‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر أين تقع الديمقراطية وحقوق الإنسان في ملف العلاقات الأمريكية ـ المصرية؟
مصر - أكتوبر 1, 2021

أين تقع الديمقراطية وحقوق الإنسان في ملف العلاقات الأمريكية ـ المصرية؟

 

بينما كانت آن باترسون، سفيرة الولايات المتحدة الأمريكية في مصر وقت انقلاب 3 يوليو 2013م، توجه في القاهرة دعوات للمصريين لاحترام الممارسة الانتخابية ونتائجها، وألا ينجروا إلى حراك مجهول العواقب، كان وزير الدفاع تشاك هيجل يجري ــ في الخفاء ــ اتصالات هاتفية شبه يومية بالسيسي يحرضه فيها على الانقلاب على الرئيس المنتخب والمسار الديمقراطي كله، وبحسب الكاتب الأمريكي “كيركباتريك”، مدير مكتب نيويورك تايمز ما بين 2011 إلى 2013م، فإن هيجل خاطب السيسي قائلا: “نريد علاقة طيبة”! وهي عبارة تمثل في مضمونها تحريضا على سياسات الرئيس مرسي وتمثل ضوءا أخضر جديدا من مسئول أمريكي رفيع للسيسي بالشروع في انقلابه المشئوم. بل إن هيجل خاطب السيسي قائلا «أنا لا أعيش في القاهرة، أنت تعيش فيها. عليك أن تصون أمنك وأن تصون بلادك»، وهي عبارة بالغة التحريض على الانقلاب، وتؤكد أن جنرالات الجيش الأمريكي والسي آي إيه يفضلون أن يكون رؤساء مصر من نظرائهم الجنرالات في الجيش المصري لسهولة التعامل معهم وحتى تجنيدهم لخدمة المصالح الأمريكية والإسرائيلية. معنى ذلك أن  الإدارات الأمريكية سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية، عادة ما تستخدم مسارات سرية خفية تنقل من خلالها رسائلها التي قد تتناقض كليا مع السياسات المعلنة والتصريحات الرسمية التي تظهر مثالية أمريكية مصطنعة تسعى من خلالها إلى تجميل صورتها أمام شعوب العالم.

هذا الأمر يمكن أن نلاحظه جميعا في المسرحية المفتعلة وشبه السنوية المتعلقة بمواقف الإدارة الأمريكية من الملف الحقوقي في مصر، فكل سنة تهدد أجنحة داخل الإدارة الأمريكية أو ضغوط منظمات حقوقية أمريكية ودوائر إعلامية، بتجميد بعض المساعدات العسكرية الأمريكية للنظام في مصر بدعوى تحسين الملف الحقوقي؛ لكن الواقع يؤكد أن حقوق الإنسان في مصر تزداد بوسا في الوقت الذي تصل فيه المساعدات الأمريكية  كل سنة بانتظام للنظام المصري ودون انتقاص! هي إذا مسرحية بمعناها الحقيقي لا المجازي. لكنها مملة ومكررة ولا إبداع فيها.

وعود زائفة

أثناء ترشح بايدن للرئاسة في منتصف 2020م،  انتقد رئيس الانقلاب في مصر عبدالفتاح السيسي، مؤكدا أن إدارته لن تمنح دكتاتور  ترامب المفضل شيكا على بياض، وهي رسالة واضحة المغزى والدلالة؛ وشدد ــ في تغريدة له  يوم 12 يوليو 2020م ــ على أن انتهاكات نظام السيسي المتكررة لحقوق الإنسان لن تقابلها إدارته بالتجاهل والصمت كما تفعل إدارة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب. من ناحية أخرى، وعد أنتوني بلينكن مستشار حملة بايدن للسياسة الخارجية  وقتها والذي يتولى وزارة الخارجية حاليا-خلال محادثة بالفيديو مع نشطاء الجالية العربية الأميركية- بالتزام إدارة بايدن بالمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان في تعاملها مع الدول العربية، خاصة السعودية ومصر”.  وقال بلينكن “إن ترامب يفعل الكثير لتقويض مكانتنا الأخلاقية على مستوى العالم وقدرتنا على القيادة، ولنتذكر أنه يطلق على السيسي لقب: دكتاتوري المفضل”. وتعهد بلينكن -الذي سبق أن عمل نائبا لمستشار الأمن القومي في إدارة باراك أوباما- “بأن علاقات الولايات المتحدة مع السعودية ومصر تحت حكم بايدن ستبدو مختلفة تماما عما هي عليه الآن”.[[1]] وحتى برنامج الحزب الديمقراطي “2020”  الذي جاء في 80 صفحة وشارك في إعداده وصياغته “150” من قادة وأعضاء الحزب، وضع خطوطا عريضة لتسير عليها إدارة بايدن في الملفين الداخلي والخارجي، حال فوزه بالرئاسة، يدعو إلى مراجعة السياسات الأمريكية التي كانت قائمة في عهد ترامب.[[2]] حيث تعهد البرنامج  بعدم مواصلة سياسة إدارة ترامب التى تمنح شيكا على بياض وتدعم الممارسات الاستبدادية، والمنافسات الداخلية، والحروب بالوكالة، وتعرقل الانفتاح السياسى فى جميع أنحاء المنطقة.

وعندما فاز بايدن بالرئاسة، ماذا جرى؟ وأين ذهبت هذه الوعود؟

أين تقع الديمقراطية وحقوق الإنسان في ملف العلاقات الأمريكية ـ المصرية؟

أولا، في فبراير 2021م، وافقت وزارة الخارجية الأمريكية على صفقة صواريخ ومعدات عسكرية لمصر، تقدر بنحو 197 مليون دولار، بحسب تقرير واشنطن بوست. لكن في مارس شاركت واشنطن في البيان الذي وقع عليه 31 دولة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في مارس 2021م وهو البيان الذي نتقد الانتهاكات الحقوقية في مصر، وحضَّ سلطات الانقلاب على التوقف عن اللجوء إلى قوانين مكافحة الإرهاب لإسكات المعارضين والحقوقيين والصحافيين وإبقاء المنتقدين في الحبس الاحتياطي إلى أجل غير مسمى.[[3]]  وكان تقرير للخارجية الأميركية نشر في أبريل 2021م، قد أشار إلى أن قوات الأمن المصرية ارتكبت “انتهاكات عديدة”، وأن الحكومة المصرية لم تحقق بشكل “شامل” ما ساهم في “خلق بيئة من الإفلات من العقاب”. وأثار هذا التقرير وقتها انتقادات حادة من نواب ديمقراطيين. ولفت التقرير إلى أن هذه المخاوف قد عُززت بتقرير الخارجية الأميركية عن الوضع الحقوقي حول العالم، والذي انتقد إدارة السيسي بسبب انتهاكات حقوقية تشمل، “القتل غير القانوني، الاختفاء القسري، التعذيب والعقوبات القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة من قبل الحكومة”.

ثانيا، تعامل بايدن مع السيسي باستنكاف كبير، ولم يعره اهتماما على مدار نحو 4 شهور كاملة رغم أن السيسي كان أول زعيم عربي يهنئ بايدن بفوزه بالرئاسة، واستمر هذا الجفاء حتى اندلعت الحرب في فلسطين بالعدوان الإسرائيلي على المسجد الأقصى وحي الشيخ جراح في مايو 2021م، ورد المقاومة بالصواريخ ثم العدوان الإسرائيلي على غزة، حتى نجحت الوساطة المصرية في التوصل إلى وقف إطلاق النار وتهدئة هشة، الأمر الذي دفع بايدن إلى مهاتفة السيسي وتقديم الشكر له على جهوده في استقرار المنطقة. بعدها بأيام هاتف بايدن السيسي مجددا وتناقش معه حول ملف حقوق الإنسان. لكنه كان قد وقع بالفعل على تسليم النظام المصري نحو “410” ملايين دولار من المساعدات كانت متبقية من عهد ترامب.

ثالثا، استمرت إدارة بايدن في تعاملها مع القاهرة كما هو معتاد، ومنحت حازم الببلاوي،رئيس أول حكومة للانقلاب، حصانة من المساءلة أما المحاكم الأمريكية بدعوى أنه مندوب  مصر في صندوق النقد الدولي.[[4]] وفي سبتمبر 2021م قضت محكمة أمريكية بعدم الاختصاص في البت في دعوى الناشط  الأمريكي من أصول مصرية محمد سلطان ضد الببلاوي. وأفادت صحيفة الأهرام” المملوكة للدولة، عبر نسختها الإنجليزية أن “تقارير إعلامية ذكرت أن محكمة في واشنطن رفضت، القضية بسبب حصانة الببلاوي بموجب إعلان رسمي قدمته الإدارة الأمريكية”.وقالت: “في أوائل أبريل (نيسان) الماضي، قدمت وزارة العدل الأمريكية إعلانًا تحث فيه المحكمة على رفض القضية التي رفعها سلطان ضد الببلاوي لأن الأخير كان يتمتع بحصانة دبلوماسية وقت رفع الدعوى”.[[5]]

رابعا، اكتفت إدارة بايدن في سبتمبر 2021م،  بحجز 130 مليون دولار  من أصل 300 مليونا كانت مجمدة من المساعدات العسكرية الأمريكية للجيش المصري للضغط من أجل تحسين ملف حقوق الإنسان، وهو القرار  الذي صدم الأوساط الحقوقية في أمريكا ومصر، والذي جاء بعد ثلاثة أيام من إعلان السيسي ما تسمى بالإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان بهدف تجميل صورة النظام أمام واشنطن. واعتبر كثيرون قرار إدارة بايدن استمرارا لسياسات واشنطن في دعم الطغاة والمستبدين والمضي على طريق ترامب بمنح “دكتاتوره المفضل” شيكا على بياض لمواصلة القمع والتعذيب. وهناك توقعات بأن تفرج واشنطن عن الـ130 مليون دولار المحتجزة خلال الأسابيع والشهور المقبلة. لا سيما وأن  واشنطن شاركت كالمعتاد في مناورات النجم الساطع في سبتمبر 2021م مع الجيش المصري وهي المناورات التي يتم التدريب فيها على مواجهة الإرهاب. ويرى الدبلوماسي الأميركي السابق الذي عمل في مصر، تشارلز دن،  في تصريحات لمجلة فورين بوليسي أن “دور القاهرة في التوسط في اتفاقيات السلام في الشرق الأوسط، وتعاونها في مكافحة الإرهاب، ومنحها أفضلية للسفن الحربية والطائرات العسكرية الأميركية التي تعبر قناة السويس لطالما تفوَّق على أي قلق بشأن الطبيعة الاستبدادية للحكومة المصرية وانتهاكاتها الجسيمة لحقوق الإنسان”.[[6]]

خامسا، بعيدا عن الوعود التي قطعها بايدن خلال حملته الرئاسية بشأن عدم منح دكتاتور ترامب المفضل شيكات على بياض، فإنه يتعين التنويه إلى مواقف بايدن السابقة وأبرزها أنه كان ضمن فريق عواجيز إدارة أوباما الذي ضم بايدن، نائب الرئيس وقتها، وهيلاري كلينون وزير الخارجية، ووزير الدفاع روبرت جيتس وآخرين، وكان هؤلاء يدعمون بقاء مبارك ولا يرحبون بالثورة الشعببية ضد نظامه بوصفه حليقا وثيقا لواشنطن. وخلال أيام الثورة نفى بايدن أن يكون مبارك ديكتاتورا. ورد فى مقابلة مع برنامج ساعة إخبارية News Hour أنه يعرف مبارك جيدا، وعندما سأله مقدم البرنامج جيم ليرر، عن وصف مبارك بالدكتاتور. قال بايدن: «مبارك كان حليفا لنا فى العديد من القضايا، وكان حليفا مسئولا.. ولن أصف مبارك بأنه ديكتاتور».[[7]]

الأكذوبة الكبرى

ولعل أكبر تجرية يمكن أن تبرهن على أن المواقف الأمريكية من الملف الحقوقي في مصر هي مجرد أكذوبة كبرى[[8]]، هو موقف إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما من انقلاب 3 يوليو 2013م، فأحاديث واشنطن عن حقوق الإنسان هي مجرد شعارات ترفعها واشنطن لتحقيق هدفين، الأول هو الحفاظ على صورتها أمام العالم باعتبارها ـ وفق التصورات الأمريكية والغربية ـ راعية الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم. والثاني هو ابتزاز النظم المستبده لتقديم تنازلات ترغب فيها واشنطن، وهي عادة ما تكون مطروحة في مباحثات سرية داخل الغرف المغلقة مع هذه النظم.

فواشنطن تتعامل بازدواجية مع حقوق الإنسان؛ حيث تولي اهتماما كبيرا بالانتهاكات التي تمارسها الصين ضد أقلية الأويجور المسلمين، والإعلام الأمريكي حريص على إبراز وتناول هذه الانتهاكات باستمرار؛ ليس إيمانا بأهمية حقوق الإنسان بقدر ما هو سلوك كيدي ضد الصين التي باتت المنافس الأكبر للولايات المتحدة الأمريكية والتي تسعى إلى إزاحة واشنطن عن صدارة النظام العالمي لتحل مكانها. والبرهان على ذلك أن  المسلمين في فلسطين يتعرضون لأبشع الانتهاكات على يد الاحتلال الإسرائيلي تحت رعاية وحماية من واشنطن التي تمد تل أبيب بأحدث ترسانة السلاح الأمريكي. وترخي مظلة حمايتها على إسرائيل وتحول دون إدانتها في مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة باستخدام حق الفيتو.

وفي الحالة المصرية، في منتصف 2013م، قاد وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي انقلابا عسكريا دمويا ضد أول رئيس مدني منتخب، حيث أطاح بالحكومة المنتخبة، وجمد العمل بالدستور، واعتقل الرئيس المنتخب ديمقراطيا وأركان حكومته وزج بهم في  السجون والمعتقلات بتهم سياسية باطلة، ثم ارتكب عشرات المذابح الجماعية التي تم بثها بثا مباشرا عبر عشرات الشاشات والفضائيات، واعتقل الآلاف من أنصار الرئيس والمسار الديمقراطي، وتحولت السجون ومقرات الاحتجاز وأقسام الشرطة في مصر إلى مسالخ تعذيب وحشي. وهي الفترة الأسوأ على الإطلاق في التاريخ المصري؛ فماذا كان الموقف الأمريكي المعلن؟

  • أولا، إدارة أوباما أحجمت رسميا عن تسمية ما حدث بمصر انقلابا عسكريا. لكنها أمام الانتهاكات الجسيمة التي مارستها أجهزة الانقلاب العسكرية والأمنية والإعلامية، راحت إدارة  الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما تتصرف مع الوصع في مصر على أنه انقلاب دون الإفصاح عن ذلك؛ وأعلنت عن إجراءات عقابية متزايدة. ورغم إدراك أوباما كما ظهر خلال حواره مع شبكة سى إن إن يوم 23 أغسطس 2013م من أن «المساعدات لمصر لن تغير ما قامت وتقوم به الحكومة المؤقتة». إلا أن أهم ما ذكره قوله «أن العلاقات لن تعود على ما كانت عليه بسبب ما حدث». وطالب بضرورة مراجعة علاقات بلاده مع مصر بصورة شاملة.
  • ثانيا، بعد فض اعتصامى ميدان رابعة والنهضة ومقتل المئات في 14 أغسطس 2013م، اتخذت واشنطن بعض الخطوات العقابية تجاه الجيش المصرى مثل وقف توريد طائرات إف 16، ووقف تزويد الجيش المصرى بطائرات الأباتشى من طراز «أى إتش 64 دى». كما ألغى الرئيس الأمريكى مناورات النجم الساطع بين الجيشين المصرى والأمريكى، وبعد ذلك أعلنت واشنطن وقف معظم المساعدات العسكرية لمصر فى التاسع من أكتوبر 2013م.

فماذا حدث بعد كل هذه الزوبعة؟

في يناير 2014م، بدأت تعود المياه إلى مجاريها في العلاقات المصرية ـ الأمريكية، والتي تأسست بموجب اتفاقية “كامب ديفيد ”  في مارس 1979م الخاصة بالسلام مع الكيان الصهيوني. والتي خلقت وضعا حميما بين الجيشين المصري والأمريكي. وجاء مشروع الميزانية الفيدرالية الأمريكية لعام 2014م بدون أي تغيير في مستوى المساعدات الاقتصادية 250 مليون دولار والمساعدات العسكرية 1.3 ملياردولار للنظام العسكري الانقلابي في مصر، وذلك بعد ضغوط على الكونجرس من أجنحة نافذة بإدارة أوباما واللوبي الإسرائيلي وبعض الدول الخليجية كالسعودية والإمارات بتضمين المساعدات المصرية في الميزانية الجديدة. وشكليا اشترط القرار أن تؤكد وزارة الخارجية والبيت الأبيض التزام حكومة مصر المؤقتة بالسير نحو إعادة الديمقراطية للبلاد عن طريق الاستفتاء الشعبى على الدستور وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية حرة. كما اشترط مشروع القرار التأكيد على التزام مصر بمعاهدة السلام مع إسرائيل.  واللافت أن الشروط خلت من أي ذكر للوضع الحقوقي المزري في مصر؛ فهل عادت الديمقراطية إلى مصر؟  بالطبع لا . لكن النظام بالغ في التزامه بالعلاقات مع إسرائيل؛  ونقلها إلى مستوى التحالف الوثيق؛ لذلك جرى تسليم المساعدات كاملة للنظام في مصر دون انتقاص رغم أنه نظام عسكري دكتاتوري اغتصب الحكم بانقلاب عسكري، ودمر مسارا ديمقراطيا وليدا، وارتكب ولا يزال آلاف الانتهاكات الفظيعة كل يوم!

وبشان انزعاج حكومة الانقلاب في مصر من حجز واشنطن طائرات أباتشي ذات إمكانيات استثنائية للجيش المصري وكذلك تجميد تسليم 4 طائرات إف 16 وتوقف إنتاج مصانع دبابات ومدرعات فقد تم حل كل  ذلك مع شهر مايو 2014م، وتسلم نظام 3 يوليو كل ما كان يرغب فيه من معدات وأسلحة ومساعدات اقتصادية وعسكرية أمريكية.

أما رغبة أوباما فى مراجعة العلاقات فقد ذهبت أدراج الرياح بعودة النمط السابق الذى حكم العلاقات الثنائية لأكثر من ثلاثة عقود، والمتمثل فى شراكه استراتيجية تمثل فيها قضايا الحريات والديمقراطية حجة بلاغية وأخلاقية فقط من جانب واشنطن بما لا يتأثر معه طبيعة العلاقات الأمنية والاستخباراتية.

ولم يكتب النجاح لرغبة أوباما المبدئية غير الواقعية لاصطدامها بثلاث نقاط شديدة الأهمية[[9]]:

أولا: احتفاء قادة البنتاجون خلال شهر أغسطس 2012 بوصول أول قيادة عسكرية تلقت تعليمها العالى بالولايات المتحدة American Trained Officers ممثلة فى الفريق عبدالفتاح السيسى والفريق صدقى صبحى، خريجى كلية الحرب الأمريكية بولاية بنسلفانيا. ويصعب على الكثير فى البنتاجون معاقبة أول قيادة تتفهم العقيدة العسكرية الأمريكية وترتبط بعلاقات ومعرفة واسعة مع المؤسسة العسكرية الأمريكية.

ثانيا: إدراك فريق كبير فى واشنطن أن المساعدات تحفظ لواشنطن نفوذها فى مصر لحد كبير رغم انحسار حجم هذا النفوذ، وتحافظ فى الوقت نفسه على مصالحها فى قناة السويس والمجال الجوى المصرى والتعاون الاستخبارى. ورغم أن الجيش المصرى لا يقبل دائما ما يطرح عليه من واشنطن، فإن خسارة العلاقات والتواصل مع الضباط المصريين سيكون خسارة كبيرة للولايات المتحدة.

ثالثا: يأس واشنطن من تغيير الجيش المصرى سلوكه المعتمد على الخيار الأمنى فى حل المشكلة السياسية فى مصر ورغم مطالبتها المتكررة بحل سياسى يشمل الجميع، فإن الفريق السيسى مازال مصمما على السير فى الاتجاه المعاكس لما تراه واشنطن. ولا تعرف كيف تضغط دون أن تخسر الحليف المهم. لذا اختارات أن تعود لجوهر العلاقات التقليدى بتجاهل قضايا الديمقراطية وحقوق الانسان والتركيز على الشراكة الاستراتيجية.

وتكفي الإشارة إلى  أنه منذ عودة العلاقات العسكرية مع واشنطن بعد توقيع مصر وإسرائيل اتفاق سلام عام 1979 نمت العلاقات بصورة كبيرة، وأصبح مكتب التعاون العسكرى OMC الملحق بالسفارة الأمريكية فى القاهرة، والمعنى بالتعاملات العسكرية بين الدولتين، يمثل ثانى أكبر مكتب من نوعه فى العالم، كما أصبح مبنى مكتب الدفاع المصرى فى واشنطن أكبر من السفارة المصرية فى المدينة نفسها. معنى ذلك أن التهديدات الأمريكية بالقطع الكامل للمساعدات العسكرية غير واقعية. واشنطن لن تضحى بمن يحكم مصر بسهولة، وستقدم واشنطن على هذه الخطوة فقط إذا تعدت مصر الخطوط الحمراء الحقيقية التى لا يوجد لها تعريف أمريكى إلا إلغاء القاهرة لمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية.

المصالح الأمريكية في مصر

فى الاستراتيجية الأمريكية هناك خطان أحمران يحكمان علاقات واشنطن بالقاهرة[[10]]:

  • أولهما التعاون العسكرى الذى يعد حجر الأساس للتصورات الأمنية الأمريكية فى علاقاتها بأحد أهم إقاليم العالم. وفى ظل التعاون تتمتع الولايات المتحدة بوضع خاص على مستويات ثلاثة، هى: المرور فى قناة السويس ــ استخدام المجال الجوى المصرى ــ التعاون الاستخبارى. والمعونات التى تقدمها الولايات المتحدة لمصر هى بمثابة إسهام من جانبها فى استقرار أوضاعها بما يسمح بالحفاظ على استمرار المصالح سابقة الذكر.
  • الخط الأحمر الثانى يتمثل التزام مصر بمعاهدة السلام مع إسرائيل. فأى اهتزاز لمعاهدة السلام يضع أمن إسرائيل بل أمن الولايات المتحدة على المحك بحسب أولويات السياسة الأمريكية في مصر والمنطقة وتصريحات كل الرؤساء الأمريكيين.

معنى ذلك أن التعاون والتسهيلات العسكرية ومعاهدة السلام تعد من الأصول التى لا تحتمل الاختلاف أو الاجتهاد فى علاقات البلدين فى ظل موازين القوة الراهنة، وكل ما عدا ذلك يعد فروعا قابلة الاختلاف والاجتهاد بما فى ذلك من يحكم مصر أو السياسات الداخلية التى يتبعها الطرف الحاكم. بكلام آخر فإن استحقاقات الأصول فى علاقات البلدين تعد من التكاليف الضرورية، أما ما عدا ذلك فهى أمور تحتمل التناصح فضلا عنها تظل من الأمور التحسينية إذا استخدمنا لغة الأصوليين.

فى الأمور الفرعية والتحسينية تلتزم الولايات المتحدة بقوانينها وحساباتها السياسية ويهمها استقرار الأوضاع فى مصر، بصرف النظر عمن يحكمها، وليس ذلك حبا فى سواد عيون المصريين بطبيعة الحال، ولكن لأنها تعتبر أن ذلك الاستقرار يؤمن مصالحها المتمثلة فى التعاون العسكرى وأمن إسرائىل.

من جهة رابعة فإن إقدام واشنطن على تقليص المساعدات أو تأجيل تسليم الطائرات للجيش المصرى في 2013 لم يكن موقفا مناهضا لنظام الثالث من يوليو بقدر ما كان تطبيقا للقانون الأمريكى الذى يقضى بحظر تقديم المساعدات لأى دولة تتم الإطاحة برأسها المنتخب من خلال الانقلاب العسكرى، وقد جاملت واشنطن النظام الجديد حين ترددت فى اعتباره انقلابا عسكريا. وانتظرت ثلاثة أشهر، لكى تنفذ قانونها الخاص بقطع المعونة. ثم سعت لتعديل القانون من خلال الكونجرس للاستمرار فى إرسال المساعدات للدول الحليفة. وهذا ما حدث مع دول أخرى مثل باكستان وشيلى وهندوراس. بالتالى فليس صحيحا أن الإدارة الأمريكية ناصبت نظام 3 يوليو العداء حين أوقفت المساعدات ولا هى عادت إلى رشدها حين استأنفتها، لأن لها فى النهاية مصالح عليا تريد أن تستمر فى الحفاظ عليها. وفى مقابل ذلك فهى ستظل تدعم من يحكم مصر، أيا كانت هويته طالما أنه لم يمس تلك المصالح. وفقا للدكتور منار الشوربجي في مقال لها بالمصري اليوم بتاريخ 23 يناير 2014م.

أما عن المصالح الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط فتدور حول مجموعة من الأهداف شبه الثاتبة والتي أقرتها وثيقة «إستراتيجية الأمن القومى» التى صدرت من البيت الأبيض فى شهر مايو 2010 ــ فى الجزء الخاص بالشرق الأوسط تحت عنوان «تدعيم السلام والأمن والتعاون فى الشرق الأوسط الكبير»[[11]] ــ هذه الأهداف تركزت حول  التعاون الواسع فى العديد من القضايا مع الحليف القريب، إسرائيل، وتأكيد الالتزام غير المحدود تجاه أمنها. واستمرار تدفق النفط العربي. والعمل على حل صراع الشرق الأوسط بما يضمن قيام دولة فلسطينية بجوار إسرائيل (وهو بند يختلف فيه الجمهوريون عن الديمقراطيين كما جرى في عهد ترامب 2016 ـ 2020)، والتعاون فى مجال مواجهة الإرهاب وهو ما يحظى باهتمام واسع من جانب الجمهورييين على وجه الخصوص. بالإضافة إلى دفع إيران بعيدا عن السعى لاقتناء أسلحة نووية ودعم الإرهاب الدولى.

الخلاصة أن  الهدف الشامل الذي تخدمه المصالح  الأمنية الأمريكية هو الحفاظ على هيمنة الولايات المتحدة على منطقة الشرق الأوسط، مهما كانت التكاليف والإخفاقات. ويربط الأمريكيون المعارضون تلك المبررات حول الدعم العسكري والسياسي الأمريكي للحكومات المستبدة في المنطقة بالنهج الفاشل نفسه للتدخلات الأمريكية التي أدت إلى الحروب في أفغانستان والعراق وليبيا واليمن.

من جانب آخر فإن الديمقراطية الأمريكية المبنية على الأكاذيب والاستثناءات، على غرار الأكاذيب والاستثناءات التي تُديم دعمَ الإدارة للأنظمة المستبدة في الشرق الأوسط، ستكلِّف الولايات المتحدة خسارة معركة الديمقراطية التي ترفعها، لأن أحداً لن يشتري الشعارات التي يخونها أصحابها. والأهم من ذلك، أن الجميع بات يطرح السؤال الواضح: إذا كانت الديمقراطية الأمريكية ترى نفسها مضطرة إلى الاعتماد على سياسة خارجية تدعم دعماً حثيثاً أنظمة الاستبداد والفصل العنصري ومرتكبي جرائم الحرب والفظائع، فما هي بالضبط الميزة التي تقدمها الولايات المتحدة كاختلاف عن غيرها من النظم والحكومات الرديكالية في روسيا والصين وغيرها.

وتبقى القاعدة الذهبية التي تحكم سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه مصر، هي العلاقة مع “إسرائيل”؛ فواشنطن تسعى في المقام الأول إلى أن تضمن وضعا مصريا لا يمثل تهديدا لدولة الاحتلال. وبالتالي فإن الاعتبار الإستراتيجي الأهم بالنسبة للإدارة الأمريكية سواء كانت جمهورية أو ديمقراطية، هو علاقة مصر مع إسرائيل، وأن له الأولوية إذا تعارض مع أهداف أخرى معلنة للسياسة الأميركية مثل دعم التحول الديمقراطي أو حقوق الإنسان. وعندما تعارض الهدفان (أمن إسرائيل والديمقراطية)، ضحت أمريكا بالديمقراطية من أجل ضمان وجود نظام مصري ــ حتى لو كان عسكريا قمعيا ــ  ما دام لا يمثل تهديدا لإسرائيل، معنى هذا أن الديمقراطية غير مرحب بها أمريكيا وربما أوروبيا في مصر؛ لأنها في جوهرها تمثل تحريرا للإرادة الشعبية وإعلاء لها في ظل سياق يؤكد أن الوعي الجمعي المصري لا يرحب بإسرائيل ولا بالعلاقات الحميمة التي يتبناها النظام العسكري معها؛ وبالتالي، فإن من أولويات الإدارة الأمريكية ألا تكون هناك ديمقراطية بالمعنى الحقيقي لها في مصر، لأن ذلك من شأنه أن يفضي إلى وجود نظام سياسي لا يلبي المصالح الأمريكية وعلى رأسها حماية أمن “إسرائيل”؛ ولعل هذا يفسر الدعم الأمريكي لانقلاب 3 يوليو والإطاحة بالديمقرطية المصرية الوليدة التي كانت حلما لملايين المصريين.

 

 

[1] محمد المنشاوي/ رسالة بايدن للنظام المصري.. تحذير شديد اللهجة يزعج السيسي/ الجزيرة نت  13 يوليو 2020

[2] محمد المنشاوي/ سياسة بايدن تجاه الشرق الأوسط/ بوابة الشروق الخميس 30 يوليه 2020

[3] “31” دولة تدين انتهاك الحريات في مصر أمام مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة/ سويس إنفو (وكالة سويسرية) ــ 12 مارس 2021م

[4] أمريكا ترفض مثول رئيس وزراء مصر الأسبق للمحاكمة في تهمة تعذيب.. ثبّتت الحصانة التي يتمتع بها/ عربي بوست ــ 8 أبريل 2021م

[5] محكمة أمريكية ترفض دعوى “تعذيب” ضد رئيس وزراء مصري سابق/ وكالة الأناضول ـ 20 سبتمبر 2021م

[6] واشنطن والمعونة العسكرية لمصر.. خطوة على “الخط الرفيع”/ الحرة ــ 17 سبتمبر 2021

[7] محمد المنشاوي/ جو بايدن والشأن المصرى/ بوابة الشروق ــ  الخميس 9 يوليه 2020

[8] انظر .. بعد حجب جزء من المساعدات العسكرية لمصر.. حقوقية: حرص أمريكا على ملف حقوق الإنسان “أكذوبة” (فيديو)/ الجزيرة نت ــ 15 سبتمبر 2021م

[9] محمد المنشاوي/ عودة المياه لمجاريها فى العلاقات المصرية ـــــ الأمريكية/ بوابة الشروق ــ الجمعة 17 يناير 2014

[10] فهمي هويدي/ عن أسطورة الصراع بين القاهرة وواشنطن/ بوابة  الشروق ــ  الثلاثاء 4 فبراير 2014

[11] محمد المنشاوي/ واشنطن وثورات العرب/ بوابة  الشروق ــ الإثنين 18 أبريل 2011

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

التعاون الفرنسي المصري وتداعياته المسمومة في ضوء تحقيقات “ديسكلوز”

  أبرز ما كشفه التحقيق الاستقصائي الذي نشره موقع «ديسلكوز» الفرنسي يوم 21 نوفمبر 2021…