‫الرئيسية‬ العالم العربي ليبيا هل تسير قاطرة الانتخابات الليبية للإمام؟ .. بعد فتح الطريق الساحلى
ليبيا - أغسطس 6, 2021

هل تسير قاطرة الانتخابات الليبية للإمام؟ .. بعد فتح الطريق الساحلى

هل تسير قاطرة الانتخابات الليبية للإمام؟ .. بعد فتح الطريق الساحلى

 

 

تبدو احتمالية إقامة الانتخابات الليبية، فى ديسمبر المقبل، ممكنة أكثر ممَّا مضى، وذلك بالنظر للدفع الدولي المستمر بهذا الاتجاه، وتجاوب الأطراف الليبية نسبياً مع هذه المساعي، والإنجازات غير المتوقعة التي حققتها جهود الوساطة الأممية من قبيل انتخاب مجلس رئاسي ورئيس وزراء جديد في ليبيا في فبراير الماضي، ومن ثم نجاح رئيس الوزراء المنتخَب من قبل ملتقى الحوار عبد الحميد دبيبة في تشكيل الحكومة، بل وحتى في نيل ثقة مجلس النواب في سابقة هي الأولى منذ عام 2014.

آخر إنجازات الوساطة الأممية والمساعي الدولية تمثل في خطوة إعادة فتح الطريق الساحلي “مصراتة – سرت” الرابط بين شرقي وغربي البلاد، والذي مثل إشارة إيجابية وتمهيدية للانتخابات العامة المرتقبة في ديسمبر المقبل[1].

 

أولًا: قاطرة الانتخابات الليبية تسير نحو الإمام:

يبدو أن قاطرة الانتخابات الليبية تسير بخطى ثابتة، وإن كانت متباطئة، نحو الأمام، وهو ما أظهرته مؤخرًا مجموعة من المؤشرات تتمثل أبرزها فى:

– فتح الطريق الساحلى:

هل تسير قاطرة الانتخابات الليبية للإمام؟ .. بعد فتح الطريق الساحلى

إعلان لجنة الـ5+5 العسكرية المشتركة، فى 30 يوليو الماضى، إعادة فتح الطريق الساحلي الرئيسي “مصراتة – سرت” الرابط بين شرقى وغربى البلاد. وإعادة فتح الطريق الساحلي، بعد عامين من غلقه، تشكل “أول نجاح بارز” لحكومة الوحدة الوطنية بعد استلامها السلطة رسميا في 16 مارس الماضي، وأيضا نجاح للجنة الـ5+5 منذ اتفاقها على وقف إطلاق النار في جنيف في 23 أكتوبر 2020.

ولا تكمن أهمية هذا النجاح في رفع المعاناة عن الليبيين وتسهيل تنقل المسافرين والبضائع بين غرب البلاد وشرقها فقط، بل الأهم من ذلك إنهاء أحد أوجه الانقسام في البلاد، ولذلك دلالة رمزية على أن البلاد في طريقها للملمة شتاتها في مواجهة مشاريع الانقسام أو الانفصال أو الفدرالية. وهذا ما أشار إليه عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة الوحدة، في كلمته التي ألقاها بسرت (شرق طرابلس) عقب إزالته أحد السواتر الترابية، قائلا: “عهد التشتت والفرقة وشبح الانفصال قد ولى إلى غير رجعة”.

أضف إلى ذلك، فإن فتح الطريق يمثل تقدم العسكريون، ممثلين في لجنة الـ5+5، التي تضم ضباطا من الجيش الليبي وآخرين من مليشيات حفتر، يمثل خطوة جديدة على السياسيين سواء في ملتقى الحوار (لجنة الـ75) أو فرق الحوار التي جمعت وفودا من مجلسي النواب والدولة. فكما شكل اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقعته لجنة الـ5+5 العسكرية، خطوة متقدمة سمحت فيما بعد للسياسيين في ملتقى الحوار باختيار مجلس رئاسي جديد وحكومة وحدة وطنية، فإن فتح الطريق الساحلي على رمزيته من شأنه تشجيع السياسيين على التقدم في ملفي القاعدة الدستورية وقوانين الانتخابات[2].

– تجاوب حفتر مع مساعى حل الأزمة الليبية:

هل تسير قاطرة الانتخابات الليبية للإمام؟ .. بعد فتح الطريق الساحلى

قد كان لافتاً أيضاً تجاوب خليفة حفتر مؤخراً مع المسار الدولي لحل الأزمة الليبية، وهو ما ظهر فى دعوته “للتسجيل بكثافة في سجلات منظومة الانتخابات القادمة”، بجانب إعلانه الأخير عن دعمه لفتح الطريق الساحلي[3]. ومن مظاهر انفتاح حفتر أيضًا، لقائه بوزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو، فى 2 أغسطس الجارى، وذلك قبل مراسم إعادة فتح القنصلية الإيطالية في مدينة بنغازي، شرق ليبيا.

وهو اللقاء الذى يأتى بعد زيارة دي مايو لطرابلس، ولقاءاته مع كل من رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة[4]. وتشير العديد من التقارير الإعلامية إلى أن زيارة وزير الخارجية الإيطالى تأتى تمهيدًا لتنظيم “قمة” بين الفاعلين السياسيين في ليبيا بروما قبل نهاية شهر أغسطس الحالي لحل القضايا الخلافية التى تواجه الانتخابات المقررة فى ديسمبر المقبل[5].

ويمكن الإشارة إلى عدة أسباب تقف خلف هذا التجاوب من قبل حفتر خاصة فيما يتعلق بموافقته على فتح الطريق الساحلى، منها؛ أن حلحلة الملفات الخلافية مثل فتح الطريق الساحلى قد يسهم في إجراء الانتخابات في موعدها، والذي يبدو أن حفتر يحرص عليها طمعا في أن تحقق له مراده في الوصول إلى كرسي الحكم في ظل الاعتقاد بأنه لا وجود لمنافس حقيقي للفوز بالانتخابات الرئاسية.

من جهة أخرى، فإن حفتر سيظهر بمظهر المستجيب للضغوط الدولية لدفع المسار السياسي خطوات إلى الأمام، وفي حال فشل المسار السياسي وتم تعطيل الانتخابات، فستكون الفرصة سانحة أمام حفتر لممارسة مغامرته المفضلة وهي الحرب، أي أنه سيكون مستفيدا في كلا الحالي[6].

كما يخشى حفتر أن يتم تحميله مسؤولية عرقلة فتح الطريق الساحلي بين الشرق والغرب ما قد يعرضه لعقوبات دولية أو على الأقل أمريكية وغربية، مثلما كان الشأن بالنسبة لمحمود الورفلي ومحمد الكاني، التابعين لمليشيات حفتر، قبل أن يتم تصفيتهما.

ومن شأن أي عقوبات دولية على حفتر أن تؤثر على حظوظه وعلى سمعته في الترشح للرئاسيات والفوز بها، خاصة مع عودة سيف الإسلام القذافي للظهور مجددا كمنافس قوي له على الساحة السياسية[7]، من خلال لقاء أجراه معه الصحفي الأمريكي روبرت وورث، في مايو الماضي، لحساب صحيفة “نيويورك تايمز”، التي نشرته في شكل قصة خبرية مطولة عن الأزمة الليبية، فى 30 يوليو الماضى.

ويتزايد تخوف حفتر من ترشح سيف القذافى للانتخابات المقبلة فى ظل وجود مجموعة من العوامل التى تصب فى صالح الأخير للفوز فى الانتخابات المقبلة على حساب حفتر؛ فلا تزال مدن وقبائل تجاهر بدعمها له، على غرار قبائل القذاذفة والمقارحة والورفلة، وذكرت “نيويورك تايمز” عن استطلاعات رأي (لم تحددها) أن 57 بالمئة في منطقة واحدة (لم تذكرها) عبّروا عن “ثقتهم” بسيف الإسلام. كما يوفر أحمد قذاف الدم، ابن عم سيف الإسلام المقيم في مصر، له الدعم المالي، حيث يحتفظ بثروة طائلة، ويقود أيضا حزب النضال الوطني.

وليس ذلك فقط، فسيف الإسلام لديه حليف قوي، هو روسيا، ولا تخفي موسكو دعمها للقذافي، حيث استقبل مبعوث الرئيس الروسي الخاص بالشرق الأوسط وإفريقيا ميخائيل بوغدانوف، مفتاح الورفلي وعمر أبوشريدة، ممثلين عن “حركة سيف الإسلام”، في 15 يناير الماضي. كما أن روسيا متواجدة عسكريا في ليبيا عبر شركة “فاغنر”، وتقارير إخبارية تحدثت مؤخرا عن تواجد قوات روسية نظامية أيضا.

وهذا الثقل العسكري الروسي وإن كان في الظاهر لصالح حفتر، إلا أن موسكو قد تختار القذافي في النهاية إذا خيرت بينه وبين حفتر. ويفسر ذلك تأكيد حفتر في الفترة الأخيرة على ضرورة رحيل جميع المرتزقة الأجانب من ليبيا “بدون استثناء”. وموافقة حفتر على فتح الطريق الساحلي بين الشرق والغرب بعد عرقلته مرارا لمحاولات فتحه[8].

وأخيرًا، قد يهدف حفتر إلى التملص من الوجود الروسي المتمركز فى سرت، وذلك في ظل التصعيد في الخطاب بين واشنطن وموسكو مؤخرا، وفى ظل عدم سماح واشنطن بأن يكون لموسكو موطئ قدم في منطقة لا تبعد إلا بضع مئات من الكيلومترات عن قواعد أمريكية في أوروبا، ما قد يدفع واشنطن إلى فرض عقوبات على من يسهل ويدعم التواجد الروسى فى ليبيا (حفتر)[9].

– حدوث تقدم نسبى فى حلحلة أزمة المرتزقة الأجانب:

هل تسير قاطرة الانتخابات الليبية للإمام؟ .. بعد فتح الطريق الساحلى

فقد أكد الإعلان الختامى لمؤتمر برلين الثاني المنعقد في شهر يونيو الماضى على التزام الحكومة الانتقالية بإجراء الانتخابات في ديسمبر المقبل، وعلى أهمية انسحاب المرتزقة الأجانب من البلاد “في غضون أيام” من انعقاد مؤتمر برلين. وهو ما يعنى وجود تفاهمات دولية حول ملف المرتزقة خاصة وأن الدول المتورطة فى جلب المرتزقة إلى ليبيا (روسيا والإمارات وتركيا) كانت متواجدة فى المؤتمر.

وفى ذات السياق، فقد أفاد تقرير لـ “العربي الجديد” صدر في مارس الماضى بأن هناك مفاوضات جارية بين اثنين من أبناء حفتر والإمارات أفضت إلى اتفاق على سحب حوالي 5000 من المرتزقة السودانيين والتشاديين من جنوب وشرق ليبيا. ويفيد التقرير بوصول فريق متقدم من بعثة مراقبي الأمم المتحدة، في هذه الأثناء، للشروع في مراقبة وقف إطلاق النار وخروج المقاتلين الأجانب.

كما أفاد دبلوماسيون شاركوا في مؤتمر برلين2 أن فرنسا قدمت اقتراحات لانسحاب تدريجي للقوات الأجنبية ناقشتها مع الولايات المتحدة وتركيا. وأقرت مصادر دبلوماسية رفيعة بوجود اتفاق مبدئي بين تركيا وروسيا على بدء سحب أعداد قليلة من المقاتلين الأجانب، بالأخص سحب 300 من المقاتلين المرتزقة السوريين من كل جانب[10].

وكانت نائبة وزير الخارجية الأميركي فيكتوريا نولاند قد أكدت على وجود مفاوضات تجري بين الجانبين الروسي والتركي للتوصل إلى اتفاق يقضي بسحب القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا. وأوضحت نولاند، في كلمة لها أمام مجلس الشيوخ الأميركي فى أواخر يوليو الماضى، أن المفاوضات بين موسكو وأنقرة تجري على مستوى عال بالتنسيق مع البعثة الأممية في ليبيا، معبرة عن أمل بلادها بأن يدعم هذا الاتفاق إجراء انتخابات في ليبيا في نهاية العام الجاري.

وعقب هذه التصريحات، فقد استقبلت موسكو وفدين عسكريين ممثلين لشرق البلاد وغربها. وبعد يوم من انتهاء زيارة لرئيس الوفد الممثل لحفتر في لجنة 5 + 5 خيري التميمي لموسكو، استقبلت الأخيرة، فى 26 يوليو الماضى، رئيس الأركان العامة للجيش الليبي، الفريق محمد الحداد، برفقة وفد عسكري يمثل معسكر غرب ليبيا.

وفيما أعلنت وسائل إعلام روسية أن الوفدين التقيا رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الروسي والنائب الأول لوزير الدفاع الروسي فاليري غيراسيموف، لم تفصح عن أسباب وأهداف الزيارتين، وسط ترجيحات أن تكون للزيارة علاقة بالمفاوضات الجارية بين موسكو وأنقرة بشأن التوصل إلى اتفاق يجري خلاله انسحاب قوات البلدين من ليبيا[11].

 

ثانيًا: عقبات فى طريق الانتخابات:

وفى المقابل، لا تزال هناك مجموعة من العقبات التى تقف فى طريق الانتخابات، والتى قد تدفع نحو تأجيلها أو حتى إلغائها، تتمثل أهمها فى:

– الخلاف حول القوانين المنظمة للانتخابات:

فهناك صعوبة فى التوافق على القاعدة الدستورية التى تقوم على أساسها الانتخابات، لاسيما ما يتعلق بتراتبية الاستحقاقات (الاستفتاء على الدستور – الانتخابات الرئاسية والتشريعة بالتزامن أم بشكل منفصل- آلية انتخاب الرئيس وصلاحياته)، فرئاسة مجلس الدولة التي يملثها القيادي الإخواني خالد المشري تصر على إجراء الاستفتاء أولاً  قبل الانتخابات، بينما يصر رئيس البرلمان عقيلة صالح الذي قد يتجه للترشح في الانتخابات المقبلة على منصب الرئيس على أجراء الانتخابات قبل الاستفتاء.

كذلك، بالنسبة لشروط الترشح على منصب الرئاسة، هناك سوابق يتمسك بها الأطراف، فعلى سبيل المثال، ترشح كل من المستشار عقيلة صالح رئيس البرلمان وأسامة جويلي – آمر غرفة العمليات المشتركة بالمنطقة الغربية- على قوائم اختيار السلطة الانتقالية الحالية دون التقدم باستقالتيهما، وهو ما يفسر تمسك حفتر بالترشح في الانتخابات المقبلة دون التخلي عن منصبه العسكري[12].

أضف إلى ذلك، الخلاف حول ما إذا كان المواطنون ذوو الجنسية المزدوجة، مثل حفتر وسفير ليبيا السابق لدى الإمارات عارف علي النايض، سيُسمح لهم بخوض الانتخابات أم لا[13]. كما اشترط البعض ألّا يكون المرشح قد أساء إلى “ثورة فبراير”، وهو ما أثار حفيظة نواب رأوا أنه منافٍ لقانون العفو العام والمصالحة الاجتماعية، وفق ما أوردت “سكاي نيوز”[14].

كما أنه بمجرد ظهور سيف الإسلام القذافي في حوار صحافي وإعلانه عن رغبة ضمنية في العودة إلى الحياة السياسية، سارع رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح المحسوب على معسكر حفتر إلى تأكيد رفضه لعودة أي شخص مطلوب للعدالة إلى دواليب الحكم. وقال صالح في جلسة مجلس النواب التي خصصت، فى 2 أغسطس الحالى؛ لمناقشة مشروع قانون الانتخابات وتحديدا شروط الترشح “لا يكفي أن نقول من صدر في حقه حكم جنائي بات، بل أيضا أي شخص مطلوب من قبل المحكمة الجنائية لا يحق له الترشح للرئاسة” فى إشارة إلى سيف القذافى[15].

– الخلاف حول من يملك أحقية صياغة قانون الانتخابات:

هل تسير قاطرة الانتخابات الليبية للإمام؟ .. بعد فتح الطريق الساحلى

فهناك ما يشبه الصراع حول من له الحق فى صياغة قانون الانتخابات بين كل من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة وملتقى الحوار السياسى التابع للأمم المتحدة. ففى حين أعلنت رئاسة مجلس النواب، في 7 يوليو الماضى، عن تشكيل لجنة برلمانية لصياغة قانون الانتخابات، ثم البدء فى عقد جلسات استماع وتشاور داخل المجلس فى 2 أغسطس الحالى[16].

وفى المقابل، فقد شدد المجلس الأعلى للدولة على رفضه التصرفات الأحادية من جانب مجلس النواب بشأن صياغة قانون الانتخابات، وقام بتشكيل لجنة لإعداد مقترح قانون الانتخابات. وعقب الجلسة التى قامت بها تلك اللجنة، فى 1 أغسطس الحالى، أكدت اللجنة، في بيان لها، أنها باشرت عملها في وضع قواعد إصدار مقترحات القوانين الخاصة بالانتخابات، مشيرة إلى أنه من المتوقع أن تنجز عملها خلال الأيام العشرة القادمة قبل عرضها على جلسة عامة للمجلس الأعلى للدولة، ومن ثم إحالتها إلى مجلس النواب[17].

وهناك أيضًا، ملتقى الحوار السياسى الذى يرى نفسه المسئول الأول لوضع القاعدة الدستورية للتمكّن من إجراء انتخابات وطنية في 24 ديسمبر المقبل على النحو الذي حددته خريطة الطريق التي أقرها الملتقى. وليقوم الملتقى بتشكيل أربع لجان لإعداد القاعدة الدستورية للانتخابات، وهي اللجنة المشتركة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، واللجنة القانونية واللجنة الاستشارية المنبثقتان عن الملتقى، ولجنة التوافقات[18].

– الربط بين قانون الانتخابات وتمرير ميزانية الدولة:

فمن المقرر أن تناقش جلسة مجلس النواب، المقررة فى 2 أغسطس الحالى، كلًا من قانون الانتخابات وتمرير ميزانية الدولة التى قدمتها حكومة الدبيبة. وسبق أن صرح رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح، خلال زيارته، ووفد من أعضاء البرلمان إلى مقر القيادة العامة لقوات الجيش الليبي بمنطقة الرجمة الواقعة شرق مدينة بنغازي، ولقائه بخليفة حفتر في 16 يوليو الماضى، أنّ الميزانية لن تمرر دون تخصيص بند واضح لدعم القوات المسلحة برئاسة حفتر[19].

وفى هذا السياق، فقد أشارت تقارير إعلامية إلى وجود وساطة مصرية بين حفتر والدبيبة تقضي بضخّ الدبيبة مليار دينار ليبي (الدولار الأميركي يساوي 4.5 دنانير) بشكل عاجل في خزينة الرجمة (المقر العسكري لحفتر شرق بنغازي)، على أن تتبع ذلك بضخ ملياري دينار على دفعتين، لدفع الرواتب المتأخرة للمنتسبين إلى قوات حفتر، والمرتزقة المقاتلين في صفوف المليشيات، مقابل تمرير الميزانية الجديدة من مجلس النواب، وتمكين الحكومة من بسط سيطرتها على مناطق الشرق للتمهيد لتنفيذ الاستحقاق الانتخابي المقرر أن يجرى في 24 ديسمبر المقبل[20].

وبالفعل، فقد تم رفع حجم الميزانية  من 93 مليارا لتصل إلى 111 مليارا، بحسب تصريح للمتحدث الرسمي باسم مجلس النواب عبد الله بليحق، وهو ما يعكس موافقة حكومة الدبيبة على تخصيص جزء من الميزانية لصالح المؤسسة العسكرية التابعة لحفتر[21].

– العودة المحتملة لسيف الإسلام القذافى:

هل تسير قاطرة الانتخابات الليبية للإمام؟ .. بعد فتح الطريق الساحلى

حيث تشير التصريحات والمواقف السياسية المعلنة إلى سعي تيار القذافي وأنصاره إلى الاستفادة مما تتيحه خارطة الطريق للعودة بشكل شرعي للمشاركة في السلطة؛ فمن ناحية أولى، نقلت صحيفة “التايمز” البريطانية، في يونيو الماضي، عن سيف الإسلام القذافي نيّته في الترشح للانتخابات الرئاسية المزمع إقامتها نهاية العام الجاري، وفق ما تقضي به خارطة الطريق.

وفي 30 يوليو، نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقابلة مطوّلة مع سيف الإسلام، أكّد خلالها عزمه على العودة للمشهد السياسي، مع نشر صورتين هما الأحدث والأوضح له منذ اختفائه، مع تميز الصورتين بوضعية دعائية كقائد سياسي منتظر.

على صعيد آخر، يعكس الخطاب الإعلامي للرموز المحسوبة على هذا التيار حرصهم على دفع أنصارهم للتسجيل في قوائم الناخبين، استعداداً للانتخابات المقبلة، ومن أبرز محطات هذا الخطاب الرسالة التي حملها خالد الزائدي، محامي سيف الإسلام، إلى الشعب الليبي بمناسبة عيد الأضحى المبارك؛ الأمر الذي يؤكد التعويل الكبير لدى هذا التيار على العودة السلمية للمشهد عبر العملية الانتخابية.

وتثير عودة القذافى مخاوف أطراف الصراع الليبى، فقد شهد منتصف يونيو الماضي قيام رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة بإلغاء مرسوم إنشاء المؤسسة الوطنية للإعلام، والتي كان يرأسها محمد عمر بعيو الموالي لسيف الإسلام. وبالنسبة لمعسكر حفتر، فيمكن وصف العلاقة التي تجمعه مع أنصار القذافي بأنها تتسم بالارتباك؛ فمن حيث المبدأ، تمثل الوضعية القيادية لسيف الإسلام تهديداً لزعامة حفتر بشكل عام، وفي حالة انعقاد الانتخابات الرئاسية بشكل خاص. كما أن مشاركة حفتر سابقاً في العمليات العسكرية ضد القذافي لا تجعله المرشح الأكثر موثوقية بالنسبة للقبائل التي ظلت تقاتل دفاعاً عن القذافي حتى نهاية الحرب.

وبشكل ما يُمكن القول بأن الدعم الذي يلقاه كلا الطرفين من قبل موسكو يعد الضامن الأساسي لاستمرار التحالف الهشّ بينهما، وبخلاف هذا الدعم المزدوج سيكون من الصعب استمرار هذا التحالف. كما أن استمرار العلاقة الوثيقة بين تيار القذافي وبين موسكو يُعزز من مخاوف حفتر بشأن استمرار الرهان عليه، في ضوء التوترات التي تطال علاقته ببعض حلفائه المحليين بين فترة وأخرى، لاسيما أن كثيراً من المعطيات تدعم فرضية أن حفتر يُمثل خياراً مرحلياً لموسكو، التي يظل رهانها الأساسي على المدى البعيد مرتبط بالتيار الموالي لسيف الإسلام[22].

– التخوف من تكرار السيناريو التونسى:

ففى حين يختلف الليبيون حول ما إذا كان نظام الحكم سيكون رئاسى أم برلمانى أم مختلط، فإن استيلاء الرئيس التونسي قيس سعيد على السلطة التنفيذية في 25 يوليو الماضى قد زاد من الشكوك  بشأن ما يمكن أن يحدث مع رئيس منتخب حتى مع وجود مجلس نواب قوي.

وسرعان ما تجاوبت أطراف الصراع الليبى مع ما حدث فى تونس، فقد أعلن خالد المشري، رئيس “المجلس الأعلى للدولة” والمسؤول الأقرب في البلاد إلى التيار الإسلامي، “نحن نرفض الانقلابات على الهيئات المنتخبة وتعطيل المسارات الديمقراطية”. ومن ناحية أخرى، رحّب اللواء خليفة حفتر، الذي كان قد يصبح مستبداً في ليبيا، بـ “الانتفاضة ضد جماعة «الإخوان المسلمين»»”.

بعبارة أخرى، فإن إقالة سعيّد للحكومة، وتعليق عمل مجلس النواب الذي يقوده حزب “النهضة”، وتهديد المشرعين بالملاحقة القضائية، وحظر التجمعات العامة، جميعها خطوات يمكن أن يتخذها شخص من أمثال حفتر كرئيس لليبيا ضد كتلة برلمانية خاضعة لنفوذ المشري.

كما أن ما حدث فى تونس يبرز أثر واضح على ليبيا يتمثل فى أن الإعداد للانتخابات قد يستغرق وقتاً أطول، لا سيما بدون تفويض دستوري واضح واتفاقات حول فصل السلطات ومتطلبات المرشح. وإذا جرت الانتخابات من دون حل هذه القضايا المتنازع عليها، فقد تكون التحديات الناجمة لشرعيتها أكثر خطورة من إرجاء الانتخابات بحد ذاتها[23].

 

 

[1] “الانتخابات الليبية.. رهان المرحلة؟”، تى أر تى عربى، 3/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3rRytTR

[2] “فتح الطريق بين الشرق والغرب الليبي.. هل ينهي الانقسام؟ (تحليل)”، الأناضول، 3/8/2021، الرابط: https://bit.ly/2TQmvNO

[3] “الانتخابات الليبية.. رهان المرحلة؟”، مرجع سابق.

[4] “دي مايو يفتتح القنصلية الإيطالية في بنغازي… ويلتقي حفتر”، الأخبار، 2/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3fqhvXV

[5] “إيطاليا تقود الدور الأوروبي في ليبيا وتعمل على الجمع بين الدبيبة وحفتر في روما”، العرب، 4/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3Cj7Fky

[6] “ليبيا.. فتح الطريق الساحلي.. أي دافع وأي نتيجة؟”، عربى21، 31/7/2021، الرابط: https://bit.ly/3jqlSUa

[7] “فتح الطريق بين الشرق والغرب الليبي.. هل ينهي الانقسام؟ (تحليل)”، مرجع سابق.

[8] “عودة سيف الإسلام القذافي تهدد بتفكيك معسكر حفتر (تحليل)”، الأناضول، 2/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3yB93g9

[9] “ليبيا.. فتح الطريق الساحلي.. أي دافع وأي نتيجة؟”، عربى21، مرجع سابق.

[10] “الانقسامات القديمة والجديدة تقطع طريق ليبيا نحو الانتخابات”، معهد دول الخليج العربية فى واشنطن، 23/7/2021، الرابط: https://bit.ly/3ynfmUi

[11] “ليبيا: لجنة 5+5 تستأنف اجتماعاتها لمناقشة فتح الطريق الساحلي”، العربى الجديد، 29/7/2021، الرابط: https://bit.ly/3ijjbEi

[12] “العد التنازلي للمرحلة الانتقالية: عراقيل سياسية ومهددات أمنية في ليبيا”، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 17/7/2021، الرابط: https://bit.ly/3yqGm5o

[13] “الانقسامات القديمة والجديدة تقطع طريق ليبيا نحو الانتخابات”، مرجع سابق.

[14] “هل يحسم مجلس النواب الليبي قانون الانتخابات ويصوت على الميزانية العامة؟”، حفريات، 3/8/2021، الرابط: https://bit.ly/2Vk2RKW

[15] “عودة نجل القذافي تهدد بتصدع المعسكر الداعم لحفتر”، العرب، 3/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3yo65vf

[16] “ليبيا: مجلس النواب يستأنف مناقشته لقانون الانتخابات والبعثة الأممية تعلن فشل لجنة التوافقات”، العربى الجديد، 3/8/2021، الرابط: https://bit.ly/37hH2Op

[17] “مجلس النواب الليبي يعلق جلسة مناقشة مشروع قانون الانتخابات”، العربى الجديد، 2/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3AcnVlv

[18] “ليبيا: مجلس النواب يستأنف مناقشته لقانون الانتخابات والبعثة الأممية تعلن فشل لجنة التوافقات”، مرجع سابق.

[19] “كلمة السر حفتر… اجتماع ثامن لمناقشة الميزانية الليبية”، رصيف22، 26/7/2021، الرابط: https://bit.ly/3ynq519

[20] “لقاء مرتقب بين الدبيبة وحفتر بوساطة مصرية”، العربى الجديد، 28/7/2021، الرابط: https://bit.ly/3AapsbK

[21] “انتخابات بنكهة السلاح”، العربى الجديد، 5/8/2021، الرابط: https://bit.ly/37k3OFo

[22] “أنصار القذافي وآفاق التسوية السياسية في ليبيا”، مركز الإمارات للسياسات، 4/8/2021، الرابط: https://bit.ly/2Vsl4ph

[23] “توقيت أزمة تونس الأسوأ بالنسبة لليبيا”، معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، 29/7/2021، الرابط: https://bit.ly/3CpIxbQ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

كيف يمكن فهم الموقف المصرى من الانتخابات الليبية؟

  على الرغم من أن مصر لم تعلن عن دعمها – تصريحًا أو تلميحًا – لأى من المرشحين للانتخا…