‫الرئيسية‬ إفريقيا صعود طالبان وتأثيره على الداخل الإفريقي
إفريقيا - سبتمبر 1, 2021

صعود طالبان وتأثيره على الداخل الإفريقي

صعود طالبان وتأثيره على الداخل الإفريقي

 

حتى عام 2001 لم تكن الحرب الدولية على الإرهاب تستهدف دولاً إفريقية؛ حيث كانت الاضطرابات الأمنية والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والإثنية أساس التطرف هناك. إلا أن التدخل العسكري الإثيوبي المدعوم من أمريكا في 2006 كان بداية نشأة حركة شباب المجاهدين في الصومال، والتي تحولت من حركة معارضة للحكومة الصومالية إلى جماعة إرهابية منذ إعلانها الانتماء إلى تنظيم القاعدة، والبدء في تنفيذ هجمات متتالية في شرق إفريقيا بين أوغندا وكينيا. كما بدأت حركات وتنظيمات مماثلة في الانتشار في الساحل والصحراء الإفريقية بعد تدهور الأوضاع الأمنية في ليبيا، حتى إقليم وسط إفريقيا.

وفي نظرة سريعة لحسابات تتبع حركات وتنظيمات جهادية في إفريقيا، وكلمات مصورة تم بثها على مواقع التواصل الاجتماعي منذ الإعلان عن سيطرة حركة طالبان على العاصمة الأفغانية كابول وقصر الرئاسة، وفرار رئيس البلاد أشرف غني؛ يُمكن رصد حالة من الاحتفاء بما تم اعتباره انتصارًا لحركة طالبان وخطوة نحو تعزيز قدرة الجماعات الإسلامية في الوصول إلى الحكم وتطبيق الشريعة الاسلامية في أنحاء مختلفة من العالم.

فماذا يعني صعود حركة عقائدية إلى السلطة في أفغانستان على أوضاع الحركات في إفريقيا؟ وإلى أي مدى ستكون تجربة طالبان ملهمة أو داعمة لحركات مماثلة في ظروف قد تكون مقاربة لأوضاع أفغانستان؟ وهل يعني نجاح طالبان صعود الحركات الإفريقية إلى السلطة في عدد من الدول الهشة؟ تلك هي التساؤلات التي سنسعى للإجابة عليها خلال السطور القليلة القادمة..

أوجه التشابه بين أفغانستان والساحل الإفريقي:

صعود طالبان وتأثيره على الداخل الإفريقي

يأتي انسحاب القوات الأمريكية والناتو من أفغانستان مشابهًا للوضع الأمني والعسكري في معظم دول الساحل الإفريقي التي تسيطر عليها جماعات تتبع تنظيم القاعدة أو داعش، لاسيما بعد انسحاب القوات الفرنسية من الساحل الإفريقي، خاصةً تشاد ومالي والنيجر، وضعف أدوات الأنظمة الحكومية في تقويض تحركاتها أو إحكام السيطرة على مناطق نفوذها. وتتجه التوقعات لأن تكون سيطرة طالبان بمثابة دفعة معنوية للجهادين والجماعات الإسلامية، خاصةً التي كانت تبايع تنظيم القاعدة وطالبان خلال فترات سابقة في مواجهة القوات الغربية، بل وإمكانية إيجاد معقل وملاذ آمن لهذه الحركات للانطلاق من الأراضي الأفغانية بعد الهزائم المتكررة في الشرق الأوسط. وهكذا قد تكون منطقة الساحل الإفريقي الأكثر عُرضة للتأثر من انتصار حركة طالبان في أفغانستان، خاصةً بالنظر إلى تصريحات قادة التنظيم في المنطقة التي تعكس حالة من نشوة الانتصار، ما قد يعطيها الشجاعة للتمدد، ومحاولة تحقيق إنجازات أشبه بما حققته طالبان.

وقد يكون أبرز أوجه التشابه بين الحالة الأفغانية وإفريقيا؛ هو انسحاب القوات الأجنبية. فقد كان انسحاب أمريكا وما خلفه من سيطرة مباشرة لطالبان على العاصمة الأفغانية مشابهًا إلى حدٍّ كبير لقرار الدول المحاربة للإرهاب لإجلاء قوتها في إفريقيا كانسحاب فرنسا من الساحل الإفريقي في 2013 بعد الخسائر في الأرواح والمال. ولا تزال تعاني منطقة الساحل الإفريقي من عدم الاستقرار منذ انسحاب القوات الفرنسية، ما يجعلها الأكثر عُرضة للتهديد، ما يسهل استثمار نجاح طالبان في تعزيز قوة الجماعات التي تنتهج نفس منهجها بعد الفشل الأجنبي والغربي في وأد التوجه الأيديولوجي لهذه الجماعات التي باتت تسيطر على مجموعات واسعة من الشباب الإفريقي. كل هذا بالتوازي مع فشل الحكومات المحلية من تحقيق العدالة الاجتماعية للمواطنين المحرومين.[1]

احتمالات تأثير صعود طالبان على الحركات الجهادية في إفريقيا:

صعود طالبان وتأثيره على الداخل الإفريقي

من المُتوقع أن يكون هناك صدى كبير لنجاح طالبان في القارة الإفريقية، ذلك أن مسألة إلهام الحركات الجهادية بعضها لبعض، وإعلان الولاء للتنظيمات الكبرى مسألة سبق أن شهدناها، مع تنظيم القاعدة على سبيل المثال، حيث كان مُلهمًا لحركة الشباب في الصومال، وأيضًا في منطقة المغرب الكبير، حيث أعلنت حركة شباب المجاهدين في الصومال ولاءها للقاعدة، بينما تم تشكيل تنظيم مماثل للقاعدة وتحت نفس الاسم “القاعدة في بلاد المغرب العربي”.

حظي أيضًا تنظيم داعش بنفس التأثير في إفريقيا، حيث تم تشكيل تنظيم دامس بها، وامتد الوجود الفعلي لداعش ودامس في كل من شرق ليبيا، ومناطق من نيجيريا وموزمبيق، والكونغو. في هذا السياق كانت قد أعلنت حركة بوكو حرام ولاءها لداعش عام 2015، حيث قام أبو بكر شيكاو زعيم الحركة السابق، الذي تم اغتياله، أخيرًا، بإعادة تسمية التنظيم ليصبح ولاية غرب إفريقيا، بالتوازي مع اهتمام جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المنتمية لتنظيم القاعدة بترسيخ أقدامها في مجتمعات شمال ووسط دولة مالي، ومن المُرجح أن يكون نجاح طالبان مُلهمًا لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين لاستكمال تشكيل مؤسسات الحكم على النمط الطالباني لمحاكم الشرعية، وديوان الحسبة. خصوصًا أن هذا النمط قد نجح لفترة في الصومال، حيث حكمت المحاكم الشرعية بنجاح لفترة هناك.

ولعله من المهم هنا الإشارة إلى تقرير مرفوع إلى مجلس الأمن، مؤخرًا، في شأن حالة التنظيمات في إفريقيا، حيث يشير تقرير لخبراء أمنيين أن داعش والقاعدة والجماعات التابعة لهما قد تضخم نفوذهما في القارة، حيث يتمتعان بقدرات متزايدة في جمع التبرعات والأسلحة، بما في ذلك استخدام الطائرات من دون طيار، والتزايد في أعداد أتباعهم ومؤيديهم ومساحة الأراضي التي استولوا عليها. وطبقًا لهذه الخبرات، فربما يكون الصعود الطالباني إلى السلطة ملهمًا في عدد من النماذج منها حركة شباب المجاهدين الصومالية، وتنظيم نصرة الإسلام والمسلمين في الساحل.[2]

ردود فعل جهاديي إفريقيا على صعود طالبان:

إياد آغ غالي، زعيم تنظيم نصرة الإسلام والمسلمين، التابع للقاعدة، في الساحل الإفريقي، هنأ في كلمة مصورة، نُشرت قبل أسابيع، حركة طالبان على انتصاراتها في أفغانستان. وآغ غالي، مؤسس حركة أنصار الدين، التي تُلقب بـ “طالبان الأزواد”، أحد زعماء الطوارق في مالي، وكان قنصلها في السعودية، ويريد الآن استنساخ تجربة طالبان التي استعادت السلطة في أفغانستان بعد انسحاب الجيش الأمريكي منها. وما يُشجعه لتكرار ذات التجربة ضعف النظام في مالي، التي شهدت 3 انقلابات منذ 2012، وقرار فرنسا الأخير إنهاء عملية برخان العسكرية في الساحل، والانسحاب الكامل من شمالي البلاد مطلع 2022. وليست مالي وحدها من تعاني من تهديد، بل النيجر وبوركينا فاسو، تشتركان معها في نفس التهديد، خاصةً في منطقة التقاء الحدود الثلاثة.[3]

آراء الغرب عن تأثير صعود طالبان على الجهاديين في إفريقيا:

نشرت صحيفة التايمز الأمريكية تقريرًا عن الجهاديين في إفريقيا، الذين تشجعوا بانتصار طالبان في أفغانستان. ويقول إن جماعات إفريقية شنَّت عدة هجمات دامية في الأيام القليلة الماضية، يُعتقد أنها اكتسبت جرأة بعد سيطرة طالبان على أفغانستان. وقُتل أكثر من 200 شخص في أربع غارات منفصلة الأسبوع الماضي في كل من النيجر ومالي وبوركينا فاسو، ما اعتُبر دليلاً على ثقة الجهاديين المتزايدة بالنصر في القارة مع انتشار الفوضى في كابل، بحسب التقرير. ونقل التقرير عن توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني السابق، قوله إن قرار التخلي عن أفغانستان ترك كل جماعة جهادية في جميع أنحاء العالم تحتفل.

ويذكر التقرير أن المنظمات التي تراقب مثل هذه الجماعات ومواقعها في الإنترنت توافق على هذا التوصيف، وتشير هذه المنظمات إلى أن سقوط كابل تم الاحتفال به على نطاق واسع على وسائل التواصل الاجتماعي ، مع الثناء على طالبان. ويشير التقرير إلى أن الصومال وموزمبيق وجمهورية الكونغو الديمقراطية تحارب بدورها جهاديين. وهناك مخاوف جديدة تتمثل في إمكانية تهريب بعض الأسلحة المتطورة، التي تركتها القوات الأمريكية في أفغانستان، إلى إفريقيا. وليبيا، التي هي الآن نقطة الانطلاق المفضلة لمهربي البشر إلى أوروبا، تُعد أيضًا موطنًا للعديد من الجماعات الجهادية، بحسب التقرير. ويضيف التقرير أن أجزاء كبيرة من بوركينا فاسو أصبحت الآن تحت سيطرة الإسلاميين الذين يخلطون الجهاد باللصوصية وتهريب المخدرات والاتجار بالبشر. ويشير إلى أنه في النيجر، قتل متشددون أكثر من 420 مدنيًا وشردوا الآلاف من منازلهم منذ يناير.[4]

عوائق تحول دون استنساخ النموذج الأفغاني في الساحل الإفريقي:

صعود طالبان وتأثيره على الداخل الإفريقي

السيناريو الأفغاني في الساحل غير مُستبعد، إذا لم يتم الاستعداد له من دول المنطقة ومكوناتها القبلية الفاعلة بدعم من دول الجوار، لكن القاعدة وداعش يختلفان في فلسفتهما القتالية عن طالبان، التي تبقى جماعة محلية، بينما لا يعترف التنظيمان بالحدود بين الدول الإسلامية. فباستثناء جناح آغ غالي، فإن الحركات المسلحة للطوارق (أمازيغ) والأزواد (عرب) في شمال مالي بإمكانها إجهاض مشروع تنظيم القاعدة لإعلان إمارة إسلامية، لا يتوقف تمددها إلا في إقليم دارفور غربي السودان. وقد تنجح الجزائر في منع قيام تحالف جديد بين حركات الطوارق والأزواد من جهة وبين تنظيم القاعدة كما حدث في 2012، بالنظر إلى معرفتها الجيدة بقبائل المنطقة، التي تُمثل امتدادًا بشريًا لها في قلب إفريقيا.

وهذا ما تدركه الأمم المتحدة جيدًا لمنع سقوط شمالي مالي في يد القاعدة أو داعش بعد انسحاب الجيش الفرنسي من المنطقة. حيث شدَّد رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة متعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي (مينسما) الدبلوماسي الموريتاني القاسم وان، على أن تطبيق اتفاق السلم والمصالحة المُنبثق عن مسار الجزائر عام 2015؛ بات أمرًا حتميًا من أجل ضمان استقرار دائم في مالي. وأردف المسؤول الأممي أنه بفضل تطبيق اتفاق الجزائر توصلت الأطراف الموقعة على الاتفاق في مالي لأول مرة إلى إسكات صوت البنادق. لكن تلكؤ باماكو في تنفيذ بعض بنود اتفاق الجزائر، قد يدفع الطوارق إلى التمرد مجددًا، وربما التحالف مع الجماعات الجهادية للانفصال عن مالي. غير أن هذا السيناريو مُستبعد، بالنظر إلى أن الجماعات سبق وأن تملَّصت من تفاهماتها مع حركات التمرد الطوارقية والأزوادية بعد طرد الجيش المالي من مدن الشمال في 2012، واستولت لوحدها على كامل المنطقة.[5]

 

الخُلاصة؛ في ضوء كل هذه المعطيات يبدو أن المشهد الإجمالي للتمدد الجهادي في إفريقيا مقلقًا، وأن إمكانية سقوط دول تحت مطرقة الضغوط واردة، وهو أمر له انعكاسات كبيرة فيما يتعلق بتزايد حجم التهديدات الأمنية لدول شمال إفريقيا، خصوصًا كل من مصر والمغرب والجزائر وتونس، بينما تبقى الحالة الليبية مقبلة على سيناريوهات ليس من بينها الاستقرار فيما يبدو، وهو أمر كان له تأثير كبير في زيادة الهشاشة الأمنية لكثير من دول الساحل والصحراء بعد سقوط القذافي عام 2011.

ولعل كل هذه المعطيات تجعل صعود بعض التنظيمات في إفريقيا على النمط الطالباني غير مُستبعد، لاسيما في ضوء المقاربة الأميركية التي أنتجت نمط معدل من تنظيم متطرف يصل للسلطة، يوفر على واشنطن تمويل محاربة الإرهاب الذي أعلنته بعد سبتمبر 2001، وكان الانسحاب الأميركي من أفغانستان نقطة نهايته في آسيا، ونقطة معاناة مرتقبة في إفريقيا. إلا أن ذلك يبقى مرهون بطريقة تعامل دول الجوار وتعاطي الطرف الخارجي مع الأزمات الأمنية المُنتظرة، والتي ستدفع تلك التنظيمات في اتجاهها بقوة خلال الفترة القادمة بُغية تكرار النموذج الأفغاني.

ويُمكن القول إن هناك دولتين هما من تُعانيان من الخطر الأكبر لتلك التنظيمات، وهما: الصومال ومالي. فهناك نقاط تماثل بين طالبان وحركة الشباب منها مثلًا أن كليهما انطلق من السيطرة على الأرياف، كما تتسم الحركتان بالمرونة الكبيرة سواء في الفاعلية في إنجاز العمليات أو إعادة التموضع والانتشار. أما مالي فتعاني من عدم الاستقرار السياسي الناتج عن انقلابات عسكرية متوالية، وكذلك جود حركات إثنية تطالب بالاستقلال وهي الأزواد، حيث تعيش دولة مالي صراعًا مسلحًا بين شمال وجنوب البلاد، وأهم التنظيمات الناشطة هناك هو تنظيم نصرة الإسلام.

 

[1]  آية أمان، “انتصار طالبان.. وقود “التطرف” للهيمنة على إفريقيا”، مصر 360، 21/8/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/nIe9S

[2]  أماني الطويل، “ما تأثير نجاح “طالبان” في إفريقيا؟”، عربية Independent، 20/8/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/eW9Wb

[3]  “السيناريو الأفغاني يطرق أبواب الساحل الإفريقي (تحليل)”، الأناضول، 27/8/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/V8BGh

[4]  “التايمز: انتصار طالبان يشجع جهاديي إفريقيا”، رأي اليوم، 24/8/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/31WTC

[5]  “السيناريو الأفغاني يطرق أبواب الساحل الإفريقي (تحليل)”، مرجع سبق ذكره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إفريقيا والانقلابات العسكرية: نظرة على التجارب الإفريقية وخبرات مُستخلصة

  منذ الاستقلال الشكلي للدول الإفريقية في النصف الثاني من القرن العشرين، ولا تزال الد…