‫الرئيسية‬ العالم العربي تونس مستقبل الأزمة في تونس؟
تونس - أغسطس 4, 2021

مستقبل الأزمة في تونس؟

مستقبل الأزمة في تونس؟

 

 

كان الخطر يحيط بتونس منذ زمن، لأن شعبها هو الذي ألهم الشعوب العربية وقادها للثورة على الطغيان، ولانتزاع الحرية التي لطالما غابت شمسها عن سماء الأمة. ولو نجحت الديمقراطية في تونس لأصبحت مثالًا تتطلع له قلوب العرب والأفارقة، وتمضي في الطريق نفسه تكافح من أجل بناء تجاربها الديمقراطية التي تحقق لها الاستقلال الشامل والتقدم القائم على الاكتفاء الذاتي.

إلا أن الدولة التونسية عصفت بها مجموعة من الأزمات خلال الفترة الأخيرة، حتى أعلن الرئيس التونسي قيس سعيد، في الخامس والعشرين من يوليو، عددًا من القرارات السياسية تمثلت بتجميد سلطات مجلس نواب الشعب ثلاثين يومًا، ورفع الحصانة عن أعضائه، وإعفاء رئيس الوزراء هشام المشيشي من عمله، وتولي رئيس الجمهورية رئاسة النيابة العمومية ورئاسة السلطة التنفيذية بمساعدة حكومة جديدة يعينها، كما أصدر قرارًا بإعفاء وزير الدفاع ووزيرة العدل بالنيابة من منصبيهما، وتكليف غيرهما بإدارتهما وتصريف أمورهما إلى حين تعيين حكومة جديدة.

وقد أدت القرارات إلى زيادة احتقان المشهد السياسي التونسي، ورفض كبرى القوى السياسية والكتل البرلمانية لهذه الإجراءات، واتهامها للرئيس بالانقلاب على العملية الديمقراطية. فما هي أبعاد الأزمة التونسية؟ وما هي تداعياتها؟ وكيف يُمكن قراءة خطوات سعيد؟ وما هو مستقبل الأزمة في تونس؟ تلك هي التساؤلات التي سنسعى للإجابة عليها خلال هذا التقرير..

 

خلفيات الأزمة في تونس

مستقبل الأزمة في تونس؟

تُعد تونس من أكثر بلدان الربيع العربي استقرارًا بعد ثورة 14 يناير 2011، وهذا الاستقرار النسبي سمح لها بالدخول في ديناميكية جديدة، وساعدها في نجاح العملية الانتقالية، واستطاعت مع كل أزمة سياسية أن تصل إلى حالة من التوافق بين مختلف الأطراف، إلا أن ثمة قضايا خلافية سياسية واقتصادية لا تزال مفتوحة، وهي ما أدت إلى تأزيم الوضع السياسي أكثر.

أولها؛ تنظيم صلاحيات الرئاسات الثلاث: هناك قضايا خلافية لها أثرها المباشر في أداء رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان، وهي تعود ربما لطبيعة الدستور نفسه، حيث لم تستطع القوى السياسية وضع حلول تنظم العلاقة بين هذه المؤسسات، وتظهر الخلافات بشكل متكرر بين رؤسائها، وقد برزت للسطح خلال حكم الرئيس السابق الباجي السبسي ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، ثم عادت للظهور من جديد بعد انتخابات 2019 بين رئيس الجمهورية قيس سعيد ورئيس البرلمان راشد الغنوشي، حيث جعل رئيس الجمهورية على رأس أولوياته في برنامجه الانتخابي إعادة النظر في النظام السياسي، وتغييره من شبه برلماني إلى رئاسي.

وثانيها؛ طبيعة القانون الانتخابي: لقانون الانتخابات دور بارز فيما يحدث، فطبيعة صياغة القانون والظروف السياسية بعد الثورة ربما كانت تحتم على المشاركين في صياغته عدم السماح لأي حزب بالحصول على الأغلبية، بحيث لا يعود الشعب إلى الوراء، مستحضرين تجربة خمسين سنة ماضية من التفرد، وتخوفًا من حصول بعض القوى المنظمة والمستعدة لهذا التحول على الأغلبية، وربما كان هذا القانون مناسبًا في وقته وسياقاته، إلا أنه أفضى فيما بعد إلى ضعف المؤسسات وتشرذم الأحزاب بحثًا عن مواقعها في الدولة، ولم يستطع أي حزب أن يتحمل مسؤوليته أمام الشعب، وذلك ما أدى إلى ضعف التوافقات السياسية، خاصة ما بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

وثالثها؛ تعثر الإصلاحات السياسية والقانونية: هناك حزمة من الإصلاحات السياسية والقانونية كان ينبغي أن يعاد النظر فيها بالتزامن مع هذه التحولات، تتعلق بتسوية ملف القضاء، واختيار أعضاء المحكمة الدستورية، وتعزيز سلطة الأقاليم والحكم المحلي، وإعادة النظر في الدستور، وإعادة النظر في قانون الانتخابات، إضافة إلى الملف الأمني وملف الإرهاب، ولكنها تأخرت كثيرًا بسبب الترحيل المتكرر لها، الذي راكم هذه القضايا وأدى إلى تأزم الوضع أكثر.

ورابعها؛ ضعف الحلول الاقتصادية: هناك قضايا اقتصادية كبرى تحتاج إلى حلول عاجلة مثل: التهريب، والاحتكار، والفساد، وحجم التضخم، وضعف تحسين القدرات الشرائية للمواطنين، وارتفاع حجم المديونية، وتراجع معدلات النمو، وتخفيض الأجور، وارتفاع معدل الفقر، وتخفيض دعم الوقود، والشعور بالتهميش الجهوي، إضافة إلى تأثيرات جائحة كورونا، وكل هذه المعطيات وضعت الحالة السياسية التونسية أمام تحديات اقتصادية متعددة لا تقل خطرًا عن التحديات السياسية، أدت إلى حالة من خيبة الأمل الشعبي في الأطراف السياسية جميعها.[1]

وثيقة “الدكتاتورية الدستورية

مستقبل الأزمة في تونس؟

كشف موقع (Middle East Eye) البريطاني ما قال إنها وثيقة مسربة عن الرئاسة التونسية يعود تاريخها إلى 13 مايو، وتكشف الوثيقة تفاصيل محاولة انقلاب دستوري من الرئيس على الحكومة والبرلمان. وأفاد الموقع أن الوثيقة تتعلق بتدابير الرئاسة التونسية لفرض حالة استثنائية وتكريس السلطات في يد الرئيس قيس سعيد، في أحدث فصول الصراع السياسي في البلاد.

وذكر أنها سُرّبت من مكتب مديرة الديوان الرئاسي التونسي نادية عكاشة، وتضمَّنت عدة نقاط أبرزها انتزاع السلطة من الحكومة المنتخبة التي يقودها هشام المشيشي، بالإضافة إلى دعوة خصوم الرئيس إلى قصر قرطاج على غرار رئيس البرلمان راشد الغنوشي. وحسب الوثيقة، سيتم الإعلان عن الخطة بوجودهم مع عدم السماح لهم بالمغادرة. وتشير الوثيقة إلى أن سعيد سيُعلن خلال الاجتماع ما أسمته الوثيقة “الدكتاتورية الدستورية” وهي أداة لتركيز كل السلطات في يد رئيس الجمهورية.

وكان البعض قد لاحظ أن خطاب الرئيس قيس سعيد منذ زيارته الأخيرة لمصر أصبح خطابًا أيديولوجيًا ينال من وحدة المجتمع التونسي، فخطاب سعيد الذي ألقاه من مسجد الزيتونية مخالف لأصول العمل الدستوري في تونس، ما دام يعتمد استعمال المساجد لأغراض سياسية. وحاول فيه التفرقة بين المسلمين والإسلاميين بما يعني إقصاء الإسلاميين عن الإسلام وهذا خطاب فيه شبهة تكفيرية.[2]

ووصفت الوثيقة الوضع بأنه “حالة طوارئ وطنية” تنص على ما يلي: “في مثل هذه الحالة يكون دور رئيس الجمهورية أن يجمع كل السلطات في قبضته حتى يصبح مركز السلطة التي تمكِّنه حصريًا من كل السلطات”. ومن ثمَّ سيعلن الرئيس سعيد –وفقًا للوثيقة- أنه سيفعِّل الفصل 80 من الدستور الذي يسمح للرئيس بالاستيلاء على السلطات في حالة طوارئ وطنية.

وتنص الوثيقة أيضًا على تعيين اللواء خالد اليحياوي وزيرًا للداخلية بالإنابة، وسيتم نشر القوات المسلحة على مداخل المدن والمؤسسات والمرافق الحيوية. وفي الوقت ذاته سيتم وضع الأشخاص الرئيسيين تحت الإقامة الجبرية، منهم من حركة النهضة، ونواب ائتلاف الكرامة، ونواب من حزب قلب تونس، بالإضافة إلى رجال أعمال ومستشارين في ديوان رئيس الوزراء وغيرهم. ولجعل الانقلاب شعبيًا، تقول الوثيقة إن جميع مدفوعات الفواتير أو الكهرباء والمياه والهاتف والإنترنت والقروض المصرفية والضرائب سيتم تعليقها لمدة 30 يومًا، وسيتم تخفيض أسعار السلع الأساسية والوقود بنسبة 20%. وتتضمن الخطة مقترحات لمنع أي برلماني مطلوب للمحاكم التونسية من مغادرة البلاد، وإعفاء جميع المنتمين إلى الأحزاب السياسية من مناصبهم في البلاد.[3]

هل ما حدث في تونس انقلاب؟

مستقبل الأزمة في تونس؟

الانقلاب هو تعطيل المؤسسات الدستورية والسيادية العاملة في البلاد، والاستيلاء على السلطة، من دون وجه حق، ومن ثم البدء بتغيير شكل النظام السياسي، وهذا ما يحدث بالضبط في تونس، حيث أن التونسيين انتخبوا الرئيس قيس سعيد رئيسًا للجمهورية، وليس رئيسًا للحكومة ورئيسًا للبرلمان ونائبًا عامًا، ولا يجوز له الاستيلاء على هذه المناصب، لأن الاستيلاء عليها يعني أن السلطات الثلاث ستكون مركزة في يد شخص واحد، وهذا معناه بالضبط تعطيل العمل بالدستور والاستيلاء الكامل على السلطة.

ومن المهم الإشارة هنا أيضًا إلى أن الناخبين الذين منحوا أصواتهم لسعيد، وأعطوه الشرعية حتى يصبح رئيسًا، هم أنفسهم منحوا أصواتهم لراشد الغنوشي حتى يتولى البرلمان، ومن المؤكد أنهم لم يمنحوا لأي من هؤلاء التفويض والشرعية حتى يكون بن علي جديد، ولا أن ينفرد بالسلطة ويستأثر بحكم البلاد لنفسه وحيدًا.

إضافةً إلى ذلك، فلا يوجد أي نظام ديمقراطي في العالم يقوم بتعطيل السلطات الثلاث، خاصة السلطة القضائية، التي هي ضمانة نهائية للحياة الديمقراطية في أي بلد بالعالم، إذ في أحلك الأوقات وأصعب الظروف يظل متاحًا أمام الناس في الأنظمة الديمقراطية القضاء المستقل، الذي يُفتي بما يجوز وما لا يجوز، ويعيد للناس حقوقها بقوة القانون.

أما الاستيلاء على منصب النائب العام فهذا يعني المساس بالسلطة القضائية، بعد تعطيل التشريعية (البرلمان) والانفراد بالتنفيذية (الحكومة). أما الادعاء بأن المادة 80 من دستور تونس تجيز للرئيس أن يتخذ هذه القرارات في الظروف الاستثنائية، فجوهر هذه المادة وأهم ما فيها تم انتهاكه، وهو ضرورة إبقاء البرلمان في حالة انعقاد دائم، ما يعني أن السلطة التشريعية ستتولى مراقبة أعمال الرئيس خلال فترة التدابير الاستثنائية، بينما تنص قرارات سعيد على تعطيل البرلمان، ورفع الحصانة عن أعضائه، هذا فضلًا عن أنه من المعلوم بالضرورة ماذا يعني رفع الحصانة عن النواب، حيث سيصبحون تحت تهديد الاعتقال في أي لحظة.

كما توجب المادة 80 من الدستور التونسي أن يكون اتخاذ القرارات الرئاسية قد تم بموجب التشاور مع كل من رئيس الحكومة ورئيس البرلمان، وهو ما لم يحدث أبدًا، حتى أن رئيس الحكومة اختفى ورئيس البرلمان دعا شعبه للنزول إلى الشارع، ما يعني أن لا علاقة لأي منهما بما يفعله الرئيس قيس سعيد. لهذه الأسباب كلها لا يمكن أن تكون قرارات الرئيس التونسي إلا انقلابًا ومحاولة للاستيلاء على السلطة.[4]

مواقف القوى السياسية والدولية

السفير الأمريكي في تونس

تباينت مواقف القوى السياسية التونسية من الخطوة الجذرية التي اتخذها الرئيس قيس سعيد بحسب موقع كل حزب وتنظيم من السلطة:[5]

الموقف المحلي: وقد انقسم بين قوتين؛ أولهما؛ قوى مُعارِضة: وهي أساسًا أحزاب التحالف الثلاثي الداعم لحكومة هشام المشيشي، وتتزعمها حركة النهضة إلى جانب حزبي قلب تونس وائتلاف الكرامة. وقد اعتبرت هذه القوى أن ما قام به الرئيس “انقلاب على الديمقراطية”، ودعت أنصارها للنزول إلى الشوارع و”الدفاع عن الشرعية”، ودعت النواب إلى الالتحاق بالمجلس النيابي الذي أغلقته وحدات عسكرية.

وثانيهما؛ قوى مُؤيدة: وهي أساسًا الأحزاب المعارضة لحكومة المشيشي، وعلى رأسها حركة الشعب القومية التي دعمت إجراءات الرئيس بشكل واضح، وحزب التيار الشعبي القومي الذي عبر عن تأييده لإعلان التدابير الاستثنائية، إلى جانب الاتحاد العام التونسي للشغل، المركزية النقابية القوية، والذي لم يرفض القرارات التي اتخذها الرئيس سعيد، داعيًا في الوقت نفسه إلى “ضمانات دستورية مرافقة لقرارات رئيس الدولة”. إلى جانب وجود تأييد شعبي ملحوظ لقرارات سعيد، حيث نزل العشرات من التونسيين للاحتفال في الشوارع بهذه الإجراءات.

أما عن موقف المؤسسة العسكرية؛ فلم يصدر أي بيان إلى الآن بخصوص موقف المؤسسة العسكرية مما يجري، إلا أن هناك اتهامات للرئاسة بفرض القرارات المتخذة بالقوة، وذلك من خلال تحويط المؤسسة العسكرية لمبنى البرلمان، وحضور بعض القيادات العسكرية بيان الرئيس، ورفض وزارة الدفاع استقبال رئيس لجنة تنظيم الإدارة وشؤون القوات الحاملة للسلاح في البرلمان، يسري الدالي، برفقة نواب من حركة النهضة، بهدف الاستيضاح عن إغلاق البرلمان، وإقالة وزير الدفاع، كل هذه المؤشرات توحي بأن هناك محاولات لإقحام الجيش التونسي في هذه المعركة السياسية التي نأى بنفسه عنها كثيرًا.

الموقف الإقليمي: صدرت مواقف بعضها حَذِر، وبعضها الآخر مُباشر من دول الجوار المغاربي الأوروبي وتركيا، حيث تباينت بين الانحياز والدعوة للحوار: الجزائر؛ أعلنت الرئاسة الجزائرية أن الرئيس عبد المجيد تبون تلقى مكالمة هاتفية من الرئيس التونسي قيس سعيد “تبادلا فيها مستجدات الأوضاع في تونس، كما تطرق الرئيسان إلى آفاق العلاقات الجزائرية التونسية وسبل تعزيزها”. ولئن لم يُفصِح الجانب الجزائري عن فحوى الاتصال، إلا أنه يكشف عن تشاور تونسي جزائري بشأن ما حدث.

ليبيا؛ تباينت مواقف الفرقاء في ليبيا حول الخطوة التي أقدم عليها الرئيس التونسي، حيث اعتبر رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبي خالد المشري قرارات سعيد “انقلابًا على الأجسام المنتخبة” في انحياز أيديولوجي لحركة النهضة، باعتباره ينتمي للتيار الإخواني. في المقابل، وصف المشير خليفة حفتر، القائد العام للجيش الوطني الليبي، ما يجري في تونس بـأنه “انتفاضة الشعب التونسي ضد الإخوان”. تركيا؛ في خطوة متوقعة أدانت تركيا الإجراءات التي أعلن عنها الرئيس قيس سعيد واستنكر المتحدث الرئاسة التركية إبراهيم قالن، ما اعتبره “تعليقًا” للعملية الديمقراطية في تونس، فيما جدد نائب رئيس حزب العدالة والتنمية نعمان قورتولموش، موقف أنقرة المبدئي الرافض للانقلابات أينما كانت.

الموقف الدولي: الاتحاد الأوروبي؛ حث الاتحاد الأطراف السياسية الفاعلة في تونس على احترام الدستور وتجنب الانزلاق إلى العنف، وقالت متحدثة باسم المفوضية الأوروبية “نتابع عن كثب أحدث التطورات في تونس وندعو كافة الأطراف في تونس إلى احترام الدستور ومؤسساته وسيادة القانون، كما ندعوهم إلى التزام الهدوء وتجنب اللجوء إلى العنف حفاظًا على استقرار البلاد”.

لكن اللافت أن الاتحاد الأوروبي لم يصدر أي تقييمات سياسية للإجراءات التي أقدم عليها الرئيس سعيد. الولايات المتحدة؛ أظهرت الإدارة الأمريكية مواقف غير محسومة تجاه تطورات تونس الأخيرة؛ فمن ناحية بادر البيت الأبيض إلى إعلان قلقه بشأن ما جرى، لكنه أشار إلى أن واشنطن “لم تحدد بعد ما إذا كان الوضع في تونس يعد انقلابًا”. وفي الوقت نفسه، حثّ وزير الخارجية أنتوني بلينكن الرئيس التونسي قيس سعيد في اتصال هاتفي بينهما، بحسب بيان صادر عن وزارة الخارجية الأمريكية، على “الالتزام بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تُعد الأسس التي يقوم عليها الحكم في تونس”، وشجَّعه على “الاستمرار في الحوار المفتوح مع جميع الأطراف السياسية والشعب التونسي”.

انقلاب تونس في عيون الإعلام الغربي

في سنة 2011 انهارت حكومة سلطوية قمعية، لأنها أثبتت عجزها عن تلبية مطالب الشعب، فهل عودتها ستحل أي شيء؟ هكذا استهلت صحيفة غارديان البريطانية افتتاحيتها بشأن ما وصفته بانقلاب تونس، مشيرة إلى أنها في 2011 كانت الدولة العربية الأولى التي أطاحت بدكتاتوريتها، والوحيدة التي بقيت فيها ديمقراطية حقيقية.

وترى غارديان أن الأحداث في العاصمة تشير إلى أن البلاد تشهد ثورة مضادة، واعتبرت الصحيفة اقتحام قوات الأمن محطات التلفاز علامة غير جيدة على الإطلاق، وأن ما كان دفء الربيع العربي تحول بالتأكيد إلى برد الشتاء. ورأت في وصف المعارضة -التي تتمثل بشكل أساسي في حزب حركة النهضة الذي يتمتع بأكبر عدد من المقاعد في البرلمان- أفعال الرئيس بـ”الانقلاب” بأنه وصف يصعب الاختلاف معه.

واختتمت غارديان افتتاحيتها بأن هناك أزمة في تونس، وأن نزع فتيلها سيتم من خلال رؤية حالة الطوارئ على حقيقتها ومعالجة أسبابها، وليس من خلال الإصرار على الحجج المناهضة للديمقراطية التي تجاوزت تاريخ انتهاء صلاحيتها.[6] ودعا المعلق جوش روغين في صحيفة واشنطن بوست الرئيس جوزيف بايدن للعمل بشدة ووقف الانقلاب في تونس. وقال إن الرئيس بايدن عندما كان نائبًا للرئيس باراك أوباما، استقبل عام 2015 في مقر إقامته بواشنطن، الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي، وقال إن الأمريكيين يؤكدون على الأهمية التي تضعها الولايات المتحدة كي تنجح الديمقراطية في تونس، وأضاف الكاتب أن الرئيس التونسي الحالي يمتحن اليوم التزام بايدن بذلك الوعد.[7]

بين تونس ومصر

قيس سعيد والسيسي

إن وضع كلا الحالتين في ذات السلة ليس صائبًا، لأن الظروف مختلفة. والفارق الأكبر بين الحالتين أن النهضة لم تحكم؛ لا في الظاهر (كما في مصر)، ولا في الواقع الحقيقي. فهي لا تملك سوى أقل من ربع مقاعد البرلمان، ونجحت في التفاهم مع عدد من القوى لأجل الوصول إلى الغالبية البرلمانية التي تمنح الثقة لحكومة يرأسها شخص رشحه الرئيس نفسه، وليس الحركة، قبل أن يعود للانقلاب عليه تبعًا لرفضه التحكُّم بمرشحي وزارته.

والدولة العميقة في تونس ضعيفة قياسًا بمصر، إلا أنه رغم ذلك هناك تساؤل حول مدى تقبلها بتحكُّم رجل بلا تاريخ ولا إمكانيات فيها، إلا إذا منحها ما تريد. ومن ثمَّ لم يكن يُنتظر منها مواقف ثورية لا تسمح بها ساحة منقسمة ومخترقة، وللعلمانية فيها حضور كبير، لا تجده في أي بلد عربي آخر؛ بجانب اليسار، وفوق ذلك قوة الاتحاد العام للشغل المناهض للنهضة أيضًا.

وما يجب قوله هنا ويُعد أحد أوجه الشبه بين الحالتين التونسية والمصرية؛ هو أن قوى الإصلاح أو التغيير تغدو يتيمة حين لا يتوفر لها ظهير خارجي، وتغدو أكثر يُتمًا حين يكون أكثر الخارج (الإقليمي والدولي) ضدها، وتغدو أسوأ من ذلك بكثير، حين تكون حصتها في الشارع غير قادرة على الحسم، كما هو حال النهضة راهنًا، ثم يصير الوضع أسوأ وأسوأ، حين تتوفر قوىً خارجية تملك قابلية الدفع بلا حساب لكل من يعمل على التخريب عليها.

كل ذلك كان متوفرًا في الحالة التونسية، ولا يشذّ عنه سوى موقف مختلف وقليل التأثير من قطر وتركيا، وقد كان لافتًا أن إيران أيضًا كانت ميالة لسعيد، وبالطبع تبعًا لتأييده لنظام بشار من جهة، ولأنها تتفق مع “الثورة المضادة” ضد ربيع العرب، ولا تفضل وجود أنظمة بروافع شعبية، فضلاً عن أن تكون تلك الروافع إسلامية (سنية).[8]

ويُعد أحد أوجه الشبه الأخرى؛ أن ما أتاح الفرصة لهذا الانقلاب ليس حيازة سعيد على شرعية شعبية خارقة، وقد انتخُب رئيسًا بأصوات أقل من 40% من مجموع الناخبين في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية قبل عامين بعد أن صوَّت له أقل من 9% من الناخبين في الدورة الأولى. بل إن ما خوَّل سعيد تنفيذ انقلابه ليس سوى تأييد القوات المسلحة التونسية لقراراته، والحال أن صورة الاجتماع الذي ضمَّ قادة الأجهزة المسلحة التونسية عند إعلانه لقرارته كفيلة بأن تؤكد لمن ساوره شك في الأمر أن ما جرى في تونس يوم الأحد الماضي هو انقضاض على الديمقراطية من نوع ما ألفنا في منطقتنا كلما تأزَّمت الأوضاع في بلد ما. وعلى غرار ما حصل في مصر قبل ثماني سنوات، فإن الجسم الأعظم لليسار التونسي متمثلًا بالحركة العمالية، التي تعبِّر عنها قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل قد وقع في فخ تأييد الانقلاب، والتوهُّم (وإيهام الشعب في آن واحد) بأنه مجرد تصحيح للمسار الديمقراطي، مثلما فعلت أبرز قوى اليسار المصري إزاء انقلاب 3 يوليو، علمًا بأن منظمات سياسية يسارية تونسية مثل حزب العمال الذي يرأسه حمة الهمامي قد أدانت تدابير سعيد وحذَّرت من انزلاق البلاد من جديد نحو الدكتاتورية.[9]

تهدئة النهضة

الغنوشي رئيس مجلس النواب التونسي وزعيم حركة النهضة

مساء 26 يوليو، وَجَّه راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة التونسية ورئيس البرلمان، دعوة إلى أنصاره لمغادرة موقع اعتصامهم أمام البرلمان. وبدا خيار النهضة (53 نائبا من 217) مختلفًا عن خيارات حركة الإخوان المسلمين في مصر، عقب الإطاحة في 3 يوليو 2013 بالرئيس محمد مرسي، بعد عام واحد له في الرئاسة. كما بدا مختلفًا عن خيار الشعب التركي، الذي تصدى لمحاولة انقلابية فاشلة، في 15 يوليو 2016، عبر إلقاء أنفسهم أمام دبابات والاعتصام في الشوارع، ما حمى الديمقراطية التركية من الانهيار.

ويُعد سلوك النهضة بالتهدئة ناجم عن قراءة سريعة للأحداث وتطوراتها وانعكاساتها، حيث: من جهة؛ التصعيد سيخرج بالخلاف السياسي إلى مآلات منها توريط الجيش بالتدخل لوقف التحركات. كما أن الاحتكام إلى الشارع قد يولِّد قوة اجتماعية جديدة مؤيدة للرئيس، أي إلى شرخ مجتمعي قد يؤدي إلى العنف، وهكذا أعادت النهضة الخلاف إلى المربع السياسي عوضًا عن مربع الشارع، وهي بذلك تسحب أي ذريعة للرئيس للذهاب إلى أقصى السيناريوهات الممكنة التي تنسف ليس الدستور فقط، بل تجربة الانتقال الديمقراطي على تعثرها.

ومن جهة ثانية؛ الذي يدفع النهضة إلى هذه الاختيارات، هو أن هذا يجعل الذين يختلفون مع قرارات سعيد في صف واحد، هو صف الدفاع عن الدستور والانتقال الديمقراطي إذا لم تتصدر النهضة ذلك؛ فهذا الأمر لا يجعل النهضة وكأنها هي الناطق الرسمي الوحيد باسم المحافظة على الشرعية، بل هي معركة اجتماعية تخوضها كل النخب. فكلما انسحبت النهضة من قيادة هذه الجبهة (المناهضة لقرارات سعيد) كلما تعزز مخيم المدافعين عن الدستور والرافضين لإجراءات سعيد الاستثنائية.

لذلك رأينا موقف حزب العمال (أقصى اليسار) وأطراف عديدة بقطع النظر عن اختلافهم الجذري مع النهضة، فهم يريدون إعادة ترتيب الأمور للدفاع عن الجمهورية الديمقراطية خارج النزعات الشعبوية والنزعات الاستبدادية والدفاع عن مدنية الدولة، وهذا لا يكون بتصدر النهضة، بل بالظهور أنها فاعل من الفاعلين فقط، وهذه الجبهة ستتوسع كلما ذهب الرئيس في إجراءات استثنائية جديدة.

ومن جهة ثالثة؛ فإن ميل النهضة إلى التهدئة ينتج من إدراكها بأن قسمًا كبيرًا من الشارع ليس معها والدفع بأنصارها إلى الشارع لن يجد أي استجابة، خاصةً أمام تنامي الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والأزمة الصحية، والقرارات الأخيرة للحكومة (في المجال الصحي) جعلت النهضة تتحمل أوزار الحكم وهي لا تحكم، لكن عليها تحمل المسؤولية في النهاية، بالإضافة إلى الدعاية الإعلامية التي تعمل ضدها. ورغم ذلك ففقد قال رياض الشعيبي، المستشار السياسي للغنوشي، حول اتجاه النهضة للتهدئة بأنه ليس أمرًا نهائيًا، فإذا تطور الوضع يمكن أن تدعو النهضة إلى مسيرات كبرى.[10]

سيناريوهات المشهد السياسي التونسي

مستقبل الأزمة في تونس؟

المشهد التونسي يعيش أزمات متنوعة، وقد كان من المفترض أن تصب الجهود الداخلية في حلحلة الأزمة بعيدًا عن التوظيف السياسي لها، لكن يبدو أن القرارات الأخيرة ستسهم في تعقيد الوضع أكثر في حال استمرارها. وبناء على المحددات السابقة فإننا أمام عدد من السيناريوهات:[11]

السيناريو الأول: اتساع الفجوة بين الفرقاء:  يفترض هذا السيناريو مضي الرئيس قيس سعيد في تنفيذ قراراته، وإقصاء القوى السياسية المعارضة لهذه القرارات، واستمرار تعطيل مؤسسات الدولة، والاتجاه نحو إصلاحات دستورية تعيد إنتاج النظام الرئاسي، ما يعني اتساع الفجوة بين فرقاء العملية السياسية، ويؤكد هذا السيناريو: رغبة الرئيس في إعادة إصلاح الدستور الحالي، واستمراره في القرار قد يتيح له تحقيق طموحه. الاستعانة بالجيش في تنفيذ هذه القرارات، وغلق الإدارات يومين، مع إمكانية العودة إلى الإغلاق. بحث المجتمع الدولي عن ضمانات تحد من الانعكاس السلبي للقرارات على الوضع التونسي ودول الجوار، وفي حال توفر هذه الضمانات فقد يتماهى المجتمع الدولي مع الواقع. قبول رئيس الحكومة قرارات الرئيس حسب البيان المنسوب إليه، وهو ما أدى إلى إضعاف جبهة المعارضة.

هذا السيناريو قابل للتحقق في حال وقوف المؤسسة العسكرية والأمنية إلى جانب قرارات الرئيس، مقابل إضعاف المؤسسات الحزبية، وهذا سيكون له انعكاساته المتمثلة باعتقالات المعارضين، ومصادرة مؤسسات الدولة، وإفشال التجربة الديمقراطية في تونس. في المقابل فإن هذا السيناريو قد يضعف في حال تصاعد الرفض الشعبي للقرارات، في ظل تخوف الأطراف السياسية من تغييب مؤسسات الدولة والتفرد بالقرار، ودعوة المجتمع الدولي والإقليمي إلى استتباب الوضع السياسي في تونس.

السيناريو الثاني: تراجع الرئيس عن قراراته: يفترض هذا السيناريو تراجع الرئيس قيس سعيد عن قراراته للأسباب الآتية: ضعف التأييد السياسي للقرارات، والضغط باتجاه التراجع عنها. تراجع بعض الأحزاب القريبة من قيس سعيد عن تأييد القرار مثل التيار الديمقراطي. عودة الرئيس لتحديد الفترة بثلاثين يومًا. عدم ضمان الولاء المطلق من المؤسسة العسكرية للقرارات. في المقابل يضعف هذا السيناريو تماهي بعض القيادات العسكرية مع هذه القرارات، والتصميم الرئاسي على المضي في تنفيذها، وحظر التجوال الجزئي، وحظر التجمع فوق ثلاثة أشخاص، واقتحام مؤسسات إعلامية.

السيناريو الثالث: العودة إلى الحوار الشامل والاتفاق على صيغة توافقية جديدة: يفترض هذا السيناريو الذهاب سريعًا باتجاه الحوار الداخلي، والخروج بصيغة توافقية، وهذا هو السيناريو المرجح، وفقًا للشواهد الآتية:  الخشية من طول الأزمة، وعدم وضوح الخطوات العملية المستقبلية. ضغط الاتحاد التونسي ومنظمات داخلية وخارجية باتجاه ضبط ملامح المرحلة القادمة، والمطالبة بعدم تحويل هذا الاستثناء إلى أصل. دعوة منظمات دولية كبرى، كالاتحاد الأوروبي، لاستمرار النشاط البرلماني بأقرب وقت ممكن. رفض المجلس الأعلى للقضاء قرار الرئيس تولي النيابة العمومية. حرص دول إقليمية على أداء دور الوساطة كالجزائر. انخفاض حدة الخطاب بين رئيس البرلمان ورئيس الجمهورية. ولكن هذا السيناريو تعترضه جملة من التحديات، منها مواقف بعض الأطراف الإقليمية والدولية المناوئة للربيع العربي، والفجوة السياسية بين رئيس الجمهورية وحركة النهضة.

 

الخُلاصة؛ في النهاية، تمثل التطورات الراهنة في الداخل التونسي منعطفًا هامًا، ربما يتمخض عنه إعادة بلورة خريطة موازين القوى في الداخل، فضلًا عن التداعيات المحتملة لهذه التطورات على السياق الإقليمي في المنطقة، ومن ثم يُرجَّح أن تشهد الفترة المقبلة مزيدًا من الانخراط الدولي والإقليمي لمحاولة حلحلة الأزمة وتجنب أي تصعيد محتمل قد يؤثر على مصالح كافة الأطراف.

وربما لن يكون بمقدور الرئيس قيس سعيد الاستمرار في خوض هذه المغامرة حسب ما يطمح إليه، وذلك لعدم وضوح ملامحها المستقبلية حتى للمؤيدين لها، ولهذا رفضت أكثر القوى السياسية التونسية هذه الخطوة، ولم تستطع المؤسسة العسكرية إعلان موقفها بوضوح تجاه ما يحدث، كما جاءت الدعوات الإقليمية والدولية باتجاه التوصل إلى صيغة توافقية، وربما لن يسمح المجتمع الدولي بتعقيد الأزمة أكثر، في حال لم تتضح ملامحها المستقبلية، ولهذا فإن من المرجح أن يتم تنظيم حوار داخلي للخروج بصيغة توافقية، بغض النظر عن طبيعتها وصلاحيتها، لاسيما بعد تراجع النهضة عن تصدُّر المشهد السياسي للأزمة.

 

 

[1]  “المشهد السياسي التونسي بعد إقالة الحكومة وتجميد البرلمان”، مركز الفكر الاستراتيجي للدراسات، 29/7/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/5sIAU

[2]  “وثيقة في تونس تتهم الرئيس بمحاولة الانقلاب على الحكومة والبرلمان.. إليك التفاصيل”، الجزيرة مباشر، 25/5/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/eJZ1N

[3]  “نشرها موقع ميدل إيست آي.. وثيقة سرية مسربة من الرئاسة التونسية تتحدث عن خطة لـ“دكتاتورية دستورية””، الجزيرة نت، 23/5/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/hPEru

[4]  محمد عايش، “هل ما يحدث في تونس انقلاب؟”، القدس العربي، 26/7/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/BxKXl

[5]  أحمد نظيف، “إعلان “حالة الخطر الداهِم” في تونس: الأصداء والتأثيرات”، مركز الإمارات للسياسات، 27/7/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/7Xqml

[6]  “غارديان: انقلاب تونس.. عندما يتحول الربيع إلى شتاء”، الجزيرة نت، 27/7/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/I27SM

[7]  ابراهيم درويش، “واشنطن بوست: على بايدن وقف انقلاب تونس وإلا ترك الساحة لأنظمة الانقلابات في الخليج ومصر إن لم تكن متورطة أصلا فيه”، القدس العربي، 27/7/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/MPnkq

[8]  ياسر الزعاترة، “انقلاب تونس.. ليس كمصر.. ثم إلى أين؟”، عربي 21، 28/7/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/7hSeQ

[9]  جلبير الأشقر، “قيس سعيد يستوحي من عبد الفتّاح السيسي”، عربي 21، 28/7/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/NNX9i

[10]  عادل الثابتي، “تهدئة النهضة في تونس.. إعلاء للصالح العام أم واقعية سياسية؟ (تحليل)”، الأناضول، 29/7/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/nTdUu

[11]  “المشهد السياسي التونسي بعد إقالة الحكومة وتجميد البرلمان”، مرجع سبق ذكره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

تمديد الإجراءات الاستثنائية في تونس.. الدلالات والتداعيات المستقبلية

  بقرار الرئيس التونسي قيس سعيّد، في 25 أغسطس الماضي، تمديد العمل بالإجراءات الاستثنا…