‫الرئيسية‬ العالم العربي سوريا تصعيد نظام بشار الأسد ضد درعا .. الأسباب والتداعيات والمستقبل السوري
سوريا - أغسطس 9, 2021

تصعيد نظام بشار الأسد ضد درعا .. الأسباب والتداعيات والمستقبل السوري

تصعيد نظام بشار الأسد ضد درعا .. الأسباب والتداعيات والمستقبل السوري

 

تصعيد غير مسبوق لأول مرة  منذ العام 2018، في الحنوب السوري، من قبل قوات النظام السوري مدعوما من روسيا وايران، يستهدف اخضاع درعا للنظام، المخنوق اقتصاديا، ويسعى لتوسيع حركة التجارة مع الأردن.

ومنذ الأسبوع الأخير من  يوليو الماضي،  تشهد مدينة درعا ومناطقها الريفية تصعيد عسكري ، نتيجة حصار فرضته قوات النظام على أحياء درعا البلد وطريق السد والمخيم، ومحاولات مستمرّة لاقتحام أحياء المدينة من قبل قوات الفرقة الرابعة والميليشيات المرافقة لها لفرض سيطرتها على المدينة، ويعايش على إثرها الأهالي في درعا ترقبًا وخوفًا خشيةً من عمليات الانتقام منهم، بسبب مواقفهم المناهضة للنظام السوري، فيما يطالب النظام بتسليم المعارضين الأسلحة الخفيفة المنصوص عليها في اتفاق 2018.

هذا التصعيد يعتبر الأول من نوعه، منذ اتفاق التسوية الذي حصل مع قوات النظام في شهر يوليو 2018، وكانت تسوية الجنوب السوري استثنائية من بين الاتفاقيات مع المدن والبلدات الأخرى في عموم سوريا، إذا بقيَ كثير من مقاتلي المعارضة ونشطاء الثورة في مدنهم وقراهم مع سلاحهم الخفيف، وكل ذلك بضمانة روسية.

أولا: محركات الأزمة

تصعيد نظام بشار الأسد ضد درعا .. الأسباب والتداعيات والمستقبل السوري

بدأت الأزمة في درعا منذ 25 يونيو، عندما طالبت قوات النظام السوري المعارضة بتسليم الأسلحة الخفيفة بموجب اتفاق وقف إطلاق نار في عام 2018، لكن المعارضة رفضت ذلك، وحاصرت قوات النظام المدينة في محاولة للضغط عليهم لإجبارهم على تسليم أسلحتهم.

كما إن درعا هي أحد المناطق القليلة التي لم تتضمن صفقة المصالحة فيها بين النظام والمعارضة إجلاء المعارضين إلى محافظة إدلب مما ترك الكثير من قوى المعارضة  مسلحين بأسلحتهم الخفيفة في مواقعهم كجزء من اتفاق وقف إطلاق النار. ومنذ عام 2018، شهدت المدينة عدة اشتباكات بين قوات النظام السوري والمعارضين تضمنت تبادل لإطلاق النار وتفجيرات.

ثانيا: التطورات الميدانية

تصعيد نظام بشار الأسد ضد درعا .. الأسباب والتداعيات والمستقبل السوري

وعلى الصعيد الميداني، فرضت قوات النظام متمثِّلة بالفرقة الرابعة والميليشيات الإيرانية المصاحبة لها، حصارًا على درعا البلد بدأ يوم 24 يونيو الماضي، عبر إغلاق معظم الطرق المؤدية إليها بالسواتر الترابية والحواجز العسكرية التي تمركز معظمها في النقاط العسكرية القريبة من المدينة، رغم التوصُّل لاتفاق بين اللجنة المركزية للأهالي والنظام.

يقضي الاتفاق بفكّ الحصار عن أحياء درعا البلد، عبر فتح الطرقات بين درعا البلد ومركز المحافظة على مدار 3 أيام، يجري خلالها تسليم عدد محدود من الأسلحة الفردية، والسماح بإقامة 3 نقاط عسكرية داخلها، إضافة إلى إجراء تسوية جديدة لنحو 100 شاب في درعا البلد، وتسوية للأشخاص الذين لم يجروا عملية التسوية سابقًا في يوليومن العام 2018.

وعلى إثر خرق قوات النظام لاتفاق التهدئة، تجددت الاشتباكات بين قوات من النظام السوري وميليشيات متعددة مرافقة لها كالحرس القومي العربي، الذي يعدّ إحدى أذرع الحرس الثوري الإيراني، وبين مقاتلين محليين من أهالي مدينة درعا، أدت إلى اقتحام مدينة درعا يوم الخميس الفائت، وسط قصف مكثَّف بالرشاشات الثقيلة والهاون والمدفعية وصواريخ “فيل” محلية الصنع.

وحاولت قوات النظام التقدم على عدة محاور رئيسية ضمن حملتها الأخيرة، وهي محور حاجز قصاد ومحورَي مناطق النخلة والقبة، حيث استقدمت تعزيزات عسكرية من مختلف المناطق إلى جبهات محافظة درعا، وسط تحليق لطيران الاستطلاع في المدينة وريفها.

فيما تصدّى مقاتلون محليون من أبناء درعا البلد لهجمات النظام والميليشيات المرافقة يوم الخميس 30 يوليوـ ومنعوهم من التقدم تجاه الأحياء السكنية في المدينة، واقتصر تواجد عناصر النظام على الأطراف الشرقية والجنوبية للمدينة، وتكبّدت المجموعات المهاجمة خسائر في الأرواح أثناء محاولتها التقدم من المحاور الشرقية للمدينة.

ردًّا على هجوم قوات النظام والميليشيات المرافقة لها، قام عدد من المقاتلين المحليين في قرى وبلدات درعا بالهجوم على الحواجز المتواجدة في ريفَي درعا الشرقي والغربي، حيث قطعت مجموعة من أبناء بلدة صيدا شرقي درعا الأوتوستراد الدولي “دمشق-عمان” أمام مجموعات النظام العسكرية القادمة إلى المحافظة.

أما في المنطقة الغربية لم يختلف الحال كثيرًا عن المنطقة الشرقية، حيث سيطرت مجموعة من ثوار المنطقة الغربية على حاجز “البكار” التابع لقوات النظام، والواقع بين بلدة البكار ومدينة تسيل بريف درعا الغربي، وعلى مركز للمخابرات الجوية في البلدة، وحاجز يفصل بينها وبين بلدة سحم الجولان غرب درعا، وتمكنوا من أسر أكثر من 30 عنصرًا.

كما سيطر الثوار على معسكر زيزون ومعسكر الصاعقة وحاجز الكنسروة بريف درعا الغربي، بعد انسحاب عناصر قوات النظام من هذه المواقع، إضافة إلى مفرزة الأمن العسكري في بلدة الشجرة بريف درعا الغربي، واستولوا أيضًا على تل السمن قرب مدينة طفس بريف درعا الغربي، وأسروا عددًا من عناصر وضبّاط النظام فيه، كما هاجموا منطقة الري الواقعة بين اليادودة والمزيريب، ليسفر عن ذلك حالات انشقاق في صفوف عناصر النظام.

ثالثا: أسباب التصعيد ضد درعا

تصعيد نظام بشار الأسد ضد درعا .. الأسباب والتداعيات والمستقبل السوري

عقاب أهالي درعا لرفضهم الانتخابات الأخيرة

يأتي التصعيد العسكري من قبل النظام السوري، بعد مقاطعة أهالي درعا البلد الانتخابات الرئاسية، والتي أُجريت في آخر مايو الماضي، وخروج مظاهرات رافضة لها، وهو ما دفع قوات النظام إلى حصار المنطقة ومحاولة إخضاعها بالقوة وفرض إقامة حواجز عسكرية وأمنية خلافا لاتفاق التسوية المبرم قبل 3 أعوام بين المعارضة السورية وروسيا.

وهو ما عبر عنه أبو علي المحاميد -وهو أحد وجهاء درعا- لمراسل الجزيرة نت، إن هجوم النظام على المنطقة يشكل عقابا لدمشق لأهالي درعا الذين رفضوا الانتخابات الرئاسية، وأضاف أبو علي أن النظام أخل بالاتفاق المبرم بينه وبين أهالي درعا البلد، وذلك بشنه هجوما بقوات كبيرة على أحياء المنطقة، وهو الأمر الذي يرفضه السكان، وفق المحاميد.

اختلاف أجندة حلفاء بشار

وبحسب عماد المسالمة، وهو أحد وجهاء “درعا البلد”، في حديث مع “العربي الجديد” فأنّ الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد، شقيق رئيس النظام بشار الأسد، “تريد الاستيلاء على الجامع العمري الذي انطلقت منه شرارة الثورة السورية بالقوة، ورفع علم النظام فوقه في رسالة إعلامية واضحة بأنّ الثورة قد هُزمت”. وكان النظام السوري قد هدد أخيراً بهدم هذا الجامع الذي يعد من أعرق المساجد في سورية، في حال عدم الرضوخ لمطالبه.

وتعد الفرقة الرابعة في مقدمة فرق قوات النظام الموالية بشكل كامل للجانب الإيراني، بل إنّ مصادر في المعارضة السورية تؤكد أنّ عدداً كبيراً من أفرادها هم من المليشيات الإيرانية المتخفين في لباس عناصر هذه الفرقة. ودأبت الفرقة الرابعة على ارتكاب المجازر بحق المدنيين في كل المناطق التي دخلتها، إضافة للقيام بعمليات “تعفيش” للبيوت على نطاق واسع.

ووفق مصادر في المعارضة السورية، تتخذ مليشيات إيرانية من مقرات فرق عسكرية تابعة للنظام أماكن تمركز لها في محافظة درعا، وخاصة في منطقتي إزرع والصنمين. أما الفرقة 15 والتي تنتشر ألويتها في عموم الجنوب السوري، فهي من الفرق الموالية للجانب الروسي، ما يفسّر مطالبة الأهالي بانتشارها في أحياء درعا البلد، وفق اتفاق لتفادي عمليات انتقام بحق الأهالي.

وتدلّ المعطيات على أنّ النظام مصر على السيطرة الكاملة على محافظة درعا بالقوة، إذ ذكرت صحيفة “الوطن” التابعة له، أن قوات النظام عززت حواجزها العسكرية وكتيبة الرادار في بلدة النعيمة بريف درعا الشرقي، بعشرات العناصر والمضادات الأرضية. وأشارت الصحيفة إلى أنّ هذه القوات أرسلت تعزيزات عسكرية إضافية تحتوي على دبابات وآليات ثقيلة إلى الحاجز الرباعي، جنوب بلدة الشيخ سعد في ريف درعا الغربي، وتعزيزات أخرى إلى معبر نصيب الحدودي مع الأردن، تزامناً مع رفع سواتر ترابية في المنطقة الحرّة داخل الحرم الجمركي.

كما كشف  المسالمة، أنّ “النظام هدد بعد زيارة وزير الدفاع في حكومته علي أيوب لدرعا، الإثنين الماضي، بحرق أحياء درعا البلد والريف الغربي”، مشيراً إلى أنّ “النظام يصنّف اللواء الثامن التابع للروس على أنه عدو” وكانت الأمور تتجه إلى حل لولا زيارة أيوب إلى المحافظة،بحسب المسالمة.

من جانبه، قال القيادي السابق في فصائل المعارضة السورية، العميد إبراهيم جباوي، في حديث مع “العربي الجديد”، إنّ النظام “بدأ يتمرد على الجانب الروسي عقب زيارة وزير الخارجية الصيني وانغ يي إلى دمشق في 17 يوليو الماضي”، معرباً عن اعتقاده بأنّ “موسكو تسعى إلى منع أي مواجهة أو تهجير لحفظ ماء وجهها أمام المجتمع الدولي باعتبارها الضامن لكل الاتفاقات في جنوب سورية”. ولفت جباوي إلى أن “إيران تريد الوصول إلى الحدود الأردنية عن طريق الفرقة الرابعة الموالية لها”، مؤكداً على ضرورة تحرّك الدول العربية لإيقاف الحملة العسكرية على درعا، وهو ما يؤكد اختلال في التحالفات وتضارب في أجندات داعمي بشار الأسد، وفق ما ذهبت إليه وكالة الأمباء الألمانية.

تأويل خاطئ للمواقف الاقليمية والدولية

يأتي استهداف النظام لنحو 50 ألف من السكان المتبقين من أهالي درعا المدنيين، بعد تصريحات مفاجئة أدلى بها عبد الله الثاني، ملك الأردن، لقناة «سي إن إن» بعد لقائه الرئيس الأمريكي جو بايدن قال فيها إن بشار الأسد، رئيس النظام السوري، ونظامه باقيان، وإن الحوار مع النظام أفضل من استمرار العنف «الذي يدفع ثمنه الشعب السوري» متسائلا “هل يجب تغيير النظام أم تغيير سلوكه؟”

وتناظرت التصريحات مع معطيات أردنية سابقة ولاحقة تشير إلى اتجاه سياسي هدفه التقارب المتزايد مع النظام السوري وتجسد ذلك من خلال فتح المعابر والتبادل التجاري وتجاوز العقوبات الدولية على النظام والسماح له بفتح أبواب سفارته للراغبين في انتخابات داعمة للأسد.

وصولا إلى تصريحات عاهل الأردن الأخيرة عن أن النظام «باق» وأن إعادة الإعمار (أي مدّ النظام بأسباب البقاء عبر ضخّ أموال الداعمين الدوليين) ستشجع اللاجئين على العودة إلى سوريا، وقد قرأ النظام إشارات العاهل الأردني على أنها تشجيع أمريكي وعربيّ له على الاستمرار في ذلك السلوك، ولكن مع إشارات إلى إمكانية مكافأته على أكثر من عشر سنوات من التدمير والقتل.

أهمية استراتيجية  لدرعا لدى “الأسد”

وكانت درعا في آخر سنتَين في صُلب اهتمام روسيا وإيران ونشاط واضح لحزب الله وميليشيات شيعية، بالإضافة إلى ترقب إسرائيلي مستمر، وتحركات دائمة للنظام لاستعادة سيطرته الكاملة، وهو ما لم يحصل بسبب تعقد الحالة الإقليمية للمنطقة المحاذية لـ”إسرائيل”، وتقع درعا على معبر حدودي حيوي بين الأردن وسوريا كان مصدرًا رئيسيًا للتجارة قبل الحرب، وكان البلدان بصدد إعادة فتح المعبر بعد إغلاقات الوباء.

وأصبح وصول النظام السوري إلى المعبر والتجارة الأردنية أكثر أهمية من ذي قبل بسبب المشاكل الاقتصادية المتزايدة والتي أججت الاحتجاجات حتى في المناطق الموالية للنظام، إضافةً إلى أن أهل درعا ما زالوا متمسّكين بقِيَم الثورة ويخرجون بمظاهرات مناهضة للنظام، كما أنهم قاطعوا مسرحية الانتخابات وقاموا بإضراب شمل غالب مدن وبلدات المحافظة في ذلك اليوم.

رابعا: تداعيات التصعيد بدرعا

تصعيد نظام بشار الأسد ضد درعا .. الأسباب والتداعيات والمستقبل السوري

انهاء اتفاقات التسوية السابقة واستمرار سياسة بشار الأسد في تدمير المدن

وينهي هذا الهجوم اتفاق تسوية وقّع أواخر عام 2018، خيم بعده على المحافظة هدوء نسبي لقرابة ثلاثة أعوام، كما أن النظام يخرق بهذا الهجوم اتفاقا جديدا توصلت إليه «لجنة المصالحة» في درعا البلد يسمح بتسوية جديدة للمطلوبين أمنيا وبسحب جزئي للأسلحة الخفيفة المتبقية بيد المعارضة ووجود جزئي لقوات النظام. وبهجومه مجددا على درعا الذي ابتدأ المأساة السورية منذ عام 2011 يعيد نظام بشار الأسد التأكيد على «مسلّمات» لا تتغير في سلوكه ضد شعبه، وفي أسلوبه الوحشيّ في تدمير المدن والقرى والبنى التحتية للبلاد.

تراجع الأردن عن فتح حدوده مع سوريا

وعلى الرغم من التقارب الحادث بين النظام الأردني والنظام السوري مؤخرا، والذي ترجمته التصريحات الأخيرة للعاهل الأردني عبد الله الثاني، التي كانت تعلن تقاربًا من النظام السوري، والاتصالات المتبادلة بين وزيرَي داخلية البلدَين، حيث أعلن الأردن فتح معبر جابر-نصيب الحدودي مع سوريا يوم الأربعاء 29 يوليو الماضي، أمام حركة البضائع والركّاب. عاد الأردن بعدها يوم السبت 31 يوليو الماضي، معلنًا تأجيل فتح المعبر الحدودي مع سوريا “مؤقتًا”، نتيجة التطورات الأمنية في منطقة درعا السورية، بعد أن قام بعض أبناء المنطقة بقطع الطريق الدولي الواصل بين دمشق وعمان ناريًّا، ردًّا على الحملة التي قام بها النظام على درعا البلد بعد السيطرة عليها.

إحراج روسيا والأردن

ومع تصاعد التطورات الميدانية والمواجهات التي أحرجت النظام السوري وهددت بتعطيل تشغيل المعبر، خاصة ان المواجهات قابلة للتوسع والانتقال الى جبهات اخرى. أحرجت روسيا التي ربطت بين فتح المعبر وتخفيف العقوبات المتصلة بـ”قانون قيصر” بامتناعها عن تعطيل قرار مجلس الأمن التمديد للمعونات الانسانية عبر المعابر المحاذية للحدود التركية. اتفاقٌ استفاد منه الاردن باستثناءات ضمنية من العقوبات الامريكية على سوريا، وبضمانات روسيا، وهو أحد ثمار لقاء بوتين- بايدن، وزيارة الملك عبد الله الى واشنطن في الآن ذاته.

فشل الرهان على تسويات آستانة في ظل تقلبات نظام الأسد

وتكشف أحداث محافظة درعا، عقم المراهنة على التسويات التي عُقدت في ظل اتفاقات ثلاثي أستانة (روسيا وإيران وتركيا)، المتعلقة بخطط المناطق الأربع منخفضة التصعيد، أو حتى تلك التسويات التي تعهدت بها روسيا أمام الولايات المتحدة، وكانت مدخلاً لها لاستلام الملف السوري كاملاً، وتقديم مشروع حلولها لتسوية الصراع في سورية بين النظام الذي ترعاه مع إيران ليبقى على رأس السلطة في دمشق، والفصائل “المعارضة” في جهات سورية الأربع.

ووفق ذلك، كان من المفترض أن تكون تسوية درعا النموذج الحي عن مشروع روسي قابل للتطوير في أكثر من مكان، فيما لو التزم النظام بنوده. إلا أن واقع الأحداث المتلاحقة، بعد اتفاق خفض التصعيد في ريف دمشق وحلب واليوم درعا، يؤكد أن تلك الاتفاقات لم ينجم عنها أي شيء من ذلك، بل أدّت إلى زيادة التصعيد، وزيادة التدخل العسكري الروسي إلى جانب قوات الأسد، بالشكل الذي نتج عنه تمكين النظام من استعادة مناطق عديدة في الجنوب والوسط والشمال، بحيث لم تبق سوى منطقة إدلب خارج ذلك الترتيب، وهذا ليس لمصلحة الشعب السوري وثورته، وإنما بسبب تقاطع المصالح الروسية ـ التركية، إلى جانب مصالح دولية أخرى، معنية بملف القاعدة، وضمن ذلك جبهة النصرة.

وفي ما يخصّ درعا، فإن ما يسمى “خفض التصعيد” فيها حصل بطريقة مختلفة، إذ لم يتم بطريقة الحسم العسكري، كما تم في دمشق وريفها وحلب وريفها، وإنما تم بالوساطة السياسية الدولية، وبرعاية أميركية مباشرة، وتحت نظر إسرائيل، وذلك لما يشكله موقع المنطقة الجنوبية من أهمية، سواء من الناحية الأمنية لإسرائيل، أو لرغبتها بوقف تمدّد إيران في المنطقة تحت مسمى مساندة النظام السوري في حربه على المتمرّدين عليه. ولذلك حظيت المصالحات الروسية على تلك التوافقات الدولية، وعقدت روسيا اتفاقا لفرض نوع من الهدنة بين النظام وفصائل المعارضة في درعا، أدّى إلى استعادة النظام سيطرته خدمياً، مع حفاظ المعارضة على وجودها المدني والمسلح.

وكما في كل تسوية سابقة، سواء برعاية موسكو أو حلف أستانة، فإن النظام يعتبر بنود الاتفاقات مجرّد هدنةٍ مرحليةٍ يتبعها تدخله العسكري، وما يجري اليوم يبين أن ما حدث في اتفاقيات ريف دمشق وحلب وريفها هو نهج النظام في فهم التسويات، وهو يوضح بصورة قطعية عقم دعوات المصالحة، إذ ليست تلك الكلمة من مفردات النظام أو من مصطلحاته، لأن النظام لا يتعاطى ألبتة مع الحلول السياسية، سواء برعاية من حلفائه أو برعاية دولية. إذ اعتمد، منذ البداية، أقصى الحلول الأمنية وأقساها، بكل ما فيها من أهوال، لقمع إرادة التغيير عند الشعب السوري أو لوأدها، ما نجم عنه تشريد الملايين، وقتل مئات الألوف واعتقال عشرات الآلاف.

احتمالات انتقال التصعيد لكل المناطق السورية مجددا

وعلى أية حال، فإن الاشتباكات الواسعة، والحامية، والدامية، التي حصلت وتحصل في درعا وريفها تؤكد أن ملف الصراع السوري، الذي لاقى نوعا من التهدئة، يمكن ببساطةٍ معاودة إشعاله، إنْ بحكم تفاعلات داخلية، أو بحكم تفاعلاتٍ خارجية، وأن منطقة إدلب التي تعيش على رماد تحته جمر ليست وحدها من ينذر بهذا الخطر القادم من الأسد، هذا مع العلم أن ثمّة منطقة ثالثة، وهي شمال شرق سورية، أي غرب الفرات، قابلة للانفجار أيضاً.

وعليه، فإن أيام التهدئة التي عاشتها سورية قبيل الانتخابات الرئاسية، وما جرى من مقاطعات شعبية لتلك الفعالية في درعا ومناطق أخرى، سيردّ عليها النظام حيث يستطيع ويتمكّن من ذلك، مع دراسة توازنات مصالحه وتقاطعاتها مع حلفائه من جهة، وبين حلفائه والأطراف الدولية المتدخلة في الملف السوري من جهة مقابلة.

خامسا: مستقبل التصعيد

على المدى القريب، سيدخل الطرفان في محادثات لوقف إطلاق النار، ومن المحتمل أن يستمر كلا الجانبين في استغلال القوة العسكرية للحصول على أفضلية في اتفاق وقف إطلاق النار، مع سعى النظام إلى دعم روسي وإيراني لتنفيذ حملة عسكرية أكثر شمولا في درعا. وفي الوقت نفسه، سيحاول المعارضون الاستفادة من الضغط العسكري لكسب تنازلات من دمشق خلال المفاوضات، وترددت روسيا في تنفيذ عمليات عسكرية واسعة في جنوب سوريا فيما يعود جزئيا للقلق من خلق طوفان جديد من اللاجئين الذين قد يثيرون غضبا دوليا.

وتخشى موسكو أيضا أن تؤدي هذه العمليات إلى زيادة الاهتمام الإسرائيلي والأمريكي بالقتال على الأرض لحماية مرتفعات الجولان القريبة من القوات المدعومة من إيران. وخلال هجوم عام 2018 الذي شهد إعادة سيطرة قوات النظام على درعا، كان على روسيا أن تطمئن إسرائيل أن القوات الموالية لإيران لن تتخذ موقفًا معاديًا في أعقاب العمليات وأن الحدود الإسرائيلية في مرتفعات الجولان ستبقى آمنة. أما إذا فشلت محادثات وقف إطلاق النار، وتمكن المعارضون من ردع قوات النظام، فإن الاضطرابات قد تمتد لباقي مناطق سوريا وقد تدخل إدلب على خط المواجهات.

وأدت 10 سنوات من الحرب وأزمة “كورونا” وعقوبات الولايات المتحدة مع الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في سوريا إلى تأجيج الاحتجاجات ومستويات غير مسبوقة من المعارضة في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك في المناطق الموالية للحكومة. كما أن انتصار المعارضة في هذه المرحلة المتأخرة في النزاع يمكن أن يشجع المعارضين على تحدي سيطرة النظام والمطالبة بتنازلات اقتصادية وحتى سياسية. وسيرسل ذلك رسالة إلى المقاتلين في إدلب أن الدعم الروسي والإيراني قد يكون ضعيفا أو يمكن تقليل أهميته، مما سيشجعهم على مضايقة قوات النظام على طول خط وقف إطلاق النار في المحافظة.

ولكن إذا حصلت دمشق على ما يكفي من الدعم الإيراني والروسي للقيام بعملية عسكرية واسعة في المدينة الحدودية، فإن التصعيد اللاحق للعنف سوف يهدد بإرسال موجة جديدة من اللاجئين إلى الأردن الذي يعاني من أزمة اقتصادية حادة. وإذا استمر المعارضون في التقدم في درعا، فإن روسيا وإيران قد تعطيان النظام السوري دعمًا أكبر لعملية عسكرية واسعة، بما في ذلك الدعم الجوي.

ومع ذلك، فإن هذه العملية ستؤدي إلى سقوط ضحايا مدنيين بشكل واسع كما سترسل طوفانًا جديدًا من السوريين إلى الأردن، ومن شأن ذلك أن يجبر الدول الأخرى على تكثيف المساعدات للأردن الذي يستضيف بالفعل 655 ألف لاجئ سوري. وذلك وفق ما ذهب إليه مركز ستراتفور للدراسات. ولعل التصعيد في درعا، قد يخلط الأراق الدولية في المرحلة المقبلة في حال زادت معاناة الندنيين ، الذين يكالبة بفرض وصاية دولة عليهم، أو توفير ملاذ آمن لهم للخروج من أراضيهم ومنازلهم، ما يفاقم الأزمة الانسانية في البلاد المنكوبة..

وفصل القول، إذا كانت منطقة الشمال السوري ذات حساسية تركية، ومنطقة شرقي الفرات ذات حساسية أميركية (وعربية وكردية) فإن منطقة الجنوب على غايةٍ في الأهمية، وهي عرفت كذلك تاريخيا، فهي منطقة ذات حساسية إسرائيلية وأردنية (وأميركية وروسية أيضا). لذا من الصعب التكهن بطبيعة التداعيات التي قد تنشأ عن انفاذ المصالحات التي اشتغلت عليها روسيا، مع وجود ثقلٍ مؤثر فيها للقوى الشعبية الثائرة ضد النظام، وفصائلها العسكرية المحلية. وحتى تاريخه، من غير المعروف مدى رضى روسيا عن تملص النظام من المصالحات التي عقدتها، وأدّت إلى تهدئة هذه الجبهة.

ومن غير المعروف ما إذا كانت تصرّفات النظام ناشئة عن تنسيق مع روسيا، أم عن تبرّم الأسد من الاتفاقات التي عقدتها حليفته، وقلصت من صلاحياته، وقيدت بها مؤسسات النظام، وبخاصة الأمنية منها، في تعاملها مع الشعب. لذا في كل الحالات، ثمّة وضع جديد قد ينشأ نتيجة الصدامات المباشرة في تلك المنطقة بين النظام والمعارضة، وثمّة درس جديد لكيانات المعارضة بأن الذهاب إلى التفاوض مع النظام تحت مساراتٍ جانبية، لا يخفّض فقط سقف الطموح، بل يلغي كل الحقوق مع جفاف حبره على الورق، ويبقى المستقبل مفتوحا على سيناريوهات مفتوحه من التصعيد أو المصالحات المؤقتة التي قد ينهيها النظام في أي لحظة، مستغلا صمتا دوليا ومؤامات اقليمية في غير صالح السوريين، شعبا وثورة.

 

مراجع:

أسامة أبو زيد، درعا والعودة بالزمن إلى لحظة الكرامة الأولى، العربي الجديد

الخليج الجديد، ماذا يعني إعادة اشتعال القتال في الجنوب السوري؟

نون بوست، درعا على صفيح ساخن.. مهد الثورة تقاوم محاولات إخضاعها

القدس العربي، سوريا: هل يمكن تغيير سلوك النظام؟

حازم عياد، “ماذا يجري في درعا؟”، السبيل  الأردنية

سميرة المسالمة،  خيارات درعا في السلام والحرب، العربي الجديد

وكالات الأنباء الفرنسية والألمانية ورويترز، و”العربي الجديد، تقارير اخبارية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

سوريا بين مقصلة الحرب ويأس اللجنة الدستورية

      شهدت الأزمة السورية عدد من الأحداث الهامة في الفترة الماضية، ربما يظه…