وتدهور طبقة التجار لاحتكار الحكومة للتجارة فاختفت الشخصيات التجارية (أحمد المحروقي)، وحل محلها التجار الأجانب بوكالاتهم كوسطاء. وظهور البدو كقوة اجتماعية مستقرة بمنحهم الأراضي ودخولهم الحياة المدنية.

ثالثا، تفشي المثلية الجنسية داخل معسكرات الجيش؛ فمع ظهور وحدات التجنيد الجديدة التي تضم آلاف الذكور في مكان واحد، تفشت العلاقات الجنسية المحرمة وأبرزها الشذوذ الجنسي داخل هذه المعسكرات. ووفقا لكتاب “كل رجال الباشا” «في عام 1824م، كتب محمد بك بكباشي أحد الآلايات الستة الأولى في جيش محمد علي الجديد إلى الباشا يخبره بمشكلته مع الذين يرتكبون اللواط: هل يعاملهم كزناة (وبالتالي يطبق عليهم عقوبة الزنا) أم يطبق قانوناً آخر؟ فأجاب محمد علي بأن على البكباشي أن يرجع إلى اللوائح العسكرية ويطبق ما تقوله».

الجيش المصري .. النشأة والتكوين والعقيدة القتالية .. التداعيات الاجتماعية (الجزء الثاني)

وهي الواقعة التي تكشف ظهور الممارسات الجنسية المثلية داخل وحدات التجنيد في وقت مبكر، الأمر الذي تطلب وضع عقوبات مغلظة لممارسة الجنس المثلي. وكان الهدف من العقوبات هو ضمان الانضباط داخل الجيش، فـ”القانون العسكري يدرك مسبقاً أن الجنود ربما يمارسون الجنس مع بعضهم البعض”. واستحدثت عقوبات لفرضها على ممارسي الجنس المثلي داخل الجيش، فـ”يجلد ضباط الصف 200 جلدة، ويجردون من رتبهم إذا مارسوا اللواط، أما الطلبة فكانت عقوبتهم 200 جلدة، وحبس 15 يوماً، والضباط 500 جلدة، وسحب رتبهم، والمعلمون في المدارس عقابهم الطرد”، بحسب الوثائق التي نقلها فهمي.

وينقل “فهمي” وثيقة صادرة عن كلوت بك، كبير أطباء الجيش، تناولت تحوّل العديد من الجنود إلى ممارسة الجنس مع “الأولاد” الذين يرقصون. وشرح كلوت بك سبب ذلك بقوله إن مرض الزهري، وهو مرض جنسي، ينتشر “لأنه لا يوجد قانون يجبر “النسا الفواحش” على إجراء الفحص الطبي”، ما يدفع الرجال إلى ممارسة “رذيلة أقبح وضد الطبيعة البشرية”، مع أولاد يفعلون بحجة الرقص “ما لا ينبغي ذكره” كم تذكر الوثيقة. والصبية الراقصون ذكرهم إدوارد لين في كتابه “عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم”، قائلاً: “تعرف القاهرة فئة أخرى من الراقصين الذكور من الشباب يشبهون الخوالي في طريقة لباسهم ومظهرهم العام، وأدائهم الراقص ويطلق عليهم اسم الجنك”. وفي ستينيات القرن التاسع عشر، أصبحت ممارسة الجنس مع الفتية تعاقب بالسجن لمدة ستة أشهر.

رابعا، انتشار البغاء وبيوت الدعارة، حيث تفشت الظاهرة مع تنقلات الجيش وحروبه، فانتقال عشرات الآلاف من الذكور الذين حرموا من زوجاتهم لشهور وربما سنوات طويلة من مكان لآخر، أدى  إلى ظهور البغاء وبيوت الدعارة. فالتجنيد في الجيش النظامي الحديث على النحو الذي جرى دمر الحياة الاجتماعية للمصريين، ووفقا لوثيقة عثمانية استند اليها خالد فهمي في كتابه “كل رجال الباشا” فإن نساء مصريات لجأن إلى العمل كمومسات بعدما فقدن العائل، لإطعام أطفالن الصغار وحمياتهم من الجوع.[[1]]

الجيش المصري .. النشأة والتكوين والعقيدة القتالية .. التداعيات الاجتماعية (الجزء الثاني)

ويصف “جيمس أوغسطس سان جون” مشاهداته عن مصر في كتابه “أسفار في وادي النيل”، يقول: “عند وصولنا إلى المدينة (بني سويف) كان ثمة صخب ونشاط غير عاديين بشكل ملحوظ في الشوارع، وسرعان ما اكتشفنا السبب: كان أحمد باشا يكن (ابن أخت محمد علي باشا وقائد الحملة المصرية على الحجاز عام 1834) قد وصل للتو من الحجاز، ومعه قسم من الجيش المصري، وكان الجنود يوزعون أنفسهم في كل أنحاء المدينة لخطف المتع الفظة التي يجدونها في متناولهم، وبالتالي ظهرت الفتيات الراقصات، والمغنون والموسيقيون، وامتلأت الفنادق بهم”.

وهو ما يكشف عن نمو الدعارة في مصر بالتزامع مع تأسيس جيشها النظامي الحديث؛ فمع إنشاء ثكنات تضم آلاف الجنود الذكور توسعت خدمات البغاء، كما أثر التجنيد الإجباري الطويل المدة على تكوين الأسرة المصرية، ولجأت زوجات رحل أزواجهنّ عنهن بسبب التجنيد إلى ممارسة الدعارة، طلباً للرزق. وعزا كلوت بك هذه الظاهرة، بمنطق استشراقي، إلى أن الشريعة الإسلامية مسؤولة عن عمل النساء في البغاء لأنها تشرّع الطلاق الذي يؤدي إلى تفكك الأسر، مضيفاً سبباً آخر هو “ارتفاع شهوانية نساء مصر بسبب ارتفاع الحرارة فيها”.

إلا أن خالد فهمي يختلف مع ذلك ويُرجع نمو البغاء “إلى الحراك الاجتماعي غير المسبوق، مع تجوال آلاف الرجال من معسكر إلى آخر، ومن مدينة لأخرى.[[2]] وفي كتابه “على هوامش الشرق الأوسط الحديث”، يقول خالد فهمي: “هناك بعض الدلائل التي تشير إلى أن الدعارة كانت مزدهرة للغاية في المدن الكبيرة في مصر وسوريا خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، ولم يكن ذلك بسبب أي انتشار مفاجئ للرذيلة”.

فشل قرارات منع البغاء

وفي عام 1834، أصدر محمد علي قراراً بمنع الدعارة في القاهرة والمدن الكبرى وبالقرب من معسكرات الجيش، في محاولة لمنع انتقال عدوى مرض الزهري، إلا أن الجنود تحايلوا على المنع، واستمر البغاء في الخفاء داخل القاهرة، ونما في الصعيد خصوصا في إسنا بجوار ثكنتها العسكرية. ويؤكد خالد فهمي أن المنع لم يكن لأسباب دينية في الأساس، بل للحفاظ على الانضباط العسكري، خصوصاً لمنع تناول الخمر التي تجلبها البغايا إلى داخل المعسكرات، ما يؤدي إلى سكر بعض الجنود وإحداث الاضطراب.

ورأى “كلوت بك” ضرورة فحص وعلاج البغايا مثل الجنود تماما بدلا من منعهن من العمل في البغاء داخل القاهرة والمدن الكبرى في ظل تحايل الجنود على قرار الباشا بمنع البغاء. وتقول ميليسا ديتمور في كتاب “موسوعة البغاء والجنس”: “بعد مرور أربعة أعوام على بدء التجنيد الإجباري، أصبحت واضحة زيادة انتشار مرض الزهري، وزيادة الحاجة لمعالجته، قبل أن يتحول إلى وباء عام”.

وحذّر كلوت بك من الزهري والجرب، بحسب ما نقله عنه فهمي في كتاب “على هوامش الشرق الأوسط الحديث”: “مؤخراً وردت تقارير بإصابة عدد كبير من الجنود بمرضين معديين هما: الجرب والزهري، وإن لم نتخذ إجراءات قوية وفعالة لعلاجهما، فستحدث كارثة”. وفي المرجع نفسه جاء: “كشفت إحدى عمليات الفحص الطبية التي أجريت في الجيش عن أن عدد المصابين بالزهري يساوي عدد كل المرضى الآخرين مجتمعين”، وتفشى المرض بين طلبة المدارس العسكرية. وبالطبع بذلت السلطات جهوداً كبيرة لعلاج الزهري، ووضعت خططاً للوقاية منه شملت الكشف عن المرض لدى النساء ومعالجتهن، إلا أن تعريض جسم الجنود للفحص سبب مشكلة كبيرة للسلطات، إذ تمرد الجنود على فحص أعضائهم التناسلية.[[3]]

خصائص حروب محمد علي

الجيش المصري .. النشأة والتكوين والعقيدة القتالية .. التداعيات الاجتماعية (الجزء الثاني)

الملاحظة الأهم أن معظم حروب الباشا وجيشه النظامي كانت ضد المسلمين بدعوى الإخضاع والقضاء على المتمردين، جرى ذلك في مصر بدعوى التجنيد الإلزامي، وفي السودان بدعوى الكشف عن منابع النيل والبحث عن الذهب وتجنيد السودانيين في جيشه الحديث، ثم في بلاد الحرمين الشريفين بدعوى تمردهم على السلطان العثماني رغم أنهم كانوا يطالبون بالإصلاح الديني والسياسي، ثم في حروبه ضد الدولة العثمانية لبناء دولته المستقلة وتحقيق أمجاده الشخصية. وقد قتل جيش محمد علي مئات الآلاف من  المسلمين في هذه الحروب التي كان يستهدف بها مجده الشخصي وبناء دولة له ولأحفاده من بعده، ويكفي أن الراية التي كان يقاتل تحتها الجنود المصريون في حربه ضد السلطان كان مكتوبا عليها “محمد علي” لكنهم كانوا أميين لا يقرآون أو جرى إخضاعهم بالترغيب والترهيب على النحو الذي ذكرناه.

الملاحظة الثانية، أن الحرب الوحيدة التي خاضها هذا الجيش ضد القوى الغربية لقي فيها هزيمة مدوية، وتحطم الأسطول المصري في موقعة “نافارين” البحرية سنة 1827م. خلال الحرب في بلاد اليونان التي ثارت على الحكم العثماني بتحريض من الدول الأوروبية، حيث تمكن الأسطول الإنجليزي الفرنسي الروسي المشترك من هزيمة الأسطولين العثماني والمصري، وإجبار محمد علي على الانسحاب. وعندما أعاد محمد علي إنشاء الأسطول على نحو أقوى لم يدخل أبدا حربا ضد أي من القوى الغربية، بل وجه قوة هذا الجيش نحو الدولة العثمانية. ومن اللافت أن الباشا كان يتعامل مع الأزمات الداخلية بالأدوات العسكرية، من بطش وقمع وإرهاب. وكان يتعامل مع الأزمات الخارجية بالأدوات السياسية خصوصا إذا كان الطرف الآخر أوروبيا.

الملاحظة الثالثة،  أن النفوذ الغربي (الإنجليزي ــ الفرنسي ــ الروسي) داخل مصر والدولة العثمانية أدى إلى تلاعب هذه الدول بالقوتين الإسلاميتين الأعظم “مصر والدولة العثمانية”، فتم تحريض كل منهما ضد الآخر عبر إدارة الصراع على نحو يحجم من القوتين لصالح القوى الغربية، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى الصدام العثماني المصري؛ حيث كان الباشا شديد الطموح نحو تكوين دولة مصرية على أنقاض الدولة العثمانية، وقد أوشك على تحقيق ذلك لولا تدخل الدول الغربية.

الملاحظة الرابعة، أن الباشا وجيشه خاضا خمسة حروب ثلاثة منها (في السودان ـ الحجاز ــ  اليونان) كانت ترجمة مباشرة لطلب السلطان العثماني وتحت راية الدولة العثمانية في مرحلة الولاء والخضوع للسلطان. ثم خاض حربيين أُخريين ضد الدولة العثمانية ذاتها في مرحلة “التمرد”:

  • عندما غزا الشام سنة 1831م وانتصر على الجيش العثماني في موقعة “قونية” في ديسمبر 1832م حتى كان قريبا من إسطنبول. عقد السلطان العثماني اتفاقية دفاع مشترك مع روسيا التي تدخلت بقواتها لحماية السلطان؛ وبسبب قلقها من نفوذ موسكو المتزايد في الإمبراطورية العثمانية وقدرتها على زعزعة توازن القوى، أجبر الضغط الفرنسي البريطاني محمد علي ونجله إبراهيم على الموافقة على اتفاقية “كوتاهيه” سنة 1833م. وبموجب الاتفاقية، تم التنازل عن المحافظات السورية إلى محمد علي، وأصبح إبراهيم باشا الحاكم العام للمنطقة. وجعلت المعاهدة محمد علي تابعًا اسميًا للسلطان.
  • بعد ست سنوات، وفي سنة 1839م عندما أعلن محمد علي الاستقلال القانوني، أعلن السلطان أنه خائن وأرسل جيشًا لمواجهة إبراهيم باشا، ودارت الحرب المصرية العثمانية الثانية. والتي أدت إلى هزيمة الجيش العثماني في موقعة “نصيبين” أمام جيش محمد علي؛ حتى تدخلت القوى الغربية لتحجيم مشروع محمد علي؛ لأن ميزان القوى بينه وبين السلطان بدأ يختل لحساب الباشا، لا سيما وأن السلطان محمود توفي في هذه الأثناء الأمر الذي أدى إلى تخوف البلاد الغربية من سيطرة محمد علي على الأستانة وإقامة دولة مصرية على أنقاض الدولة العثمانية، وهو ما يمكن أن يكون له تأثير كبير على مستقبل العالم وقد لا يتمكن الغرب من مواجهة محمد علي إذا استطاع إقامة مثل هذه الدولة الكبيرة وتوحيدها لا سيما وأن له تجربة وخبرة كبيرة في إدارة البلاد وتأسيس الجيوش على النمط الغربي.

مرحلة الأفول «معاهدة لندن»

الجيش المصري .. النشأة والتكوين والعقيدة القتالية .. التداعيات الاجتماعية (الجزء الثاني)

امتلك محمد علي جيشا عصريا نظاميا على النمط الفرنسي، كان مسلحا بأحدث الأسلحة، وأنشأ قاعدة صناعية قوية تمد الجيش بما يحتاج إليه، وحقق نجاحات زراعية ونهضة علمية وصحية؛ حيث بنى عشرات المدارس والمستشفيات، ورغم الانتصارات المدوية التي حققها الجيش حتى امتدت إمبراطورية محمد علي من حدود تركيا شمالا إلى حدود الحبشة جنوبا وضمت كذلك بلاد الشام والحجاز، إلا أن مشروع الباشا تعرض لضربة قاصمة سنة 1840م بإجباره على التوقيع على اتفاقية “لندن” التي مثلت إذلالا للوالي الذي كان يسعى لإقامة إمبراطورية له ولأبنائه وأحفاده من بعده.

تضمنت المعاهدة التي رفضها محمد علي في بادئ الأمر وأجبر على القبول بها،  منحه وخلفاءه من ذريته حكم مصر وراثيا. أما سوريا فتبقى تحت حكم محمد علي وتؤول إلى السلطان العثماني بعد وفاة محمد علي، مع إخلاء كريت والحجاز وأضنه وإعادة الأسطول العثماني.

تضمنت أيضا اعتبار قوات محمد علي البرية والبحرية جزءا من قوات الدولة العثمانية وأن تكون في خدمة السلطان. وأن يدفع محمد علي جزية للسلطان تصل إلى 80 ألف جنيه سنويا. والأهم هو تقليص عدد الجيش المصري إلى 18 ألف مقاتل وقد كان سنة 1839 نحو 240 ألف مقاتل بهدف وأد الطموح السياسي للباشا وتحجيم وحصار مشروعه السياسي.

مبلغ الإذلال أن المعاهدة تضمنت تهديدا بأن الباشا إذا لم يقبل هذا القرار في مدة  عشرة أيام يحرم من ولاية “عكا” (فلسطين حاليا)، وإذا استمر رفضه عشرة أيام أخرى يحرم من ولاية مصر. وإذا رفض هذه الشروط يلجأ الحلفاء  الموقعون على المعاهدة إلى استخدام القوة ضده مع التزامهم بحماية عرش السلطان العثماني. وقد وقع على المعاهدة خمس دول أوروبية هي “إنجلترا ــ روسيا ــ بروسيا “المانيا حاليا”ــ النمسا ــ فرنسا التي تخلت عن حليفها محمد علي والتي كان يراها حليفه الأول”. وبعد هذه الاتفاقية تراجع الطموح السياسي للباشا وبدأ في مرحلة الأفول حتى أصيب بالجنون ومات سنة 1849م وجرت مراسم الدفن في هدوء ودون مراسيم خاصة.

لماذا فشل مشروع محمد علي؟

السبب الأهم في فشل مشروع محمد علي أنه كان مشروع فرد ولم يكن مشروع أمة؛ فالباشا أقصى الشعب المصري تماما من المشاركة في صناعة القرار، وتناسى أمرين في غاية الأهمية يوضحان مدى قوة الشعب المصري وقدرته على صناعة المستحيل:

الأول، أن محمد علي لم يصل إلى حكم مصر إلا بعد ثورة شعبية عظيمة ضد الوالي العثماني خورشيد باشا، والذي ثار عليه الشعب بسبب ظلمه وفساده، حتى أجبر السلطان العثماني على الاستجابة لمطالب الشعب التي حاصرت قصر الوالي، كما استجاب السلطان لمطالب الشعب المصري بتعيين محمد علي واليا على مصر وقد كانوا يعرفونه لأنه كان قائد الحامية العثمانية التي مد بها السلطان مصر إبان الغزو الفرنسي (الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت 1798 ــ1801م) والذي شارك إلى جانب علماء الأزهر والشعب المصري ضد الغزو الفرنسي حتى أجبروا نابليون على الجلاء. وعندما تمكن الباشا من السلطة نكل بكل العلماء الذين ساعدوه وعلى رأسهم السيد عمر مكرم نقيب الأشراف والعالم الثائر صد الظلم والطغيان الذي نفاه سنة 1809م.

الثاني، أن الشعب المصري هو من حمى بلاده ضد حملة فريزر الإنجليزية سنة 1807م، عندما استغل الإنجليز وجود الباشا مع قواته في ملاحقة المماليك في أقاصي الصعيد، وحاولوا احتلال مصر، بهدف إقامة قاعدة عمليات عسكرية ضد الدولة العثمانية، وبعد دخول الإنجليز مدينة الإسكندرية وسيطرتهم عليها دون قتال، تمكن المصريون من هزيمة الجيش الإنجليزي في موقعة “رشيد” وذلك بأدوات بدائية حيث قتلوا نحو 900 ضابط وجندي وأسروا نحو 500 آخرين، فتراجع الإنجليز إلى الإسكندرية ثم قرروا الانسحاب والعودة إلى بلادهم. ولم يكن لمحمد علي أو جيشه أي فضل في هذه المعركة التي كان بطلها الأول هو الشعب المصري من علماء وفلاحين وتجار ومهنيين.

السبب الثاني،  أن مشروع محمد علي التحديثي كان يختلف تماما عن مشروع الدولة الغربية الحديثة في وسائله وأهدافه وطموحاته، فالنموذج الغربي تأسس ليُساير الانتقال من الزراعة للصناعة من أجل حسن إدارة الدولة وتحسين رفاهية مواطنيها، في حين تأسست الدولة المصرية الحديثة بدافع طموح عسكري للباشا، في سياق صراعه على النفوذ والسلطة. معنى ذلك أن الدولة الغربية الحديثة تمحورت في نشأتها حول المواطن وسخرت كل إمكانياتها من أجل الشعب وإسعاده وتحقيق الرفاهية له، بينما تمحورت الدولة المصرية الحديثة حول الجيش الذي كونه الحاكم كأداة يوظفه من أجل تكريس حكمه وتوسيع مملكته وقهر شعبه من أجل فرض تصوراته التحديثية التي ارتبطت بالنمط الغربي في شقيه المادي والفكري.  وقد أشار الدوق “داركور” إلى ذلك في كتابه «مصر والمصريون»: «إن “محمد على” على نقيض ما يطنطن به في باريس من خطب رنانة؛ إذ كان لم يعبأ قط بحرية شعبه ولا برفاهته».

السبب الثالث، هو النفوذ الغربي الواسع داخل مصر، فقد كان الفرنسيون والإنجليز يحظون بمكانة رفيعة داخل دولة الباشا، لكن النفوذ الفرنسي كان له الصدارة، فالجيش أشرف على تأسيسه ضابط فرنسي، والمشروعات الهندسية كالقناطر الخيرية وغيرها قام بها مهندسون فرنسيون، ولتحقيق شيء من التوازن أوكل الباشا إلى شركة إنجليزية حق إقامة شبكة السكة الحديد في مصر. وتوغل الأجانب في الجيش ومؤسسات الدولة الوليدة على نحو مفزع وبدعم من الباشا ثم خلفائه من بعده. هذا النفوذ الغربي الواسع والكبير كانت له تأثيرات إيجابية كبيرة، كما أدى إلى نتائج عكسية وكارثية في نهاية الأمر؛ وتسبب هذا النفوذ في تحجيم وحصار مشروع الباشا؛ لأنه لم يقم في كثير من جوانبه ومشروعاته على الأكفاء من المصريين أو العرب والمسلمين بشكل عام.

السبب الرابع، أن مشروع الباشا افتقد إلى المرجعية الإسلامية أو حتى الوطنية والتي يمكن من خلالها إقناع المصريين بالالتفاف حول مشروعه، ولم يكن هناك سوى طموح الباشا وأطماعه لإقامة إمبراطورية ممتدة الأطراف، وهي الأطماع التي وظفتها القوى الغربية لاحقا من أجل دفع الباشا والعثمانيين نحو الصدام المباشر الذي خسر فيه المسلمون كثيرا لصالح القوى الغربية التي ساهم مشروع الباشا في تمكينها من المنطقة من جهة وإضعاف الدولة العثمانية من  جهة ثانية بعد الحروب التي شنها على السلطان وهزيمة الجيش العثماني في كثير من المعارك الأمر الذي استنزف الطرفين حتى تمكن القوى الغربية من فرض أجندتها باتفاقية لندن سنة 1840م.

وحتى ندرك التأثيرات الضخمة التي تركها حكم الباشا وأحفاده على المصريين، فإن الباشا تمكن من إضعاف مواطن القوة والمناعة داخل المجتمع المصري، وأقصى كل صاحب رأي شريف، حتى خضعت مصر لأحفاده من بعده، وعندما قامت الثورة العرابية 1881م، كان من مطالب اللواء أحمد عرابي ورفاقه مساواة الضباط المصريين بالضباط من أصحاب الجنسيات الأخرى داخل الجيش. وزيادة عدد قوات الجيش إلى 18 ألف جندي وقد كان في عهد الباشا 240 ألفا. وعندما جاء الإنجليز لاحتلال مصر استجابة لاستغاثة الخديو توفيق، ألحقوا بالعرابيين هزيمة قاسية ، لكن المفاجأة أنهم وجدوا شعبا مهزوما لا يجاهد في سبيل بلاده ولا يريد أن يجاهد؛ فقد أجرى الباشا وجيشه النظامي تغييرات ضخمة في نفسية المصريين وجعلتهم أكثر تجاوبا وتطبيعا مع حياة المذلة والانكسار.

فهل هذا هو الشعب الذي انتصر ــ  دون جيش  ــ على حملة فريزر سنة 1807م؟ وما الذي تغير؟ ولعل هذا يفسر أسباب الخنوع المصري للإنجليز فلم ينتفض الشعب ضد الاحتلال إلا بعد نحو 40 سنة عندما اندلعت شرارة ثورة 1919م، فلماذا تأخر الشعب كل هذه السنوات الطويلة حتى ينتفض ضد الاحتلال؟ ومن الذي حول الشخصية المصرية إلى مسخ يقبل الدونية ويتعايش مع المذلة والانكسار؟! وكيف جرى هذا التحول الضخم في المصريين وتكوينهم الروحي والنفسي والأخلاقي؟ وهل يمكن أن يتسبب  الاستبداد والطغيان في كل هذه الكوارث؟ فلماذا لا يعتبر  كل طاغية من هذه التجارب ويعلم أن الدول والجيوش إنما تتأسس لخدمة الناس وحمايتهم وإسعادهم وليس لقهرهم وإذلالهم؟!

 

[1] محمد علي مدمر الحياة الإجتماعية الأولشبكة رصد ــ الجمعة، 11 سبتمبر 2015م

[2] حامد فتحي/ ممارسة السلطة على جسم المجند… الحياة الجنسية في جيش محمد علي باشا/ موقع رصيف ــ الأربعاء 1 نوفمبر 2017

[3] حامد فتحي/ ممارسة السلطة على جسم المجند… الحياة الجنسية في جيش محمد علي باشا/ موقع رصيف ــ الأربعاء 1 نوفمبر 2017

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

دمج الاقتصاد غير الرسمي.. الأهداف والمآلات

  تبلغ قيمة الإيرادات في الموازنة العامة للدولة (2021/2022) نحو 1.365 تريليون جنيه، بينما …