‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر مصر بين أزمة الخبز ومخاطر الأمن الغذائي
مصر - أغسطس 27, 2021

مصر بين أزمة الخبز ومخاطر الأمن الغذائي

مصر بين أزمة الخبز ومخاطر الأمن الغذائي

 

 

الاستنتاج الأهم من إعلان الدكتاتور عبدالفتاح السيسي في 03 أغسطس 2021مـ عن رفع أسعار الخبز المدعم وتوجيه الحكومة نحو فرض تعديلات على منظومة الخبز والدعم هو  أن النخبة العسكرية المسنودة بعنف الدولة القمعية لم تعد تشعر بأنها ملزمة برعاية مواطنيها”، سيما وأن هذه الخطوة سبقتها في 30 مايو 2021م زيادة أسعار زيت التموين والحر بنسبة وصلت ‏إلى 25%، ما يمثل تآكلاً لقيمة الدعم النقدي البالغ 50 جنيهاً ‏للفرد (3.1 دولارات) وعبئاً على موازنة الغذاء للأسر المصرية التي سقط 60% ‏‏منها تحت خط الفقر”.‏ وبالتالي فإن هذه التوجهات برفع سعر الخبز والمس بمنظومة الدعم على النحو الذي يفضي إلى تآكله وإلغائه بالتدريح تمثل واحداً من المحرمات في السياسة المصرية، لم يلبث قائماً منذ انتفاضة الخبز الدموية في 1977. وهي التي اندلعت بعد أن أقدم أنور السادات، رئيس مصر آنذاك، على زيادة سعر الأطعمة المدعومة، بما في ذلك الخبز. لكن هذه الاحتجاجات أجبرت السادات على التراجع عن قراره خلال أيام قليلة.

معنى ذلك أن الخبز المدعوم يعتبر واحدا من البقايا المتبقية من العقد الاجتماعي المبرم بين الدولة المستبدة منذ عهد الدكتاتور جمال عبد الناصر وعموم المصريين، حيث يتوقع من الدولة أن توفر الخدمات الأساسية والأمن الاقتصادي مقابل الإذعان السياسي. وهو العقد الذي التزم به مبارك طول ثلاثين سنة والتزمت به حكومات ثورة يناير، لكن السيسي يسعى إلى نسف كل ما تبقى من هذه العقد الاجتماعي، ويغريه في ذلك الاستناد المطلق على أجهزة الدولة القمعية لإكراه الناس على الإذعان السياسي والخضوع لسياسات وتوجهات النظام، دون اكتراث لعواقب هذه القرارات ومايمكن أن تتسبب فيه من غضب شعبي وانفجارات اجتماعية. وما كان للسيسي أن يقدم على مثل هذه الخطوة إلا لشعوره بالثقة والحصانة الكافية لكي يبدأ بالهجوم على ما تبقى من أوجه الرعاية العامة ومن دعم السلع والخدمات، وهو هجوم أبشع بكثير مما شهدته الجولة السابقة من تخفيض الدعم. بحسب الكاتب والمحلل السياسي ماجد مندور في مقاله له بموقع “ميدل إيست آي” البريطاني.[[1]]

علاوة على ذلك فإن توجهات النظام برفع سعر الخبز مدفوعة باعتبارات سياسية لها علاقة بطبيعة الاقتصاد السياسي الذي يهمين عليه العسكر، والذي يعتمد على الدين بدلاً من استغلال العمل كمحرك للنمو الاقتصادي. ويتوقع أن تؤدي زيادة سعر الخبز إلى رفع معدلات الفقر ما بين أربعة إلى خمسة بالمائة، وهي الزيادة الثالثة في أسعار الخبز التي يفرضها السيسي، بعدما جاءت الزيادة الأولى في 2017م بخفض وزرنه من 130 جراما إلى 110 جراما. ثم الزيادة الثانية في أغسطس 2020مـ، بخفض وزنه مرة آخرى من 110 جراما إلى 90 جراما. ووفقاً لبيانات الموازنة العامة للدولة، كانت قيمة الدعم لرغيف الخبز في العام المالي 2018-2019 نحو 42.3 مليار جنيه، وبلغ عدد المستفيدين 74 مليون فرد. وتطورت قيمة الدعم المخصص لرغيف الخبز خلال السنوات المالية التالية، حتى وصلت في العام المالي الحالي إلى 44.9 مليار جنيه، فيما بلغ عدد المستفيدين 66.7 مليون فرد.

لكن البعد الأهم في توجهات النظام وسياساته التي تقوم على الرأسمالية المتوحشة هو اليقين بأن أزمة الغذاء باتت تطرق أبواب مصر بعنف في ظل متغيرات كارثية أبرزها تداعيات سد النهضة والتأثير على حصة مصر المائية من جهة، وهشاشة الأمن الغذائي المصري واعتماد الدولة المصرية على استيراد نحو 65% من السلع الغذائية في ظل انعدام أي خطط لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء على مدار العقود الماضية من جهة أخرى. بل إن الرئيس المصري الوحيد الدكتور محمد مرسي، المنتخب من الشعب بشفافية ونزاهة بطريقة ديمقراطية اعترف بها العالم كله، والذي رفع شعار “تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء والدواء والسلاح” جرى الانقلاب عليه بعد عام واحد في الحكم، والزج به في السجون بتهم سياسية ملفقة حتى لقي ربه شهيدا في 17 يونيو 2019م.

وحاليا تعاني مصر من عجز مائي يبلغ 22 مليار متر مكعب، وذلك بعد إعادة استخدام نحو 20 مليار م3 من مياه مخلفات الصرف الزراعى والصحى والصناعى، ولولا ذلك لارتفع العجز إلى 42 مليار م3 سنويًا. يتسبب هذا العجز فى استيرادنا نحو 65% من احتياجاتنا من السلع الغذائية الأساسية بسبب عدم وجود مياه كافية لزراعتها، حيث نستورد ما بين 15- 20 مليار م3 من المياه الافتراضية على صورة سلع غذائية، ونتربع على قمة الدول المستوردة للقمح بحجم 13.5 مليون طن سنويًا، ونُعتبر رابع أكبر مستورد للذرة الصفراء بنحو 10 ملايين طن سنويًا، وخامس أكبر مستورد لزيوت الطعام بنحو 3 ملايين طن سنويًا، ومعها 1.25 طن من السكر ونحو 50% من احتياجاتنا من اللحوم الحمراء والألبان المجففة، و100% من احتياجاتنا من العدس ونحو 80% من الفول. وارتباط إنتاج الغذاء بالمياه هو ارتباط أكيد، وانضم إليهما فى المنظومة إنتاج الطاقة، التى تمثل نحو 33% من الإنتاج الزراعى، وبالتالى أصبحت منظومة «المياه والطاقة والغذاء» منظومة واحدة، ولا يصح علميًا أن نتحدث عن مستقبل إنتاج أى منها دون الاثنين الآخرين، بل انضم إليها أيضًا عدد السكان وتغيرات المناخ.[[2]]

 

أزمة الغذاء في مصر

مصر بين أزمة الخبز ومخاطر الأمن الغذائي

تستورد مصر نحو 65% من احتياجاتها من الغذاء من السلع الأساسية بحسب الخبير الزراعي الدكتور نادر نور الدين. والذي يؤكد أن مصر استوردت سلعا غذائية في 2019م بقيمة 13.5 مليار دولار، بحسب الأرقام الصادرة عن البنك المركزي وجهاز الرقابة على الصادرات والواردات. ويؤكّد بيان الجهاز أن الرقم يصل إلى 15 مليار دولار في 2020م.[[3]]

وتقسم منظمات الغذاء العالمية الغذاء إلى خمس مجموعات رئيسية:

مجموعة الحبوب، وهذه عبارة عن خمس حبوب رئيسية هي القمح والذرة والشعير والشوفان والأرز.

مجموعة السكر، سواء سكر البنجر أو سكر القصب

مجموعة اللحوم بمختلف أنواعها سواء البقري أو الجاموسي أو الخنزير أو الضاني، والطيور بمختلف أنواعها كالحمام والبط والأوز والدواجن وهكذا، والأسماك.

مجموعة الزيوت، وهي الزيوت النباتية بكل أنواعها، زيت الذرة وعباد الشمس والسمسم

مجموعة الألبان، سواء اللبن المجفف أو اللبن الطازج، والزبدة الصفراء أو الجاموسي.

هذه هي المجموعات الخمسة الأساسية التي تضم 55 سلعة تدخل جوف الإنسان بشكل يومي، ويعتمد عليها في حياته اليومية أو شبه اليومية، يضاف إليها 255 سلعة أخرى نطلق عليها السلع الفرعية يتناولها الإنسان على فترات متباعدة. والعجيب في الأمر أن الخضروات والفاكهة ليست منها، لأن الإنسان يستطيع أن يعيش دون أكل الخضار، لكن هناك ضرورة لأكل الحبوب ومصادر البروتين الحيواني والزيوت والسكر والألبان.

وتعاني مصر عجزا في معظم سلع هذه المجموعات، حيث تعتبر مصر أكبر مستورد للقمح في العالم، حيث بلغت واردات مصر في 2019نحو 12.5 مليون طن، طبقًا للرقم الرسمي الصادر من بورصة شيكاجو. وتتوقع منظمة الحبوب العالمية أن تصبح احتياجات مصر منه 20 مليون طن، ننتج نحن نحو ثمانية ملايين طن بالإضافة إلى ما نستورده. كما تحتل مصر الترتيب الثاني عالميا في استيراد الذرة الصفراء والتي تستخدم في صناعة الأعلاف، ووصلت واردات مصر منها في 2019م 9.6 مليون طن. وتستورد مصر أيضا الفول والعدس، اللذين ينتميان إلى مجموعة فرعية من الحبوب وليسا من السلع الأساسية، ولكنهما إحدى أكثر السلع الغذائية التي تستوردها مصر. وتستورد مصر 85% من احتياجاتها من الفول و100% من احتياجاتنا من العدس. ثم يأتي السكر، الذي تستورد منه 32% من احتياجاتنا، بواقع نحو مليون وربع طن من السكر سنويًا، بينما ننتج حوالي 2.4 مليون طن.

وبعد ذلك تأتي زيوت الطعام، وهم بالأساس زيت الذرة وزيت عباد الشمس وزيت النخيل وزيت فول الصويا، ويضاف إليهم أنوع أخرى تدخل في الصناعة إلى جانب الأكل، مثل زيت الكتان وزيت السمسم، الذي له استخدامات طبية. وتستورد مصر 100% من هذه الزيوت، بسبب سياسات الحكومة والإقلاع عن زراعة عباد الشمس وفول الصويا رغم أن الموسم الصيفي يسمح بزراعتها وتحقيق قدر كبير من الاكتفاء الذاتي، والأرض تسمح بزراعة [نباتات] هذين الزيتين على وجه الخصوص. بخلاف الحاجة الماسة إلى زيت الصويا، حيث إن الكسبة [المخلفات] الناتجة عن عصره تمثل 50% من مصنعات اللحوم في مصر، مثل الهامبورجر والسوسيس والسجق، لأن نسبة البروتين بكسبة الصويا مرتفعة، وثمن استيرادها باهظ، حيث يتجاوز الطن منها 10 آلاف جنيه مقارنة مثلًا بكسبة القطن التي نشتريها بـ 3000 جنيه للطن. كما تستورد مصر زيت عباد الشمس؛ لأن الإقبال على شرائه للطبخ مرتفع، ثم زيت الذرة. نستورد 100% من احتياجاتنا من الزيوت التي تتراوح ما بين 3-3.5 مليون طن سنويًا، وهذه مأساة لأن الزيوت باهظة الثمن إن قارناها بالحبوب مثلًا. فبينما يكلّف طن القمح 200 دولار، يتكلف طن الزيوت 1000 دولار، أي خمسة أضعاف ثمن القمح.

أما في مجموعة الألبان ومنتجاتها، فتستورد مصر حوالي 60% من الألبان المجففة، و65% من الزبدة الصفراء.

أما اللحوم الحمراء، فتستورد مصر أكثر من 65% من استهلاكها المحلي، لأن عدد رؤوس الماشية بمصر قليلة نحو 8.6 مليون رأس تتغذى على أعلاف مرزوعة كالبرسيم وليس أعلافا طبيعية تنمو على الأمطار كما في إثيوبيا (100 مليون رأس) والسودان (70 مليون رأس). وتستود مصر أغلب اللحوم الحمراء الطازجة من السودان، والمجمدة من البرازيل، وأحيانًا من رومانيا وأيرلندا والمجر. لكن، بشكل أساسي. هذه المجموعات تكلف مصر فاتورة استيراد باهظة تصل إلى 15 مليار دولار سنويا.

لهذه الأسباب تراجعت مصر في مؤشر الأمن الغذائي العالمي لسنة 2020مـ؛ بحسب تقرير مجلة “إيكونوميست” البريطانية للنمو الاقتصادي في مارس 2021م، فقد احتلت مصر المرتبة العاشرة عربيا والـ 60 عالميا، وحققت مزيدا من التراجع مقارنة بعام 2019م عندما احتلت المرتبة السابعة عربيا والـ 55 عالميا. ويتم ترتيب الدول على المؤشر على أساس 4 عوامل تشمل القدرة على تحمل تكاليف الغذاء، ومدى توافره ونوعيته والموارد الطبيعية الخاصة بالحصول عليه.[[4]]

 

أبعاد أزمة الغذاء العالمية

مصر بين أزمة الخبز ومخاطر الأمن الغذائي

أزمة الأمن الغذائي في مصر مزمنة منذ عقود لا سيما في مرحلة ما بعد انقلاب 23 يوليو 1952م، لكنها تفاقمت في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وتفاقمت بشدة في عهد الجنرال عبد الفتاح السيسي في ظل مؤشرات تؤكد أن مستقبل هذه الأزمة مجهول وقد تتحول إلى مشكلة في ظل عدم التوصل إلى اتفاق مع إثيوبيا بشأن ملف سد النهضة هو ما يؤثر حتما على حصة مصر المائية وبالتالي قدرتها الزراعية وأمنها الغذائي.

وإذا استبعدنا ملف سد النهضة حاليا؛ لأن تأثيراته السلبية قد تكون أكثر وضوحا خلال السنوات المقبلة، فإن أزمة الأمن الغذائي في مصر مرشحة لمزيد من التفاقم والتعقيد لسببين لهما تأثير واسع على مؤشرات الجوع في العالم وخصوصا في الدولة الفقيرة والهشة اقتصاديا.

السبب الأول هو ارتفاع أسعار السلع الغذائية عالميا منذ مايو 2021م بوتيرة شهرية هي الأكبر منذ عشر سنوات مسجلة زيادة للشهر الثاني عشر على التوالي ومسجلة أعلى مستوى زيادة في الأسعار منذ سبتمبر 2011م بحسب بيان “منظمة الأغذية والزراعة” التابعة للأمم المتحدة “فاو”.[[5]] ووفقا لتقرير صادر عن الاتحاد الأوروبي ومنظمة الأغذية والزراعة “فاو” وبرنامج الأغذية العالمي فإن هناك 155 مليون شخص في 55 دولة واجهوا نقصا حادا في الغذاء سنة 2020م بسبب تداعيات فيروس كورونا،  بزيادة 20 مليونا عن سنة 2019م.[[6]] ويرى مدير الطوارئ في “الفاو”، دومينيك بورجون أن استمرار القيود المفروضة لمكافحة فيروس كورونا المستجد في معظم أنحاء العالم، سيجعل العام المقبل صعبا للغاية، مما سيؤدي إلى تفاقم الأمن الغذائي في الاقتصادات الهشة أصلا. وقدّر بورجون عدد الأشخاص الذين سيتأثرون بتلك القيود بـ 142 مليون شخص في 40 دولة.

بحسب هذه التقارير الحديثة الصادرة عن مؤسسات دولية فإن أسعار الأغذية حول العالم بما فيها القمح والشعير واللحوم والذرة والألبان تتزايد بوتيرة مرتفعة، وكذا السلع التموينية من سكر وزيوت وذرة رفيعة وغيرها. واستندت الفاو في ذلك إلى عدة مؤشرات منها تكلفة الغذاء على المستوى العالمي، والتي سجلت ارتفاعا متواصلا خلال 12 شهرا الأخيرة، وتأثر التموين العالمي باضطراب الإنتاج واليد العاملة والنقل بسبب جائحة كورونا. كما رصد مؤشر منظمة الأغذية والزراعة التابع للأمم المتحدة، الفاو، زيادة قياسية في أسعار الأغذية في العالم، من بينها الحبوب، والزيت ومشتقات الحليب، واللحوم والسكر. فالأسعار زادت بنسبة 39.7% في شهر مايو 2021م، وهو أكبر ارتفاع شهري لها منذ أكتوبر2010. وهذه النسبة من المؤشرات الخطيرة التي يجب أن تقلق حكومات الدول العربية المستوردة للغذاء ومنها مصر والسعودية وتونس والإمارات والمغرب والجزائر والأردن.

ويعزو محللون أسباب ارتفاع أسعار الأغذية لأعلى مستوى لها خلال عقد من الزمان إلى عدة أسباب منها تفشي جائحة كورونا وقيود السياسة الحمائية، وما سببته الجائحة من تعطل أنشطة معالجة الأغذية وسلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع أسعار النقل والشحن البحري، والظروف المناخية الصعبة في دول أميركا الجنوبية وتأثيرها السلبي على الإنتاج، ولجوء بعض الدول المستوردة للحبوب إلى زيادة مخزوناتها تحسباً لزيادة الطلب المكبوت على السلع عقب انتعاش الاقتصاد وعودة إنتاج المصانع لكامل طاقتها. والسبب الأخير هو الأخطر حيث تتدافع دول الاقتصادات الكبرى حالياً نحو تخزين الأغذية، كما ظهر سباق محموم بين الصين والولايات المتحدة وأوروبا على تخزين واسع للمواد والسلع الأولية بما فيها الأغذية. بل وصل الأمر بشركات دولية كبرى إلى تخزين كل شيء من السلع والمواد الخام إما لتلبية الطلب المتزايد، أو لتحقيق أرباح ضخمة مع زيادة الأسعار.[[7]]

السبب الثاني، هو زيادات مماثلة في أسعار النفط، وسط توقعات بتجاوز سعر البرميل 100 دولار، وهو ما يعني زيادة أسعار البنزين والسولار والغاز والمواصلات العامة وغيرها. إضافة إلى زيادة فاتورة استيراد الوقود من نفط وغاز طبيعي ومازوت ومشتقات بترولية، وهو ما سينعكس أيضا على زيادات أخرى في سعر السلع الغذائية. معنى ذلك أن زيادة أسعار الغذاء والطاقة تمثّل ضغطا شديدا على الدول المستوردة للغذاء والطاقة ومنها مصر، وربما تسبب أزمات منها زيادة معدلات الفقر المدقع والجوع وربما المجاعة الجماعية، وهذا تحد جديد لحكومات هذه الدول، إضافة إلى التحدي المتعلق بعودة الاقتصاد لمساره الطبيعي والتغلب على الخسائر الناتجة عن تفشي وباء كورونا.

 

سيناريوهات الأزمة

إزاء هذه القفزات في أسعار السلع، خاصة الغذائية والبترولية، يقف نظام السيسي حائرا بين عدة سيناريوهات[[8]]:

السيناريو الأول، هو اختيار الحل السهل والسريع وهو، زيادة جرعة الاستدانة الخارجية والمحلية وبتكلفة عالية، في ظل توقعات بزيادة سعر الفائدة والتضخم، وبالتالي زيادة كلفة الأموال التي تتحملها الدول مقابل الغرق في الاستدانة. لكن مشكلة هذا السيناريو أن سيقود إلى التعثر المالي على المدى البعيد، في ظل ضخامة أعباء الديون وتراجع إيرادات النقد الأجنبي، وتوقف المقرضين عن منح مزيد من القروض في حال زيادة المخاطر الاقتصادية والمالية، كما حدث في لبنان قبل شهور التي توقفت عن سداد ديونها الخارجية ودخولها في نفق التعثر.

السيناريو الثاني، هو تقليص دعم السلع الأساسية، خاصة الغذائية والبترولية، وزيادة أسعار السلع والخدمات بمعدلات قياسية تعادل الزيادة في الأسواق الدولية، وربما أزيد كما حدث في مرات سابقة، حيث تاجرت الحكومات في شعوبها. وهنا يكون المواطن أمام زيادات في أسعار البنزين والسولار وغاز الطهي وفواتير النفع العام من مياه وكهرباء وصرف صحي ورسوم المرور والشهر العقاري والتوثيق والأحوال المدنية وجواز السفر وشهادات الميلاد ورسوم التراخيص وغيرها. وهو ما راح يتجه إليه نظام السيسي من خلال رفع أسعار الخبز والوقود تحت لافتة تعديل منظومة الدعم. وقد يصاحب هذا السيناريو زيادة في الرسوم والضرائب المفروضة على المواطن، مع توسيع رقعتها لتمتد إلى أنشطة أخرى في الاقتصاد لا تخضع حاليا للضريبة، سواء الضريبة المباشرة أو القيمة المضافة أو الدخل، مع فرض مزيد من الأعباء على الواردات، لتقليص فاتورتها وعجز الميزان التجاري للدولة.

السيناريو الثالث، هو قيام الحكومة بتدبير إيرادات إضافية بعيداً عن جيب المواطن الذي أرهقه تضخم الأسعار وخفض قيمة العملة المحلية وتراجع القوة الشرائية وتآكل المدخرات وثبات الأجور خلال السنوات الماضية. ومثل هذه النوعية من الحكومات التي تفضل هذا السيناريو تتجه نحو مكافحة التهرب الضريبي والجمركي ومواجهة الفساد ونهب المال العام والاعتداء على أراضي الدولة وغيره من الجرائم، وتعظيم إيرادات الدولة، وتنشيط الأنشطة المدرة للنقد الأجنبي، خاصة السياحة والصادرات، وتهيئة المناج لجذب الاستثمارات الخارجية، وزيادة الإنتاج المحلي لسد احتياجات السوق من السلع المستوردة، وتقليص الإنفاق الحكومي خاصة غير الضروري، ووقف إهدار المال العام، وتجميد تنفيذ المشروعات الكبرى غير الملحة والتي تمثل إرهاقا للموازنة العامة.

الخلاصة أن هذا الوضع المتدهور في الأمن الغذائي المصري يوجب على نظام الحكم إعادة هيكلة لتحويل الزراعة إلى مهنة مربحة للفلاح والحفاظ على الأراضى الزراعية وزيادة مساحتها والحد من توغل العمران عليها، ووضع استراتيجيات لإنتاج الغذاء تحت ظروف الشح المائى وتحت ظروف الاحترار العالمى وارتفاع درجات الحرارة واستهلاك الزراعة مياهًا أكثر لإنتاج نفس الكم الحالى من الغذاء والإنفاق على البحث العلمى لإنتاج غذاء أكثر من مياه أقل ومن حاصلات تتحمل العطش وزيادة درجات الحرارة.[[9]]

وتشير الدلائل والمؤشرات أن نظام السيسي يتجه نحو السيناريوهين الأول والثاني، فهو يعتمد على الشراهة في الاقتراض من جهة (134 مليار دولار ديونا خارجية حتى مارس 2021م بعدما كانت 43 مليارا فقط في يونيو 2013م) وتقليص مخصصات الدعم من جهة ثانية، مع المزيد من فرض الرسوم والضرائب ورفع أسعار السلع والخدمات إلى مستويات غير مسبوقة تفوق قدرة المواطنين. لكن النظام يسعى إلى التغطية على هذا الفشل الذريع بحملات البروباجندا والأكاذيب عبر الآلة الإعلامية الجبارة والزعم ــ كذبا وزورا ــ أن مصر حققت الاكتفاء الذاتي من الغذاء في ظل أزمة  كورونا كما ادعى السيد القصير وزير الزراعة بحكومة الانقلاب  خلال الجلسات الحوارية التي استضافها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام يوم أواخر شهر يونية 2021م. [[10]]

وقد يترتب على هذه الموجة العالية من الغلاء في أسعار السلع الغذائية تصاعد مستويات الغضب الشعبي ومع عدم قدرة المواطنين على تحمل هذه التبعات قد يفضي ذلك إلى موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية التي سيقابلها النظام بأدوات القمع والإخضاع، لكن عواقب هذه السياسات ستكون كارثية وفاتورتها باهظة على مستقبل البلاد واستقرارها الهش في ظل غياب الرشد في الحكم وانعدام الحكمة في الإدارة وفشل النظام في استثمار موارد الدولة على النحو الذي يحد من الأزمة ويقلل من توابعها.

 

 

[1] كاتب: النخبة العسكرية لم تعد تشعر بأنها ملزمة برعاية المصريين/ “عربي 21” ــ السبت، 21 أغسطس 2021

[2] نادر نور الدين محمد/ تحديات المياه وإنتاج الغذاء في مصر/ المصري اليوم ــ الإثنين 01 مارس 2021مـ

[3] عثمان الشرنوبي/ ماذا أخبرتنا الجائحة عن أمننا الغذائي؟ حوار مع نادر نور الدين/ مدى مصر ــ 12 يوليو 2020

[4] ما آثار تراجع مصر في مؤشر الأمن الغذائي العالمي؟/ “عربي 21” ــ الإثنين، 08 مارس 2021

[5] أعلى مستوى منذ 2011 لمؤشر أسعار الغذاء العالمي/ العربي الجديد ــ 04 يونيو 2021

[6] تقرير: أزمة غذاء خانقة تعصف بالعالم.. ودعوة لعمل إنساني عاجل/ سكاي نيوز عربي ــ 06 مايو 2021م

[7] مصطفى عبد السلام/ صدمة زيادة أسعار الغذاء والوقود/ العربي الجديد ــ 07 يونيو 2021

[8] مصطفى عبد السلام/ معركة المواطن المقبلة مع الحكومات/ العربي الجديد ــ 17 يونيو 2021

[9] نادر نور الدين محمد/ تحديات المياه وإنتاج الغذاء في مصر/ المصري اليوم ــ الإثنين 01 مارس 2021مـ// نادر نور الدين محمد/ مستقبل أمن الغذاء فى مصر/ المصري اليوم ــ الخميس 11 يناير 2018مـ// عبد التواب بركات/ الزراعة: جريمة في مصر/ الجزيرة مباشر ــ 9 مارس 2021م

[10] مينا غالي/ وزير الزراعة: مصر حققت الاكتفاء الذاتي من الغذاء في أزمة كورونا/ مصراوي ــ السبت 26 يونيو 2021

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مصر في اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري

  مر اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري -الذي حددته الأمم المتحدة، يوم 30 أغسطس من ك…