‫الرئيسية‬ إفريقيا زيارة رئيس الوزراء الصومالي للقاهرة: الأهمية والأهداف
إفريقيا - سبتمبر 9, 2021

زيارة رئيس الوزراء الصومالي للقاهرة: الأهمية والأهداف

زيارة رئيس الوزراء الصومالي للقاهرة: الأهمية والأهداف

 

انطلقت أواخر شهر يوليو الماضي انتخابات مجلس الشيوخ داخل الولايات الصومالية الخمس بعد نحو تسعة أشهر من الانتظار، وسوف تُجرى انتخابات مجلس الشعب الاتحادي في سبتمبر الجاري. وتم تعيين روبلي رئيسا للوزراء في السابع عشر من سبتمبر من العام الماضي خلفًا لحسن علي خيري الذي سحب البرلمان الثقة منه بتهمة فشل حكومته في إيصال البلاد إلى مرحلة إجراء انتخابات مباشرة.

وتنصَّب مهمة روبلي على ترتيب الأوضاع لإجراء انتخابات، ومحاولة الجمع بين الأطراف على أساس وطني بعيدًا عن الانتماءات المناطقية والاجتماعية والسياسية المسبقة، خاصةً بعد تفويضه في الأول من مايو الماضي بتنظيم عملية الانتخابات البرلمانية والرئاسية. وتُعد زيارة رئيس الحكومة الصومالي، محمد روبلي، إلى مصر ذات أهمية كبرى للبلدين في هذا التوقيت، نظرًا لتطلع مقديشيو لإجراء الانتخابات الفيدرالية المتعثرة في موعدها، علاوةً على أزمة سد النهضة والجوار الصومالي لإثيوبيا.

فما هي أهداف الزيارة؟ وما الذي ستسفر عنه تلك الزيارة؟ تلك هي التساؤلات التي ستسعى تلك الورقة للإجابة عليها..

مضمون الزيارة:

زيارة رئيس الوزراء الصومالي للقاهرة: الأهمية والأهداف

غادر رئيس الوزراء الصومالي محمد حسين روبلي، إلى القاهرة، يوم الاثنين 16 أغسطس، في زيارة هي الأولى منذ توليه المنصب. ويرافق رئيس الوزراء الصومالي في زيارته الرسمية إلى مصر وفد رفيع يضم عددًا من الوزراء، وفق بيان مقتضب من مكتب روبلي. وقال البيان أن روبلي غادر إلى القاهرة على رأس وفد حكومي؛ وذلك بدعوة رسمية من عبد الفتاح السيسي، دون المزيد من التفاصيل. بيد أن مصادر مقربة من مكتب رئيس الوزراء ذكرت أن روبلي والسيسي سيبحثان العلاقات الثنائية بين البلدين وقضايا الانتخابات وملفات أخرى. وسبق زيارة روبلي، لقاء جمعه بسفير مصر لدى الصومال محمد إبراهيم نصر، الذي سلمه دعوة رسمية من السيسي، لزيارة القاهرة.

وبحث اللقاء سُبل تعزيز العلاقات الثنائية بين مصر والصومال، والعمل على تنميتها بما يخدم مصالح البلدين. وأشاد وزير الخارجية الصومالي محمد عبد الرزاق، حينها، بالمساعدات التي قدمتها مصر لبلاده في مواجهة جائحة كورونا. ومنذ تسمله منصبه، في سبتمبر الماضي، يسعى رئيس الوزراء الصومالي إلى تعزيز علاقات بلاده بالعالم الخارجي سواء الإقليمي أو الدولي. فالأسبوع الماضي، أجرى زيارة رسمية إلى كينيا، استغرقت ثلاثة أيام، هي الأولى له منذ قطع العلاقات مع نيروبي، في ديسمبر الماضي. واتفق البلدان خلال الزيارة، على تعزيز العلاقات الدبلوماسية الثنائية وتفعيل لجنة التنسيق المشتركة.[1]

أهداف الجانب المصري من الزيارة:

حملت الزيارة التي يقوم بها رئيس وزراء الصومال محمد حسين روبلي إلى القاهرة رسائل سياسية إيجابية بشأن اهتمام مصر بنجاح الانتخابات التشريعية والرئاسية في الصومال، وحرصها على إنهاء فترة القطيعة السياسية معه. ويشير التوجه المصري نحو دعم تحركات روبلي الرامية إلى إنجاز مهمة الانتخابات إلى تباعد مع الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو الذي حاول تعطيلها، وهو المعروف بعلاقته الوطيدة مع كل من قطر وتركيا، ما يعني أن القاهرة يمكن أن تصطدم بتوجهات الدوحة وأنقرة في الصومال بعد أن هدأت العلاقات السياسية الثنائية وفي بعض المحطات الإقليمية مع كلتيهما مؤخرًا.

وقال نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الإفريقية صلاح حليمة أن القاهرة منزعجة من الوجود التركي في الصومال تزامنًا مع نشاط مُتوقع لبعض التنظيمات الإرهابية في المنطقة، وتسعى للتنسيق الأمني مع الحكومة الفيدرالية في ظل معلومات أشارت إلى أن حركة الشباب الصومالية التي لديها علاقات وطيدة مع حركة طالبان قد تكثف عملياتها على نطاق إفريقي أوسع. وأضاف أن تركيا تتواجد على ثلاثة محاور تهدد الأمن القومي المصري، وهي الصومال وليبيا وتبني قوة ثالثة في أفغانستان، ما يُشكِّل خطرًا يستوجب التعامل معه عبر مستويات عديدة. وأكد حليمة الذي شغل منصب سفير الجامعة العربية في مقديشو أن القاهرة تسعى لعدم تكرار استقطاب الصومال ضد الإجماع العربي في قضية سد النهضة الإثيوبي، وتستهدف تأمين المصالح المصرية والعربية في البحر الأحمر بعد دخولها كدولة ضمن مجلس الدول المطلة على هذا الممر المائي الحيوي.

ولا تنفصل زيارة روبلي عن مساعي القاهرة لتقديم الدعم اللازم لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في الصومال لضمان تولِّي سلطة منتخبة بعيدًا عن التأثير عليهما من جانب قطر وتركيا اللتين تدعمان خصمه فرماجو. ويدفع التقارب بين مصر ورئيس الوزراء الصومالي إلى تحريك دور القاهرة نحو بناء قدرات المؤسسات الوطنية في مجالات مختلفة بما يساعد في مجابهة التحديات. والتقارب مع روبلي يأتي باعتباره شخصية توافقية وليست لديه خلفيات سياسية تضعه في خانة تركيا وقطر، ويمكن أن يكون له دور مهم في مستقبل الصومال؛ فروبلي يملك رغبة واضحة في إعادة علاقات الصومال مع الدائرة العربية في مواجهة المد القطري والتركي المهيمنين على توجهات الرئيس فرماجو، ويتلاقى ذلك مع أهداف القاهرة التي تسعى لتنويع علاقاتها مع دول القارة الإفريقية والحفاظ على مصالحها في البلد الحيوي، لأن هناك إدراك بأن وضع فرماجو أضحى على المحك.[2]

أهداف الجانب الصومالي من الزيارة:

زيارة رئيس الوزراء الصومالي للقاهرة: الأهمية والأهداف

رافق رئيس وزراء الحكومة الفيدرالية الصومالية محمد حسين روبلي عدد من الوزراء والمسئولين الصوماليين أبرزهم وزراء الخارجية والتعليم العالي والتربية والثقافة، وخلال تواجده بالقاهرة أجري روبلي لقاءات بالعديد من المسئولين بالقاهرة على رأسهم رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفي مدبولي، وشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب الذي قلده الوشاح الصومالي وعمامة السلاطين التي يرتديها شيوخ العوائل في الصومال، وذلك تقديرًا لدور الأزهر الشريف وتأثيره الملموس في الشعب الصومالي. ورغم أن الزيارة كان ظاهرها الأجواء البروتوكولية المعتادة؛ إلا أن في طياتها حملت العديد من المؤشرات والمتغيرات في سير العلاقات المصرية الصومالية والديناميات المتغيرة في الساحة السياسية الصومالية، فالزيارة تعد الأبرز من نوعها بعد سلسلة الصدامات السياسية التي شهدتها الساحة السياسية في مقديشو منذ بداية العام الجاري بين كل من الرئيس محمد عبد الله فرماجو وقوى المعارضة وحكام الولايات الفيدرالية على خلفية أزمة الانتخابات الرئاسية.

لذا تأتي تلك الزيارة لأجل تحقيق غايات ملموسة، أولها؛ إذابة الجمود في العلاقات؛ فقد تؤدي تلك الزيارة إلى إعادة العلاقات المصرية الصومالية وعودة الدعم المصري بقوة لعملية الاستقرار السياسي في الصومال ومعادلة النفوذ التركي القطري هناك. وثانيها؛ تأمين الانتخابات القادمة؛ فالصومال مقبلة على معركة سياسية وانتخابية مفصلية، في حال فشلها قد تعيدها مرة أخري لحالة الفشل والعجز التام التي كانت سائدة من قبل، وفي حال نجاحها قد تكون بوابة لعبور الصومال إلى مرحلة الاستقرار النسبي، لذا يسعى روبلي إلى تعبيد الطرق وتهيئة الأجواء لأجل إدارة انتخابية ناجحة تسعى إلى تحقيق الاستقرار السياسي. وثالثها؛ تطمين الداخل؛ تعاني الولايات الصومالية من سياسات فرماجو الخارجية الرامية إلى تغلب المصالح التركية والقطرية في البلاد، وأبدت تلك الولايات في أكثر من مناسبة امتعاضها من تلك السياسة الغير متوازنة مما أدي إلى انحصار النفوذ التركي على سبيل المثال في العاصمة مقديشو حيث القاعدة العسكرية. لذا تأتي تلك الزيارة كمؤشر على سعى مقديشيو إلى تحسين علاقاتها مع معظم الدول دون أن تكون في حالة استقطاب سياسي وإقليمي لصالح أحد القوى تجاه الأخرى.[3]

مُخرجات الزيارة:

ترأس مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، ونظيره الصومالي محمد روبلي، بمقر مجلس الوزراء المصري، جلسة مباحثات موسعة لبحث سُبل تعزيز علاقات التعاون بين البلدين، وأكد الدكتور مصطفى مدبولي، بأنه سوف يتم بحث مضاعفة عدد المنح الدراسية الممنوحة للأشقاء في الصومال لتصل إلى ٤٠٠ منحة سنويًا، وكذلك تلبية احتياجات الجانب الصومالي من القوافل الطبية والأدوية وغيرها من المستلزمات، في ضوء ما سيرد من مطالب من الحكومة الصومالية، فضلًا عن بحث آليات تسهيل حركة الأفراد بين البلدين. وحضر المباحثات وزراء الخارجية، والتربية والتعليم، والتعليم العالي والبحث العلمي، والتعاون الدولي عن مصر؛ فيما ضم الوفد الصومالي كلًا من وزير الشئون الخارجية والتعاون الدولي، ووزير التربية والثقافة والتعليم العالي، وسفير جمهورية الصومال الفيدرالية لدي القاهرة، وعددًا من مسؤولي البلدين.

وأشاد رئيس الوزراء بالخطوات الإيجابية التي اتخذتها الصومال مؤخرًا في سياق العلاقات الثنائية، وعلى رأسها تعيين سفير للصومال بالقاهرة، وعودة البعثة التعليمية المصرية، وتخصيص أرض لبناء السفارة المصرية في مقديشو، وأكد أن ذلك سيعزز من التواجد المصري في الصومال، بما يساهم في تطوير العلاقات الثنائية. وأعرب رئيس الوزراء عن تطلعه للعمل مع الأشقاء في الصومال لدفع العلاقات في مختلف المجالات لاسيما في المجال الاقتصادي والتجاري، بما في ذلك عن طريق قيام الجانب الصومالي بالإسراع في منح رخصة التشغيل المصرفية لفرع بنك مصر في مقديشيو. وأكد رئيس الوزراء حرص مصر على دعم استقرار الأوضاع في الصومال، وأشاد بالجهود التي قام بها رئيس الوزراء الصومالي الفترة الماضية على صعيد التوفيق بين جميع الأطراف، ومعربًا عن ترحيب مصر بالاتفاق الذي تم التوصل إليه لإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية وفق جدول زمني محدد.

ومن جانبه، أعرب محمد روبلي رئيس الوزراء الصومالي عن سعادته والوفد المرافق له بزيارة مصر، وأشار إلى أن زيارة الوفد الصومالي لمصر اليوم تستهدف بحث سُبل تفعيل مجالات التعاون التي سبق الاتفاق عليها، وأعرب عن أمله في زيادة الزيارات المتبادلة على المستويين السياسي والاقتصادي، وتسيير رحلات شركة مصر للطيران إلى مقديشيو، لتسهيل حركة الأفراد والتجارة بين البلدين. وطلب رئيس الوزراء الصومالي العمل على تفعيل مذكرات التفاهم بين الجانبين، لاسيما فيما يتعلق بتقديم الدعم الفني والمهني للكوادر في المؤسسات الصومالية لمنحها دفعة قوية حتى يتسنى لها القيام بمهامها على الوجه الأمثل. وأعرب عن أمله في زيادة التعاون مع مصر في مجال التعليم، مشيرًا إلى أن عددًا كبيرًا من أبناء الشعب الصومالي تتلمذ على يد مدرسين مصريين خلال الخمسينيات والستينيات. وأضاف أن الصومال يحتاج كذلك إلى حزمة من الدعم في القطاع الصحي، تتمثل في إعادة تشغيل عدد كبير من المستشفيات في الأقاليم المختلفة، وإمداد هذه المستشفيات بأطباء مصريين، وإقامة مستشفى مصري في الصومال، فضلًا عن إيفاد القوافل الطبية. وأشار رئيس الوزراء الصومالي إلى أن بلاده تتمتع بعديد من الفرص الاستثمارية في قطاعات الثروة الحيوانية والسمكية، والبنية التحتية، والزراعة، مشيرًا إلى أنه يمكن للشركات المصرية الكبرى أن تقتنص فرصة الاستثمار في هذه المجالات.[4]

أهمية الزيارة:

زيارة رئيس الوزراء الصومالي للقاهرة: الأهمية والأهداف

بدايةً؛ الصومال لها وضع استراتيجي هام بالنسبة لمصر، نظرًا لأن الصومال لديها أطول ساحل على جنوب البحر الأحمر، وقد كانت نقطة ارتكاز هامة بالنسبة لمصر في شرق القارة الإفريقية. وللصومال أيضًا حدود مع إثيوبيا، لذا كان من المهم أن تتواجد مصر هناك، لكن نظرًا لتفكك الصومال وتشرذمه خلال العقدين الماضيين، وبعد ما تحولت إلى دولة شبه فاشلة، لم تكن مصر متواجدة بالصورة المطلوبة. وقد شهدت الصومال خلال السنوات الخمس الماضية، سباقًا إقليميًا ودوليًا سواء كان ذلك من جانب دولة الإمارات أو تركيا أو بعض القوى الدولية الأخرى، فقد أدركت أنقرة أهمية الصومال كموقع استراتيجي في القارة الإفريقية، وعلى جنوب البحر الأحمر، حيث أن التواجد التركي في الصومال يُشكِّل إزعاجًا لكافة الأطراف المعنية بالصومال وإفريقيا.

هذا في الوقت الذي أصبح فيه الوضع الداخلي في إثيوبيا أكثر هشاشة، حيث أصبحت الدولة أكثر عرضة للتفكك من أي وقت مضى، الأمر الذي ربما يودي بسقوط حكومة آبي أحمد، وحدوث حالة من الفوضى بالداخل الإثيوبي، وهي الحالة التي لا تريد الصومال أن تنتقل إليها، لاسيما وأن الصومال أيضًا كانت مرشحة لتلك الفوضى، بحكم الصراعات السياسية الداخلية بين القادة السياسيين، حيث يرى كل طرف أنه الأحق بالحكم في البلاد. مما يفرض على مصر ضرورة استيعاب الصومال بشكل تام، وأن يكون لها تواجد على الأرض هناك، ومن هنا تنبع أهمية زيارة رئيس الحكومة الصومالية المكلف إلى مصر.

والانتخابات القادمة المُقرر إجراؤها خلال الأسابيع القادمة تمثل خطوة على الطريق نحو استقرار الصومال، حيث يتم الترتيب لها دوليًا، من أجل أن تصل البلاد إلى مرحلة من الهدوء من أجل استكمال مسار السلام المجتمعي، من هنا تكمن أهمية زيارة رئيس الحكومة لمصر من أجل وضع القاهرة في قلب ما يدور من أحداث، علاوةً على الدعم اللوجستي المصري الذي يمكن أن يلعب دورًا في تهدئة الأوضاع. ومن الجدير بالذكر هنا إدراك القاهرة أن أي فراغ تتركه في إفريقيا؛ تقوم بملئه كل القوى المضادة لمصر، لذا تسعى مصر لأن يكون لديها حضور في تلك الدول حتى تتلافى المردود السلبي للبعد عن القارة السمراء.[5]

الوضع في الصومال:

شهدت الفترة الأخيرة تطورات مهمَّة على الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية في الصومال. فقد حددت السلطات الصومالية العاشر من أكتوبر موعدًا للانتخابات الرئاسية؛ بعدما أدَّى إرجاؤها في الأشهر الأخيرة إلى واحدة من أسوأ الأزمات السياسية في القرن الإفريقي. وفي منتصف أبريل، أدَّى تمديد ولاية الرئيس محمد عبد الله محمد لعامين بعدما انتهت في الثامن من فبراير من دون التمكن من إجراء انتخابات، إلى مواجهات عنيفة في مقديشو هددت الاستقرار الأمني الذي سبق أن شهد حربًا أهلية. وبداية مايو، وفي بادرة تهدئة، كلف الرئيس فرماجو رئيس الوزراء بتنظيم انتخابات في أقرب الآجال.

وبعد شهر من ذلك، أعلنت الحكومة بعد مشاورات مع مسؤولي المناطق في البلد الفدرالي، أنها ستُجري انتخابات بعد ستين يومًا، ما يعني أنها ستبدأ في 25 يوليو باختيار أعضاء مجلس الشيوخ، ثم انتخاب البرلمان “مجلس الشعب” بين العاشر من أغسطس والعاشر من سبتمبر. وسيجتمع البرلمانيون في العاشر من أكتوبر لانتخاب الرئيس. وسجل خلال هذا العام تجدد الخلافات بين الحكومة الصومالية والمعارضة حول أسلوب إدارة البلاد، ما أوصل الطرفين إلى طريق مسدود، وسط اتهامات للرئيس محمد عبد الله فرماجو بتخييب آمال الصوماليين في العبور إلى دولة المؤسسات. وتشير مستجدات الأوضاع في الصومال عن حالة مخاض متعثرة بعض الشيء بالنسبة للمصالحة الوطنية في البلاد؛ فقد تنامت في الآونة الأخيرة حالة الصدام السياسي بين الحكومة المركزية في مقديشو ورؤساء الولايات الإقليمية على خلفية استمرار العديد من المشكلات التي تؤرِّق حكام الولايات، وهي المشكلات التي تتعدد أبعادها ومستوياتها.

ويُمكن استخلاص أهم نقاط الخلاف والتوتر الحالي بين الولايات والحكومة المركزية؛ في: على المستوى السياسي يتحفظ رؤساء الأقاليم على قيام الحكومة المركزية في مقديشو -من وجهة نظرهم- بإهمال شرعيتهم وأحقيتهم في مشاركتها كافة القرارات السياسية الحاسمة والمؤثرة في مسيرة البلاد الديمقراطية عبر النظام الفيدرالي، إلى جانب تحفظات أخرى تتعلق بتقليص دور الولايات في الإسهام الفعلي في عملية مراجعة دستور البلاد، والتلكؤ في تهيئة الأجواء الصومالية لإجراء انتخابات عامة في ربوع البلاد بنهاية عام 2020، وهو ما يترتب عليه استمرار فشل مؤتمر البلاد الوطني المتعلق بتلك المراجعة الدستورية وبمجمل العملية السياسية في البلاد.

بينما على المستوى الإداري والاقتصادي، يمتلك حكام الولايات العديد من التحفظات على الحكومة المركزية في مقديشو، وخاصة ما يتعلق بملفي تقاسم الثروات والسلطات في البلاد، إلى جانب ما يعتبره هؤلاء الحكام تدخلًا سافرًا من الحكومة المركزية في توجيه الشؤون السياسية والأمنية والاقتصادية المتعلقة بالولايات وفق الرؤية الخاصة بمقديشو، وهو ما يتنافى من وجهة نظرهم مع دستور البلاد، وإجمالًا يتهم قادة الولايات الإقليمية، الحكومة الفيدرالية، بعدم احترام الثقل السياسي لحكومات الأقاليم الفيدرالية، وهَضْم حقوقها الدستورية وحصصها القومية، والسعي إلى الإطاحة بهم. ومن مستجدات الوضع الصومالي أيضًا: عودة الحالة الأمنية الصومالية إلى التدهور والتراجع مجددًا؛ فقد استغلت جماعة الشباب، حالة الصدام السياسي المشار إليها سابقًا في البلاد، لاستئناف ضرباتها الموجعة في الداخل الصومالي وفي العاصمة مقديشو.[6]

الخُلاصة؛

وفق مؤشرات ومستجدات الحالة العامة في الصومال وما يرتبط ويتعلق بها من توجهات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية، فإنه يمكن القول أن مُجمل هذه الأوضاع، باتت أسيرة لنتائج المواقف الخاصة للرئيس الصومالي، وهذه المواقف وإن كانت تسير وفق متطلبات السيادة الصومالية في معظم الأحيان، إلا أنها أدت إلى تحولات شاملة على مستوى العلاقات المحلية والإقليمية والدولية للصومال ككل؛ فعلى سبيل المثال، أدَّى موقف الرئيس الإيجابي تجاه الدعم القطري للصومال، على حساب الدعم الإماراتي، دورًا سلبيًّا في مسار العلاقات الخارجية للصومال من جهة، ومسار العلاقات الداخلية بين الحكومة المركزية ورؤساء الأقاليم المتمسكين بالمصالح الخليجية من جهة أخرى، وهو ما أفضى في النهاية إلى بروز تأثير خليجي سلبي على النواحي الاقتصادية والسياسية لا يزال يظهر صداه ضمنيًّا داخل المسار السياسي والاقتصادي الصومالي.

وتعاني السياسة الخارجية للصومال من ظاهرتين خطيرتين هما التسرُّع في اتخاذ القرارات المصيرية، وازدواجية المعايير في التعامل مع علاقات الدول، ويضاف إلى هاتين الظاهرتين ما تعانيه السياسة الصومالية الراهنة من حالة تردد كبيرة تنتابها بشأن الانخراط الجدي والفاعل في محيطها الإقليمي. وخلاصة مستجدات الوضع الصومالي تصب في اتجاه المزيد من الأزمات البينية بين المركز والإقليم، جنبًا إلى جنب مع تراجع السياسة الخارجية في بعديها الإقليمي والدولي بفعل الوضع الصومالي المشتبك والمعقد على المستوى الداخلي، والذي يعيق تفرغ الحكومة الصومالية لإدارة ملف السياسة الخارجية للصومال بشكل متوازن وفعَّال. هذا بالإضافة إلى تصاعد الضربات الأمنية وتوسع النشاط الإرهابي وتعدُّد جماعاته، وهذه المؤشرات الإجمالية، تصب جميعها في سحب الرصيد الجماهيري والشعبي من بين يدي القيادة السياسية الحالية في الصومال؛ إذ من المحتمل أن يتمخَّض المسار الصومالي الحالي عن تراجع كبير في شعبية الرئيس الصومالي، قد يترتب عليه إشكاليات سياسية عديدة عليه أن يواجهها خلال الاستحقاقات الانتخابية القادمة، ولعل تكرار التظاهرات الشعبية في العاصمة مقديشو، والتي رفع خلالها المتظاهرون مطالبات بعزل الرئيس، تؤكد وجود مثل هذا الاحتمال. الأمر الذي يستغله روبلي في محاولة لكسب النقاط على حساب فرماجو.

 

 

[1]  معاوية فارح، “رئيس وزراء الصومال يبدأ زيارة لمصر على رأس وفد رفيع”، العين الإخبارية، 16/8/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/g78AU

[2]  “زيارة روبلي إلى مصر رسالة سلبية لفرماجو وقطر وتركيا”، العرب، 19/8/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/8BtCc

[3]  محمد الدابولي، “دلالات زيارة رئيس الوزراء الصومالي للقاهرة”، مركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية، 20/8/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/mUQAf

[4]  صفية حمدي، “بعثات دراسية وطبية واستثمار.. رئيسا الوزراء المصري والصومالي يترأسان جلسة مباحثات موسعة”، المال، 16/8/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/hLWHL

[5]  “رئيس الحكومة الصومالية في مصر.. ما الأهمية التي تمثلها تلك الزيارة للبلدين؟”، عربي Sputnik، 17/8/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/KfimA

[6]  وليد توفيق، “الصومال واستحقاقات المرحلة المقبلة”، قراءات إفريقية، 25/8/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/04ORp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

انقلاب غينيا كوناكري: الدوافع والمآلات

  على مدى عشر سنوات من حكم ألفا كوندي، شهدت غينيا نموًا اقتصاديًا مستدامًا بفضل ثروته…