‫الرئيسية‬ العالم العربي تونس بين العسكر والنهضة؛ تونس إلى أين؟
تونس - أغسطس 17, 2021

بين العسكر والنهضة؛ تونس إلى أين؟

بين العسكر والنهضة؛ تونس إلى أين؟

 

بعد مرور 10 سنوات على المسار الديمقراطي الذي عرفته تونس على ضوء ثورة شعبية أطاحت بنظام زين العابدين، شهد المشهد التونسي منعطفا جديدا على ضوء أزمة سياسية خلفها صراع ما بين مؤسسات الدولة (الرئاسية-الحكومية-البرلمانية) ساهمت في تعميق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد.

وعلى ضوء ذلك، وفي خطوة متوقعة أعلن الرئيس التونسي قيس سعيد في 25 يوليو 2021 عن جملة من القرارات الاستثنائية المتوالية، والتي أعفى من خلالها رئيس الحكومة وأقال مجموعة أعضائها، وعطَّل عمل البرلمان وسحب الحصانة من أعضائه، مما أفسح المجال لاعتقال عدد من المسؤولين والبرلمانيين.

وهنا ظهرت مجموعة من التساؤلات؛ أهمها: ما هو موقف المؤسسة العسكرية من قرارات سعيد؟ وكيف يُمكن وصف الوضع الحالي لحركة النهضة؟ وما هي سيناريوهات مآلات الوضع في تونس؟ تلك هي التساؤلات التي ستسعى تلك الورقة للإجابة عليها..

المؤسسة العسكرية:

بين العسكر والنهضة؛ تونس إلى أين؟

كانت المؤسسة العسكرية التونسية هي المؤسسة الأقل انخراطًا في الشأن السياسي الداخلي، بين كل المؤسسات العسكرية العربية، التي وجدت نفسها أمام تحديات مستحدثة فرضتها تداعيات ما يُعرف بـ”الربيع العربي”. إلا أن الجيش التونسي بات يواجه حاليًا تحديًا جديًا قد يجعله فعليًا طرفًا سياسيًا فاعلًا في تونس، خلال المرحلة المقبلة.

حيث ساهمت سياسة إضعاف المؤسسة العسكرية التي اتبعتها السلطات التونسية المتعاقبة، وخصوصًا نظام زين العابدين بن علي، في إبقاء قدرات الجيش التونسي في نطاق محدود، خلال العقود الماضية، بهدف تجنُّب أي دعم محتمل من الجيش للاحتجاجات العمالية التي شهدتها البلاد، بصورة متقطعة، خلال تسعينيات القرن الماضي، والعقد الأول من القرن الحالي.

لذا، تم إبقاء مؤسسة الجيش بعيدة عن اتخاذ القرارات الاستراتيجية الرئيسية، وظلت تفتقر إلى الموارد نتيجة الميزانية المتواضعة للغاية مقارنةً بميزانية وزارة الداخلية، التي اضطلعت -بطبيعة الحال- بدور أكبر من المؤسسة العسكرية في الداخل التونسي. وبعد رحيل بن علي، اكتسبت المؤسسة العسكرية التونسية بعض النقاط الإضافية المهمة، بسبب حرصها على اتخاذ موقف حيادي، وعدم التدخل في شؤون الحكم، مكتفيةً بالمراقبة واحترام الشرعية والدستور والانتخابات.

وهو ما عزَّز الفكرة السائدة عن الدور الحيادي للجيش في الحياة السياسية، إلا أن دوره في هذه المعادلة بدأ يلقى بعض الانتقادات منذ عام 2012، على خلفية تصاعد أعمال العنف في البلاد. كما شملت هذه الانتقادات نقد دور القضاء العسكري التونسي في سنوات ما بعد عام 2011، من خلال محاكمة المسؤولين الأمنيين عن قتل المتظاهرين خلال أحداث الثورة. انتقادات أخرى طالت مؤسسة الجيش، من عدة قوى سياسية تونسية، بسبب التزامه الحياد خلال التفاعلات السياسية التي شهدتها البلاد عامي 2012 و2013. وهي تفاعلات وصلت، في بعض الأحيان، إلى مستوى الأزمات السياسية. و

القرارات الأخيرة التي أصدرتها الرئاسة التونسية في الخامس والعشرين من يوليو الماضي، تمت بتنسيق واضح مع المؤسستين العسكرية والأمنية، وخصوصًا أنها صدرت عقب اجتماع موسَّع جمع الرئيس التونسي قيس سعيد وقيادات هاتين المؤسستين. وهذا كان واضحًا من خلال الانتشار السريع لوحدات الجيش في مواقع مهمة من البلاد، وإمساكها بالملف الأمني على نحو فعَّال، ونجاحها في منع أي اشتباكات واسعة في محيط مبنى البرلمان، بعد أن حاول بعض النواب دخوله في اليوم التالي لقرارات الرئاسة التونسية.

وبالنظر إلى ما تقدَّم، يُمكن القول أن المؤسسة العسكرية التونسية باتت في مرحلة حصاد النقاط على المستوى الداخلي منذ عام 2011، وهذه المرحلة مرشحة للتصاعد على نحو أكبر خلال الفترات المقبلة، بالنظر إلى أن هذه المؤسسة بات لديها حيز أكبر من النفوذ والتأثير في المستوى الداخلي، تزاحمها فيه قوى أخرى، أغلبيتها حزبية، إلى جانب بعض منظمات المجتمع المدني، وعلى رأسها الاتحاد العام للشغل.

التحدي الأكبر، في هذا الصدد، هو أن الجيش التونسي قد يواجه تطورات سلبية على المستوى الميداني، بناءً على مآلات الوضع السياسي الحالي، وخصوصًا في ظل عدم وضوح الرؤية في ما يتعلق بمستقبل الوضعين البرلماني والحكومي للبلاد. ومن ثمَّ فإن قرارات الخامس والعشرين من يوليو، أسست بصورة واضحة مرحلة جديدة في تونس، تؤدي فيها المؤسسة العسكرية دورًا أكبر من حيث الزخم ومساحة التأثير، ستتحدَّد أبعاده بصورة أوضح خلال الأسابيع المقبلة.[1]

حركة النهضة:

بين العسكر والنهضة؛ تونس إلى أين؟

بدأ الخلاف بين الرئيس والنهضة المسنودة بحزبها وحزب قلب تونس والكرامة مبكرًا، وتبدو كفة الرئيس أرجح من خصومه وتهديده بأن من يطلق رصاصة ضد الدولة سيتم الرد عليه بالرصاص يخفي هواجس وراءها الخبرة العربية بالعقد الماضي. وهناك تحدٍّ رئيسي يواجه حزب النهضة في خلافه مع قيس سعيد، هو: التمثيل البرلماني؛ فحزب النهضة الإسلامي هو الحزب الأكبر، إلا أنه يحتل أقل من ربع مقاعد البرلمان، أي أنه ليس صاحب أغلبية تؤهله للتحكم في القرار.

وهكذا؛ فإن الخلاف بين الرئيس والنهضة المسنودة الآن من حزبها وحزب قلب تونس والكرامة كان قائمًا من البداية، ويبدو أن الرئيس تمكَّن من ضمان وقوف المؤسسة العسكرية والأمنية إلى جانبه (على الأقل حتى هذه اللحظة). فهل ما تواجههه حركة النهضة هو امتداد لظاهرة انحسار القوى الإسلامية الذي طال تلك القوى في المنطقة ككل؛ لاسيما في دول الربيع العربي؟[2] يبدو جليًّا أن معركة سعيد الحقيقية تكمن في تحجيم منافسيه، ومحاولاته للاستحواذ على السلطة والقوة في آنٍ واحد، وفي الوقت الذي كانت حركة النهضة هي المنافس الأقوى له؛ فقد سعى لتحجيم هذا المنافس باللعب بورقة المؤسسة العسكرية والأمنية مُلوِّحًا باستخدام القوة.

المسارات المستقبلية للمشهد التونسي على ضوء انقلاب قيس سعيد:

نتيجة لواقع المشهد التونسي التي يشوبه الاضطراب والتوتر في ظل أزمة سياسية دستورية التي بدأت مفاصلها بأزمة التعديل الوزاري وانتهت بقرارات الرئيس الاستثنائية، يمكن طرح عدد من السيناريوهات المستقبلية، وهي كالتالي:[3]

سيناريو سيطرة الرئيس على مقاليد الحكم:

يتمثل هذا السيناريو في تمسك سعيد بالقرارات التي اتخذها وإحكام قبضته على مقاليد الدولة، من خلال سيطرته على جميع السلطات في البلاد، بمساعدة المؤسسة الأمنية والعسكرية، وعلى ضوء ذلك فقد يتمادى الرئيس في إصدار مزيد من القرارات التي من شأنها قطع الطريق على القوى المعارضة لقراراته في محاولة منه لضرب وتعطيل كياناتها واعتقال أفرادها. ذلك ما يفتح الطريق أمامه إلى إجراء تعديلات دستورية تشمل تغيير النظام السياسي عبر التخلي عن النظام شبه الرئاسي والعودة إلى النظام الرئاسي.

ويعزز هذا السيناريو دور العامل الخارجي، الذي يمثل إحدى أدوات التأثير التي استعان بها قيس سعيد لتنفيذ قراراته، وذلك بعد ظهور مؤشرات دعم خارجي مثلته العديد من القوى الإقليمية والدولية وعلى رأسها الإمارات ومصر والسعودية وفرنسا، فجميع هذه القوى تسعى إلى القضاء على تيار الإسلام السياسي وعلى كل التجارب الديمقراطية التي تمخضت عن ثورات الربيع العربي، والتي تعتبر التجربة التونسية من بين أهم أهدافها التي تسعى إلى إسقاطها.

سيناريو تراجع الرئيس عن قراراته:

يستوجب تحقيق هذا السيناريو توفر مجموعة من الشروط، من أبرزها تزايد الضغوطات على سعيد من خلال توسيع دائرة الرافضين لقراراته، عبر انسحاب الأطراف السياسية الداعمة له، ورفض غالبية الكتل البرلمانية لقراراته، وتزايد الرفض الشعبي، في ظل عدم قبول محاولات إفشال التجربة الديمقراطية التونسية باعتبارها بوابة لثورات الربيع العربي، ورفضه لتكريس ثقافة الاستبداد.

سيناريو العودة إلى الحوار بين الأطراف السياسية:

لتحقيق هذا السيناريو يجب توفر مجموعة من الشروط من أجل تجاوز الأزمة السياسية والدستورية القائمة على أساس حوار وطني فعال وشامل، من أبرزها تقديم جميع التكتلات السياسية مجموعة من التنازلات، على أن تنصب جهودها في مواجهة الوضع المتردي الذي يشهده الوضع العام التونسي، وما يغذي تحقيق هذا السيناريو ضغط الأطراف التي يمكن أن يكون لها دور في دعم آلية الحوار وعلى رأسها بعض المنظمات الحقوقية، بجانب ضغط بعض التنظيمات الدولية والإقليمية الداعمة لخيار الحوار كالاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى الضغوطات التي يمكن أن تمارسها بعض المؤسسات المالية الدولية كصدوق النقد الدولي الذي دعا مرارًا إلى إطلاق حوار وطني شامل بين الأطراف السياسية التونسية.

وعلى الرغم من ذلك، تعترض هذا السيناريو جملة من العقبات، بحيث أن فجوة الانقسام وحدة التوتر بين أطراف الأزمة قد ينعكس سلبًا على مبادرة الحوار، خصوصًا في ظل تشبت الرئيس بقراراته الاستثنائية التي من الصعب التنازل عن أي من بنودها، وارتفاع مؤشر انعدام الثقة بين مؤسسات الدولة.

سيناريو عزل قيس سعيد من طرف البرلمان:

على الرغم من كون نسبة حدوث هذا السيناريو ضعيفة، إلا أنه يبقى مطروحًا لو كانت متوفرة مجموعة من الأدوات والشروط، بحيث استغل سعيد غياب العديد من أدوات التأثير ليقرر على ضوء عدم وجودها مجموعة من القرارات في ظل غياب أهم الهياكل التي كان بإمكانها حل الإشكالات القانونية-الدستورية التي وقفت عقبة أمام أي مخرج للأزمة بين أطرافها الفاعلة ألا وهي المحكمة الدستورية.

فقيس سعيد كان يعرف في ظل استفحال الأزمة السياسية أن هناك إمكانية لعزله، لذلك فإن عرقلته لتشكيل المحكمة الدستورية وتعطيل العمل البرلماني جاءت بصفة عمدية لأنه يعرف تمام المعرفة أن البرلمان يمتلك صلاحيات عزله على ضوء الفصل 88، كما أنه يعلم ما للمحكمة الدستورية من دور في اعتماد وتفعيل قرار العزل. وهي أمور غير متاحة في ظل الظرفية الراهنة مما يجعل هذا السيناريو في حكم الإقصاء.

سيناريو الانتخابات المبكرة:

تصاعدت الأصوات المؤيدة لهذا السيناريو بعد التدابير الاستثنائية التي اتخذها سعيد، بحيث يرى داعمو هذا السيناريو أن البلاد لا يمكن لها أن تظل في حالة الانقسام والتشرذم السياسي إلى غاية موعد الانتخابات المقبلة في العام 2024. ولذلك ومع انسداد أفق الأزمة، تعتبر الانتخابات المبكرة والرجوع إلى الشعب لتقرير مصيره وتحديد اختياراته للمؤهلين لقيادة مؤسسات الدولة هو أحد الوسائل للخروج البلاد من أتون الصراعات السياسية التي عصفت بالبلاد.

سيناريو اندلاع الفوضى والعنف:

على الرغم أن احتمال وقوع هذا السيناريو محدود إلى أنه يبقى قائمًا، ففي ظل الرفض الداخلي الواسع الذي اعتبر التدابير الاستثنائية التي اتخذها سعيد تشكل انقلاب على التجربة الديمقراطية التونسية، فيمكن أن يكون الشارع ملاذًا للرافضين لفكرة عودة ثقافة الاستبداد التي عاشتها تونس في ظل نظامي بورقيبة وزين العابدين بن علي، لإنقاذ التجربة التونسية من الضياع.

لكن يمكن أن تواجه المظاهرات في الشارع بالقمع الذي يمكن أن يستفحل إلى مستوى الفوضى والعنف في ظل استغلال بعض الأطراف الداخلية ذات الاستئثار الخارجي هذه المظاهرات من أجل إدخال تونس في دوامة العنف والفوضى بهدف القضاء على التجربة الديمقراطية التونسية، ما يفسح المجال أمام سعيد إلى اتخاذ قرارات أكثر ديكتاتورية عبر إنزال الجيش إلى الشارع بذريعة سعيه إلى عدم انجرار البلاد إلى دوامة الفوضى وإعادة الاستقرار إلى البلاد، وبالتالي إحكام سيطرته على جميع أجهزة الدولة مما يتيح له الفرصة القضاء على خصومه السياسيين وعلى رأسهم حركة النهضة.

الخُلاصة؛ تظل دستورية قرارات سعيد المتكئة على مؤسسة عسكرية تنمو بشكل متسارع، وتشير إلى أن النخبة السياسية التونسية ستواجه معضلة لم تعرفها من قبل، وسيكون الحل أو التسوية مرتبط بقدر كبير بدور القوى الإقليمية والدولية أكثر منه بدور القوى المحلية. ويبدو أن كفة الرئيس أرجح من خصومه، ولعل تهديده بأن من يحاول استخدام السلاح ضد الدولة “سيتم الرد عليه بالرصاص” يخفي هواجس لديه أهم أسبابها الخبرة العربية الثرية خلال العشر سنوات الماضية في هذا المجال.

 

[1]  محمد منصور، “ما بعد 25 تموز/يوليو.. الجيش التونسي والتحدي الجديد”، الميادين، 10/8/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/nXJXD

[2]  د. وليد عبد الحي، “تونس إلى اين؟”، الخليج الجديد، 9/8/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/0ZbBM

[3]  نورة الحفيان، “تونس بعد انقلاب يوليو 2021: التحولات والمسارات”، المعهد المصري للدراسات، 9/8/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/VHGah

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

تمديد الإجراءات الاستثنائية في تونس.. الدلالات والتداعيات المستقبلية

  بقرار الرئيس التونسي قيس سعيّد، في 25 أغسطس الماضي، تمديد العمل بالإجراءات الاستثنا…