‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر لقاء «السيسي ـ بينت» بشرم الشيخ.. السياق والنتائج
مصر - سبتمبر 22, 2021

لقاء «السيسي ـ بينت» بشرم الشيخ.. السياق والنتائج

لقاء «السيسي ـ بينت» بشرم الشيخ.. السياق والنتائج

 

أعلن مكتب رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي نفتالي بينت، الأربعاء 18 أغسطس 2021م، عن تلقِّيه دعوة من رئيس الانقلاب في مصر عبدالفتاح السيسي لزيارة مصر. حمل الدعوة رئيس جهاز المخابرات العامة اللواء عباس كامل الذي كان في زيارة للاحتلال وقتها لبحث تعزيز العلاقات في القضايا السياسية والأمنية الاقتصادية بين القاهرة وتل أبيب. وقد استحوذ ملف تهدئة الأوضاع الأمنية في غزة على مباحثات الطرفين بحسب بيان مكتب بينت. وفي الإثنين 13 سبتمبر 2021م التقى السيسي رئيس حكومة الاحتلال في شرم الشيخ، وهو أول لقاء معلن بين الطرفين المصري والإسرائيلي على المستوى الرئاسي منذ أكثر من عشر سنوات.[[1]] حضر اللقاء مدير المخابرات العامة اللواء عباس كامل، وسامح شكري وزير الخارجية، بينما ضمَّ الوفد المرافق لبينيت آيال هولاتا، رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، والفريق أول آلي جيل، السكرتير العسكري لرئيس الوزراء، وشيمريت مائير، كبيرة المستشارين، والسفيرة الإسرائيلية بالقاهرة.

وفي بيان لمكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي فإن الاجتماع ناقش “القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية والسبل لتعميق العلاقات وتعزيز مصالح بلدينا”، إضافة الى “الاستقرار الأمني في قطاع غزة وإيجاد حل للأسرى والمفقودين (الإسرائيليين)”. ووصف رئيس الوزراء الإسرائيلي محادثاته مع السيسي بأنها جيدة ومهمة للغاية، وأضاف قبل رحيله “لقد أنشأنا أساساً لعلاقة عميقة في المستقبل”. وأحيطت الزيارة بسرية شديدة لأسباب أمنية كما لم يعلن عن لقاء بينيت والسيسي إلا قبل وقت قصير من الاجتماع، في شرم الشيخ.

لقاء السيسي ــ بينت يأتي في سياق ملتهب على المستوى الفلسطيني؛ إذ واصل جيش الاحتلال قصف غزة لليوم الثالث على التوالي ردا على قذيفتين صاروخيتين باتجاه مستوطنات غلاف القطاع المحاصر، والتي أطلقتها المقاومة دعما للأسرى الستة الذين فروا من سجن جلبوع الإسرائيلي المحصن بعد حفر نفق طويل (نفق الحرية)، فيما اندلعت احتجاجات فلسطينية في الضفة المحتلة تنديدا  بإعادة اعتقال أربعة أسرى من الستة (جرى أسر الاثنين الآخرين لاحقا). ونقلت وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا) عن مصادر أمنية قولها إن «مسيرة طلابية انطلقت صوب المدخل الشمالي لمدينة بيت لحم، قمعتها قوات الاحتلال بإطلاق قنابل الغاز والصوت». كما يأتي اللقاء في أعقاب القمة التي جمعت السيسي بنظيريه الأردني والفلسطيني، بهدف دفع العلاقات الإسرائيلية مع السلطة إلى الأمام وإعادة استنئاف المفاوضات.

موالاة وعلاقات حميمة

السمة الغالبة على لقاءات السيسي بقادة الاحتلال هي الهرولة والتذلل والحفاوة الكبيرة والمبالغة في إبداء الفرحة والترحيب المبالغ فيه؛ فهو يسعى لتكوين علاقات عميقة بقادة الاحتلال على المستوى الشخصي؛ حيث كانت تجمعه بنتنياهو علاقة وثيقة للغاية؛ ففي أغسطس 2018م، نشرت الصحف العبرية أن نتنياهو سافر سراً إلى مصر في مايو من العام ذاته، والتقى السيسي وتشاركا في مأدبة إفطار رمضانية، بحضور مستشارين من الجانبين. وفي يوليو 2019م، تعمد نتنياهو أن يعلن عن سابقة عقد “لقاءات” مع السيسي خلال حفل السفارة المصرية في تل أبيب بثورة 23 يوليو 1952، حيث وصفه بـ”الصديق العزيز”، وقال: “في لقاءاتي معه فوجئت بحكمته وذكائه وشجاعته (..) السلام بين إسرائيل ومصر بمثابة حجر الزاوية للاستقرار”. وقبل ذلك في يوليو 2016 أوفد السيسي وزير خارجيته سامح شكري إلى القدس للقاء نتنياهو، حيث اجتمع الطرفان مدة طويلة وشاهدا سويا نهائي كأس الأمم الأوروبية! وخلال سنوات ما بعد انقلاب 3 يوليو، ضم لقاء وحيد معلن بين السيسي ورئيس حكومة الاحتلال السابق بنيامين نتنياهو على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك سنة 2017م، لكن نتنياهو اعترف في 13 سبتمبر 2021م لقناة “كان”  الإسرائيلية أنه التقى بالسيسي ست مرات سرا في مقر الرئاسة بشرم الشيخ منها لقاء سري سنة 2011م أثناء حكم المجلس العسكري وعندما كان السيسي وزيرا للدفاع.[[2]] وهو ما يعني أن تآمر السيسي على الثورة المصرية قديم وترتيبه للانقلاب عليها بدأ عقب الإطاحة بمبارك على الفور.

نفس الأمر يجري مع رئيس الحكومة الإسرائيلية الجديد؛ وحسب مسؤولين سياسيين بإسرائيل، فإن المصريين تعاملوا بشكل ودي حميم مع بنيت، وخرجوا عن المألوف، فرفعوا العلم الإسرائيلي في المطار وعلى الطرقات في شرم الشيخ، وفي مكان اللقاء، وهو أمر لم يتم عندما استقبل المصريون نتنياهو، أو حتى إيهود أولمرت من قبله. واستقبلته وسائل الإعلام المصرية بالترحيب. وأعلنت شركة «مصر للطيران» عن استئناف رحلاتها من تل أبيب إلى شرم الشيخ، وقالت إن طائرة تابعة لشركة «إل عال» الإسرائيلية أقلعت من مطار بن غوريون قرب تل أبيب وتوجهت إلى شرم الشيخ. وفي موازاة ذلك، أقلعت طائرة تابعة للحكومة البحرينية من المنامة، وتوقفت في دبي، ثم توجهت إلى شرم الشيخ، من دون تفاصيل أخرى.[[3]]

وخلال الشهور الأخيرة، تعددت لقاءات المسؤولين بحكومة السيسي مع نظرائهم من دولة الاحتلال، وبالأخص اللواء عباس كامل، ووزيري الخارجية سامح شكري، والبترول طارق الملا، على خلفية التنسيق بين الجانبين حول العديد من القضايا، والوساطة المصرية الدائمة لتهدئة الأوضاع بين الاحتلال والمقاومة الفلسطينية، التي شغلت حيزا كبيرا من الاتصالات بين الأطراف الثلاثة في الأيام والأسابيع الماضية. وفي نهاية مايو 2021م، قام وزير خارجية الاحتلال، غابي أشكنازي، بزيارة كانت الأولى من نوعها للقاهرة منذ 13 عاما، حيث كانت تسيبي ليفني هي آخر وزيرة خارجية إسرائيلية تزور مصر في عام 2008م.

وهناك ثلاث ملاحظات على لقاء عباس كامل بنفتالي ثم استقبال السيسي له في شرم الشيخ وعلاقته بقادة الاحتلال خلال السنوات الماضية:

الأولى، أن عباس كامل التقى بينت في مكتبه بمدينة القدس المحتلة، وسكوت عباس كامل وصمت النظام في مصر وتغاضيه عن رمزية المكان مؤشر خطير يعكس تواطؤ النظام في قضية القدس المحتلة، وكان الأولى بعباس كامل باعتباره رئيس جهاز المخابرات العامة أن يصر على أن يكون اللقاء في تل أبيب على الأقل حتى يتسق مع الرؤية الرسمية التي تعترف حتى اليوم أن القدس مدينة محتلة، وفق حل الدولتين.  لكن الصمت والقبول من جانب عباس كامل هو إصرار على ذات الموقف المشين لنظام السيسي في 6 ديسمبر 2017م حيث خطا الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وقتها خطوة واسعة في تنفيذ “صفقة القرن” معلنا بشكل رسمي الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على القدس باعتبارها عاصمة موحدة لـ«إسرائيل». وهو ما قوبل من جانب نظام السيسي وعواصم تحالف الثورات المضادة بردود فعل شديدة الضعف والهشاشة؛ ما اعتبر  تواطؤا فجا أمام المؤامرة.

الملاحظة الثانية، أن السيسي في كل لقاءاته مع قادة الكيان الصهيوني يمضي على نفس توجهات وسياسات سابقيه من الحكام العسكريين كالدكتاتور جمال عبدالناصر ومحمد أنور السادات ومحمد حسني مبارك، حيث لم يفتح مطلقا أي نقاش أو مطالبة مصرية باسترداد منطقة “أم الرشراش” المصرية المحتلة سنة 1949م، والتي يطلق عليها الاحتلال اليوم ميناء إيلات، بل تعد هي البوابة الوحيدة للاحتلال على البحر الأحمر. وفي 25 إبريل من كل عام يحتفل النظام العسكري بتحرير سيناء كاملة في تزييف للحقيقة لأن «أم الرشراش» المصرية لا تزال محتلة حتى اليوم! فلماذا يصر الجنرالات على التفريط في تراب مصر الوطني؟ ولماذا لم يسع نظام 23 يوليو إلى تحرير أم الرشراش؟ ولماذا لم يضمها السادات إلى التحكيم الدولي في قضية طابا كوسيلة سلمية من وسائل استرداد الأرض المحتلة؟ ولماذا يتجاهل النظام العسكري حاليا هذه القطعة العزيزة من أرض مصر وهم الذين يصرخون كل يوم عن الوطن والوطنية و”تحيا مصر”؟! تم اكتملت الخيانة بتفريط السيسي سنة 2016م في جزيرتي “تيران وصنافير” للجانب السعودي؛  وهو ما يمثل خدمة عظيمة للغاية لإسرائيل من عدة زوايا، أبرزها أنه سلب من مصر سيادتها على موقع إستراتيجي شديد الأهمية عسكريا واقتصاديا وسياسيا. وثانيا لأنه حول مضيق “تيران” من مضيق مصري خالص لها الحق في غلقه متى شاءت وفقا للمصالح المصرية،  إلى مضيق دولي؛ وهو ما يُمكِّن الاحتلال من ديمومة الولوج إلى البحر الأحمر دون إذن مصر لأن المضيق أصبح مضيقا دوليا لا مصريا وفقدت مصر سيادتها عليه.

الملاحظة الثالثة، أن الأبعاد الأمنية والإصرار على تعزيز مكانة السلطة الفلسطينية وإضعاف حركات المقاومة في سياق ما تسمى بـ “الحرب على  الإرهاب” احتلت صدارة المباحثات بين السيسي وبينت. ويدرك طغاة العرب أن الحرب على المقاومة الفلسطينية وكل من يناصر القضية الفلسطينية تحت مسمى “الحرب على الإرهاب” يمثل مفتاحا جذابا يمكن أن يمثل مخرجا للنظم العربية المستبدة من الغضبة الأمريكية والتحولات في سياستها الخارجية، خصوصا وأن شن حرب على الإسلاميين وكل من يناصر الربيع العربي والقيم الديمقراطية عموما، يمثل في حقيقته نهجا إسرائيليا تراه يضمن بقاءها وأمنها باعتبار هؤلاء هم أكبر تهديد يواجه الكيان الصهيوني. وهذا أيضا يفسر أسباب إصرار النظم المستبدة على بقاء ما تسمى بالحرب على الإرهاب مستعرة على الدوام دون توقف من أجل توظيفها سياسيا باعتبارها برهانا على جدية طغاة العرب في سحق كل تهديد لإسرائيل وأمريكا والغرب عموما. لعلهم بهذا يفوزون بالرضا الأمريكي والغربي عموما معهما تعاقبت الإدارات الأمريكية على البيت الأبيض.

أهداف السيسي من اللقاء

أولا، هناك إجماع بين الخبراء والمحللين أن  دعوة السيسي لبينت واستقباله بحفاوة في شرم الشيخ يعكس رغبة السيسي في تطوير العلاقات مع واشنطن سريعا، قبل زيارته المحتملة إلى نيويورك لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة، بالتوازي مع مساعيه لعقد اجتماع مع الرئيس الأميركي جو بايدن، فضلا عن استقباله قبل لقاء بينت بيومين في القاهرة مدير وكالة الاستخبارات الأميركية وليام بيرنز، وحرصه على البناء على المكاسب التي حققها الجانب المصري في أحداث غزة الأخيرة مايو 2021م والتي ظفر خلالها السيسي بأول اتصال هاتفي من جانب الرئيس الأمريكي الذي شكره على جهود من أجل التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار والبدء في  تهدئة متبادلة بين إسرائيل وغزة.

وفي أعقاب فوز بايدن بالرئاسة نوفمبر 2020م تعاقدت وزارة الخارجية بحكومة الانقلاب وبتوجيهات مباشرة من رئيس جهاز المخابرات العامة اللواء عباس كامل، يوم الإثنين 9 نوفمبر 2020م، مع شركة «براونستاين هيات فاربر شريك Brownstein Hyatt Farber Schreck» للعلاقات العامة والقانون. بحسب موقع “فورين لوبي”، فإن «قيمة العقد “65” ألف دولار شهريا، بهدف تحسين العلاقات بين واشنطن والقاهرة في ظل الإدارة الجديدة.

وفي يوليو 2021م، أرسل السيسي مدير المخابرات عباس كامل إلى واشنطن؛ وتمثَّلت مهمة الرجل في فض الاشتباك حيال الملفات العالقة مع الإدارة الأميركية الجديدة، والاتفاق على صيغة جديدة تضمن للقاهرة دورها التقليدي باعتبارها لاعبا رئيسا في الشرق الأوسط، لا سيما ملف الصراع العربي الإسرائيلي. وقد سعى كامل في زيارته إلى بدء التنسيق من أجل دعوة عدد من نواب الحزبين الديمقراطي والجمهوري لزيارة مصر، بما في ذلك نواب هاجموا النظام المصري سابقا، والأهم تأكيد عدم ربط المساعدات العسكرية بملف حقوق الإنسان، وهي سياسة أتت ضمن إستراتيجية تعهَّد بها بايدن سابقا وتقضي بعدم منح النظام المصري مزيدا من “الشيكات على بياض”، في تناقض صارخ مع الموقف المُتَّبع حيال إسرائيل، التي تعهَّد “أنتوني بلينكِن”، وزير الخارجية الأميركي، أن المساعدات المخصَّصة لها لن تُربَط أبدا بالتزاماتها تجاه الفلسطينيين.

تعزيز موقف النظام المصري في مواجهة الضغوط المتزايدة من جانب المشرعين الأمريكيين (الديمقراطيين) على إدارة بايدن، للتعامل بحزم أكبر مع نظام السيسي بسبب ملف حقوق الإنسان في البلاد. وبالتالي فإن السيسي يريد من القيادة الإسرائيلية أن تتوسط لدى الإدارة الأمريكية لتخفيف حدة الانتقادات في الملف الحقوقي؛ وقد حذر مسؤولون إسرائيليون إدارة بايدن خلال الشهور الماضية من محاسبة السعودية ومصر على انتهاكات حقوق الإنسان، أو المخاطرة بدفعهما إلى أحضان الصين وروسيا وإيران.[[4]]  لذلك فإن إدارة بايدن اتخذت موقفا وسطا وقررت حجب 130 مليون دولار فقط من المساعدات العسكرية للجيش المصري المقدرة سنويا بنحو 1.3 مليار دولار. ويرى كثير من المحللين في واشنطن أن قرار إدارة بايدن جاء كحل وسط، فهو من ناحية سيهدئ- ولو قليلاً- من غضب المشرعين الديمقراطيين المطالبين بفرض عقوبات على مصر، بسبب سجل حقوق الإنسان السيئ، ومن ناحية أخرى لن يؤدي إلى تعقيد العلاقات مع القاهرة- بشكل كبير- في ظل رغبة إدارة بايدن في مواصلة القاهرة دورها في ممارسة الضغط على حركة حماس لضمان عدم تفجر الأمور.

لقاء السيسي ــ بينت يكرس الدور المصري المحوري في المنطقة، إضافة إلى ذلك فإن استعادة العلاقات بين واشنطن والقاهرة يعزز موقف إسرائيل وحكومتها الجديدة؛ وبحسب ورقة بحثية نشرها معهد الأبحاث الإسرائيلي التابع لجامعة تل أبيب في أكتوبر 2020، فإن ثمة مصلحة واضحة تُدرِكها الدولة الإسرائيلية في استمرار العلاقات الإستراتيجية طويلة الأمد بين القاهرة وواشنطن، كما أن دخول مصر والولايات المتحدة مسارا تصادميا لا يخدم أجندة تل أبيب في النهاية، التي سبق وتوسَّطت لدى الإدارة الأميركية في عهد الرئيس “باراك أوباما”، عبر الضغط مع اللوبي الإسرائيلي، لصالح القاهرة ونظام 3 يوليو الذي سيطر على الأوضاع منذ 2013م.

ثانيا، السيسي يريد من بينت أن تتدخل “إسرائيل” بنفوذها في قضية سد النهضة الإثيوبي، إذ قال السيسي إنه وجد “تفهماً مشتركاً” مع رئيس الوزراء الإسرائيلي حول “السد” في إطار من التفاوض والحوار؛ وصولا إلى اتفاق بالموضوع الهام الذي تعتبره القاهرة حياة أو موت. وذكرت قناة “كان” الإسرائيلية (رسمية)، أن السيسي “دعا (بينيت) إلى المساعدة في حل أزمة سد النهضة”، ضمن “صفقة” لإحلال الهدوء في غزة، رغم أن تصريحات السيسي التي نشرتها الصفحة الرسمية للرئاسة على فيسبوك لم تتضمن هذا الطرح. ويعلق روعي شارون، المحلل العسكري للقناة، على هذا الملف مشيرا إلى أن “إسرائيل لا تريد الوقوف بجانب مصر أو إثيوبيا، ولكن بإمكانها التواصل مع إدارة (الرئيس الأمريكي جو) بايدن في هذا الصدد، أو المساعدة مثلاً بمنشآت التحلية لحل مشكلة المياه المتزايدة في مصر”. ورأى أنه “إذا ما قدمت إسرائيل للسيسي ما يريد فسيكون لديه حافز أكبر للضغط واستخدام كل الأدوات الممكنة على (رئيس حركة حماس في غزة يحيى) السنوار، لتنفيذ صفقة الأسرى، ومن ثم إعادة إعمار غزة وعودة الهدوء للقطاع”.[[5]] وفي المقابل، تحرَّكت مصر عبر مدير مخابراتها الذي زار لبنان مطلع أغسطس 2021م، والتقى قيادات من حزب الله -بحسب تسريبات- ضمن مهمة هدفت إلى تحييد حزب الله عن دعم غزة في صراعها مع إسرائيل، على أمل أن تؤدي تلك التحرُّكات إلى إنجاح المفاوضات التي تعدُّها مصر بوابتها الفعلية إلى واشنطن.

ثالثا، يهدف السيسي ثالثا، إلى تطوير العلاقات الثنائية مع الاحتلال الإسرائيلي من أجل تطوير العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية ودفع الأمور نحو العودة إلى المفاوضات من جديد والتي توقفت بين الطرفين في 2014م. وبحسب المتحدث باسم الرئاسة المصرية، بسام راضي، فإن محادثات شرم الشيخ تناولت “تطورات العلاقات الثنائية (بين مصر وإسرائيل) في مختلف المجالات”، مضيفاً أن الرئيس المصري أكد على “دعم مصر لكافة جهود تحقيق السلام الشامل بالشرق الأوسط، استناداً إلى حل الدولتين”. لكن يولاند نيل، مراسلة هيئة الإذاعة البريطانية BBC في القدس، قالت إنه من غير المتوقع حدوث تقدم ملحوظ في عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية، التي انهارت عام 2014، كما أن بينيت، القومي المتشدد يعارض فكرة إنشاء دولة فلسطينية، من الأساس. وكانت وزيرة الداخلية الإسرائيلية إيليت شاكيد، أكدت أن بينيت يرفض لقاء عباس «الذي يدفع رواتب للإرهابيين» وهو أمر يقصد به استمرار السلطة الفلسطينية في دفع رواتب عائلات الأسرى، والذي جاء في قمة الأزمة السياسية والأمنية الكبيرة التي خلقها هرب ستة سجناء فلسطينيين من سجن جلبوع.[[6]]

ماذا تريد “إسرائيل”؟

يمكن القول إن زيارة بينيت إلى مصر قد حققت بالفعل مكاسب متعددة لرئيس الوزراء الشاب، الذي يرأس حكومة ائتلافية تواجه أزمات داخلية لا تنتهي ومعارضة يقودها نتنياهو، تتحين الفرصة للإطاحة ببينيت ووزارته. ففضيحة نجاح الأسرى الستة في انتزاع حريتهم والهروب من سجن جلبوع بتلك الطريقة الدرامية (رغم إعادة أسرهم) لا تزال تمثل إحراجاً بالغاً للحكومة الإسرائيلية. ويعد لقاء بينيت بالسيسي وبهذه الصورة الرسمية والعلنية إضافة كبيرة للسيرة الذاتية لرئيس الوزراء الإسرائيلي قليل الخبرة بشكل عام، إذ أظهرته في صورة الزعيم الإقليمي الذي يمكن أن يلعب أدواراً في ملفات غاية في الأهمية كملف سد النهضة الإثيوبي، بغض النظر عن إمكانية حدوث ذلك من عدمه.وقالت مراسلة BBC في القدس، في هذا السياق، إن اللقاء مثَّل للسيسي فرصة لإعادة تأكيد دور مصر الإقليمي، بينما كان لرئيس وزراء إسرائيل فرصة لإظهار نفسه كرجل دولة بعد شهور فقط من توليه منصبه.

أهداف إسرائيل من اللقاء أولا التغطية على فضيحة هروب الأسرى الستة؛ ذلك أن الإعلام الإسرائيلي استغرق كثيرا في هذه الفضيحة وسرد تفاصيلها المؤلمة لجهاز الأمن الإسرائيلي، لكن توقيت زيارة بينيت أجبر الإعلام الإسرائيلي على الانشغال بها وبنتائجها، وهو أمر مرغوب فيه بشدة من جانب الحكومة الإسرائيلية التي انتهزت دعوة السيسي واستجابت لها سريعا على النحو الذي رأيناه.

الهدف الثاني والأهم، ضمان الانحياز المصري للرؤية الإسرائيلية التي تقوم على نزع سلاح المقاومة ولجم إيران.[[7]] حيث تريد “إسرائيل” ــ بحسب صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية ــ  أن تشمل أية صفقة إعادة رفات جنديين قتلا في حرب غزة 2014، وعودة مدنيين “إسرائيليين” محتجزين كرهائن في القطاع الذي تسيطر عليه حماس. وبحسب مصدر دبلوماسي، ناقش بينيت والسيسي عودة الرهائن وأهمية منع انفجار جديد في غزة. كما ناقشا سبل إضعاف حركة حماس من خلال الإشراف المصري على معبرها الحدودي مع غزة في رفح لمنع تدفق المواد التي يمكن استخدامها لأغراض عسكرية. لا يوجد حاليا أية رقابة على هذا المعبر، الذي يعتبر ضئيلاً مقارنة بالمعبرين الرئيسيين بين “إسرائيل” وغزة. مع التركيز على المنطقة الأكبر، تحدث الرجلان عن طرق لمنع إيران نووية وضرورة وقف “عدوانها” الإقليمي.  كما ناقشا نشاط تركيا في ليبيا والأزمة بين مصر وإثيوبيا. بالإضافة إلى ذلك، تحدث بينيت والسيسي عن توسيع التجارة الثنائية والسياحة.

أضف إلى ذلك أن التعاون الأمني والاقتصادي بين القاهرة وتل أبيب يسير على قدم وساق بالفعل، وأقر السيسي نفسه في مقابلة أجرتها معه شبكة سي بي إس الأمريكية عام 2019، بأن الجيش المصري يعمل عن كثب مع إسرائيل في محاربة “الإرهابيين” في شمال سيناء، كما شدد على “النطاق الواسع لتعاون القاهرة مع الإسرائيليين”. وفي 2019 أبرم السيسي اتفاقا لاستيراد الغاز من إسرائيل جرى تعديله لاحقا بقيمة 19 مليار دولار لمدة 15 سنة، رغم إعلان النظام اكتفاء مصر من الغاز بعد اكتشاف وتشغيل حقل ظهر.

وعلى المستوى السياسي، يرغب رئيس الحكومة الإسرائيلية في أن تقوم مصر كعادتها بدور “العرَّاب” في التسويق للرؤية الإسرائيلية (هي جزء من صفقة القرن) التي  طرحها يائير لبيد، وزير الخارجية، ورئيس الحكومة الإسرائيلية البديل، تحت عنوان «رؤية مرحلية للتقدم في تسوية الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، تبدأ بقطاع غزة». وكشف لبيد، في نفس يوم لقاء السيسي ــ بينت، أن مخططه المرحلي وضع في وزارة الخارجية الإسرائيلية، لكنه حظي بتأييد رئيس الوزراء بنيت، وبقية رؤساء الائتلاف الحكومي. وأوضح أنه أجرى «كثيراً من المحادثات التمهيدية مع المسؤولين في العالم العربي والعالم الغربي الذين يدرسون الفكرة، بما في ذلك السلطات المصرية، والقادة في دول الخليج، ومع وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، والاتحاد الأوروبي».

يعتمد مشروع بنيت على إجراءات لتعزيز قوة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، وتسهيلات اقتصادية في قطاع غزة، مقابل «الحفاظ على الأمن والهدوء». وقال إن «الظروف السياسية في إسرائيل، ولدى الفلسطينيين، تمنع التقدم في المحور الدبلوماسي، غير أن تهدئة طويلة الأمد في غزة قد تخلق ظروفاً أكثر ملاءمة للمفاوضات السياسية المستقبلية (التي قد تنطلق) عندما تكون الظروف مواتية». وأشار إلى أن المقترح الأولي الذي يطرحه يتكون من مرحلتين: الأولى إعادة إعمار مقابل منع تعاظم قوة «حماس»؛ والثانية إعطاء دور كبير للسلطة الفلسطينية، حسب قرار مجلس الأمن الدولي، لتنفيذ مختلف المشاريع، وتولي السلطة الإدارة الاقتصادية والمدنية للقطاع. وعندما سئل عن حل الدولتين، أجاب: «المخطط المقترح لا يشير إلى حل الدولتين، لكن موقفي من القضية معروف جيداً، وهو أنه على إسرائيل أن تعمل على تقوية السلطة الفلسطينية، والتفاوض معها بهدف الانفصال إلى دولتين»، واستدرك أن «الظروف السياسية -في كل من إسرائيل والسلطة الفلسطينية- لا تسمح بإحراز تقدم على المحور السياسي حالياً، ولكن في غزة يمكننا، ويجب علينا التحرك الفوري».[[8]]

الخلاصة، أن لقاء السيسي ــ بينت قد أسفر عن تعهدات مصرية بضبط الوضع الأمني على الحدود، ومنع تسرب الأسلحة والذخائر إلى فصائل المقاومة في غزة، وكذلك تشديد الرقابة المصرية على معبر رفح، بحيث يتم منع إدخال المواد التي من شأنها مساعدة الحركة على إعادة بناء قوتها. وقد تم  التوافق فيما يخص تلك الجزئية بالتحديد على آلية تنسيق بين مصر والاحتلال الإسرائيلي، يتم بموجبها مراجعة عمل المعبر والمواد التي تدخل من خلاله إلى القطاع، بشكل يحافظ على عدم تعاظم قوة حماس”. وهي  الآلية التي تم التوافق على خطوطها العريضة، خلال زيارة بينت، بحيث يتم استكمال تصورها بالكامل بشكل لاحق، ستؤدي إلى زيادة التنسيق الأمني بين الجانبين بشأن ملاحقة (العناصر المتطرفة) في المناطق الحدودية، وبحث زيادة أعداد القوات المصرية المتواجدة في سيناء.

ومن جهة ثانية، تريد إسرائيل ضمان الدعم المصري المطلق للرؤية التي أعلن عنها يائير لبيد، وزير الخارجية، (الاقتصاد مقابل الأمن) الخاصة بتعزيز قوة السلطة وإضعاف المقاومة في غزة على أن تحظى غزة خلال المرحلة الأولى من الخطة بإعادة الإعمار وتأهيل البنية التحتية من كهرباء وغاز ومياه وخدمات صحية وشبكة طرق،  مقابل التزام حماس بالحفاظ على الهدوء لمدة طويلة. أما المرحلة  الثانية، بعيدة المدى، فتتضمّن إنشاء شواطئ وجزر اصطناعية، ومناطق صناعية، ومشاريع اقتصادية، وإقامة ميناء لغزة. وتعهد لابيد بتسليم الإدارة الاقتصادية والمدنية في غزة للسلطة، معترفا أن الجولات العسكرية المتكررة في القطاع أدّت إلى تآكل قدرة الجيش الإسرائيلي، وأضرّت بصورة إسرائيل دولياً، الأمر الذي يستلزم تغيير السياسة الإسرائيلية تجاه غزة.[[9]]

ومن جهة ثالثة، هناك نتائج ذات دلالة واضحة أيضا لتلك الزيارة ومنها رفع الحظر الأمني على دخول الإسرائيليين إلى سيناء، وهو ما قابلته مصر بالسماح للسيارات الإسرائيلية بالدخول عبر معبر طابا البري، ومن دون تحديد لعدد السيارات المسموح لها بالدخول وعدد أيام الإقامة السياحية”. [[10]] وبذلك شملت التفاهمات المصرية-الإسرائيلية تجاوز الخلافات القائمة بشأن عودة السياح إلى سيناء، وذلك عبر إعادة تشغيل الرحلات الجوية بين إسرائيل ومدينة شرم الشيخ المتوقِّفة منذ عام 2015. هذا ورفضت مصر سابقا طلب إسرائيل وجود عناصر أمن إسرائيليين مسلحين على الأراضي المصرية لتأمين الأفواج السياحية. لكن الساعات الثلاث التي جمعت السيسي وبينيت أفرزت قرارا جديدا هو استئناف تسيير أربع رحلات أسبوعية مباشرة من القاهرة إلى تل أبيب مطلع الشهر المقبل، بواسطة شركة “مصر للطيران”، لأول مرة منذ سنوات طويلة، وهي  خطوة كبيرة نحو تكريس التطبيع المصري مع الاحتلال.

 

 

———————-

[1] أول لقاء مُعلن منذ 10 سنوات: السيسي يلتقي بينيت في شرم الشيخ/ مدى مصر ــ الإثنين 13 سبتمبر 2021م

[2] نتنياهو يكشف عن لقائه السيسي 6 مرات سراً منذ 2011.. حينها كان رئيساً للمخابرات الحربية المصرية/عربي بوست ــ 14 سبتمبر 2021م

[3] لقاء شرم الشيخ: إحداث انعطافة في العلاقات الإسرائيلية ـ الفلسطينية ..بنيت امتدح دور مصر في استقرار المنطقة/ الشرق الأوسط ــ الثلاثاء 14 سبتمبر 2021 مـ رقم العدد [ 15631]

[4] خوفا من إيران.. إسرائيل تطالب أمريكا بتخفيف الانتقادات الحقوقية لمصر والسعودية/  أنيل شلين/ ريسبونسبال ستيتكرافت – ترجمة وتحرير الخليج الجديد ــ الأربعاء 15 سبتمبر 2021

[5] أول زيارة “علنية” لرئيس وزراء إسرائيلي إلى مصر منذ الربيع العربي.. فمن المستفيد؟/ عربي بوست ــ 14 سبتمبر 2021م

[6] لقاء السيسي ـ بينيت: تعارف وجوائز ترضية!/ رأي القدس العربي ــ الأربعاء 15 سبتمبر 2021م

[7] بينيت والسيسي يناقشان نزع سلاح غزة والتهديد الإيراني/ الكاتب:  TOVAH LAZAROFF ــ المصدر: جيروزاليم بوست ترجمة وكالة القدس للأنباء ــ 13 سبتمبر 2021م

[8] لقاء شرم الشيخ: إحداث انعطافة في العلاقات الإسرائيلية ـ الفلسطينية ..بنيت امتدح دور مصر في استقرار المنطقة/ الشرق الأوسط ــ الثلاثاء 14 سبتمبر 2021 مـ رقم العدد [ 15631]

[9] اتفاق مصري – إسرائيلي على “ضبط حدود” غزة… ورسائل تطمينية لـ”حماس”/ العربي الجديد ــ 19 سبتمبر 2021

[10] بهاء الدين عياد/ما دلالات الزيارة الأولى لرئيس الوزراء الإسرائيلي إلى مصر؟/ إندبندنت عربية ــ الثلاثاء 14 سبتمبر 2021م

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إلغاء حالة الطوارئ.. قراءة في الأبعاد السياسية والقانونية والاقتصادية

    يطرح توقيت وصياغة قرار الجنرال عبد الفتاح السيسي، بإلغاء حالة الطوارئ مساء الإثني…