‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر التجديد للمفتي وتحويل الإفتاء إلى جهة ذات طبيعة خاصة.. قراءة تحليلية
مصر - أغسطس 23, 2021

التجديد للمفتي وتحويل الإفتاء إلى جهة ذات طبيعة خاصة.. قراءة تحليلية

التجديد للمفتي وتحويل الإفتاء إلى جهة ذات طبيعة خاصة.. قراءة تحليلية

 

 

فاجأ الجنرال عبدالفتاح السيسي الجميع يوم الخميس 12 أغسطس 2021م بإصدار قرار بالتجديد للمفتي شوقي علام  لمدة سنة، لكن المفاجأة الكبرى تمثلت قبلها بيوم “الأربعاء 11 أغسطس 2021م” بإصدار القرار رقم 338 لسنة 2021م بشأن اعتبار دار الإفتاء من الجهات ذات الطبيعة الخاصة، ولا تسرى على الوظائف القيادية والإدارة الإشرافية بها أحكام المادتين “17 و20” من قانون الخدمة المدنية.

وتزامن القرار مع انتهاء مدة القرار الجمهورى، رقم 62 لسنة 2021 بتجديد تعيين شوقي علام مفتيًا لجمهورية مصر العربية حتى 12/ 08 / 2021 تاريخ بلوغه السن المقررة لترك الخدمة.[[1]]

قرار السيسي بتحويل دار الإفتاء إلى جهة من الجهات ذات الطبيعة الخاصة يتسق مع التوجهات الديكتاتورية لنظام السيسي لأنه يمنح رئيس الجمهورية سلطة اختيار المفتي على غرار ما منحته التعديلات الدستورية التي جرى إقرارها في إبريل 2019م سلطة اختيار رؤساء الهيئات القضائية والنائب العام.

وبالتالي فإن النظام مصمم على تقويض جميع أشكال المشاركة الشعبية حيث ألغى فعليا جميع صور الانتخابات التي قررتها مكتسبات ثورة 25 يناير وحتى الانتخابات التي تتم فهي صورية تتحكم الأجهزة الأمنية في جميع مخرجاتها من الألف إلى الياء. كما ألغى انتخابات رؤساء الجامعات وعمداء الكليات؛ فكل ذلك بات بالتعيين، فكيف يبقى اختيار المفتي بالانتخابات؟

و« شوقي علام، هو المفتي الـ19 في تاريخ دار الإفتاء المصرية منذ عام 1859. واختير علام، وهو أستاذ بجامعة الأزهر، مفتياً للبلاد في عهد الرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسي بالتحديد في فبراير عام 2013 في اقتراع سري خلال اجتماع هيئة كبار العلماء (أعلى هيئة دينية في الأزهر)، ويعد علام بذلك أول مفتٍ منتخب في البلاد بعد تعديلات قانون الأزهر التي تمت في مرحلة ثورة 25 يناير 2011م. وحصل علام حينها على أعلى الأصوات».

وكان السيسي قد أصدر في مارس 2017 قراراً بتجديد تعيين علام مفتياً لمصر لمدة 4 سنوات، وشغل علام أيضاً منصب رئيس المجلس الأعلى للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم بدعم من عواصم تحالف الثورات المضادة في السعودية والإمارات.

أبرز الملاحظات

أولا، من جانبه التزم الأزهر الشريف الصمت، ولم يصدر عنه ولا عن مشيخته ولا هيئة كبار علمائه أي رد فعل حتى كتابة هذه السطور؛ رغم أن هذا القرار يمثل افتئاتا على صلاحيات الأزهر ودوره المحدد بالدستور والقانون ويمثل تقليصا لدوره ونفوذه وصلاحياته؛ لأن السيسي بتحويل دار الإفتاء إلى جهة من الجهات ذات الطبيعة الخاصة يعني انتزاع صلاحيات تعيين المفتي من هيئة كبار العلماء ليكون السيسي هو المسئول مباشرة عن تعيين المفتي.

التجديد للمفتي وتحويل الإفتاء إلى جهة ذات طبيعة خاصة.. قراءة تحليلية

وبالتالي تفقد هيئة كبار علماء الأزهر أحد أهم صلاحياتها التي حددها القانون، ووفقا لتعديلات قانون الأزهر التي أصدرها المشير حسين طنطاوي في 19 يناير رقم 13 لسنة 2012م. بتعديل بعض أحكام القانون رقم 103 لسنة 1961م بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها. والتي نصت على أن اختيار هيئة كبار العلماء 3 مرشحين للمنصب على أن يختار رئيس الجمهورية واحدا منهم.

ثانيا،  يكرّس قرار السيسي بتجديد ولاية شوقي علام مفتياً للديار المصرية، لمدة عام، عدة ظواهر أصبحت من المكونات الأساسية لبنية النظام الحاكم في مصر في أعقاب انقلاب 3 يوليو 2013م، وهي أعمق من مسألة الصراع مع شيخ الأزهر أحمد الطيب أو تجريده من صلاحياته.

ويُعتبر الطيب حالياً المسؤول الوحيد على الساحة الذي لم يعيّنه السيسي. في التطورات الأخيرة، ضرب السيسي بعرض الحائط كل المستجدات التشريعية التي استطاع الطيب تمريرها لصالح الأزهر بعد ثورة 25 يناير 2011، بما يضمن توسيع صلاحيات هيئة كبار العلماء ونقل وظيفة المفتي من المنظور التنفيذي كموظف كبير تابع لوزارة العدل إلى المنظور العلمي المحصن بعضويته في هيئة كبار العلماء والمراقب في الوقت نفسه من قبل أعضاء الهيئة.

وهي النقطة التي كانت المحرك الرئيس لقسم مهم من التعديلات التشريعية التي استطاع انتزاعها عام 2012 في عهد المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ثم أكدها بنصوص لائحة هيئة كبار العلماء التي وضعها بالقرار “10 ” لسنة 2014 قبل أن يصبح السيسي رئيساً بشهر واحد. وبطبيعة الحال لم يكن الطيب ليستطيع إتمام تلك الخطوة في عهد السيسي.[[2]]

إقرا أيضا: ترميم السيسي للمقامات والأضرحة .. ملاحظات على الهامش

من جهة ثالثة فإن السيسي يبرهن على أنه ماض في تقليص صلاحيات الأزهر وهيئة كبار علمائه والمؤسسات التابعة له، حتى لو كانت محمية بنصوص الدستور؛ فالسيسي لا يكترث للدستور ونصوصه فكم انتهكه وكم داس عليه! وقرار السيسي بتحويل دار الإفتاء إلى جهة من الجهات ذات الطبيعة الخاصة يأتي في أعقاب فشله في تمرير مشروع قانون دار الإفتاء الذي وافق عليه البرلمان في 19 يوليو 2020م، والذي كان يفضي تلقائيا إلى استبعاد تبعية الدار للأزهر وجعلها تابعة لمجلس الوزراء، واعتبارها كيانا دينيا مستقلا؛ وهي التعديلات التي مثلت في جوهرها عدوانا على الأزهر وتقليصا لصلاحياته التي نص عليها الدستور ومسا باستقلاله ودوره في مجال الدعوة باعتباره المرجعية الأساسية لكل ما يتعلق بالشئون الإسلامية.

التجديد للمفتي وتحويل الإفتاء إلى جهة ذات طبيعة خاصة.. قراءة تحليلية

وقد  رفض الأزهر هذه التعديلات محذرا من أن  مشروع القانون يعتدي على اختصاصات الأزهر، والتأكيد على أن أي هيئة دينية يتم إنشاؤها تعد جزءا لا يتجزأ من رسالة الأزهر “ومن يقُل بغير ذلك يشكل مخالفة صريحة للدستور” مطالبا بأن تكون تبعية دار الإفتاء للأزهر الشريف. كما اعتبر الموافقة على تلك التعديلات فتنة تدق أسافين الخلاف بين الأزهر والمؤسسات الدينية، وأن السماح لدار الإفتاء بالتغول على اختصاصات الأزهر الشريف، لن تجني البلاد من ورائه إلا خطابا متباينا”.

والتأكيد على أن دار الإفتاء ليس لها استقلالية الرأي الشرعي، والتشديد على أن هناك مسائل يتم العودة فيها في الأساس لهيئة كبار العلماء، وأن (هذا) القانون -بالإضافة إلى مخالفته للدستور- يعمل على إنشاء كيان مواز للأزهر، وهو ما يتجاوز حدود الخلاف على الاختصاص.[[3]] فالأزهر طبقاً لنص الفقرة الأولى من المادة 7 من الدستور هو “هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على كافة شؤونه، وهو المرجع الأساس في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية، ويتولى مسؤولية الدعوة، ونشر علوم الدين، واللغة العربية في مصر والعالم…”.

و”إذا كان الأزهر بنص الدستور، هو المرجع الأساس في كل تلك الأمور التي في صدارتها الإفتاء، والبتّ في كافة الأمور المتعلقة بالشريعة، والرد على الاستفسارات الشرعيَّة من أيّ جهة، وتقديم الآراء الشرعية في شأن المعاملات المالية المعاصرة، وإجراء الأبحاث الشرعية المتعلقة بالفتوى، والرد على الشبهات المثارة، وغيرها من الأمور الشرعية التي تضمنها مشروع القانون، وأسندها لهيئة تابعة لوزارة العدل، ولا تتبع الأزهر الشريف؛ فإن ذلك ينطوي على مخالفةٍ دستورية، ومساسٍ باستقلال الأزهر، وجعْل رسالته مشاعاً لجهات أخرى لا تتبعه”.

ورأى الأزهر  أن “دار الإفتاء ستصير عندئذٍ كياناً عضوياً منبت الصلة عن الأزهر الشريف، وتمارس عملها بمعزل عن الأزهر”. وانتهى الأزهر في رفضه إلى أن المخالفات الدستوريَّة التي شابت مشروع القانون “لا تقتصر أو تقف عند مجرد العدوان على اختصاصات الأزهر، ومحاولة إنشاء كيان موازٍ له يقوم في موضوعه وغايته على محاولة الحلول محلَّه في رسالته وأغراضه، فالأمر يتجاوز حدود النزاع على الاختصاصات، أو التشبث بالصلاحيات، أو احتكار جهةٍ للقيام بدور معين، ومنع غيرها من مشاركتها فيه”.

ورأى أن “الخطورة تكمن في تجزئة رسالة الأزهر، وإهدار استقلاله الذي هو عِمادُ وسطيته واعتداله، فالأزهر ليس مجرد هيئة وأشخاص، وإنما هو رسالة علميَّة لا تحتمل إلا أن تكون مستقلة غير تابعة، وهذا المشروع المعروض يخلُّ إخلالاً جسيماً بالدستور، كما يخلُّ بالاستقلالية والحياد الذي ينبغي أن يتمتع بهما منصب مفتي الجمهورية”.

وجاءت ملاحظات مجلس الدولة على مشروع القانون داعمة لموقف الأزهر ومؤيدة له؛ الأمر الذي أجبر النظام حينها على سحب المشروع؛ حتى فاجأ السيسي الجميع في أغسطس 2021م بتحويل دار الإفتاء إلى هيئة ذات طبيعة خاصة بما يعني انتزاع السيسي لصلاحيات هيئة كبار العلماء وسيطرة السيسي وأجهزته الأمنية بشكل مطلق على تعيين المفتي والتحكم الكامل في دار الإفتاء.

من جهة رابعة فإن اتجاه السيسي في الآونة الأخيرة للاعتماد على نظام تعيين المسؤولين لعام واحد قابل للتجديد، الذي اتّبعه أخيراً مع المفتي، يضمن له تحقيق هدف آخر هو إبقاء المسؤولين تحت الضغط وعلى أعلى درجات الحرص على إرضاء السلطة والأجهزة السيادية والأمنية.

وهو ما حدث سابقاً مع رؤساء هيئة قناة السويس والهيئة الاقتصادية لقناة السويس ورئيس أركان القوات المسلحة والقيادات العسكرية الأخرى، بموجب قانون صدر الشهر الماضي. وهو ما تبدو ترجمته واضحة في بيان شوقي علام بعد صدور القرار الجمهوري، والذي وصف تجديد الثقة فيه بـ”قرار حكيم يمثل حافزاً كبيراً لاستكمال المسيرة في تحقيق الريادة الإفتائية المصرية، وفرصة عظيمة لخدمة الوطن، والعمل على استكمال مسيرتنا في تجديد الخطاب الإفتائي، وتحقيق الريادة الإفتائية ليس في مصر فحسب بل في العالم أجمع”.[[4]]

من زاوية خامسة، فإن قرار السيسي هو برهان على مدى العداء المتأصل في بنية النظام العسكري ضد كل ما هو منتخب، فبرلمان الثورة المنتخب في نوفمبر وديسمبر 2011م جرى حله بعد ستة شهور في مايو 2012م. والرئيس الوحيد المنتخب من الشعب بحرية ونزاهة اعترف بها العالم كله، جرى الانقلاب عليه بعد سنة واحدة فقط، والدستور الذي وافق عليه الشعب بسنة 64% في ديسمبر 2012م جرى تجميد العمل به بعد ستة شهور فقط في 3 يوليو 2013م.

ومنذ الانقلاب العسكري الأول في 23 يوليو 1952م يتم تعيين رؤساء جميع الهيئات الحكومية والمؤسسات الدينية بناء على على ولاء من يتولى المنصب للسلطة، بعد تحريات الأمن عنه، إلى أن جاءت ثورة (25 يناير) 2011م، وانتزعت من العسكر ملفات كانت في سلطتها، منها: انتخاب المؤسسات الدينية والجامعية، فكان تكوين هيئة كبار العلماء، واختيار المفتي وشيخ الأزهر من اختصاصها، وانتخاب رؤساء الجامعات، وعمداء الكليات، وكذلك القضاء، كانت كل هذه المنجزات، من أهم منجزات ثورة يناير، إلى أن جاء الحكم العسكري عن طريق الانقلاب العسكري في مصر في الثالث من (يوليو) 2013م، وجاء على كل مؤسسة منتخبة فأزالها، بدءا من مؤسسة الرئاسة والبرلمان والدستور وصولا إلى الجامعات والكليات وحتى الهيئات القضائية التي بات رؤساؤها بالتعيين من جانب السلطة؛ وعاد الأمن الوطني يفرض كلمته على الجميع لتكريس الحكم الجبري الدكتاتوري.

لماذا شوقى علام؟

قرار تجديد السيسي لشوقي علام يمثل مكافأة للأخيرة على التزامه الكامل بخط السلطة والانصياع المطلق لأوامر الأجهزة الأمنية وتوجهاتها،[[5]] وفي ذات الوقت يمثل تجاهلا لترشيح هيئة كبار العلماء في الأزهر لثلاث من الشخصيات البارزة لتولي المنصب، وهم الأستاذ في كلية أصول الدين طه حبيشي، والأمين العام لهيئة كبار العلماء محمد الضويني، وأستاذ الفقه بكلية الشريعة فتحي عثمان.

واختيار علام إنما يأتي لأسباب جوهرية وفق تصورات النظام ومفردات أجندته في الحكم.

التجديد للمفتي وتحويل الإفتاء إلى جهة ذات طبيعة خاصة.. قراءة تحليليةأولا، أبقى النظام على شوقي علام لأنه يبدي انصياعا كاملا  للسلطة، ولم يعرف عنه أي رأي استقل به لاعتبارات علمية وفقهية فهو دائما مع السلطة يدعم مواقفها مهما كانت بالغة الشذوذ والانحراف وتتصادم مع نصوص القرآن وثوابت الإسلام، ولا دور له سوى البحث عن ذرائع ومسوغات لمواقف السلطة لإضفاء شيء من مسحة شرعية زائفة على مواقفها مهما كانت ظالمة ومناقضة لتعليم الإسلام ومبادئه.

فهو يدور مع السلطة أينما دارت وقبلة صلاته إليها يتقرب إليها بالفروض والنوافل حتى عشقها وعشقته؛ فأبقت عليه وسنت لذلك قرارا جمهوريا يتصادم مع لائحة هيئة كبار العلماء التي تتسق تماما مع نصوص الدستور والقانون. وما تجاهل السيسي لاختيارات كباء العلماء إلا خشيته من أن يأتي على رأس دار الإفتاء شخصية علمية تمتلك شيئا من الاستقلال كشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب فيقف عقبة أمام  جرائم وانتهاكات النظام وخصوصا في ملف الإعدامات التي يوقع علي صحتها مفتي الديار دون أدلة سوى التحريات الأمنية.

ولعل هذا هو أحد اسباب قرار السيسي في هذا التوقيت في ظل أحكام الإعدامات الجائرة التي افتقدت إلى جميع معايير النزاهة والعدالة، ورغم ذلك قابلها المفتي بتجاوب واسع حرصا على ولائه للنظام الديكتاتوري وأجهزته الأمنية على حساب رضا الله وإحقاق الحق والعدل بين الناس.

ثانيا، على الرغم من أنّ النظام العسكري يدّعي أنّه جاء إلى السلطة من أجل وقف استخدام الحركات الإسلامية الدين وتوظيفها له في المجال السياسي، إلّا أنّه يُعَدّ من أكثر الأنظمة في مصر التي تستخدم الديني لتحقيق غايات سياسية. على سبيل المثال، أصدرت دار الإفتاء عشرات الآراء والفتاوى الدينية التي تسعى إلى شرعنة سياسات النظام الحالي، سياسياً وداخلياً.

فمثلاً أُصدِرَت فتاوى لدعم موقف السيسي من الأوضاع في ليبيا، وكذلك الهجوم على الإسلاميين، وتوجيه انتقادات لاذعة إلى الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، فضلاً عن تبرير سياسات الحكومة المصرية في مكافحة فيروس كورونا. فمن أول يناير2020 وحتى يونيو2020، يتناول ما يقرب من ثلث البيانات التي أصدرها المركز الإعلامي لدار الإفتاء قضايا ومسائل سياسية، وهو أمر عجيب وغريب، فالوظيفة الأساسية لدار الإفتاء أن تفتي الناس في شؤون دينهم ودنياهم، وليس إصدار مواقف وبيانات سياسية، وخصوصاً إذا كانت تقع في مغبة الانقسام والاستقطاب السياسي، كما هو الحال في مصر والمنطقة العربية.[[6]] وبرصد الفتاوى الأخيرة لدار الإفتاء يمكن الخروج بالملاحظات الآتية:

  • فتاوى تدعم الصوفية وتسوق لها باعتبارها التأويل الصحيح للإسلام المعتمد من السلطة، وهي الفتاوى التي تتسق تماما مع توجهات النظام نحو الدعاية للصوفية والتسويق له باعتبارها الإسلام البديل حتى تملأ الفراغ الذي تركته الحركات الإسلامية المعتدلة كجماعة الإخوان المسلمين والتي تتمتع بثق شعبي كبير وحاضنة شعبية لا يمكن الاستهانة بها. وفي 25 يونيو 2021م أفتى شوق علام باستحباب زيارة الأضرحة وأولياء الله الصالحين وقال إنها مشروعة ومحببة، مستدلا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها”، متسائلا: فما بالك عندما يكون من في القبر وليٌّ، في هذه الحالة يصبح الاستحباب أكثر من زيارة القبور على وجه العموم.[[7]] لكنه يتجاهل ما يحدث في هذه الزيارات من بدع وأبرزها التمسح بها والاستغاثة بها والاستنجاد بها وطلب تفريج الكروب من أصحاب هذه الأضرحة وهي بدع “شركية” بحسب كثير من العلماء.
  • أفتى شوقي علام بتحريم الانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين، وهي فتوى سياسية لا دينية تضع في الاعتبار حرب النظام على الجماعة بعدما اغتصب السلطة بانقلاب عسكري، ولو تغير موقف النظام من الجماعة لتغيرت فتوى شوقى علام فهو يدور مع السلطة أينما دارت. وفي 18 يونيو 2021م أفتى علام بتحريم الانضمام للإخوان وما وصفه بالحركات الإرهابية[[8]]، وهو مصطلح سياسي لا فقهي يبرهن على أن دوافع الفتوى سياسية بامتياز.  وعلى عكس موقف مشيخة الأزهر وهيئة كبار العلماء التي رفضت تكفير الإخوان وحتى جماعات العنف مثل القاعدة وداعش؛ ورفضت أن تقع في مستنقع التكفير والتكفير المضاد وهي التي ترفض من الأساس السقوط في هذا الفخ؛ فإن دار الإفتاء قامت بذلك واعتبرت الإخوان «خوارج العصر وقتالهم أعلى درجات الشهادة» وهي الفتوى التي صدرت في فبراير 2019م، في أعقاب تنفيذ حكم الإعدام في تسعة من شباب الجماعة حكم عليهم ظلما في محاكمات مسيسة افتقدت لجميع معايير النزاهة والعدالة وهو الحكم الذي استند على أمرين: اعترافات بالإكراه تحت التعذيب الرهيب وتحريات الأمن الوطني دون وجود أي دليل مادي ضد هؤلاء الشهداء؛ لكن دار الإفتاء بصمت على الحكم الجائر وراحت بعد ذلك تهاجم الضحايا وتبرر جريمتها وجريمة النظام. وقد دأبت دار الإفتاء  تحت إدارة شوقي علام على هذا النهج المتزلف للسلطة والمتواطئ معها ضد كل ما هو حق وعدل وإنصاف، وانحازت للجلادين والظالمين على حساب الضحايا والمظلومين.
  • أفتى عدة فتاوى تدعم مواقف السلطة في الملف الاقتصادي حتى لو كانت قرارات السلطة تزيد من معاناة الناس وتثقل كواهلهم بالرسوم والضرئب الباهظة في ظل موجات الغلاء الفاحس التي تسببت فيها سياسات النظام الاقتصادية التي تعتمد على النيوليبرالية المتوحشة. وفي 5 مارس 2021م أفتى شوقي علام بأن دفع الضرائب تعبد لله (الأصل أن الزكاة تعبد لله لأنها عمود من أعمدة الإسلام الخمس)، واستدل على ذلك أنها من طاعة ولي الأمر، فهي طاعة للقانون الذي وضعه ولي الأمر ونحن مأمورون بطاعته فيما لا يخالف الله ورسوله، وشدد على أنه لا يجوز التهرب من دفع الضرائب ولا يجوز دفع الرشوة لإنقاصها.[[9]]   وهي الفتوى التي أغضبت ملايين المصريين لأن المفتي لا يهتم إلا برضا السلطة ولا يراعي في فتاويه رضا الله ورضا الملايين من الفقراء المسحوقين بقرارت السلطة الباطشة التي اغتصب الحكم بقوة السلاح وليس ببيعة صحيحة نزيهة وفق أحكام الشريعة، فهو ينزل الأحكام المرتبطة بالحكم الشرعي على حكم المتغلب بالسيف رغم ما بينهما من فوارق كبيرة وفق ضوابط وأحكام الشريعة. وفي 5 فبراير 2021م، أفتى شوقي علام بضرورة الادخار والاستثمار في البنوك تحت مظلة  الدولة لدعم الاقتصاد وما أسماها بالمشروعات الوطنية النافعة التي تخدم العامة وتفيدهم.[[10]] رغم أن هذه المشروعات وفق معظم خبراء الاقتصاد هي مشروعات بلا جدوى اقتصادية ولا تحقق النفع بقدر ما يتم من  خلالها إهدار آلاف المليارات على مدن وطرق وسكك حديد للأثرياء فقط، بينما يئن عشرات الملايين من الجوع والفقر الذي تزايدت معدلاته خلال السنوات الماضية. وكان الأولى وضع هذه الأموال في مشروعات إنتاجية توفر ملايين من فرص العمل بدلا من هذا السفه وقد حذر الله من أن نؤتي السفهاء أموالنا{ولا تؤتوا السفهاء أموالكم}.
  • في 20 يونيو 2021م، أفتى شوقي علام بأن الجهاد لا يكون إلا تحت راية الدولة وتنظيم مؤسساتها المختصة[[11]]، وهي الفتوى التي تدعم الغزاة والمحتلين، فمعنى ذلك ليس من حق حركة حماس الإسلامية مثلا أو أي حركة فلسطينية أخرى مقاومة الاحتلال الصهيوني لأنه ليس للفلسطينيين حتى اليوم دولة معترف بها، كما لا يحق لحركة طالبان التي حررت بلادها مؤخرا من الغزو الأمريكي أن تقاوم الاحتلال لأنهم ليسوا دولة. كما أن  هذه الفتوى تجعل من بطولات المصريين ضد الاحتلال الإنجليزي (1881 ــ 1956م) عملا غير مشروع لأنه لم يكن للمصريين دولة ولا مؤسسات بالمعنى الصحيح، بل كان الاحتلال يهمين على الدولة وعلى كل كل المؤسسات فيها!
  • في 29 مايو 2021م، أفتى شوقي علام بأن أحاديث خيرية الجيش المصري صحيحة المعاني والأسانيد.[[12]] وهذا جهل من عدة جوانب: الأول هو جهل بعلوم الحديث والسنة النبوية؛ لأن الحديث شديد الضعف ولم يرد في أي من كتب السنة النبوية التسعة المعتمدة من علماء الأمة. والصيغة التي ورد بها النص «إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جندا كثيراً، فذلك الجند خير أجناد الأرض، فقال له أبو بكر: ولم يارسول الله؟ قال: لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة» وردت في كتب التاريخ لا كتب السنة، حيث ذكره ابن عبدالحكم في كتابه “فتوح مصر” وابن عساكر ثم ذكر أن في سنده الأسود بن مالك الحميري وقال ” لم أري للأسود ترجمة؛ وبناء عليه جهالة بعض رواة الحديث فإنه يكون ضعيفا.[[13]]. الثاني أن الحديث الصحيح الذي ورد في ذلك هو ما ورد في صحيح مسلم مرفوعا «إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا».[[14]] وبالتالي فوصية الرسول صلى الله عليه وسلم هنا لأهل مصر وشعبها وليس لجيشها. وحتى الحديث الصحيح الآخر «الله الله في قبط مصر، فإنكم ستظهرون عليهم ويكونون لكم عدة وأعوانا في سبيل الله». والذي أخرجه الطبراني، وصححه الألباني فإن فيه بشرى بفتح مصر من جهة ودخول أقباطها في الإسلام من جهة ثانية، وأنهم سيكونون عونا للمسلمين في سبيل الله، وهو ما تحقق كله بعد ذلك وكان لمصر فضل كبير في تحرير القدس ورد التتار، أما الجيش الحالي الذي يتحالف مع أعداء الله ويوجه سلاحه إلى صدور شعبه ويتغصب السلطة بقوة السلاح، فإن هؤلاء يخالفون الإسلام أساسا فكيف يتحدث الرسول عن خيريتهم وقد تجردوا من كل خيرية؛ لأن الخيرية مرهونة بالعمل الصالح والجهاد في سبيل الله وإقامة الحق والعدل في الأرض، وليست منحة لجنس أو بلد أو جيش أو غير ذلك. من جهة ثالثة فإن المفتي يتجاهل عشرات الآيات في القرآن التي تتحدث عن وحشية الجيش المصري وبغيه وظلمه، وكيف أهلكه الله بسبب هذا الظلم والطغيان فلم يرد في القرآن عن جيش أهلكه الله بمعجزة إلا جيشين هما جيش مصر وجيش الحبشة، فالأول شق الله البحر ليبتلع كل جنوده “فأهلكناه ومن معه جميعا”. والثاني دمره الله بطير أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول.

الخلاصة أن دار الإفتاء التي أُنشئت عام 1895من أهم المؤسسات الدينية في مصر. وقد أُنشئت كجزء من استراتيجية الدولة الحديثة في السيطرة على المجال العام وضبطه، في مختلف مجالات الحياة، بما فيها الشأن الديني. ومنذ تأسيسها، أُلحِقت دار الإفتاء بوزارة العدل، وأُنيط بمفتي الديار اختصاصُ إبداءِ الرأي غيرِ الملزم في أحكام الإعدام الصادرة عن المحاكم. وظل هذا الاختصاص محل جدل. كذلك أُنيط به اختصاصُ استطلاع أهلّة شهور السنة القمرية وإعلان بدايتها، ومنها على الأخص هلالُ شهر رمضان وبداية فريضة الصيام ونهايتها.

وكانت دار الإفتاء المصرية استَقلت ماليًّا وإداريًّا عن وزارة العدل فى نوفمبر 2007، وأصبح لها لائحة داخلية ومالية تم اعتمادهما ونشرهما في جريدة الوقائع المصرية، وتتبع الدار وزارة العدل تبعية سياسية هيكلية فقط، دون أن يكون للوزارة أي سلطة عليها، وينحصر سبب هذه التبعية فيما تقوم به دار الإفتاء من نظرٍ في قضايا الإعدام وإبداء الرأى الاستشارى فيها.

قرار السيسي بتحويل دار الإفتاء إلى هيئة ذات طبيعة خاصة هو انتزاع لصلاحيات تعيين المفتي من هيئة كبار العلماء التابعة للأزهر الشريف ليكون من صلاحيات رئيس السلطة التنفيذية فقط؛ بما يعكس إصرارا من السيسي على تقليص صلاحيات الأزهر والحد من سلطاته المخولة له بنصوص الدستور. والتجديد للمفتي الحالي شوقي علام لمدة سنة هو من قبيل المكافأة للرجل الذي يبدي أعلى صور الانصياع والإذعان للسيسي وأجهزته الأمنية.

ولتقليص نفوذ شيخ الأزهر وهيئة كبار العلماء قد يلجأ السيسي إلى حزمة جديدة من التعديلات الدستورية، ومن بينها بحث مقترح بتعديل المادة السابعة منه بحذف “ال التعريف” من عبارة “المرجعية الرئيسية” بالمادة  السابعة التي تنص على أن «الأزهر هو “المرجعية الرئيسية للشؤون الدينية”، وهو ما يسمح بتفسير النص على نحو مخالف، يفيد بوجود مرجعيات أخرى، رئيسية وغير رئيسية، في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية. وهناك مقترح آخر بإضافة نص خاص لدار الإفتاء، يؤكد تبعيتها المطلقة للسلطة التنفيذية، وفي هذه الحالة ربما تكون النصوص أكثر صرامة لتحقيق الفصل الكامل بينها وبين الأزهر  للحد من صلاحياته التي اكتسبها إبان ثورة يناير2011مـ.

 

 

 

[1] شيماء عبد الهادي/ الرئيس السيسي يصدر قرارًا بالتجديد لمفتي الجمهورية الدكتور شوقى علام / بوابة الأهرام ــ12 أغسطس 2021م// السيسي يصدر قراراً يمنحه صلاحية اختيار المفتي منفرداً/ العربي الجديد ــ11 اغسطس 2021

[2] تجديد السيسي للمفتي: أهداف أبعد من المعركة مع الطيب/ العربي الجديد ــ 15 اغسطس 2021

[3] تبعية دار الإفتاء.. السيسي يحسم جولة في صراعه مع شيخ الأزهر/ الجزيرة نت 20 يوليو 2020

[4] تجديد السيسي للمفتي: أهداف أبعد من المعركة مع الطيب/ العربي الجديد ــ 15 اغسطس 2021

[5] المفتي: الرئيس السيسي حمل على عاتقه مسئولية ضخمة وواجه المؤامرات بكل شجاعة/ بوابة الشروق ــ  الثلاثاء 8 يونيو 2021

[6] خليل العناني/ دار الإفتاء المصرية بين الدين والسياسة/ العربي الجديد ــ09 مايو 2021

[7] فيديو.. المفتي: زيارة الأضرحة وأولياء الله مشروعة ومحببة/ بوابة الشروق ــ الجمعة 25 يونيو 2021

[8] المفتي: الانضمام إلى الجماعات الإرهابية مثل الإخوان حرام شرعا/ بوابة الشروق ــ  الجمعة 18 يونيو 2021

[9] المفتي: الضرائب لا تعارض الزكاة.. ولا يجوز التهرب منها/ بوابة الشروق ــ  الجمعة 5 مارس 2021

[10] المفتي يطالب المصريين بالادخار في البنوك تحت مظلة الدولة لدعم الاقتصاد/ بوابة الشروق ــ الجمعة 5 فبراير 2021

[11] المفتي: الجهاد لا بد أن يكون تحت راية الدولة وتنظيم مؤسساتها المختصة/ بوابة الشروق ــ الأحد 20 يونيو 2021

[12] المفتي: أحاديث خيرية الجيش المصري صحيحة المعاني والأسانيد/ بوابة الشروق ــ السبت 29 مايو 2021

[13] رتبة حديث “إذا فتح الله عليكم مصر..”/ موقع إسلام ويب ــ رقم الفتوى: 49096

[14] أحاديث صحيحة في مصر والوصية بأهلها/ إسلام ويب ــ رقم الفتوى: 127454

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

التعاون الفرنسي المصري وتداعياته المسمومة في ضوء تحقيقات “ديسكلوز”

  أبرز ما كشفه التحقيق الاستقصائي الذي نشره موقع «ديسلكوز» الفرنسي يوم 21 نوفمبر 2021…