‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر العدوان على الوقف الإسلامي من عبد الناصر إلى السيسي
مصر - سبتمبر 14, 2021

العدوان على الوقف الإسلامي من عبد الناصر إلى السيسي

العدوان على الوقف الإسلامي من عبد الناصر إلى السيسي

 

يعتبر الوقف الإسلامي الخيري من أعظم المشروعات التي أنتجتها الحضارة الإسلامية على الإطلاق؛ وليس لنظام الوقف في الإسلام مثيل في أي دين أو حضارة أخرى في العالم. والوقف هو مصطلح إسلامي، لغويا يعني الحبس أو المنع، واصطلاحاً هو “حبس العين عن تمليكها لأحد من العباد والتصدق بالمنفعة على مصرف مباح”. ويشمل الوقف الأصول الثابتة كالعقارات والمزارع وغيرها، ويشمل الأصول المنقولة التي تبقى عينها بعد الاستفادة منها كالآلات الصناعية والأسلحة، أما التي تذهب عينها بالاستفادة منها فتعتبر صدقة كالنقود والطعام وغيرها. ويختلف الوقف عن الصدقة في أن الصدقة ينتهي عطاؤها بانفاقها، أما الوقف فيستمر العين المحبوس في الانفاق في أوجه الخير حتى بعد الوفاة.

مشروعية الوقف في الإسلام

وتأتي مشروعية الوقف الخيري في الإسلام من نصوص الكتاب والسنة، ومنها قوله تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}، ولما سمعها أبو طلحة بادر إلى وقف أحب أمواله إليه وهو بستان كبير كثير النخل اسمه (بيرحاء)أخرجه البخاري. كذلك ما روي عن عمرو بن الحارث بن المطلق أنه قال: ” ما ترك رسول الله إلاّ بغلته البيضاء وسلاحه، وأرضاً تركها صدقة “. رواه البخاري. وحيث الرسول صلى الله عليه وسلم: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له”، والصدقة الجارية محمولة على الوقف عند العلماء. وما رواه ابن عمر رضي الله عنهما: “أصاب عمر بخيبر أرضاً فأتى النبي فقال: أصبت أرضاً لم أصب مالاً قط أنفس منه فكيف تأمرني به، قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، فتصدق عمر أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث، في الفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله والضيف وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقا غير متمول فيه”.

أنواع الوقف

أما الوقف الخيري فهو ما يتسق مع النصوص الشرعية باعتباره عملا من أعمال البر والخير ويحبس أصله فلا يباع ولا يشترى وينفق من ريعه على أوجه الخير التي دونها الواقف في وقفه، لكن بعض الناس أخذوا الفكرة وطبقوها بطريقة خاطئة فراحوا يوقفون أصول ثرواتهم على أولادهم خشية عليها من الضباع أو تفريط الأبناء فيها لعدم قدرتهم على إدارتها على نحو جيد، فنشأ “الوقف الأهلي”.  وهناك من أوقفوا أصولهم بين ذريتهم من جهة وبعضه لبعض أنواع البر والخير من جهة أخرى وهو “الوقف المشترك” بين الخيري والأهلى. وبالتالي وبناء على التجربة الطويلة منذ نشأة الوقف في عهد النبوة انقسم الوقف إلى ثلاثة أنواع:

  • وقف خيري، يكون ريعه مخصصاً للإنفاق على وجوه البر الخاصة والعامة.
  • وقف أهلي، يكون ريعه مخصصاً للإنفاق على ذرية الواقف ونسله من بعده إلى حين انقراضهم فيؤول إلى الخيرات وجهات البر.
  • وقف مشترك، وهو مزيج بين الخيري والأهلي.

أول قانون للوقف

وظل الوقف في الإسلام يستمد أحكامه من اجتهادات الأئمة والفقهاء في المذاهب الإسلامية المعتبرة، ويتضحُ أيضاً أن حريةَ الاختيارِ من بين آراء واجتهاداتِ علماء تلك المذاهب قد ظلتْ متاحةً أمام أفراد المجتمع وفئاته وطبقاته؛ من الحكام والمحكومين، إلى أن حدث تطوران مهمان:

الأول، هو تبني الدولة العثمانية المذهب الحنفي، وجعلت له وضعاً خاصاً باعتباره المذهب الرسمي للدولة، وللولايات العربية التي كانت تابعة لها. وأدى ذلك إلى الحد -نسبياً- من حرية الاختيار من بين المذاهب.

الثاني، أن سلطاتِ الدولة العربية/القطرية في مرحلة ما بعد الاستعمار بصفةٍ خاصةٍ، وفي معظم البلدان الإسلامية بصفةٍ عامةٍ؛ قد اتجهت نحو تقنين فقه الوقف عبر منهجية قامت على أساس التلفيق الفقهي، وإدماج التعددية المذهبية في قانون موحد وملزم لمواطني كل بلد. وبدأ هذا الاتجاهُ في مصر بإصدار قانون الوقف رقم 48 لسنة 1946م، ثم انتقل هذا التقنين عن طريق التقليد التدريجي إلى بلدان عربية أخرى، وفي مقدمتها سوريا، والأردن، ولبنان، والعراق، وذلك خلال الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين. ثم انتقل بعد ذلك في السبعينيات وما تلاها إلى السودان وليبيا والجزائر وغيرها من البلدان العربية والإسلامية. ولكن قبل الوصول إلى تلك المرحلة التقنينية، كان التكوين المعرفي الفقهي الخاص بنظام الوقف قد قطعَ عدة مراحل أساسية في تطوره التاريخي في المجتمعات الإسلامية.[[1]]

الوقف في عهد عبدالناصر

العدوان على الوقف الإسلامي من عبد الناصر إلى السيسي

وفي مرحلة ما بعد انقلاب 23 يوليو 1952م، فقد شن النظام العسكري بقيادة الدكتاتور جمال عبدالناصر، حربا ضارية ضد الأوقاف الإسلامية؛  وقد اتخذ الجنرالات إجراءات صارمة لتدمير الوقف الإسلامي يمكن رصدها في الآتي:

أولا، في تلك السنوات (1952 ــ 1970) تمت السيطرة على وزارة الأوقاف بشكل غير مسبوق في التاريخ الإسلامي كله؛ وجرى عسكرتها على نحو لافت؛ حيث تناوب على منصب وزير الأوقاف أحد عشر وزيراً كان منهم ستة وزراء من ضباط يوليو وهم حسب أسبقية توليهم وزارة الأوقاف:الصاغ صلاح سالم (من 5 أغسطس 1953 إلى 10 أغسطس 1955)، والبكباشي كمال الدين رفعت (من 10 فبراير 1959 إلى أول سبتمبر 1959م)، والبكباشى على صبري (من أول سبتمبر إلى 24 أكتوبر 1959)، والصاغ أحمد عبد الله طعيمة(من 24 أكتوبر 1959 إلى 10 أكتوبر 1961)، والبكباشي حسين الشافعي (من 10 فبراير 1967 إلى سبتمبر 1967).

ثانيا، خلال فترة ما بعد انقلاب 23 يوليو 1952م، وطوال الـ18 سنة التي حكم معظمها الدكتاتور جمال عبدالناصر، صدر عشرون قانونا خاصا بالوقف بمعدل قانون كل سنة، إضافة إلى عشرات القرارات الوزارية الخاصة بهذا القطاع؛ بمعدل خمسة قرارات أساسية كل سنة. ومن أبرز هذه القوانين والقرارات التي دمرت الوقف الإسلامي بكل أنواعه ما يلي:

  • في 14 سبتمبر 1952 صدر المرسوم بقانون رقم 180 لسنة 1952(بعد 52 يوما فقط من الانقلاب)، وقد قضى هذا المرسوم بالإبقاء على الوقف الخيري فقط (الذي لا نصيب في ريعه لذرية الواقف)، ومنع إنشاء أوقاف جديدة على غير الخيرات، وحل الوقف الأهلي وقسمة أعيانه على مستحقيه، بحسب الطريقة التي نص عليها هذا المرسوم ذاته. وكان الحرص على نجاح قانون الإصلاح الزراعي هو الهدف الأساسي من إلغاء الوقف الأهلي بذلك الإجراء المبكر(وكانت مساحة أراضي الوقف تربو على نصف مليون فدان وفق الأرقام الرسمية سنة 1952م). أمّا القول بأن الإلغاء كان للتخلص من سلبيات الوقف الأهلي وسوء استغلاله وفساد نظَّاره ومدرائه -أو إدارته الأهلية- فلا يعدو أن يكون تبريراً إضافياً لما حدث، وخاصة أن قانون الوقف رقم 48 لسنة 1946م كان قد تكفل بمعالجة معظم تلك السلبيات والمفاسد التي كانت موجودة فعلاً وبدرجات متباينة في بعض الوقفيات. ومن جانب آخر فقد جاء حل الوقف الأهلي في سياق الإجراءات التي اتخذتها العسكر الجدد لتقويض الدعائم الاجتماعية والاقتصادية للنظام القديم، وللحد من سلطة كبار ملاك الأراضي -بصفة خاصة- الذين شكلوا القاعدة الاجتماعية والسياسية للنظام الملكي، وكانوا في الوقت نفسه يمثلون المصدر الرئيسي المحتمل لمعارضة النظام الجديد؛ ومن ثم كان لابد من إضعاف قوتهم لتأمين مستقبل النظام الجديد، ولو على حساب الأوقاف الأهلية والخيرية. وكانت سياسة «الإصلاح الزراعي» من أهم السياسات التي انتهجتها حكومة يوليو لتحقيق هذا الهدف.[[2]]
  • من الضربات التي تلقاها الوقف الإسلامي، مصادرة عشرات الآلاف من أفدنة الوقف الخيري وأكثر من 160 ألف فدان من الوقف الأهلي، وحسب إحصاءات المملكة المصرية في سنة 1952م فإن مساحة الأراضي الزراعية الموقوفة بلغت 582.950 فداناً، وتم مصادرة نحو 130 ألف فدان وهي الأوقاف التي كانت تحت إدارة ديوان الأوقاف الملكية، وكان معظمُها أوقافاً لأعضاء الأسرة المالكة، وقد صادرها العسكر ووزعوها طبقاً لأحكام قانون الإصلاح الزراعي رقم 178 لسنة 1952م. ولم يكثرث العسكر بأن هناك 75.804 من الأفدنة (خمسة وسبعين ألف فدان وثمانمائة وأربعة فدادين) من تلك الأوقاف الملكية كانت أوقافاً خيرية (وليست أهلية) وكان ريعها يجري صرفه على مصالح ومنافع عامة. ولو أن ما يسمى بمجلس قيادة الثورة طبق عليها أحكام المرسوم بقانون 180 لسنة 1952م لما تم حلُّها. ولكن حكومة يوليو عاملتها معاملة أراضي الإقطاع فصادرتها ووزعتها. وبناء على ذلك؛ تلقَّى نظام الوقف ضربةً قوية أضرت بأصوله العقارية من الأراضي والمباني ضرراً بليغاً.
  • في 21 مايو 1953م، و«بعد الاطلاع على الإعلان الدستوري الصادر في 10 فبراير 1953م من القائد العام للقوات المسلحة وقائد ثورة الجيش» ــ حسب نص ديباجة القانون ــ صدر القانون رقم 247 لسنة 1953 الذي جعل من سلطة وزير الأوقاف تعديل مصارفها على جهات البر، دون التقيد بشرط الواقف؛ ومن ثم أطاح بالنصف المتبقي من إرادة المجتمع الحرة، وأطاح معها حرية اختيار مؤسسي الأوقاف الخيرية؛ حتى أولئك الذين ماتوا من أزمنة بعيدة. ونص هذا القانون لأول مرة في تاريخ الوقف البالغ آنذاك أكثر من ألف وثلاثمائة سنة على معاقبة صاحب المبادرة بعمل خيري أو ذويه بالحبس والغرامة في حال عدم تبليغهم عن الأوقاف التي لديهم (م/5).
  • في 7 أكتوبر 1954م وبالاستناد أيضاً للإعلان الدستوري لقائد ثورة الجيش، صدر القانون رقم 525 لسنة 1954م بتخويل وزارة الأوقاف حق نزع ملكية بعض العقارات الموقوفة للمصلحة العامة، وتحويلها إلى «النفع العام».
  • في 13 يوليو 1957م أصدر رئيس الجمهورية (عبد الناصر) القانون رقم 152 لسنة 1957م بتنظيم استبدال الأراضي الزراعية الموقوفة على جهات البر في مدة أقصاها ثلاث سنوات (كانت تنتهي في سنة 1960م)، وتتسلمها اللجنة العليا للإصلاح الزراعي لتوزعها وفقاً لأحكام قانون مجلس قيادة الثورة رقم 178 لسنة 1952 بشأن الإصلاح الزراعي. على أن تؤدي الهيئة العامة للإصلاح الزراعي لوزارة الأوقاف سندات بقيمة تلك الأراضي تستهلك على مدى ثلاثين عاماً بفائدة سنوية 3% . وفي هذا السياق جرى ضم ريع الأوقاف الإسلامية إلى ميزانية الدولة لأول مرة في التاريخ ابتداء من السنة المالية 1958/1959م وبعدها أضحت وزارة الأوقاف بلا أوقاف. ونظراً لاشتداد الأزمة الاقتصادية في البلاد آنذاك، أسرعت السلطة بإصدار القانون رقم 133 لسنة 1960م بتخفيض الفائدة (الربوية) على سندات تعويض الأوقاف إلى واحد ونصف في المائة بدلاً من 3%. وبذلك يكون عبدالناصر هو من أول من أدخل الربا المحرم شرعا إلى الأوقاف، تحت سمع وبصر الأزهر والإفتاء والأوقاف لكنهم تحولوا إلى شياطين خرس ولم يجرؤ أحدهم على الصدع بالحق في وجه الطاغية الظالم. بل إن أحد نواب مجلس الأمة سأل الشيخ أحمد حسن الباقوري (تولى وزارة الأوقاف من 1952 إلى 1959م) كيف ننفق على المساجد من مال مشكوك فيه؟ فأجاب مدافعا عن قوانين وقرارات عبدالناصر بشأن الوقف بأن تلك الفوائد عبارة عن «ريـع طبقاً لنظام أخذت به الدولة». ثم وجّه كلامه للعضو صاحب السؤال وقال له: إن كنت تسألني كوزير للأوقاف فقد أجبتك، وإن أردت الفتوى فليس هنا موضــعها. بحسب مضبطة المجلس.
  • في 21 ديسمبر 1959م صدر قرار رئيس الجمهورية بقانون رقم 272 لسنة 1959 بتنظيم وزارة الأوقاف ولائحة إجراءاتها، وتضمن هذا القانون لأول مرة في تاريخ وزارة الأوقاف النص على اختصاصها بتعيين أئمة المساجد التي تشرف عليها الوزارة، على أن يصدر بتعيينهم قرار من رئيس الجمهورية، إلى جانب اختصاصها بإدارة بعض الأوقاف!
  • استثنى عبدالناصر أوقاف الكنيسة الأرثوذوكسية من هذه القوانين والقرارات التعسفية وذلك خوفا من نفوذ الكنيسة وتأليب الرأي العام الأميركي والأوروبي عليه، فعندما صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 55 لسنة 1960 بشأن قسمة الأعيان التي انتهى فيها الوقف، وفي 19 يوليو 1960م. وبعد أن اشتدت الإجراءات السلطوية ضد الأوقاف واقتربت من أن تشمل أوقاف ومؤسسات المواطنين المسيحيين، وتحت ضغوط مختلفة صدر قرار جمهوري بقانون رقم 264 لسنة 1960م بشأن استثناء أراضي الأوقاف الخاصة بجهات البر العامة للأقباط الأرثوذكس من أحكام تلك القوانين والقرارات التي كانت قد مزقت أكثر من نصف مليون فدان من أوقاف المواطنين المسلمين، والتي كانت موقوفة على المدارس والمساجد ودور الأيتام والمستشفيات…إلخ.
  • في 31 يناير 1962 صدر قرار رئيس الجمهورية بقانون رقم 44 لسنة 1962م بشأن تسليم الأعيان التي تديرها وزارة الأوقاف إلى الهيئة العامة للإصلاح الزراعي والمجالس المحلية، وهو ما حدث خلال الستينيات. والمفاجأة الكبرى أن ما يقرب من نصف مساحة الأراضى التي خضعت فعلاً لقوانين الإصلاح الزراعي وتمت مصادرتها وجرى توزيعها من سنة 1952م، إلى سنة 1970م كانت من أراضي الأوقاف وتصل وفق الوثائق الرسمية إلى (349,786 فدانا)، وهذا المجموع نفسه يساوى حوالي 48% من جملة الأراضي الزراعية التي تم توزيعها طبقا لقوانين الإصلاح الزراعي الثلاثة التي صدرت تباعاً من سنة 1952 م إلى سنة 1970م؛ إذ بلغت جملتها 817،538 فداناً وأن حوالي 28% من جملة أراضي الإصلاح التي تم تمليكها أو تأجيرها، أو احتفظت هيئة الإصلاح بإدارتها خلال الفترة نفسها تساوي مساحة الأراضي الزراعية التي كانت موقوفة على البر العام والبر الخاص؛ وهي المساحة عينها التي تسلمتها هيئة الإصلاح الزراعي من وزارة الأوقاف بموجب القانون رقم 152 لسنة 1957م والقانون رقم 44 لسنة 1962م.
  • من أهم القرارات الإدارية ما أصدرته «لجنة شئون الأوقاف» بتاريخ 12/5/1967م، ونص على تغيير مصارف ريع الأوقاف الخيرية جميعها دفعة واحدة، ويشمل ذلك ما كان متجمدًا من أموالها أيضًا، وجعلها على مصرفين اثنين فقط هما: نشر الدعوة الإسلامية في الداخل والخارج، والبر على اختلاف ألوانه بأولوية أقارب الواقفين. واستهدف عبدالناصر بهذا القرار تشديد قبضة السلطة على موارد الأوقاف وتقنن عمليات النهب المنظم لها بدعوى فك أزمة الدولة الاقتصادية بغض النظر عن شروط الصرف وأوجه الإنفاق التي نص عليها الواقفون. وكان من أهم النتائج التي ترتبت على هذا القرار أنه قطع الصلة نهائيا بين الأوقاف وبين المؤسسات الخيرية الأهلية التي كانت تعتمد على ريع الأوقاف، ومنها: مستشفيات ، ومدارس، وملاجئ أيتام… الخ، وهي المؤسسات التي أنشأتها الأوقاف أو أسهمت في إنشائها وتمويلها، ومن ثم حُرمت تلك المؤسسات من التمويل الوطني الذاتي المستقل الذي كانت تحصل عليه من ريع تلك الأوقاف، ومن ناحية أخرى فإن هذا القرار قد وضع إرادة السلطة الحكومية محل الإرادة الاجتماعية المعبر عنها في شروط الواقفين، واختزل الأهداف التي نصوا عليها في هدفين فقط اتَّسَمَا بالعمومية الشديدة، والغموض الأشد. وبالعمومية والغموض انفتح باب الفساد المؤسسي ليتغلغل كيفما شاء في إدارة الأوقاف منذ ذلك الحين. معنى ذلك أن “شرط الواقف لم يعد كنص الشارع” كما هو مجمع عليه في أحكام الوقف، ولكن باتت إرادة السلطة أعلى من القانون وتبرر لنفسها نهب القوقف رغم أنه من أموال الصدقات التي حرم الله السطو عليها. وبموجب القوانين والقرارات الجمهورية والوزارية التي صدرت خلال الفترة من سنة 1959م إلى سنة 1969م بشأن إعادة تنظيم وزارة الأوقاف، أصبحت هذه الوزارة جزءاً من البيروقراطية الحكومية. وانتزعت السلطة منها ماكان لديها من مدارس ومستشفيات ومؤسسات خيرية اجتماعية أخرى وسلمتها إلى وزارات: التعليم، والصحة، والشئون الاجتماعية، على التوالي. وسلَّمت أيضًا جميع الأعيان الموقوفة على الخــيرات للإصلاح الزراعي والمجالس المحلية.[[3]]

مآرب الحرب القذرة

لقد كان الهدف الأساسي من هذه القوانين والإجراءات هو تعبئة كافة موارد الأوقاف -في إطار التعبئة العامة لكافة موارد الدولة- وتوظيفها في خدمة السياسات التي انتهجتها سلطة يوليو في الداخل والخارج؛ دون مراعاة لخصوصية أموال الأوقاف، أو اكتراث بالحصانة التي أسبغتها عليها الشريعة الإسلامية.

وكان عبد الناصر يستهدف من هذه الحرب الضروس على الوقف الإسلامي تقنين عمليات نهب أموال الوقف بدعوى الإصلاح الزراعي من جهة، أو دعوى دعم مشروعات الدولة من جهة آخرى، ومن جهة ثالثة، احتواء مؤسسة الأزهر وتطويعها لتكون أداة من أدوات السلطة، وتجفيف منابع التمويل الخاصة بها، وهي أموال الوقف الإسلامي التي كانت تدر على الأزهر 8 ملايين جنيه سنويا، وبعد مراسيم عبد الناصر تراجع الريع إلى “800” ألف جنيه فقط في السنة!. فضلا عن امتناع الهيئة العامة للإصلاح الزراعي عن سداد الريع المستحق، الأمر الذي جعلها مدينة لوزارة الأوقاف بمبالغ مالية هائلة، فضلا عن تبديد الهيئة لأغلب هذه الأوقاف لا سيما أوقاف الخيرات الموقوفة على المساجد؛ وبهذا ضرب عبد الناصر الركيزة الاقتصادية لعلماء الأزهر، تلك الركيزة التي كانت تجعلهم في غنى عن أموال الحكومة، الأمر الذي كان يكفل لهم الاستقلال عن الحكومة ويتيح لهم معارضتها، دون الخوف من قطع رواتبهم أو تشريد أسرهم من بعدهم. وعلى حين عوملت أوقاف المسلمين هذه المعاملة، تم استثناء أوقاف غير المسلمين من أحكام هذه القوانين، حيث وضعت لها قوانين خاصة، وتركت لكل كنيسة أوقافها في حدود مائتي فدان، وما زاد عن هذا كانت الدولة تأخذه وتدفع ثمنه بسعر السوق، وهو ما أدى في أواخر السبعينات إلى مناداة عدد من الأصوات في مجلس الشعب بمساواة أوقاف المسلمين بأوقاف المسيحيين.[[4]]

يقول الدكتور إبراهيم البيومي غانم: «إن نظام الوقف الذي بلغ عمره أكثر من أربعة عشر قرنًا، قد انهار على يد ثورة يوليو في ثمانية عشر عامًا فقط، وتمزقت أصوله المادية، وتشوهت فكرته الخيرية تحت الإجراءات التي اتخذتها حكومات الثورة منذ يوليو سنة 1952م حتى نهاية الستينيات. وإلى تلك الحقبة يرجع أصل الحكاية المأساوية، ومنها منبع الشكاية المرة في قطاع الأوقاف المصرية إلى اليوم. وقال عنها الشيخ صلاح أبو إسماعيل، عضو مجلس الشعب في سنة 1980م أيضًا بأن ما حدث للأوقاف هو «تدويخ وبلطجة، وكأن أوقاف المساجد هي أوقاف لعدو وقع تحت أيدينا». وفي سنة 1980م،  ذكر الدكتور إبراهيم عوارة (نائب طنطا في البرلمان) في معرض استجوابه لوزير الأوقاف أن أراضي وقف الخديوي إسماعيل على المساجد ومكاتب تحفيظ القرآن -ومساحتها 22 ألف فدان بمديرية الشرقية- قد «مُلِّكَت بأوامر شفوية في عهد مراكز القوى»، وختم عوارة استجوابه لوزير الأوقاف بأن طالب «بعزل وزير الأوقاف وتقديم جميع وزراء الأوقاف السابقين للمحاكمة اعتباراً من سنة 1952 لأنهم بددوا مال الله». فرد وزير الأوقاف المستجوب آنذاك وهو الشيخ «عبد المنعم النمر» على ما أثاره أعضاء المجلس مؤكداً على أن ما حدث للأوقاف كان «مذبحة ومأساة لفَّت الأوقاف في لفائفها السود… وكانت خطة مدبرة لكسر العمود الفقري للإسلام وللدعوة الإسلامية». ووصف الذين اعتدوا على الوقف بأنهم «شياطين».

مراجعات ما بعد الهزيمة

بعد الهزيمة المدوية في 5 يونيو 1967م، تجرأت بعض الأصوات على انتقاد بعض سياسات النظام علنا، وفي هذه الأثناء تم تشكيل مجلس الأمة بالانتخاب بدلا من التعيين، وتضمنت تلك المناقشات بعض الانتقادات لسياسة الحكومة تجاه الأوقاف، وخاصة فيما يتعلق بإهدار شروط الواقفين وصرف ريع أوقافهم في غير ما خُصصت له، وإهمال المساجد التابعة لوزارة الأوقاف.

وفي «تقرير لجنة الخطة والميزانية» عن السياسة المالية لمشروع الموازنة العامة للدولة لسنة 1969/1970م، طالبت اللجنة بضرورة «احترام شروط الواقفين وعدم إدماج إيرادات الأوقاف ضمن الميزانية العامة للدولة». وكانت تلك الإيرادات قد أدمجت في ميزانية الدولة ابتداء من السنة المالية 1958/1959م وبعدها أضحت وزارة الأوقاف بلا أوقاف، إلى أن نشأت هيئة الأوقاف المصرية في سنة 1971م.

كما انتقدت «لجنة الخدمات» بمجلس الأمة المشروع الذي قدمته الحكومة في سنة 1969م لتعديل بعض أحكام القانون 272 لسنة 1959م بشأن تنظيم وزارة الأوقاف، لأن ذلك المشروع قد تضمن نصاً يضفي حصانة على القرارات الإدارية لوزير الأوقاف؛ وهي القرارات الخاصة بإعطاء مساعدات من ريع الأوقاف، ويمنع الطعن فيها أمام الجهات القضائية.

ومن أهم  المكاسب الشكلية للوقف الإسلامي من هذه المراجعات هو «تقرير اللجنة المشتركة من وزارة الأوقاف والهيئة العامة للإصلاح الزراعي»، وهو تقرير خاص بتحديد مستحقات وزارة الأوقاف لدى الإصلاح، وقد عرف باسم «الاتفاق النهائي». وقد تم تشكيل لجنة خاصة لإنجازه بتاريخ 5 أغسطس/آب 1968م، وانتهت تلك اللجنة من أعمالها في مايو/أيار سنة 1970م. واعُتبرت النتائج التي تم الاتفاق عليها «وثيقة رسمية» تحتج بها وزارة الأوقاف في المطالبة بمستحقاتها طرف الإصلاح الزراعي، وهو ما حدث خلال السبعينيات والثمانينيات ولا يزال يحدث إلى اليوم.

السادات وتأسيس «هيئة الأوقاف»

ارتبطت نشأة «هيئة الأوقاف» بما عرف بـ”ثورة التصحيح”، في 15 مايو 1971م، وذلك بعد انتصار الرئيس الأسبق محمد أنور السادات على مراكز القوى؛ حيث صدر  القرار الجمهوري رقم 80 لسنة 1971م بإنشاء هيئة الأوقاف المصرية، التي كانت في تقدير البعض إحدى الثمرات المبكرة لتلك الثورة. وكانت أيضاً إنجازاً له دلالته الرمزية المهمة في إطار سلسلة الإجراءات التي اتخذها السادات لإرساء شرعية نظام الحكم في جانب منها على أسس إسلامية. وكان للدكتور عبد العزيز كامل -وزير الأوقاف آنذاك- دورٌ بارز في نشأة هيئة الأوقاف المصرية، كما كان له دور كبير في محاولة رد الاعتبار لنظام الوقف وإحياء دوره، بعد أن كان قد تم تقويض هذا الدور تماماً في الخمسينيات والستينيات. وقد كان إنشاء هيئة الأوقاف المصرية في سنة 1971م، ثم إصدار القانون رقم 42 لسنة 1973م بشأن استرداد جميع الأراضي الزراعية والعقارات الموقوفة التي سبق أن تسلمتها هيئة الإصلاح والمجالس المحلية. وقضى هذا القانون بردها مرة أخرى إلى وزارة الأوقاف لتديرها عن طريق «هيئة الأوقاف المصرية» وحدها، وتستثمر أموالها حتى «توفر الدعم المالي لحركة الدعوة الإسلامية، ورعاية شروط الواقفين»؛ كان كل ذلك يعني: أن تظهر سلطة الحكم بمظهر الحريص على «مال الله»، وأنها جادة في استرداده من الذين بددوه، ومن مغتصبيه الذين سرقوه في عهد مراكز القوى.[[5]]

شرعت هيئة الأوقاف المصرية في جمع أموال الأوقاف المبعثرة، لكنها لم تخرجها عن سيطرة الدولة. بيد أن هذا الوضع كان أفضل بكثير مقارنة بما كان عليه حال الأوقاف في الستينيات. وبذلك أخذت “هيئة الأوقاف” صفة الكيان الاقتصادي البحت، بهدف إدارة أموال وممتلكات الأوقاف واستثمارها والتصرف فيها بما يحقق لها أكبر عائد ممكن «على أسس اقتصادية» دون التقيد بالروتين الحكومي باعتبارها أموالاً خاصة، حسب ما ورد في قانون إنشائها، كما أن الهيئة قامت أيضاً على أساس «مبدأ اللا مركزية» في تصريف شئونها الإدارية والمالية، مع استقلالها بميزانية خاصة غير مدمجة في الميزانية العامة للدولة، ويتقاضى موظفوها وعمالها مرتباتهم وأجورهم من حصيلة إيراداتها من ريع الأعيان الموقوفة التي تديرها وتقوم باستثمار أموالها.

ومن أهم مكاسب الأوقاف بإنشاء الهيئة هو إلزام المجالس المحلية وهيئة الإصلاح الزراعي برد ما سبق أن سلمته إليها وزارة الأوقاف من الأراضي الزراعية والعقارات الموقوفة، وذلك بنصوص قانونية قاطعة. وألزم القانون 42 لسنة 1973م هيئة الإصلاح الزراعي برد جميع الأراضي الموقوفة لوزارة  الأوقاف، وأن يتم تقدير قيمة الأراضي التي تصرفت فيها بتمليكها لصغار المزارعين لتقوم الدولة بدفعها نقداً لهيئة الأوقاف. وأن توضع جميع الأراضي والأموال المستردة تحت إدارة هيئة الأوقاف لتقوم باستثمارها نيابة عن وزارة الأوقاف، ولتقوم أيضاً بتسليمها الريع السنوي لتتولى الوزارة «صرفه طبقاً لشروط الواقفين». وقد  اتضح أن الإصلاح الزراعي باعت نحو (61.937) واحدا وستين ألف فدان وتسعمائة وسبعة وثلاين فدانا و2 قيراط و12 سهما من أطيان أراضي الوقف الخيري والأهلي. وبذلك أصبحت هيئة الإصلاح الزراعي مديونة للأوقاف بثمن هذه الأراضي التي وزعتها على صغار الفلاحين، طبقاً لما نصت عليه المادة الثالثة من قانون الرد رقم 42 لسنة 1973م.

كسبت الأوقاف أيضاً قيام هيئة الأوقاف بالسعي لاسترداد أعيان الأوقاف المغصوبة، أو المستولى عليها بدون وجه حق في الخمسينيات والستينيات، وخاصة في الفترة التي تولت فيها المجالس المحلية إدارة الأعيان الموقوفة الواقعة في نطاق المدن منذ سنة 1962م، وتصرفت فيها على أنها «مال سائب»، على حد ما ورد في الكتاب الصادر عن هيئة الأوقاف المصرية نفسها في سنة 1974م. ورغم تشكيل العديد من اللجان لاسترداد أموال الوقف منذ ذلك التاريخ إلا أن الكثير من أصول وأعيان الوقف لاتزال منهوبة حتى اليوم من جانب هيئات ومؤسسات حكومية وشركات وأشخاص لهم نفوذ في الدولة.

الوقف الإسلامي في عهد السيسي

العدوان على الوقف الإسلامي من عبد الناصر إلى السيسي

بقي تعامل السلطة مع الوقف الإسلامي على حاله منذ تأسيس “هيئة الأوقاف” سنة 1971م خلال عهدي السادات ومبارك، ومع الإطاحة بمبارك بعد ثورة 25 يناير ارتفعت أصوات تطالب بتحرير أصول وعقارات وأموال  الوقف من الغاصبين الذين نهبوها منذ عشرات السنين. ومع نجاح الانقلاب في 3 يوليو 2013م، بدأ النظام العسكري بزعامة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي في العودة إلى منهج عبدالناصر في التعامل مع الوقف الإسلامي والعمل على تقنين نهبه بدعوى الاستثمار الأمثل ودعم المشروعات القومية وهو ما يمكن أن نوجزه في المحطات الآتية:

  • في 14 يوليو 2016، أصدر السيسي، قرارًا بتشكيل لجنة لحصر أموال هيئة الأوقاف برئاسة المهندس إبراهيم محلب، مساعد السيسي للمشروعات القومية والاستراتيجية. ونص القرار، الذى نشرته الجريدة الرسمية، برقم 300 لسنة 2016، على تشكيل لجنة تختص بحصر كل أملاك هيئة الأوقاف المصرية من أراض، ومبان، ومشروعات، ومساهمات فى شركات، وتعظيم عوائد الاستثمارات واتخاذ اللازم لتعظيم أملاك الهيئة. كما تختص اللجنة، بإعداد التقارير اللازمة التى تتضمن المشاكل والمعوقات، التى أدت إلى الاستيلاء على هذه الأراضي، واقتراح الحلول للحيلولة دون تكرارها مستقبلًا، وإنشاء أرشيف إلكترونى لحفظ الحجج والخرائط وممتلكات الهيئة، ودراسة إمكانية استغلال مقومات الهيئة فى دعم الاقتصاد القومى وتقديم خطة تنفيذية للدراسة، وإخطار جهات التحقيق بالجرائم التى تشكل عدوانًا على المال العام وباقى جهات الدولة لتحصيل مستحقاتها. القرار نص أيضًا، على أن للجنة فى سبيل أداء مهامها أن تستعين بما تراه من المسئولين والخبراء والفنيين من كل الجهات الحكومية وغير الحكومية، ولها أن تطلب من الجهات المعلومات والمستندات، وأن تشكل لجانًا فرعية إذا اقتضى الأمر بما يعينها للقيام بأعمالها، وأن ترفع اللجنة تقريرها النهائى وما انتهت إليه من توصيات إلى رئيس الجمهورية.
  • في 20 نوفمبر 2016،أصدر وزير الأوقاف مختار جمعة القرار رقم “274” والذي يسمح بالتصرف في بعض أصول الوقف بناء على تقديرات هيئة الأوقاف سواء بالبيع عبر المزاد العلني أو استبدالها بأراضي أخرى لبناء مشروعات تحتاج إليها الحكومة. وهو ما يخالف الأحكام الشرعية والقوانين المعنية بإدارة شئون الوقف الخيري؛ الغريب في  الأمر أن هذا القرار جاء باسم (قرار تحصين وحماية مال الوقف”[[6]]. وبالفعل عقدت الوزارة مزادات بـ22 محافظة، أعلنت الوزارة رسمياً بها بيع أراضٍ متعددة الاستخدامات، ومحال تجارية، ووحدات سكنية، وجراجات، لا نتحدث هنا عن قطعة أرض واحدة فى كل محافظة، بل قطع متعددة، ولا عن البيع فى عاصمة المحافظة فقط، إنما امتد أيضاً إلى المراكز والقرى، والعزب، والنجوع.[[7]]
  • في 25 ديسمبر 2017،دعا الجنرال عبدالفتاح السيسي إلى استثمار أموال الأوقاف ومساهمتها فيما أسماها بالمشروعات القومية، حيث وجّه السيسي، خلال اجتماع مع وزير الأوقاف، ورئيس المخابرات العامة، ورئيس الرقابة الإدارية، ورئيس هيئة الأوقاف المصرية، بضرورة تحقيق الاستفادة المثلى من أصول وممتلكات الأوقاف، مشدداً على أهمية حصْر وتقييم تلك الممتلكات بشكل شامل، والنظر في تنفيذ “خطط استثمارية متطورة” لأصول وممتلكات الأوقاف، وتعظيم مساهمتها في المشروعات القومية، بما يساعد على نمو الاقتصاد ويضمن زيادة قيمة الأصول ومواردها؛ الأمر الذي رضخت له الأوقاف رغم مخالفة ذلك للشرع وقوانين الوقف[[8]].
  • تزامنت إجراءات السيسي تجاه الوقف الإسلامي مع تعديلات جرى إقرارها على قانون إنشاء الصندوق السيادي رقم 177 لسنة 2018م؛ وهي التعديلات التي تمنح رئيس الجمهورية سلطة بيع أصول الدول المصرية بدعوى تعظيم الفوائد والاستثمار.[[9]] وكشفت قائمة أصول الدولة التي أعدتها جهات حكومية بالتزامن مع إنشاء الصندوق السيادي في 11 إبريل 2018م، عن مجموعة  من المفاجأت، حيث ضمت القائمة عدة أصول، وعلى رأسها أملاك هيئة الأوقاف المصرية من الأراضي والمباني، ومباني وزارة الداخلية الموجودة في مقر منطقة وسط البلد فى لاظوغلى. وتكتسب ممتلكات وزارة الأوقاف أهمية كبيرة  بالنسبة للسيسي ويصر على السيطرة عليها  ووضعها  فى حيازة الصندوق السيادى الجديد، حيث تقدر أصول الوقف التي ستضم للصندوق كمرحلة أولى بنحو 180 مليار جنيه، و114 ألف قطعة، ونحو نصف مليون فدان زراعى وحدائق مستولى عليها، بالإضافة إلى 104 ألف فدان زراعية و65 ألف فدان مزارع حدائق فواكة، كما تدير هيئة الإصلاح الزراعى 420 ألف فدان من جملة النصف مليون فدان، وتملك وتشارك الأوقاف فى نحو 20 شركة وبنك[[10]].
  • في ديسمبر 2020م صادق السيسي على قانون رقم 209 لسنة 2020م الخاص بإعادة تنظيم «هيئة الأوقاف المصرية»؛ وبذلك جرى إلغاء القانون رقم 80 لسنة 1971 الذي حصَّن به السادات أموال الوقف وألزم الحكومة برد ما اغتصبته منه خلال الخمسينات والستينات. ويستهدف السيسي بهذا القانون الجديد قوننة إجراءات بيع الوقف بالمخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية، تحت ذريعة تشجيع نظام الوقف، وضمان استقلاله، وإدارته على نحو يعظم الاستفادة منه. ويحظى استثمار عوائد أموال الوقف باهتمام بالغ من السيسي، لا سيما أنه يعول عليها كثيراً في خفض نسبة العجز في الموازنة العامة، وتمويل مشروعات كبرى يتبناها، ويرى خبراء أنها غير ذات جدوى اقتصادية.[[11]] وكانت هيئة كبار العلماء ومجمع البحوث الإسلامية قد انتهيا في مارس 2018م إلى رفض مشروع قانون تعديلات هيئة الأوقاف المصرية، والتأكيد على أنه (لا يجوز شرعًا تغيير شرط الواقف، فشرط الواقف كنص الشارع، وعلى ذلك اتفقت كلمة الفقهاء قديمًا وحديثًا، ومن ثم لا يجوز بأي ذريعة مخالفة شرط الواقف، أو التصرف في الوقف على غير ما شرطه، وبناء على ذلك لا يوافق مجمع البحوث الإسلامية على مشروع النص المقترح على خلاف هذه القواعد الشرعية المتفق عليها)، وهو ما أيدته هيئة كبار العلماء في اجتماعها.[[12]] لكن السيسي ضرب بكل هذا عرض الحائط وصادق على القانون المشبوه.
  • في 7 سبتمبر 2021م صادق السيسي على القانون رقم 145 لسنة 2021 بإنشاء صندوق الوقف الخيري، والذي يستهدف به تسهيل إجراءات الاستيلاء على أموال الوقف الخيري من جانب الحكومة، وتوجيهها لإقامة المشروعات الخدمية والتنموية مثل العاصمة الإدارية الجديدة، بحجة معاونة الدولة في ملف التطوير. وبحسب نص القانون فإن الصندوق يتبع مباشرة رئيس الوزراء يمنح وزير الأوقاف سلطة التصرف في أموال صندوق الوقف، بما يتضمنه من أموال صناديق النذور، وإعمار المساجد، وتوجيهها لصالح مشروعات التطوير في الدولة.

الخلاصة والتوصيات

أولا، الوقف هو مؤسسة من مؤسسات الأمة لا مؤسسة من مؤسسات الدولة، والأصل في أموال الأوقاف أنها زكاة أو صدقة، وتقوم مؤسسة متخصصة فى الأعمال الخيرية بإدارة هذا المال للإنفاق من ريعه على عموم المجتمع، كبناء مساجد ومستشفيات، أو على أفراد كالفقراء والمحتاجين، هكذا تعى وزارة الأوقاف، وهكذا تعى الحكومة، وهكذا تعى كل الجهات المسؤولة، بما يعنى أن التصرف فى مال الوقف فى غير محله، أو فى غير المصارف المحددة، لا يحل شرعاً ولا يجوز قانوناً.

ثانيا، إذا كان هناك فساد فى إدارة  أموال الأوقاف وهو قائم بالفعل والفساد للركب ، فهو ما يجب تقويمه، لكن ذلك لا يمنح أحد حق الاستيلاء عليه أو جعله مشاعاً مع أموال أخرى للصرف فى أوجه أخرى بخلاف المصارف الخيرية، فهو  ليس كأموال الضرائب، ولا أموال الجمارك، ولا الجبايات، ولا التبرعات، بل ولا يتبع خزينة الدولة بأى شكل من الأشكال.

ثالثا، هناك  مخاطر شديدة وانعكاسات سلبية من إصرار  النظام العسكري منذ يوليو 1952م حتى اليوم على نهب أموال الأوقاف والتعامل معها على أنه مشاع والعمل على السيطرة عليها والتصرف فيها على غير شروط الواقفين ما يفضي إلى خسارة هذه الأموال الضخمة التي تعد رصيدا للأجيال القادمة والتي يتعين حمايتها من نهب العصابات والمسئولين الفاسدين أو النظام الطامع والذي سيبدد كل شيء كما بدد من قبل آلاف المليارات التي اقترضها على مشروعات وهمية لم تسهم بأي قيمة مضافة للاقتصاد أو للمواطنين.

رابعا، تبرهن للجميع خلال العقود الماضية أن النظام العسكري  ــ باستثناء مرحلة السادات ــ  خصوصا في عهدي عبدالناصر والسيسي ــ لا يكترث لأحكام الشريعة الإسلامية المتعلقة بتحريم التصرف في أموال الوقف الخيري والأهلي إلا وفقا لشروط الواقفين، ولا يضع اعتبارا  للأحكام الخاصة بنظام الوقف في الإسلام، ويصر على تقنين إجرءات نهب الوقف الإسلامي، بما يسمح له بالتصرف المطلق في هذه الأصول بالبيع والشراء والاستبدال وغير ذلك من التعاملات، كما يتضح من قانون  الصندوق السيادي والذي يمنع الرقابة على  أمواله وتصرفاته من أي جهة رقابية في  الدولة.

خامسا، سيطرة السيسي على أموال الوقف تمثل امتدادا لمرحة الطاغية جمال عبدالناصر، وتمثل أيضا امتدادا لمخططات القضاء على العمل  الخيري والأهلي الذي بدأه السيسي بانقلابه حيث استولى على أموال وأصول آلاف الجمعيات والمؤسسات الخيرية وضم أموالها لخزانة الدولة، في إجراء شاذ سعى إلى تقنيه بتشريعات أكثر شذوذا. فالسيسي ينظر إلى أموال الوقف باعتبارها بلا صاحب وما دام أصحابها الذين أوقفوها ليسوا موجودين فإنه أحق بها من غيره. وهي نظرة تعبر عن نوازع السطو والاغتصاب واستحلال أموال الناس بالباطل حتى لو كانت وقفا لله من أجل الإنفاق على مصارف البر والخيرات.

سادسا، السيسي في سعيه الحثيث نحو السطو على أموال الوقف الخيري الإسلامي بدعوى استثماره وتعظيم موارده لم يجرؤ على التعامل بنفس الطريقة مع أموال الوقف القبطي التي تشرف عليها الكنيسة الأرثوذوكسية، والتي تسيطر على مساحات شاسعة من الأراضي والمزراع والشركات وآلاف الأديرة المنتشرة بجميع محافظات الجمهورية؛ فلماذا استبعد السيسي أوقاف الكنيسة من خططه؟ ولماذا يتسلط على الوقف الإسلامي دون غيره فهل يخشى الكنيسة ونفوذها الواسع؟ أم يخشى غضب أمريكا وأوروبا الذين لن يقبلوا مطلقا  بسطو السيسي و حكومته على أموال الوقف القبطي كما فعل مع الوقف الإسلامي؟

ومن أهم التوصيات:

أولا، ضرورة التصدي لمؤامرات نظام السيسي الخاصة بتقنين نهب الوقف الخيري الإسلامي الذي يتعرض لعدوان صارخ منذ انقلاب يوليو 1952م. وذلك من خلال التوعية بالقضية وكشف خفايا ما يجري على وسائل الإعلام المختلفة حتى يكون الشعب على دراية وعلم بمؤامرات النظام وحيله الخداعية للسطو على الوقف الإسلامي.

ثانيا، على المخلصين من أبناء مصر تشكيل لجان لرصد كل ما يتعلق بنهب أموال الوقف وفضح النظام وتوعية الجماهير بخطورة هذا العدوان على أموال البر والصدقات والأوقاف. وتشكيل لجان قانونية لمتابعة هذه القضايا ورفع الدعاوى القضائية ضد النظام لحماية هذه الأموال والأوقاف.

ثالثا، التركيز على التمييز والاضطهاد الذي يتعرض له المسلمون في مصر تحت حكم العسكر، ففي الوقت الذي يشن فيه النظام غارة على الوقف الإسلامي لم يجرؤ على المساس بأوقاف الكنائس. وهو ما تكرر في ملف هدم المساجد بدعوى أنها بنيت بالمخالفة للقانون رغم أن السيسي سن قانونا خاصا لتقنين الكنائس المخالفة بما يبرهن على حجم التمييز والظلم الذي يتعرض به الإسلام والمسلمون تحت حكم الطاغية عبدالفتاح السيسي.

رابعا، العمل على تحرير مصر من هذه العصابة التي اختطفت الجيش لحسابها وبه اختطفت مصر وفرضت وصايتها على الجميع بالقهر والإرهاب، وستبقى مصر متخلفة تعمها الفوضى والظلم والطغيان ما بقي نظام العسكر يحكم بلادنا بالحديد والنار. فلا بد من العمل على تأسيس نظام جديد يكرس الحرية والعدالة ويشارك الجميع في صناعة القرار دون تهميش أو تمييز أو إقصاء. نظام يقوم على دولة القانون وليس دولة الأوامر ومراكز القوى، وهو جهاد طويل وشاق لكنه أفضل الجهاد على الإطلاق؛ لأنه قد يحرر مصر من الجهل والظلم والتخلف، وقد يمتد ذلك لتحرير الأمة كلها من هذه المرحلة السوداء التي امتدت وطالت.

 

 

[1] إبراهيم البيومي غانم/ كيف انتقل تشريع الوقف من «الفقه» إلى «القانون»؟/ إضاءات 11 فبراير 2021م

[2] إبراهيم البيومي غانم/ يوليو والإصلاح الزراعي: كيف انتهى الوقف الأهلي في مصر؟/ إضاءات ــ 12 يناير 2021م

[3] إبراهيم البيومي غانم/ الأوقاف من لفائف الخمسينيات إلى لفائف الستينيات السوداء/ إضاءات ــ 27 أغسطس 2016م// إبراهيم البيومي غانم/ تفكيك أصول الأوقاف في الخمسينيات والستينيات/ إضاءات ــ 29 يناير 2021م

[4] عبدالمنعم منيب/عبدالناصر والإسلام/ طريق الإسلام ــ 24 يوليو 2016م

[5] إبراهيم البيومي غانم/ بعض ما يجب معرفته عن «هيئة الأوقاف المصرية»/ إضاءات ــ 31 يناير 2021م

[6] فادي الصاوي/ الجريدة الرسمية تنشر قرار تحصين وحماية مال الوقف/ مصر العربية 21 نوفمبر 2016

[7] عبد الناصر سلامة/ للبيع.. من مصر حتى اليونان/ المصري اليوم  السبت 13 أغسطس 2016

[8] [ مصر: السيسي يستهدف ممتلكات الأوقاف لتمويل المشروعات/العربي الجديد 26 ديسمبر 2017…. انظر أيضا محمود مصطفى/ السيسي يوجه باستثمار أموال الوقف في المشروعات القومية/ مصراوي الثلاثاء 26 ديسمبر 2017

[9] البرلمان يمنح السيسي سلطة بيع أصول الدولة المصرية/ العربي الجديد 08 يونيو 2020

[10]  محمد المسلمي/ أبرز أصول الدولة فى الصندوق السيادى الجديد.. أملاك الأوقاف مئات الأفدنة من الأراضى الزراعية../ صوت الأمة 13 إبريل 2018

[11] السيسي يصادق على تشريع يتيح الاستيلاء على أموال الوقف الخيري/ العربي الجديد ــ 07 سبتمبر 2021

[12] شيماء عبدالهادي/ هيئة كبار العلماء بالأزهر ترفض مشروع قانون “الوقف” وتحدد شروط قبوله/ بوابة الأهرام 28 مارس 2018

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

التعاون الفرنسي المصري وتداعياته المسمومة في ضوء تحقيقات “ديسكلوز”

  أبرز ما كشفه التحقيق الاستقصائي الذي نشره موقع «ديسلكوز» الفرنسي يوم 21 نوفمبر 2021…