‫الرئيسية‬ العالم العربي العلاقات المغربية الجزائرية بعد دعوة المغرب للحوار
العالم العربي - أغسطس 25, 2021

العلاقات المغربية الجزائرية بعد دعوة المغرب للحوار

العلاقات المغربية الجزائرية بعد دعوة المغرب للحوار

 

شكَّل وصول الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى الرئاسة في 2019 فرصة لضخ دماء جديدة في العلاقات المغربية-الجزائرية، التي لم تعرف سوى الجفاء منذ عقود. بيد أن العلاقة في الحقيقة لم تتحسن، بل يُلاحظ تزايد مؤشرات التوتر والتصعيد تجاه المغرب؛ فمن ناحية، ارتفعت نبرة وحدة انتقاد السلطات الجزائرية للمغرب، علاوةً على رفضها المتكرر الاستجابة لأي حوار سياسي يفضي إلى تسوية الخلافات بين البلدين، رغم الإلحاح المغربي على ذلك؛ ومن ناحية ثانية، فإن الدعم الجزائري لجبهة البوليساريو يزيد من درجة التوتر، وهو ما ظهر من خلال الاحتضان الرسمي والإعلامي للتصعيد القائم منذ 21 أكتوبر 2020 من قِبل جبهة البوليساريو في معبر الكركرات على الحدود المغربية الموريتانية.

وأبرز الملفات التي تسبب التوتر؛ هي: استمرار غلق الحدود البرية، وتغذية الانفصال في الصحراء، والتنافس حول الزعامة الإقليمية. كل هذا يجعل البلدين يعيشان على وقع حرب باردة طويلة الأمد، والجدير بالملاحظة هو قدرة الطرفين، طيلة عقود ماضية، على ضبط التوتر في حده الأدنى، بالمقارنة مع مناطق أخرى من الشرق الأوسط. فما هي خلفيات الصراع المغربي- الجزائري؟ وما هي مؤشرات التصعيد؟ وكيف يُمكن قراءة مستقبل العلاقات بعد دعوة ملك المغرب للحوار؟ تلك هي التساؤلات التي ستسعى تلك الورقة للإجابة عليها..

خلفيات الصراع:

رغم الروابط الاجتماعية والدينية والثقافية العميقة التي تجمع الشعبين الشقيقين، المغربي والجزائري، ما زالت العلاقات بين البلدين تتأرجح بين المد تارة والجزر تارةً أخرى، فيما ظلت الحدود البرية إلى اليوم مغلقة على امتداد أكثر من عقدين، مما يكلف المنطقة المغاربية برمتها هدر المزيد من الفرص والإمكانات، في زمن زادت فيه التحديات، وتنامى التوجُّه الدولي نحو التكتلات الكبرى كسبيل لكسب معارك استراتيجية داخلية وأخرى خارجية. ويُعتبر المغرب والجزائر من الدول الوازنة داخل الاتحاد المغاربي، الذي تأسس في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي بموجب معاهدة مراكش، وهو الاتحاد الذي لم ينطلق بالشكل المطلوب بعد، رغم الطموحات الكبرى التي رافقت تأسيسه، والإمكانات الكبرى المتاحة لبلدانه، سواء على مستوى الموقع الاستراتيجي أو فيما يتعلق بالإمكانيات البشرية والطبيعية والاقتصادية المتوفرة. وما زال الجمود هو السمة الطاغية على مسار الاتحاد، وتبقى طبيعة العلاقات المغربية– الجزائرية على رأس العوامل المسؤولة عن هذا الوضع، الذي يُضاف إلى الأزمات التي ما فتئت تواجه النظام الإقليمي العربي بكل مكوناته منذ نهاية الحرب الباردة وتزيد من تعقيده أكثر. ورغم الإشكالات والمخاطر الجدية التي أصبحت تواجه المنطقة المغاربية برمتها في السنوات الأخيرة، سواء تعلق الأمر بتحدي الجماعات الإرهابية، وتنامي الهجرة السرية والتهريب، أو تعلق الأمر بتأزم الأوضاع الأمنية في ليبيا، وتزايد حدة التهافت الدولي والإقليمي على المنطقة، وتعلق الأمر كذلك باختلال موازين التفاوض مع دول الاتحاد الأوربي بصدد عدد من القضايا الاقتصادية والأمنية والسياسية. فإن ذلك لم يكن دافعًا بشكلٍ كافٍ، أو محفزًا على طي الخلافات والسعي إلى الاندماج والتكتل.[1]

تنافس محموم بين الجارتين:

العلاقات المغربية الجزائرية بعد دعوة المغرب للحوار

بالرغم من كون التنسيق والتكامل بين حكومات المنطقة ضرورة تمليها مواجهة الأوضاع الأمنية بالمنطقة المغاربية، إلا أن هذا الأمر لم تستسغه الجزائر. فرغم التحولات التي شهدها العالم والتي تعيشها القارة، لا زالت القيادة الجزائرية تعد نفسها صاحبة نفوذ تاريخي لا يبلى في إفريقيا. وفي عام 2017 شكَّل انضمام المغرب إلى منظمة الاتحاد الإفريقي تحولًا إيجابيًا في سياسته الخارجية الإفريقية، بعد انسحابه من منظمة الوحدة الإفريقية عام 1984، بسبب اعترافها بجبهة البوليساريو. هكذا، لم يتوقف المغرب عن تمتين شراكاته الاقتصادية الإفريقية، بل كثَّف من مساعداته التقنية لعدد من دول القارة، بهدف النهوض الاقتصادي والتوسع التجاري، حتى بات المغرب يصطف ضمن الريادة، كفاعل قوي وأساسي في المجتمعين الإفريقي والدولي، حتى أن الولايات المتحدة اعترفت بسيادتها على منطقة الصحراء. كل هذا بالإضافة إلى مساهمة المغرب في حفظ السلم والأمن الإفريقي، من خلال قواته العسكرية ببعثات السلام الأممية. كل ذلك أمام أعين مستنكرة من قِبل الجزائر التي استشعرت خطورة المنافسة المغربية. مما زاد من حدة احتدام التنافس بين الجارتين للوصول إلى تحقيق أكبر قدر من التأثير والنفوذ في إفريقيا. وهي خطوة راهنت فيها المغرب على تغيير أسس المواجهة التقليدية، من أروقة الدبلوماسية ومجالات الأمن وساحات الصراع، إلى أسواق الاقتصاد وحقول التنمية. لاسيما بعد مآل الاتحاد المغاربي إلى الجمود والفشل بسبب نزاع الصحراء الغربية، وهو نزاع ذو خلفيات استراتيجية وأبعاد اقتصادية، لخصها بعض المحللين في طموح الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين في الوصول إلى المحيط الأطلسي عبر السيطرة على كيان هش يفتقر إلى مقومات الدولة. [2]

مؤشرات التصعيد الجزائري ضد المغرب:

وتتمثل في عدد من الوقائع والمواقف؛ أبرزها: على مستوى الخطاب السياسي والإعلامي؛ فالرئيس عبد المجيد تبون ما فتئ يعبِّر عن مواقف متشددة، فيما يخص القضايا الخلافية مع المغرب، وخصوصًا قضية الصحراء وغلق الحدود البرية منذ سنة 1994، وهي مواقف تكرَّرت في أكثر من مناسبة، لكنها صارت أقل استفزازًا، فيما يبدو، بعد توليه للسلطة رسميًا في 2019، لكنه ظل وفيًّا لها حتى الآن. ورغم أن الرئيس الجزائري عبَّر في أكثر من خطاب، أنه لا يحمل أي عداء للشعب المغربي، ويؤكد باستمرار أن الشعبين المغربي والجزائري أشقاء، إلا أنه لا يتردد في وصف المغرب بالبلد المحتل والمستعمر للصحراء الغربية. والمُلاحظ أن الخطاب المتشدد للرئيس الجزائري تجاه الوحدة الترابية للمغرب، يجد صداه لدى قيادة الجيش الجزائري بشكل أكثر حدة. والتصعيد الجزائري ضد المغرب بلغ مداه باحتضان الجزائر رسميًا لمناوشات جبهة البوليساريو ضد المغرب في المعبر الدولي-الكركرات، وهي الخطوة التي وفرت لها جبهة البوليساريو الغطاء العسكري، في حين وفرت لها الجزائر الغطاء السياسي والإعلامي، حين استضاف التلفزيون الجزائري الأمين العام للجبهة يوم 2 أكتوبر 2020 للقول إن أي مساس بأي صحراوي قطع طريق معبر الكركرات معناه العودة إلى الحرب، وفي يونيو 2021 زار الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون زعيم جبهة “البوليساريو” إبراهيم غالي الذي كان يخضع للعلاج من مضاعفات إصابته بكرونا في مستشفى عين النعجة بالعاصمة الجزائرية. على المستوى العسكري؛ اعتبرت الجزائر إعلان المغرب التخطيط لبناء قاعدة عسكرية بإقليم جرادة (شرق المملكة) لإيواء الجنود تصعيدًا ضدها، ورغم عدم تأكيد السلطات الجزائرية إذا ما كانت سترد ببناء قاعدة أو قاعدتين عسكريتين على حدودها الغربية، في إطار سياسة المعاملة بالمثل، إلا أن وسائل إعلامية جزائرية أكدت وجود مثل هذا القرار دون أن تنفي ذلك السلطات العسكرية أو السياسية الجزائرية. على المستوى الدبلوماسي؛ عرفت العلاقة بين البلدين توترًا دبلوماسيًا، إثر تصريحات عابرة للقنصل المغربي في وهران وصف فيها الجزائر بالبلد العدو، إثر استقباله مواطنين مغاربة في 13 مايو 2020 أمام مقر القنصلية.[3] وأدت التراشقات الإعلامية بين الجانبين إلى تصاع حدة التحركات الدبلوماسية، والتي انتهت بإعلان الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب.

تصاعد حدة التوتر:

تصاعدت حدة التوتر في العلاقات بين البلدين مؤخرًا بعد تقديم ممثِّل المغرب الدائم لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، ورقة إلى أعضاء حركة عدم الانحياز يدعوهم لمعالجة ما وصفه بـ “تصفية الاستعمار في منطقة القبائل” في الجزائر التي وصفها بأنها خاضعة للاستعمار الجزائري. وأتت تصريحات المندوب المغربي بعد مباشرة الجزائر وجبهة البوليساريو ترسيم الحدود بينهما، وردت الجزائر باستدعاء سفيرها لدى الرباط.[4] وبعد اتهام الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون المغرب بـ”الأفعال العدائية”، ندد ملك المغرب محمد السادس، بـ”عملية عدوانية مقصودة” ضد بلاده “من طرف أعداء الوحدة الترابية”، دون أن يسميهم. وبعد اجتماع للمجلس الأعلى للأمن، الأربعاء 18 أغسطس، قررت الجزائر مراجعة علاقتها بالمغرب، واتهمت الرئاسة جماعتي رشاد الإسلامية وحركة الماك الانفصالية في منطقة القبائل، صنفتهما مؤخرًا ضمن المنظمات الإرهابية، بالتورط في حرائق غابات مدمرة هذا الشهر، وقالت إن الماك مدعومة من المغرب والكيان الصهيوني.[5]

دعوة محمد السادس للحوار:

العلاقات المغربية الجزائرية بعد دعوة المغرب للحوار

وجَّه محمد السادس ملك المغرب مساء السبت 31 يوليو، في خطابه السنوي احتفالًا بذكرى جلوسه على العرش، دعوة إلى الجارة الجزائر لتفعيل الحوار من أجل تطوير العلاقات المشتركة بين البلدين والعمل على فتح الحدود بينهما والمغلقة منذ عام 1994 على خلفية التوترات الناجمة عن دعم الجزائر لجبهة البوليساريو في قضية الصحراء الغربية. ودعا محمد السادس الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى “تغليب منطق الحكمة” وتمتين أواصر العلاقات الأخوية التي تربط بين الشعبين الشقيقين. وقال العاهل المغربي “أدعو فخامة الرئيس الجزائري للعمل سويًا، في أقرب وقت يراه مناسبًا، على تطوير العلاقات الأخوية التي بناها شعبانا عبر سنوات من الكفاح المشترك”، في إشارة إلى تعاون الحركتين الوطنيتين في البلدين أثناء مواجهة الاستعمار الفرنسي في خمسينات القرن الماضي. وأعرب الملك محمد السادس عن “أسفه للتوترات الإعلامية والدبلوماسية التي تعرفها العلاقات” بين البلدين، مؤكدًا “لأشقائنا في الجزائر بأن الشر والمشاكل لن تأتيكم أبدا من المغرب، نعتبر أن أمن الجزائر واستقرارها وطمأنينة شعبها من أمن المغرب واستقراره”. وجدَّد العاهل المغربي أيضًا الدعوة إلى فتح الحدود المغلقة بين البلدين منذ العام 1994، داعيًا إلى “تغليب منطق الحكمة والمصالح العليا من أجل تجاوز هذا الوضع المؤسف، الذي يضيع طاقات بلدينا”. وسبق للملك محمد السادس أن اقترح أواخر العام 2018 إحداث آلية للحوار الثنائي، بينما ردت الجزائر بشكل غير مباشر بالدعوة إلى اجتماع لوزراء خارجية اتحاد المغرب العربي (ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا) الذي يُعد مجمدًا عمليًا.[6]

احتمالات التجاوب الجزائري:

قال تبون خلال لقائه الدوري مع الصحافة الجزائرية بعد دعوة الملك محمد السادس، أن بلاده لم تتلق استجابة من المغرب بخصوص التوضيحات التي طلبتها من الرباط حول ما قام به السفير المغربي في الأمم المتحدة. وأكد أن المشكل الظرفي الحالي هو الأهم، خاصةً وأن الدبلوماسي المغربي عمر هلال صرح بأمور خطيرة جدًا جعلت الجزائر تسحب سفيرها من الرباط. وأفاد تبون بأن قضية الصحراء في يد الأمم المتحدة ولجنة تصفية الاستعمار، مشددًا على أن الجزائر تلعب دور الملاحظ النزيه فقط. وأكد الرئيس الجزائري أن بلاده مستعدة لحل المشاكل بين الطرفين واحتضان لقاء بينهما على أرض الجزائر ولكن بما يرضي الطرفين.[7] ومع ذلك بدا كما لو أن القيادة الجزائرية فوجئت بالدعوة المغربية، رغم أن مضمون خطاب الملك لم يكن جديدًا، إذ سبق لمحمد السادس أن اقترح أواخر العام 2018 إحداث آلية للحوار الثنائي، بينما ردت الجزائر بشكل غير مباشر بالدعوة إلى اجتماع لوزراء خارجية اتحاد المغرب العربي الذي يعيش منذ سنوات في حالة من الغياب والجمود. لذلك تأخر الرد الرسمي للجزائر، ولم يصدر تعليق على دعوة الملك محمد السادس ببدء صفحة جديدة سوى هذا التعليق غير المباشر أيضًا للرئيس الجزائري، والذي حوَّل الحوار لجهة التصريحات المغربية الأخيرة مركزًا كذلك على نقاط الخلاف. وكان واضحًا من خلال كلمات وسطور الافتتاحيات والمقالات الرئيسية التي تصدَّرت الصحف الجزائرية، فهم الموقف السلبي لقصر المرادية، المُشكِّك في النداء الملكي بطي صفحة الماضي، وهو الموقف ذاته الذي دأب الإعلام الجزائري على تبنِّيه منذ عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. ويرى البعض أن الجنرالات المسيطرين على الحكم في الجزائر ليست من مصلحتهم فتح صفحة جديدة مغربية -جزائرية تبدأ بفتح الحدود وتصل إلى التعاون الثنائي من أجل تنمية ونهضة البلدين والشعبين. [8] وهو ما بدا واضحًا في التصعيد الدبلوماسي بقطع العلاقات فيما بعد.

قطع الجزائر للعلاقات الدبلوماسية مع المغرب:

الجزائر تقرر قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب.. ما أسبابها؟ - CNN Arabic

تطورت الأزمة بين البلدين حتى وصلت إلى حد إعلان الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب وأبقت على عمل القنصليات، وأرجعت قرارها إلى “الأعمال العدائية” للمملكة واعتبرت أن ذلك ثبت تاريخيًا. وقد سرد وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة يوم الثلاثاء 24 أغسطس وقائع بين البلدين منذ استقلال بلاده، مرورًا بحرب الرمال وأزمة الصحراء الغربية. وواصل حديثه عن أزمات البلدين من بينها اتهام الجزائر لدولة المغرب بالتجسس عليها عبر تطبيق بيجاسوس الصهيوني، ودعم حركات إرهابية لافتعال الحرائق. ومع هذا الإعلان تدخل الأزمة بين البلدين مرحلة جديدة، تسببت بها أزمتين كبيرتين، عندما دعمت كل دولة جهات انفصالية في كلتا البلدين. وقد توالت ردود الفعل على هذه القرار، حيث علق رئيس لجنة الخارجية والدفاع الوطني في الخارج بالبرلمان المغربي، يوسف غربي، بأن النظام الجزائري يحاول تصدير أزماته الداخلية بقطع العلاقات مع المغرب. ومن جانبه، أكد رئيس الوزراء المغربي سعد الدين العثماني، أن عودة العلاقات بين المغرب والجزائر قدر محتوم وضروري. فيما دعا الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط، الجزائر والمغرب إلى ضبط النفس وتجنب المزيد من التصعيد.[9]

حدود التوتر ومستقبله:

بالرغم من التوتر والتصعيد الإعلامي والدبلوماسي بين البلدين، إلا أنه من غير المرجح أن يتطور الصدام بين الطرفين؛ الجزائر والبوليساريو من جهة، والمغرب من جهة ثانية، نحو خلخلة التوازن القائم بينهما لعدة عقود، لأسباب عديدة. فمن جهة؛ يعاني النظام الجزائري من شرعية ناقصة بسبب الضغط الشعبي القائم منذ فبراير 2019، ولا يبدو أنه قد يتوقف قريبًا، رغم التراجع الذي فرضته القيود على الحريات المدنية والسياسية خلال جائحة كورونا، ولعل المؤشر الأقوى على ذلك أن نسبة المشاركة الهزيلة في الاستفتاء على مشروع دستور 2020، لم تتجاوز 23,8%، ما يعني استجابة واسعة وسط الرأي العام الجزائري للحراك الشعبي وللقوى الرافضة للدستور الجديد، وبالتالي شرعية منقوصة للنظام السياسي القائم برئاسة عبد المجيد تبون. ومن جهة ثانية؛ تبدو النخب الحاكمة في الجزائر منقسمة على نفسها؛ فعلى صعيد أول، تقود النخب الموجودة حاليًا في مركز السلطة حملة لتصفية تركة النخب التي حكمت إلى جانب الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، والتي قادت بموجبها رؤساء حكومات ووزراء سابقون، وأمنيون، ورجال أعمال، إلى السجون؛ وعلى صعيد ثانٍ، تتحدث تقارير إعلامية عن تنافس شرس بين مؤسستي الجيش والرئاسة، حيث تسعى القيادة الجديدة للدولة إلى استعادة السلطة كاملة، وبين المؤسسة العسكرية التي تعتبر نفسها المدافع الأول عن الدولة الجزائرية. علاوةً على ذلك، ثمة كوابح أخرى تحول دون انفلات الأوضاع نحو مواجهة شاملة بين البلدين، تتمثل في التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لجائحة كورونا على كلا البلدين، وهي تداعيات يمكن أن تسهم في تعزيز التوترات بين المجتمع والسلطة في كل دولة.[10]

الخُلاصة؛ لا شك أن خطاب الملك قلب المشهد وكان من المُفترض أن يبدَّد الهواجس في الجزائر من استغلال المغرب لورقة دعم الانفصال القبائلي، ونأى بالمنطقة عن مجرى الاضطرابات والعنف غير المحمودة عواقبه التي ستضر أكثر باستقرار المنطقة، ليلقى بالكرة في الملعب الجزائري الذي استمر في التصعيد إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. ومن ثمَّ فإنه يبدو أن موعد طي الخلافات والتوترات بين الجارتين المغربيتين لم يحن بعد. رغم الوعي بكون الإحباط السائد يعاكس الطريق نحو حل نهائي لمشكل الصحراء، وأن المشروع المغاربي لا يزال بعيدًا. والواضح أن آفاق النهوض بالاتحاد المغاربي مدخلها توطيد الأمن والاستقرار وحسن الجوار والانفتاح الاقتصادي والاجتماعي.

[1]  “مستقبل العلاقات المغربية- الجزائرية يعود إلى واجهة النقاشات السياسية”، هسبريس، 2/8/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/LLCXN

[2]  عبد الرحيم التوراني، “الأزمة الجزائرية – المغربية: النداء الأخير!”، الحرة، 7/8/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/vHle0

[3]  اسماعيل حمودي، “العلاقات الجزائرية – المغربية.. خلخلة التوازن على المحك؟”، المعهد المغربي لتحليل السياسات، 30/11/2020. متاح على الرابط: https://mipa.institute/8258

[4]  “صحف عربية: هل تنهي دعوة ملك المغرب الأزمة مع الجزائر؟”، عربي BBC، 2/8/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/wd7JX

[5]  نهى محمود، “تصريحات الرئيس والملك.. علاقة الجزائر والمغرب تتأزم واستبعاد لـ “حرب الرمال”، الحرة، 22/8/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/qJkEs

[6]  “العاهل المغربي يدعو الجزائر إلى تطوير العلاقات المشتركة وفتح الحدود المغلقة منذ عام 1994″، France 24، 1/8/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/pf2kg

[7]  “تبون يرد على دعوة وجهها الملك المغربي للجزائر خلال كلمة في عيد العرش (فيديو)”، عربية RT، 8/8/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/PKOGy

[8]  عبد الرحيم التوراني، مرجع سبق ذكره.

[9]  محمد صفوت، محمد عطايا، “قطع العلاقات بين الجزائر والمغرب.. ماذا حدث؟”، مصراوي، 24/8/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/QE0Pb

[10]  اسماعيل حمودي، مرجع سبق ذكره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

العالم العربي بين فشل الدولة وأزمة الديمقراطية

مشهد ثوري: اندلاع الثورات الشعبية في تونس، ثم في مصر، ثم في سوريا واليمن. كانت ثورات شعبية…