‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر قناة السويس في مواجهة خطوط الملاحة البديلة.. المخاطر والفرص
مصر - سبتمبر 22, 2021

قناة السويس في مواجهة خطوط الملاحة البديلة.. المخاطر والفرص

قناة السويس في مواجهة خطوط الملاحة البديلة.. المخاطر والفرص

 

 

منذ افتتاحها عام 1869م، شكلت قناة السويس بديلا للطريق الملاحي القديم بين آسيا وأوروبا، الذي يلتف حول أفريقيا عبر “رأس الرجاء الصالح”، ما اختصر مسافة سير السفن بآلاف الكيلومترات، ووقتا يتراوح ما بين 5 و6 أيام.

وقناة السويس ممر ملاحي حيوي للتجارة بين الدول الآسيوية والشرق الأوسط وأوروبا وأميركا الشمالية، ومن أصل 39.2 مليون برميل يومياً من النفط الخام المستورد بحراً في 2020، مر عبر قناة السويس يوميًا 1.74 مليون برميل.

الأهمية الاستراتيجية

وتعد قناة السويس أقصر طرق الشحن بين أوروبا وآسيا، وتُعَدّ من المصادر الرئيسية للعملة الصعبة لمصر. ووفق البيانات الرسمية الصادرة عن هيئة قناة السويس، تعبر القناة قرابة 24% من إجمالي تجارة الحاويات العالمية، فيما تستوعب القناة نسبة 100% من تجارة الحاويات المارّة بين آسيا وأوروبا.

ويمرّ ما يقرب من 66% من صادرات النفط الخليجي إلى الدول الغربية عبر قناة السويس، وخط أنابيب سوميد الذي يربط الإسكندرية بالبحر الأحمر. وتقول وكالة بلومبيرغ إنه يمر حوالي 12% من التجارة العالمية، وحوالي 10% من تجارة النفط المنقولة بحراً، و8% من الغاز الطبيعي المسال العالمي عبر القناة. وتعد قناة السويس التي يبلغ طولها 193 كيلومترًا (120 ميلًا)، من بين أكثر الممرات المائية ازدحاماً في العالم، وتستخدمها ناقلات النفط التي تشحن النفط الخام من الشرق الأوسط إلى أوروبا وأميركا الشمالية.

ومع التطورات المناخية والسياسية العالمية، أضحت قناة السويس المصرية في مواجهة لا يستهان بها مع العديد من مشروعات المسارات البديلة التي تتبناها دول كبرى في بقاع شتى من العالم، بعضها يحمل أجندات سياسية وأخرى تبحث عن مكاسب اقتصادية، بجانب زيادة نفوذها على ممرات التجارة العالمية.. وهو ما يضع الكثير من التحديات أمام قناة السويس، وسط أزمات متلاحقة للتجارة العالمية، تقلص كلها من دحل قناة السويس، المورد الأساس للعملات الأجنبية إلى مصر.

أولا: أبرز التحديات التي تواجه قناة السويس

1-المسارات البديلة لقناة السويس

في الماضي كان هناك طريق بديل وحيد هو طريق “رأس الرجاء الصالح”، أما الآن فتعددت الأحاديث عن طرق بديلة لقناة السويس، ومنها..

-مسار الأرز الروسي

وكان أخر تلك الممرات ما أعلنه وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، 6 سبتمبر عن تأييده لإنشاء ما وصفه بـ “مسار الأرز” الذي من المخطط أن يمتد عبر منطقة سيبيريا ليصبح بديلاً لقناة السويس، التي تزايد الإعلان عن مشروعات منافسة لها من دول أخرى، منها الاحتلال الإسرائيلي وإيران وإيطاليا

ووفق وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، في حديث لقناة “RBC” الروسية، فإن “سيبيريا منذ زمن طويل جزء من طريق الحرير الكبير، ويجب إنشاء مسار الأرز الحديث ليكون طريقاً آمناً وفعالاً بين أوروبا والصين”، مضيفاً “تبلورت ضرورة إنشاء مثل هذا الممر الآمن للنقل بشكل واضح منذ فترة طويلة، وخاصة عند استذكار الأحداث الأخيرة المتعلقة بانسداد قناة السويس وهجمات القراصنة وكذلك الأوضاع الراهنة في أفغانستان”.

وقال شويغو إن مراكز الإنتاج في سيبيريا، التي ستكون لديها إمكانية الوصول إلى “مسار الأرز”، ستمنح قدرة لنقل المواد والمكونات بين أطراف الشبكات الإنتاجية، مشيرا إلى ضرورة تحديث السكك الحديدية العابرة لسيبيريا وتحويلها إلى الجر الكهربائي أو الغاز الطبيعي المسال.

وبحسب خبراء اللوجستيات، فإن فكرة إنشاء منطقة لوجستية ضخمة في إقليم سيبيريا هي فكرة قديمة، هدفها إنشاء مجتمعات سكانية صناعية جديدة، وخلق مشروعات تنموية ضخمة في الاتحاد الروسي.

ويخدم الطريق الجديد، لبديل عن قناة السويس وطريق الحرير الصيني، التجارة الروسية المتمثلة في تصنيع المعادن المستخرجة من سيبيريا داخل الاتحاد الروسي، بدلاً من تصديرها كمواد خام إلى الخارج، كما سيخدم أيضاً تصدير النفط والغاز الروسيين.

-طريق الحرير الصيني:

قناة السويس في مواجهة خطوط الملاحة البديلة.. المخاطر والفرص

وهو خط السكة الحديد الذي يربط ما بين أقصى شرق الصين وأقصى غرب إسبانيا بطول 13000 كيلومتر، وافتتحت بكين، يوم 18\11\2014، أطول خط سكك حديد عابر للقارات بالعالم والذي أسمته “طريق الحرير الجديد”. ويمتد هذا الطريق من مدن الساحل الشرقي للصين حتى العاصمة الإسبانية «مدريد»، وتبلغ هذه المسافة 13 ألف كم تقريبًا، في رحلة ستستغرق 17 يومًا، بدلًا من 6 أسابيع بالبحر.

ولا تعتبر الصين هذا الطريق مجرد سكك حديد تصلها بأوروبا بل مشروع استثماري عملاق، حيث أوضحت بكين أن إجمالي الاستثمارات الصينية في 64 دولة ومنطقة تقع على طول طريق الحرير والحزام الاقتصادي المحيط به بلغ 161.2 مليار دولار حتى نهاية مايو 2015، بالإضافة إلى تأسيس بنك آسيوي للبنية التحتية بمشاركة أكثر من 50 دولة ليخدم المشاريع التي ستقام على هامش طريق الحرير.

ووفق تقديرات خبراء النقل واللوجستيات، قد يكون لهذا الطريق إن فُعِّل بشكل كامل تأثيرات سلبية حقيقية على قناة السويس متعلقة بتمرير صادرات الصين إلى أوروبا مباشرة بعيدًا عن قناة السويس. لكن هناك من يرى أن طريق الحرير هذا قد يخدم مصر؛ لأن تجارة الصين التي تخرج إلى الدول العربية والأفريقية ستمر عن طريق قناة السويس مرة أخرى.

– محور إيلات – أسدود

قناة السويس في مواجهة خطوط الملاحة البديلة.. المخاطر والفرص

ومؤخرا، كشفت وسائل اعلام اماراتية، عن وثيقة لدى الدوائر الاسرائيلية، منذ عشرات السنين، حول مخطط أميركي لفتح ممر بحري بديل لقناة السويس في الصحراء الإسرائيلية، عبر ربط البحر المتوسط بخليج العقبة. وهو مشروع بتمويل دولي قيمته 5 مليارات دولار مقابل غاز من البحر المتوسط، وفي حال الانتهاء من تنفيذه سيكون ميناءً محورياً داخلياً خلف إيلات، وخط سكة حديد يبلغ طوله حوالي 300 كيلومتر، ويبدأ من إيلات على البحر الأحمر جنوباً ويتجه حتى ميناء أسدود على البحر المتوسط.

وتعمل سلطات الاحتلال الإسرائيلي والإمارات بشكل حثيث، منذ شهور، على إنجاز مشروع ضخم يتم عبره نقل النفط والمنتجات البترولية من الإمارات إلى إسرائيل ثم إلى أوروبا، عبر خط ممتد من ميناء إيلات على البحر الأحمر إلى ميناء أسدود على البحر المتوسط. وهذا الخط، في حال تنفيذه، يترتب عليه تقليل الإمارات استخدام ممر قناة السويس في نقل نفطها إلى أوروبا، بزعم أنّه أعلى كلفة واستهلاكاً للوقت من وجهة نظرها، وربما يقلل استخدام دول خليجية أخرى قناة السويس لنقل جزء من نفطها مستقبلاً إلى أوروبا.

وفي سياق الترتيبات الاسرائيلية الاماراتية، تم مؤخرا الإعلان عن شراء شركة “مبادلة الإماراتية للبترول”، حصة شركة “ديليك دريلينغ” الإسرائيلية في حقل تمار للغاز، والمقدرة بـ 22%، مقابل مليار دولار، في أكبر صفقة بين إسرائيل والإمارات منذ تطبيع العلاقات في العام الماضي، ما يزيد من قلق المحللين إزاء مشاريع الالتفاف على قناة السويس لتصدير الطاقة إلى أوروبا. وفي فبراير الماضي، نفت هيئة قناة السويس وجود أية تأثيرات سلبية قد تواجهها بسبب خطوط ملاحة إسرائيلية قد تمتد بين البحرين الأحمر والمتوسط، الواقعين جنوب إسرائيل وغربها.

وذكرت الهيئة في بيان بتاريخ 2 فبراير الماضي أن مسار القناة سيظل الأقصر والأكثر أمناً للربط بين الشرق والغرب، حيث تتمكن الحاويات عبر القناة من نقل كميات أكبر من البضائع، وبتكلفة أقل من أية مسارات برية. ولكن ازدادت مخاوف المصريين بشأن مستقبل القناة، بعد إعلان إسرائيل عن محادثات لمد خطوط من الإمارات تمر عبر السعودية والأردن حتى إيلات على البحر الأحمر، ثم إلى ميناء عسقلان على البحر المتوسط. ويعني ذلك، أن منافسا في قطاع النفط سيشارك قناة السويس بإيرادات عبور الخام، والأهم أنه سيفتح الباب أمام دراسة تطوير ممر بري من جنوب إسرائيل إلى غربها في قطاعات تجارية أخرى.

وفي الربع الأخير من 2020، وقعت شركة “خطوط أوروبا- آسيا” الإسرائيلية، وشركة “أم إي دي- ريد لاند بريدج ليمتد” الإماراتية، مذكرة تفاهم للتعاون في مجال نقل النفط الخام بين دول الخليج. ويهدف الاتفاق إلى تطوير بنية تحتية قائمة وجديدة، لنقل نفط دول الخليج إلى أسواق الاستهلاك في أوروبا، والذي يمر معظمه حاليًا عبر قناة السويس.

-الممر الايراني “شمال – جنوب”

قناة السويس في مواجهة خطوط الملاحة البديلة.. المخاطر والفرص

وبالتزامن مع أزمة جنوح سفينة الحاويات العملاقة “ايفرجيفن” في الممر الرئيسي لقناة السويس في نهاية مارس الماضي، اقترح السفير الإيراني لدى موسكو كاظم جلالي تفعيل الخط الملاحي “شمال – جنوب” الذي يمر من بلاده، ليكون بديلا عن قناة السويس. ومنذ سنوات، تروج إيران لهذا الممر الذي يربط بين الهند وروسيا مرورا بأراضيها، وتقول إنه بديل جيد للقناة المصرية.

وبحسب وسائل إعلام إيرانية وروسية، فإن الخط يبدأ من الهند وصولا إلى ميناء “جابهار” الواقع جنوبي إيران على المحيط الهندي، ثم شحن البضائع برا وصولا إلى ميناء “بندر إنزلي” شمالي إيران على ساحل بحر قزوين. يتبع ذلك، نقل السلع بحرا إلى أستراخان، جنوب غربي روسيا، ومنها إلى شمال روسيا أو إلى دول أوروبا عبر خطوط السكك الحديدية.

-المسار القطبي “الممر الشمالي الشرقي”:

قناة السويس في مواجهة خطوط الملاحة البديلة.. المخاطر والفرص

ويبلغ طول المسار الملاحي من كوريا إلى روتردام 15 ألف كيلومتر، بينما تصل المسافة عن طريق قناة السويس إلى 22 ألف كيلومتر، وهو يستخدم الآن عدة شهور في السنة.  وكان تقرير لصحيفة “الصين ديلي” يوم 20\4\2016 كشف أن الحكومة الصينية تحث شركات الملاحة على استخدام «الممر الشمالي الشرقي» المار عبر المحيط المتجمد الشمالي، الذي فتح بفضل الاحتباس الحراري الذي ذوب الجليد في القطب الشمالي؛ لتقليل الزمن وتفاديًا لتكاليف المرور عبر قناة السويس وقناة بنما.

وإذا ما أرادت القناتان الاحتفاظ بجاذبية المرور عبرهما، فيجب على قناة بنما تقليل الرسوم بنسبة 30% تقريبًا، وقناة السويس بنسبة 50% تقريبًا. إذ ستقل الرحلة من شنغهاي بالصين إلى هامبورغ بألمانيا عبر الممر الشمالي الجديد هذا بحوالي 2800 ميل بحري عن الطريق المار عبر قناة السويس موفرة بذلك الوقت والوقود.

وارتفع عدد السفن التى استخدمت هذا الطريق من نحو 5 سفن عام 2009 إلى 71 سفينة عام 2013. ورغم أن ذلك لا يقارن بحوالي 17 ألف سفينة شحن تعبر قناة السويس سنويًّا، فإن تضاعف السفن التي تستخدم هذا الممر يعكس الاهتمام الدولي به. وبفضل الاحتباس الحراري أصبحت السفن الصينية قادرة على المرور عبر المحيط المتجمد الشمالي مختصرة الطريق إلى أوروبا دون المرور بقناة السويس.

وتعتبر الصين الوحيدة التي هددت باستخدام هذا الطريق؛ وذلك للضغط من أجل تخفيض رسوم العبور، حيث تبلغ حصة بكين من إجمالي الحاويات المحملة العابرة لقناة السويس حوالي 23%. وبلغ حجم تجارة الصين من البضائع العامة العابرة لقناة السويس حوالي 10.7% من إجمالي البضائع العامة العابرة للقناة، وبلغ عدد سفن الحاويات التابعة لشركة الحاويات الصينية 452 سفينة، فيما بلغت أعداد الناقلات التي تحمل البترول الخام أو منتجاته والغازالمسال أو الكيماويات 118 سفينة، وذلك وفق تقديرات العام 2016.

فيما أصدر مركز الإمارات للسياسات (حكومي) دراسة في مارس الماضي، قال فيها إن “ترويجا جرى خلال أزمة السفينة الجانحة لطريق أقصر عبر القطب الشمالي يعرف باسم الممر الشمالي الشرقي، الذي يمر عبر روسيا”.

ويحسب المركز، زاد عدد السفن التي تستخدمه إلى عدة مئات كل عام، ويرجع الفضل في ذلك جزئياً إلى الاحتباس الحراري الذي أدى إلى انخفاض كثافة الجليد القطبي. في غضون ذلك، تراهن روسيا على هذا المسار، الذي يتطلب كاسحات جليد وناقلات نفط خاصة، لتسليم الشحنات إلى كل من أوروبا وآسيا.

وتشحن شركة “نوفاتك”، أكبر شركة خاصة منتجة للغاز في روسيا، الغاز فائق التبريد عبر هذا المسار على مدار العام، وتتوقع روسيا زيادة الشحنات عبر مسار بحر الشمال، وهو مسار في المحيط المتجمد الشمالي إلى آسيا، يوفر مسافة أربعة آلاف ميل بحري، مقارنة مع البديل الجنوبي عبر قناة السويس. ووفق تقدير لوكالة رويترز، في مارس 2021، بلغت الشحنات حوالي 33 مليون طن العام الماضي، وتتوقع وزارة الطاقة أن تصل إلى 80 مليوناً سنوياً بحلول 2024.

ويشمل خط أنابيبها إلى أوروبا خط أنابيب “دروجبا” و”نورد ستريم” للغاز، وأرسلت شركة “غازبروم” نفط الروسية، في يوليو الماضي، أول شحنة من نفط القطب الشمالي إلى الصين عبر المسار ذاته.

-المركز اللوجستي التركي الليبي

قناة السويس في مواجهة خطوط الملاحة البديلة.. المخاطر والفرص

وفي مارس الماضي، قال مرتضى قرنفيل، رئيس مجلس الأعمال التركي ـ الليبي، إن أزمة سفينة “إيفرجيفن” التي أغلقت الممر الملاحي لقناة السويس طوال 6 أيام، لفتت الأنظار إلى أهمية ليبيا من الناحية اللوجستية. وأوضح أنه وبفضل المركز اللوجستي الذي تعتزم تركيا إنشاءه في ليبيا، ستتمكن من دخول عمق القارة الأفريقية عبر الطرق البرية. وأفاد بأن المركز المذكور يشكّل بديلاً للداخل الأفريقي، يوفر فرص كبيرة للوصول إلى شرق ووسط القارة السمراء.

ومن المتوقع أن المركز اللوجستي التركي في ليبيا سيقلّص مدة وصول البضائع إلى الداخل الأفريقي من 45 يوماً عبر قناة السويس إلى ما بين 10 و15 يوما، ما يعني انخفاضاً كبيراً في تكاليف النقل.

– قناة بنما

قناة السويس في مواجهة خطوط الملاحة البديلة.. المخاطر والفرص

عملت بنما على توسعة القناة البحرية الخاصة بها والتي تربط بين المحيطين الأطلسي والهادي بطول 80 كم، وتم افتتاحها في 26\6\2016، وتستقبل سفن يصل غاطسها إلى نحو 58 قدمًا بدلاً من نحو 40 قدمًا. لكن تأثير ذلك سينصب على التجارة التي تصل إلى موانئ الساحل الغربي للولايات المتحدة، ولن يكون لها تأثيرات كبيرة على قناة السويس التي تتركز أهميتها في توفير طريق مختصر لحاملات النفط من الخليج العربي إلى أوروبا، وكذلك في الربط بين جنوب شرق آسيا وأوروبا. في حين تتميز قناة بنما بملاءمتها الجغرافية في تدفق التجارة بين اليابان وأستراليا ودول أمريكا الجنوبية والساحل الشرقي لأمريكا.

ومع ذلك سيوجد تنافس بين القناتين حول نقل البضائع بين آسيا وأمريكا الشمالية، إذ كانت سفن الحاويات الضخمة – والتي لا تستوعبها قناة بنما قبل توسيع وتعميق مجراها – تستخدم قناة السويس لنقل صادرات الصين إلى ساحل الولايات المتحدة الشرقي، ولكن بعد عمليات التوسعة سيؤثر ذلك على قناة السويس. ولكن هذا التأثير سيظل متوقفًا على عدة عوامل أرجعها الخبراء لمعدل الاقتصاد العالمي والتجارة العالمية، وتكلفة الخدمات ورسوم العبور.

– مشروع قناة نيكاراغوا

قناة السويس في مواجهة خطوط الملاحة البديلة.. المخاطر والفرص

وفي مقابل قناة بنما التي تسيطر عليها الولايات المتحدة عملت الصين على حفر قناة جديدة بين المحيطين الهادي والأطلسي عبر أراضي نيكاراغوا. وبدأت شركة صينية في ديسمبر 2014 مشروع حفر «قناة نيكاراغوا» والتي تربط هي الأخرى المحيط الأطلسي بالهادي، لمنافسة قناة بنما. وتمتد قناة نيكاراغوا إلى 278 كلم طولاً وبعرض يتراوح بين 230- 520 م وعمق 27.6 م، بتكلفة قدرت بـ 50 مليار دولار.

وتستطيع حمل ما يصل إلى 25 ألف حاوية، ويعتبر هذا المشروع ذا أهمية إستراتيجية لأن التمويل والتنفيذ سيكون صينيًّا وبدعم روسيا وبعض دول أمريكا اللاتينية؛ الأمر الذي سيجعل بكين تتحكم في معبر مائي دولي على مشارف الولايات المتحدة. لكن يرى «خبراء مصريون» عدم وجود تأثيرات سلبية لقناة نيكارغوا على قناة السويس، إذ تخدم مناطق بعيدة عن تلك التي تخدمها قناة السويس.

2-تذبذب حجم التجارة العالمي

ويفاقم من التحديات امام قناة السويس، أن حجم التجارة العالمي متذبذب صعوداً وهبوطاً ، وهو في الوقت نفسه المؤثر الرئيسي في دخل قناة السويس، بل هو المؤثر الوحيد والمرتبط بالعرض والطلب في التجارة ما بين الشرق والغرب، وليس مرتبطاً بما تقوم به الدولة المصرية داخل قناة السويس. والنتيجة المستخلصة من ذلك أن مصر ليس لها ناقة أو جمل فى زيادة أو نقصان حجم التجارة العالمية المارة في قناة السويس، وبالتالي ليس لها تأثير في محاولة زيادة دخل قناة السويس من الملاحة، إلا إذا زاد العمق لتستوعب نوعيات أكبر من السفن..

3-تكتلات اقتصادية عالمية

وتبرز “التكتلات الاقتصادية الإقليمية” التي نشأت وتنشأ بهدف تحقيق تكامل اقتصادي إقليمي، كتحدي مهم لقناة السويس، إذ أن رفع الجمارك البينية من شأنها أن توثر بالسلب على حجم التجارة بين الشرق والغرب، وهذه التكتلات الاقتصادية الإقليمية ستزيد التجارة البينية بين أعضائها، ما يقلل من التبادل التجاري بين الشرق والغرب، أي أن (الشرق) سيحاول أن يكتفي ذاتياً وكذلك (الغرب)، وهذا سوف يؤثر سلبا على حجم البضاعة العابرة في قناة السويس، وبالتالي يؤثر سلبا على دخل قناة السويس من الملاحة..

ووفق تقديرات استراتيجية، فإن أميركا تحاول تقليص دور الصين في التجارة العالمية بجذب تجارة أوروبا عبر الأطلسي وتجارة آسيا عبر المحيط الهادئ، وكلاهما يقلل من دخل قناة السويس، بمعنى أن الحرب الاقتصادية بين أميركا والصين تضر بمصر.

ثانيا: كيف تعامل النظام المصري مع التحديات؟

وأمام كم التحديات الكبيرة التي تواجه قناة السويس، اعتبر الكثير من المسئولين أن الحديث عن تلك الطرق البديلة مجرد مؤامرة على قناة السويس، من أجل الضغط عليها لعدم زيادة رسوم المرور، كما سبق وأن أكد رئيس هيئة قناة السويس السابق مهاب مميش لـ«المصري اليوم».

-شق التفريعة الثالثة لقناة السويس

قناة السويس في مواجهة خطوط الملاحة البديلة.. المخاطر والفرص

وانصب تركيز رأس النظام على خلق حالة ايجابية حول قناة السويس، هدفت وفق تصريحات السيسي رفع الروح المعنوية للمصريين بعد الانقلاب العسكري وأزمات النظام المتلاحقة على الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية، منذ 2013، فقام بشق تفريعة ثالثة للقناة، في أغسطس 2015. وهي في واقع الأمر توسعة جديدة لقناة السويس، بتكلفة بلغت حوالي 9 مليار دولار؛ على أمل أن تزيد حركة السفن في القناة في الاتجاهين، إلا أنه على الرغم من هذا الإنفاق يلاحظ أن إيرادات قناة السويس قد انخفضت على إثر هذه القناة الجديدة على عكس التوقعات والتصريحات التي تنبأت بتسديد تكلفة القناة الحديدة في فترة وجيزة للغاية عن طريق فائض الأرباح الذي ستضخه.

يعود ذلك إلى المنافسة والتهديد الكبيرين الذين تواجههما قناة السويس نظرًا لقيام بعض الدول بمشاريع منافسة بل وبديلة للقناة.. وعلى الرغم من تأكيد نظام السيسي أن التفريعة الثالثة ستزيد عائدات القناة لحوالي 13 مليار دولار في عام 2023، إلا أن إيرادات القناة انخفضت عام 2015 إلى 5.175 مليار دولار مقارنة بـ 2014 والتي بلغت حوالي 5.465 مليار دولار؛ بسبب تقلبات الاقتصاد العالمي وانخفاض أسعار النفط، بينما شهد عدد السفن العابرة للقناة زيادة طفيفة.

وحسب دراسات سياسية واقتصادية، افتُتِحَت تفريعة بطول 72 كليومتراً، بكلفة 64 مليار جنيه (حوالي 9 مليارات دولار في ذلك الوقت) بهدف زيادة إيرادات قناة السويس بما يزيد على 250%، إلا أنّ الإيرادات لم ترتفع رغم ذلك. وعبرت القناة خلال العام 2020، 18 ألفاً و928 سفينة بإجمالي حمولات صافية 1.17 مليار طن، “ثاني أعلى حمولة صافية في تاريخ القناة”، بحسب بيانات سابقة لهيئة قناة السويس. واظهرت بيانات رسمية للهيئة انخفاض إيرادات القناة خلال 2020 بنسبة 3.27% على أساس سنوي، إلى 5.61 مليارات دولار، مقابل 5.8 مليارات دولار خلال 2019.

-تخفيضات على الرسوم

وهي احدى وسائل مجابهة التحديات التي تواجه قناة السويس، فقدمت هيئة قناة السويس حالياً تخفيضات واسعة على رسوم العبور لناقلات الغاز الطبيعي المسال العاملة بين الخليج الأميركي وشرق آسيا، حتى يونيو الماضي على الأقل، ما يقلّل من الرسوم المفروضة على السفن ذات الحجم القياسي إلى 99 ألف دولار، بدلاً من 397 ألف دولار.

وأظهرت بيانات حديثة نشرها مجلس الوزراء أنّ قناة السويس أصبحت المسار المفضل لناقلات الغاز الطبيعي المسال الأميركية المتجهة إلى شرق آسيا بعد التخفيضات الأخيرة على رسوم العبور.

كانت الهيئة قد قررت، في نوفمبر الماضي، خفض رسوم عبور السفن السياحية في القناة بنسبة تصل إلى 50%، بشرط توقف السفينة ما لا يقل عن 48 ساعة في ميناءين على الأقل من الموانئ المصرية. ورغم تلك التخفيضات إلا أن التحديات ما زالت قائمة أمام قناة السويس، نظرا للعجز الاستراتيجي عن خلق مناطق لوجستية جاذبة لحركة التجارة والاستثمارات الدولية حول محور قناة السويس.

-قصر نظر نظام السيسي

ووفق دراسة للمهندس ممدوح حمزة، حذر من استمرار التعامل مع قناة السويس المصرية باعتبارها ممراً ملاحياً فقط.  فمنذ افتتاح قناة السويس عام 1869 وحتى الآن ينحصر دخلها في العائد من الملاحة فقط، ولم تحقق أي عائد من الموقع، إلا ميناءي شرق بورسعيد (شمال شرق)، والعين السخنة على البحر الأحمر، شرق البلاد (تستغله شركة موانئ دبي)، عند مدخلي القناة، اللذين قام بتخطيطهما وتصميمهما.

ويمثل “العائد من الميناءين لمصر هو الفتات، بينما العائد الحقيقي ذهب للشركات المحتكرة التي تسلمت الميناءين من الحكومة المصرية تسليم مفتاح بعقود أقل ما يقل عنها إنها ضيعت على مصر حقها”. بل إن مصر قبل إنشاء قناة السويس “كانت تحقق عائداً كبيراً متنوعاً نتيجة موقعها المتميز من خلال دخول التجارة الدولية إلى البلاد من السويس مثلاً، حيث كانت تتم إعادة تصديرها من الإسكندرية بعد تعامل الشعب معها وتحصيل الجمارك، أي أن الشعب كان يستفيد استفادة مباشرة بالتربح من خلال التعامل مع البضاعة من النشاط الصناعي، واللوجستي، والخدمي، والذي كان موجوداً بالفعل ويمارس على البضاعة المارة على أرض مصر قبل إنشاء القناة، إضافة إلى أن الحكومة أيضا كانت تحقق عائداً من الجمارك.. ولقد توقفت كل تلك الاستفادات المباشرة للشعب مع بدء تشغيل قناة السويس وقتها، وهذا هو المقصود بالعائد من الموقع”، بحسب دراسة حمزة.

-افشال مشروع تطوير محور قناة السويس

ولعل من ضمن أسباب تراجع أهمية وقيمة قناة السويس في مسار الملاحة العالمية وتراجع عوائدها، افشال مشروع تنمية محور قناة السويس، الذي أعلنت عنه حكومة الرئيس محمد مرسي في العام 2012، حيث كان يقوم على تطوير محور قناة السويس تطويرا كاملا وشاملا، عبر خلق استثمارات واسعة واقامة مناطق تجارة حرة في الاقليم، وبناء مصانع تصنيع سفن وأحواض للصيانة ومراكز خدمات لوجستية، على طول قناة السويس، لتوطين الاستثمارات في الاقليم..وهو ما رآته الإمارات وقتها منافسة لمنطقة “جبل علي” بالامارات ، التي تمثل مقرا اقليميا بالشرق الاوسط لصناعة واصلاح السفن والخدمات اللوجستية.

وهو ما دفع الامارات لتمويل الانقلاب العسكري على الرئيس المنتخب محمد مرسي، من قبل عبد الفتاح السيسي، الذي اختزل مشروع تطوير محور قناة السويس في “التفريعة الثالثة” لتوسعة الممر الملاحي فقط، وهو ما انكشفت عدم جدواه الاقتصادية أبان أزمة السفينة “ايفرجين”.

ومع استمرار قصر نظر نظام السيسي إزاء مشروع تطوير محور قناة السويس الذي طرحته حكومة مرسي في 2012، سيظل دخل قناة السويس، محدودا، وهو قيمة دخل قناة السويس من الملاحة، والذي يمثل حاصل ضرب الحمولة العابرة بالطن، ورسم العبور لكل طن، ويتحكم في “الحمولة العابرة” حجم التجارة العالمي المتغير ما بين الشرق والغرب، أما “الحد الأقصى للرسوم” لكل طن فتحددها وتشكل سقفاً لها كلفة النقل بالطرق البديلة لنقل البضاعة ما بين الشرق والغرب.

ثالثا: الفرص المتاحة

وأمام كم التحديات الهائل التي تتواجه بها قناة السويس، يبقى أمام صانعي السياسات المصرية بعض الفرص، لتفعيل دور قناة السويس في الاقتصاد المصري. اذ أن دخل الملاحة بيد “تجارة العالم الخارجي”، أما ما “بيد مصر” فهو عائد الموقع، أي العائد من “الأنشطة الاقتصادية على ضفتي القناة، والذي يمكن أن يصل إلى أرقام عظيمة ودون حدود في حال الحكمة في التخطيط والغيرة الوطنية، بحسب الخبير الهندسي ممدوح حمزة.

فتطوير محور قناة السويس وتحويل المنطقة الاقتصادية بالقناة إلى ما يشبه منطقة جبلل على الاماراتية، حيث أحواض صناعة واصلاح السفن، ومراكو اللوجستيات، وانشاء مقار المصانع والشركات ومراكو الانتاج الزراعي والصناعي بالقرب من قناة السويس، تمثل أحد نوافذ التطوير الاستراتيجي في المنطقة.

ولعل اقتراب قناة السويس من مساحات شاسعة من أراضي سيناء يمثل ميزة تنافسية، لاجتذاب استثمارات عالمية لاقامة مصانع الزجاج والاسمنت والاسمدة والصناعات الثقيلة والمتوسطة، بالقرب من الخط الملاحي، وهو ما يستلزم تغيير طريقة التعامل الأمني الخشن مع أهالي سيناء، وتطوير المنطقة لا تجريدها من السكان والمزارع، كما يجري الآن بدعاوى مكافحة الارهاب.

كما أن الاستقرار السياسي والاقتصادي في عموم مصر ضرورة لتنمية الاستثمارات في المنطقة الاقتصادية بقناة السويس، التي يبدو ان نشاطها حتى الان قاصرا على تخصي الأراضي للإماراتيين أو الروس فقط.

 

مراجع:

عربي 21، مسار “الأرز”. مشروع روسي يضاف لمنافسي قناة السويس 9 سبتمبر 2021

محمد عمر ، موقع اضاءات،  4 طرق عالمية بديلة: هل تموت قناة السويس؟

العربي الحديد، البحث عن بدائل لقناة السويس: 4 مسارات تجارية تعود إلى الواجهة، 30 مارس 2021

وكالة الأناضول، روسيا تستغل أزمة قناة السويس للترويج لمسار بحر الشمال، 29 مارس 2021

تقارير متابعة لوكالات  الأنباء ومواقع: رويترز، سبونتيك، روسيا اليوم، بي بي سي، العربية ، الجزيرة نت.

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

دمج الاقتصاد غير الرسمي.. الأهداف والمآلات

  تبلغ قيمة الإيرادات في الموازنة العامة للدولة (2021/2022) نحو 1.365 تريليون جنيه، بينما …