‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر قراءة نقدية في.. خطاب السيسي على هامش مؤتمر الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان
مصر - أكتوبر 5, 2021

قراءة نقدية في.. خطاب السيسي على هامش مؤتمر الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان

قراءة نقدية في.. خطاب السيسي على هامش مؤتمر الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان

 

في الحلقة النقاشية التي أقيمت على هامش مؤتمر الإعلان عن “الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان”، وكانت تحت عنوان “حقوق الإنسان بين الحاضر والمستقبل”، كان للسيسي كلمة طويلة كان مما جاء فيها حديثه عن الإخوان المسلمين وأنه لا يختلف معهم طالما لم يعارضوا مساره أو يستهدفوه. وقد أثارت هذه الكلمة جدلاً واسعاً بين المعنيين بالأمر والمراقبين المهتمين بالشأن المصري ومسألة العلاقة بين جماعة الإخوان والنظام المصري. ولقد كان الجدل بخصوص كلمة السيسي وما جاء فيها ودلالاته هو الدافع الأول للاهتمام بخطاب السيسي على هامش المؤتمر.

أما الدافع الثاني فقد كان محاولة تقييم الرؤية التي ترى في خطابات السيسي مجرد تصريحات مفككة تنم عن حالة من السذاجة والخفة والجهل ولا تقدم أية تبرير أو تفسير لسياساته، وبالضرورة لا تكشف عن رؤيته -أي السيسي- للمشهد المصري وفلسفته في التعامل مع قضاياه المختلفة.

وفي الحقيقة تعد محاولات الوقوف على رؤية السيسي للمشهد العام في مصر، وأهم ملامح وقسمات هذه الرؤية، ومحاولات الوقوف على الحلول والمقاربات التي يطرحها للتعاطي مع مشكلات الواقع المصري، أمور مهمة للغاية في فهم وتفسير جزء غير قليل من سياسات النظام، وفي التعرف على الحدود القصوى التي يمكن أن يذهب إليها في سبيل تنفيذ رؤاه وتصوراته تلك.

والافتراض الذي يطرحه الباحث بخصوص ذلك: أن نظرة متفحصة لخطاب السيسي وتصريحاته، تجد أن رغم عدم الوضوح، إلا أن هذا الخطاب يقوم على عدد من القناعات الصلبة الواضحة، ويطرح عدد من الأفكار التي يتبناها ويؤمن بها ويروجها ويبرر من خلالها سياساته.

ذلك ما سنحاول الوقوف عليه في هذه السطور، مع محاولة الاشتباك مع هذه الأفكار وكشف نقاط ضعفها. وذلك من خلال استراتيجية تقوم على خطوات ثلاث: (1) ذكر أهم الأفكار التي طرحها السيسي خلال كلمته كعناوين عريضة. (2) ذكر موقع هذه الأفكار من الخطاب. (3) الاشتباك مع هذه الأفكار وكشف نقاط القصور فيها بعد ذكر الحجج التي يعتمد عليها في تدعيم هذه الأفكار وتبريرها.

الفكرة الأولى: أن الدولة تعاني من مشكلات حقيقية لكن الثورة ليست الطريق الأنسب للتغيير:

يذكر عند هذه النقطة أنه ألتقى[1] الصحفي إبراهيم عيسى والإعلامي شريف عامر بعد أحداث 2011، وأنه قال في حديثه معهم أن الدولة المصرية لديها تحديات كثيرة “التحديات دي تحدي اقتصادي وتحدي سياسي، وتحدي اجتماعي وتحدي ثقافي، وتحدي ديني وتحدي إعلامي”، ثم يضيف “وكان المعنى اللي أنا عايز أقوله هنا (..) 2011 كان إعلان لشهادة وفاة الدولة المصرية.

هذين التصريحين جاءا في أول فقرتين من الكلمة التي ألقاها السيسي خلال الحلقة؛ وقد يبدو أن التصريحين متناقضان؛ فالأول يعترف فيه أن الدولة المصرية تعاني من مشكلات حقيقية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ودينية وإعلامية، كأن هذا التصريح إعلان منه أن هناك مشكلات حقيقية دفعت الجماهير للثورة على الدولة، وأن خروج الجماهير كان مفهوماً في ضوء هذه التحديات. أما التصريح الثاني فيقول فيه أن الثورة كانت بمثابة إعلان وفاة الدولة، فهو بالتالي رافض للثورة يستشعر خطورتها على بقاء الدولة.

ويبدو أن مقصده في التصريحين أن الدولة في مصر تعاني من مشكلات حقيقية، وهذه المشكلات تضغط على المجتمع وتدفعه للخروج للاعتراض عليها، لكن علاج هذه المشكلات لا يجب أن يكون من خلال الثورة على الدولة والخروج عليها، وإنما يكون من خلال الثقة في الدولة والالتفاف حولها واعتبارها ماكينة التغيير التي تقود المجتمع للأفضل.

مما يؤكد هذا المعنى أنه كان مقصود السيسي من تصريحاته، ما يذكره في نهاية كلمته عن سوريا، دون أن يذكر أسمها صراحة، فيقول “تصوروا دولة فيها 16 مليون لاجئ، 2 مليون في الأردن، و2 مليون في لبنان، أنا بقول أرقام تتحفظ، وزيهم في تركيا، وجوة معسكرات لاجئين لحوالي 10 مليون. 10 سنين الولد أو البنت اللي كان عنده 6 سنين بقى عنده 16، واللي عنده 12 بقى عنده 22. يا ترى الأمة دي هاتبقى عاملة إزاي؟ هاتطلعلنا إيه؟[2]“، ثم يضيف في حديثه عن نفس الدولة “فيه معسكر، في دولة يعني من الدول ديت، يعني.. مش هينفع أقولها.. مش هينفع والله.. بياخدوا الولاد الصغيرين يجوزوهم عشان يخلفوا عشان يطلعوا، يعني، متطرفين، يطلعوا قتلة، أدوات قتل للمجتمعات. يا ترى اللي كان بينظر في الوقت ده للدولة ديت من، في 2010 و2011، كان هدفه إنه يعمل في الدولة دي كدة؟ وإنه يكون الناتج بتاعها هو عبارة عن تشكيل وتكوين خلايا أو، مش خلايا بقى، أجيال من الإرهابيين والمتطرفين يفضلوا يخربوا في المنطقة دي لمدة 50 100 سنة جايين[3]“.

هذه التصريحات تشير لنفس المعنى، وهو أن الثورة طريق للفوضى وليست طريق للتغيير للأفضل، حتى وإن كانت أسباب تفجرها وجود مشكلات حقيقية تعاني منها الدولة والمجتمع. حتى أنه يشير إلى أنه يعي أن الثوار لم يكن مقصدهم الوصول لحالة من الفوضى وإنما كانوا يرون في الثورة طريق للتحديث والتغيير، حيث يقول “يا ترى اللي كان بينظر في الوقت ده للدولة ديت من، في 2010 و2011، كان هدفه إنه يعمل في الدولة دي كدة؟ وإنه يكون الناتج بتاعها هو عبارة عن تشكيل وتكوين خلايا أو، مش خلايا بقى، أجيال من الإرهابيين والمتطرفين”.

بالتالي هذه رسالة ضمنية لكنها واضحة، وتقول بصراحة شديدة، أن الدولة بالفعل تعاني من تحديات حقيقية ومشكلات لكن معالجة هذه المشكلات لا تكون من خلال الثورة فالثورة ليست طليعة تحديث وإنما نذير خراب.

بالتأكيد يمكن رفض هذه الرؤية وانتقادها وكشف عوارها؛ (1) هي في النهاية تخلط بين الدولة والنظام السياسي، وتعتبر أن الدولة هي النظام السياسي والنظام السياسي هو الرئيس، بالتالي سقوط رئيس يعني سقوط النظام وسقوط النظام يعني سقوط الدولة، وبالتالي هذا تصور غير حقيقي على الأقل من الناحية النظرية فالدولة غير النظام غير الرئيس، وسقوط رئيس ونظام لا يعني سقوط الدولة، وإن سقطت الدولة فسبب سقوطها هو هشاشتها وقابليتها للسقوط وليست الثورة. (2) أن سقوط الدول بعد حدوث ثورات لم يكن بسبب الثورة في الحقيقة وإنما بسبب الثورات المضادة وتشبث نخب الحكم بالسلطة مهما كانت تكلفة بقائهم في السلطة، فما حدث في سوريا لم يكن بسبب الثورة وإنما كان بسبب النظام الذي ضحى بكل شيء بما فيه الدولة نظير بقائه. (3) أن الثورات لم تحدث بسبب وجود مشكلات وتحديات حقيقية، فالمشكلات والتحديات دائماً موجودة؛ وإنما بسبب زيادة حدة القمع مع تفاقم التحديات، وبسبب غياب العدالة فالتحديات والمشكلات يدفع تكلفتها فقط المجتمع، وخاصة الطبقات الفقيرة، في حين يتمتع القائمين على الحكم والمقربين منهم والمتحالفين منهم بحياة مترفة ونفوذ واسع ولا يتأثرون أبدأ بالتحديات التي تعيشها الدولة، وبسبب إغلاق المجال السياسي وعسكرته وكأن نخب الحكم رضيت بالمشكلات وتأقلمت معها ولم تعد معنية بتغييرها، فخروج الناس وثورتهم سببه يأسهم من أية وسيلة بديلة يمكن اللجوء إليها لتحقيق التغيير المنشود.

لكن رغم كل هذه الاعتراضات تبقى الرؤية التي طرحها السيسي بأن هناك مشكلات حقيقية تعاني منها الدولة وأن الناس يدفعون تكلفة هذه المشكلات ويتحملون تداعياتها، وأن الثورة، وإن كانت نية المؤمنون بها صادقة ودوافعهم إنسانية، ليست هي الوسيلة المثلى للتغيير وإنما هي الطريق للفوضى وانهيار الدولة، وأن إنهيار الدولة لا يخلفه سوى عنف وفوضى وإرهاب. أقول تبقى هذه الرؤية مفهومة ومنطقها واضح ولا تنم عن شر خالص إنما تكشف عن مخاوف حقيقية يستشعرها كل من يتبنى هذه الرؤية سواء كانوا مسئولين في الدولة أو جزء من النخبة أو مكون اجتماعي وشرائح من المواطنين. ومن ثم يكون التعاطي مع المكون الذي يتبنى هذه الرؤية مبني على التفهم والاستيعاب وبناء الثقة.

الفكرة الثانية: أن التحديات التي تعاني منها الدولة أسبابها: (الزيادة السكانية، عدم ثقة المجتمع في الدولة، عدم جاهزية المجتمع للتحديث، الدور السلبي للإخوان والإسلاميين).

حيث يقول عن الزيادة السكانية: “التحديات اللي كانت موجودة لدولة، كانت ممكن تقوم على 20 30 مليون، وبقت 80 90 مليون، دون أن ينمو كل شيء، بما فيه الثقافة، وبما فيه التعليم، وبما فيه الصحة، وبما فيه بقية الموضوعات الخاصة بالمجتمع وتطوره”، وفي معرض تعليقه على كلمة الإعلامي شريف عامر يقول عن الزيادة السكانية “أي حد في الدنيا يقدر يوفر لمليون إنسان وإنسانة بينزلوا سوق العمل سنويًا، مين ده؟ مين ده اللي يقدر يعمل كدة؟ مين يقدر يعمل نظام تعليم جيد جدًا لـ 22 23 مليون تعليم عام.. طب مين اللي هايقدر يعمل تأمين طبي حقيقي لـ 100 مليون، حتى لو كان عدد مستشفياتنا 5000”.

عن عدم ثقة المجتمع في الدولة يقول “الجماعات اللي موجودة في المجتمع واللي هي بتنخر فيه، موجودة مابتسكتش، وبالتالي.. ده بالمناسبة، دي شكلت، وأنا قلت الكلام ده قبل كدة، شكلت ثقافة، ثقافة التشكك وعدد الثقة.. مافيش، مش مصدقين أبدًا، لازم تشوف بعينك عشان تصدق”.

يقول عن عدم جاهزية المجتمع، ” المجتمع ده مش مصدق، ماقدرش أبدأ أقوله إيه، خد حقوق إنسان، خد كذا وخد كذا، وهو.. هاموتك، هايهدها تاني. هايهدها إيه؟ هايهدها تاني. واللي إنتو لازم تعرفوه إن الدول اللي حصل فيها الكلام ده في دول الجوار إن كان فيه أقدر أقول عقلية قاطرة لهذه الأمم، ولكن حجم الفاصل مابين العقلية القاطرة اللي هي بتنظر للدولة ولمستقبلها، لا يتوافق مع واقع الدولة، وبالتالي اتحركت الشعوب، وإذا كان ده بحسن نية أو بسوء نية لتدمير بلادها، على أمل إن التدمير سيؤدي إلى بناء أفضل”.

وبخصوص الدور السلبي للإخوان والإسلاميين يقول “عنصر بقاله 90 سنة تقريبا قاعد بينخر في عضم، وعقل، ووعي الإنسان في مصر” ويقول “الجماعات اللي موجودة في المجتمع واللي هي بتنخر فيه، موجودة مابتسكتش، وبالتالي.. ده بالمناسبة، دي شكلت، وأنا قلت الكلام ده قبل كدة، شكلت ثقافة، ثقافة التشكك وعدد الثقة”، ويقول في تعليقه على كلام الإعلامي شريف عامر “الوعي ده كنت بقول عليه أحد أهم قضايا حقوق الإنسان في بلدنا، أو في العالم، لأن أنا ممكن آخدك على وعي زائف، وعي خيبان، زي ما كدة اللي اتعمل في الـ 90 سنة اللي إحنا بنقول عليهم، وكانك هو ده المنهج السليم وهو ده الدين الحقيقي، وما دون ذلك حاجة تانية”.

وجوهر ما طرحه السيسي في هذه الفقرات السابق ذكرها، الفكرة الأولى: أن هذه التحديات التي تواجهها الدولة المصرية، وجاءت ثورة يناير احتجاجاً عليها، ناجمة بشكل أساسي عن الزيادة السكانية الكبيرة التي تعجز الدولة عن مواكبتها وتعجز عن استيعابها، خاصة مع ضعف الموارد؛ يقول “دولة زي مصر عايزة على الأقل إنفاق عام لا يقل عن ترليون دولار سنويا. يعني 17 18 ترليون جنيه. لو الرقم ده موجود، حاسبوني. وحاسبوا الحكومة على الأداء، وحاسبوا الحكومة على الممارسات، وحاسبوا الحكومة على حقوق الناس”، فهو بالتالي يعتبر أن زيادة أعداد السكان وانخفاض حجم الموارد من الأسباب الرئيسية للتحديات التي تواجهها الدولة وللمشكلات التي يعانيها المجتمع ويرى أن ذلك هو سبب عدم قدرة الدولة على الوفاء باحتياجات المجتمع. ويشير في هذا السياق للتجربة الناصرية، وسعي عبد الناصر لتطبيق الاشتراكية -كما جاء في خطاب السيسي- لكن هذه التجربة لم تنجح بسبب ضعف القدرة الاقتصادية للدولة عن الوفاء بهذه الالتزامات، وأضاف إلى هذا السبب سببين آخرين؛ هما: أن المجتمع المصري لم يكن مستعداً لتقبل هذا المسار، أن التحديات القومية والاقليمية كانت معاكسة لهذا المسار، وكأنه يلمح إلى أن سياسة تقديم خدمات مجانية للمواطنين سبق تطبيقها في مصر وثبت فشلها.

الفكرة الثانية: أن المجتمع يتطور بسرعة أقل من سرعة الدولة، ويقصد هنا بالتطور القيمي والفكري للمجتمع، فيما يتعلق باحترام التعددية وحقوق الإنسان واحترام سيادة القانون؛ وأشار في سياق حديثه عن هذا الأمر إلى مسألة رفض الأزهر لفكرة توثيق الطلاق وعدم الاعتراف بوقوع الطلاق الشفوي، وأشار إلى مسألة قانون الاحوال الشخصية واعتبر أن رفض هذه القوانين دليل على كون المجتمع لم يتطور بصورة كافية كي يتعاطى بشكل إيجابي مع هذه القوانين، وأن فرض منظومة حقوق الانسان بصورة كاملة على المجتمع بدون تدرج ستؤدي إلى نتائج سلبية، يقول في ذلك “ماقدرش أبدأ أقوله إيه، خد حقوق إنسان، خد كذا وخد كذا، وهو.. هاموتك، هايهدها تاني. هايهدها إيه؟ هايهدها تاني”، فهو يرى أن مزيد من الحقوق والحريات للمجتمع سيدفع المجتمع للفوضى، ولا يعتبر أن فرض تشريعات من جانب السلطة قادرة على معالجة هذا الإشكال، فيقول “لو كان الموضوع يتحل بالقانون، كنا أصدرناه من سنوات، لأ، ماهو القانون اللي مابيتنفذش مالوش قيمة، ولو إنت النهاردة خدت إجراء يتقاطع مع ثقافة المجتمع، صدقني إنت بتهدر الإجراء، ليه؟ ماحققتش المستهدف”.

الفكرة الثالثة: وألقى باللائمة في عدم قابلية المجتمع لهذه القوانين وغيرها من التشريعات وعدم تعامله بإيجابية مع مسائل قبول التعددية وبالاختلاف على الإسلاميين وبخاصة الإخوان المسلمين الذين أشار إليهم بالخصوص أكثر من مرة طوال حديثه، واعتبر أن الإسلاميين هم من غذوا قيم رفض الآخر ورفض التعددية في المجتمع المصري.

الفكرة الرابعة: اعتبر أن هناك عدم ثقة من المجتمع في الدولة، وأن نظرة المجتمع للدولة يغلب عليها التشكيك وعدم التصديق وأن الإسلاميين أيضاً والإخوان هم السبب وراء هذه الحالة.

وعند هذه النقطة أيضاً يمكن التأكيد على أن هذه الأفكار المطروحة يمكن انتقادها وكشف جوانب القصور فيها، لكن في نفس الوقت لا يمكن اعتبارها محض هذيان؛ فهي تطرح ولها أنصار وتنبني على منطق قد تكون غير أخلاقية وغير عادلة لكنها تبقى صالحة للنقاش والجدال حولها.

بالفعل هناك زيادة سكانية كبيرة فالمجتمع المصري مجتمع شاب، وهذه الزيادة تمثل تحدي حقيقي لصانع القرار، وأن الدولة تواجه صعوبة كبيرة في توفير خدمات مناسبة لكل هذه الأعداد، وفي توفير فرص عمل لمن يدخل سوق العمل سنوياً. كل هذا لا جدل حوله، لكن يمكن الجدل حول سياسات الحكومة في التعامل مع هذه الأزمات هل هي الأفضل، وحول احتكار السلطة لصنع القرار وعدم السماع الجاد للرأي العام ومقترحاته، وعدم فتح المجال لتجدد الدماء داخل جهاز الدولة لوصول عناصر أكثر تعليماً وخبرة وقدرة على التعامل مع هذه المشكلات، والجدل حول نظرة نخبة الحكم لأنفسهم وأنهم الوحيدين القادرين على معالجة هذه المشكلات.

أما مسألة أن المجتمع يتطور بدرجة ابطأ من تطور الدولة؛ فهذه النقطة خاطئة تماماً؛ فالمجتمع دائماً يسبق الدولة ونخبة الحكم بخطوات، وعنده قدرة على التأقلم مع التطورات والتفاعل بإبداع مع المشكلات وقادر على المفاجئة؛ وهذا ما ثبت في يناير 2011، وفي أحداث 2013، وفي احتجاجات سبتمبر 2019 و 2020.

أما فكرة عدم ثقة المجتمع في الدولة فهي حقيقة، لكن من الظلم تحميل هذه النتيجة للإسلاميين فقط؛ فهي نتاج ميراث طويل من القمع والظلم الذي تعرض له المجتمع على يد نظم الحكم في مصر.

الفكرة الثالثة: تحقيق التنمية والتحديث لابد أن يسبق توطين الديمقراطية وحقوق الإنسان.

هذه النقطة امتداد للنقطة السابقة، ففي النقطة السابقة يتحدث السيسي عن عجز المجتمع عن مسايرة سرعة الدولة في التحديث، وأن الدولة يجب أن تتباطأ في سرعتها مراعاة لحال المجتمع وأخذاً بيده للتحديث بدون ضغط أو إكراه. ويضيف هنا نقطة أخرى أن توطين منظومة حقوق الإنسان والديمقراطية في مصر تحتاج أن يسبقها بنية تحتية متطورة، حركة تنمية وتحديث للمجتمع قبل البدء في تطبيق قيم حقوق الإنسان والديمقراطية في المجتمع، فيقول “إنتو لازم تكونوا عارفين، يعني، إذا كان فيه حركة تنمية عالية، فهي أساس للبناء عليه، مانقدرش نغفله، ما أقدرش اقولك إن لو ماعملتش المدرسة، وأقول طب أنا عايز ممارسات حقوقية حقيقية بين الطلبة وبعضها”، ثم يضيف بعدها “اللي أنا عايز أقوله بصراحة إيه.. هو إن في مقاربة، يعني تنظيرية مهمة، لكن في مقاربة تنفيذية أهم. لأن أنا لو ماقدرتش أعمل المقاربة التنفيذية لكل اللي إنتو بتقولوا عليه، ده مش هايبقى في أساس، هايبقى كلام بس”، ويقول في معرض تعليقه على كلام الإعلامي شريف عامر ” اشمعنى إنتو في حقوق الإنسان عايزين تجيبوا الحد الأقصى؟ طب ما أنا كمان عشان أحقق للبلد لازم أجيب الحد الأقصى، الحد الأقصى اللي ممكن أنجح فيه، والدولة المصرية ممكن تحقق فيها آمال وأحلام الناس”.

هذه الفكرة أيضاً موضع جدل ليس فقط جدل عام وإنما أيضاً جدل أكاديمي حول علاقة التنمية بالديمقراطية وهل يستلزم تحقيق التنمية وجود ديمقراطية؟ وهل يستلزم توطين الديمقراطية في مجتمع ما وجود قدر ما من التحديث؟ أم أن الديمقراطية يمكن إنجاحها في أي سياق؟

الفكرة الرابعة: رفض الضغوط الغربية على الحكومات لدفعها لتبني قيم حقوق الانسان في تعاملها مع مواطنيها.

قال السيسي في هذا السياق “إذا أراد أحد إنه يتصور إنه هو عنده تميز، تمييز في قدراته الثقافة، وعايز يفرضها على بقية المجتمعات، أنا بقول إن هو، يعني انتبه، إنت ممكن تكون، ده مسار دكتاتوري، ده مسار دكتاتوري في إنك إنت عايز تفرض عليا مسارك الثقافي وبتعتبره هو التوب، القمة، لا مين قالك كدة؟ هو قمة لك، هو قمة لمجتمعك، لكن قد لا يكون قمة ليا ولا قمة لمجتمعي”.

هو هنا يرفع حجة الخصوصية الثقافية في وجه من يستنكر أوضاع حقوق الإنسان المتردية في مصر، ويمكن هنا أن نقول أنها كلمة حق يراد بها باطل، فقد يكون هناك بالفعل من يرى في منظومة حقوق الإنسان التي جرى عولمتها ويجري فرضها عالمياً باعتباره المنظور الوحيد الذي يجب أن يحكم علاقة الدول بمواطنيها، يرى أن هذه المنظومة هي أبنة النسق الثقافي والحضاري الغربي وأنها -أي هذه المنظومة- تقفز على خصوصيات وقيم الشعوب. لكن في نفس الوقت يصعب استخدام هذه الحجة في تبرير العصف الكامل بحقوق الانسان وتستخدم في شرعنة المذابح ضد المدنيين وشرعنة الاعتقال التعسفي والاخفاء القسري والحبس الاحتياطي غير محدد المدة وغيرها من الممارسات القمعية بحق المواطنين.

ثم يضيف قائلاً “ليه عايز تفرضه عليا؟ طب ليه إنت عايز، مش عايزني أتطور التطور الطبيعي، أو التقدم الحضاري أو الإنساني ليا، آخد وقتي فيه؟ إذا كنت إنت خدت الكلام ده، نجحت فيه خلال 4 قرون، أو 3 قرون. أنا لسه، يعني ده عمر الدولة المصرية كله، حتى لو قلنا من أيام محمد علي لغاية النهاردة، ماكملتش الـ 200 سنة، يعني ماكملناش الـ 200 سنة تقريبا يعني. فإدونا فرصة لو هم كدة، وساعدونا”.

هو هنا يتحدث عن مسألة التطبيق التدريجي لمنظومة حقوق الإنسان، كأنه يقول أنه حتى لو قبل تطبيق المنظومة الغربية لحقوق الإنسان على مستوى الخطاب فلن يستطيع تطبيقها جملة واحدة على صعيد السياسات.

ينبغي أن أشير في ختام هذه النقطة، أن هذه الفقرات الأخيرة بدا كأنه يوجهها للخارج، أو على الأقل يطرح رؤيته وموقفه من قضية حقوق الإنسان، حيث يقول في بداية كلامه عن هذه النقطة “أنا عارف إن فيه ضيوف أجانب موجودين معانا”، كأنه يقول أن كلامه في هذه النقطة موجه لهؤلاء.

الخاتمة: تلخيص واستنتاجات:

ملخص ما جاء في خطاب السيسي خلال الحلقة النقاشية التي أقيمت على هامش مؤتمر تدشين “الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان”: (1) أن الدولة المصرية تواجه تحديات حقيقية، هذه التحديات هي التي دفعت الجماهير للثورة احتجاجاً عليها، لكن حتى مع حسن نوايا مؤيدي الثورة تبقى الثورة نذير فوضى لا رسول تحديث وهي كانت بمثابة إعلان وفاة للدولة، وأن معالجة المشكلات وتحقيق التحديث المطلوب يكون فقط من خلال الدولة وليس بالخروج عليها. (2) أن هذه التحديات التي تعاني منها الدولة سببها: الزيادة السكانية الكبيرة التي تلتهم ثمرات التنمية، ضعف موارد الدولة عن الوفاء بالتزاماتها بتوفير خدمات رخيصة ومجانية للمواطنين، عدم ثقة المواطنين في الدولة، عدم الثقة ذاك سببه الإخوان المسلمين وما يبثوه بين الناس من دعاية مناهضة للدولة. (3) توطين منظومة حقوق الإنسان والديمقراطية في مصر هدف أساسي للدولة، لكن سير الدولة في هذا الطريق محكوم بالتقدم البطيء من جانب المجتمع تجاه تبني هذه القيم، وبالتالي لا تستطيع الدولة فرض هذه المنظومة بالقوة على الناس وإلا أتت بنتائج سلبية. وسبب تعامل المجتمع بحساسية مع قيم حقوق الانسان من تعددية واحترام وقبول الآخر، سببه القيم المتشددة التي ينشرها الإخوان والإسلاميون بين الناس. (4) لا يجب فرض حزمة حقوق الإنسان من جانب الحكومات الغربية على دولتنا، وإلا كان هذا المسلك مسلك سلطوي “دكتاتوري”، فنحن لنا خصوصياتنا، كما أننا دولة حديثة، ولا يمكن أن نطبق منظومة طورها الغرب في 400 سنة خلال سنوات قليلة. (5) رغم أن الإخوان هم المسئولين عن تغذية عدم ثقة المواطنين في الدولة، ورغم مسئوليتهم عن تفشي قيم رفض التعددية ورفض قبول الآخر وتبني تصور متشدد للإسلام إلا أني مستعد بقبولهم كمواطنين إذا لم يعارضوا سياساتي أو يسعوا إلى فرض رؤاهم بالقوة على الدولة أو على المجتمع.

ما نخرج به من هذه القراءة: أن خطابات السيسي وتصريحاته دالة على رؤيته للدولة والمجتمع ورؤيته للطرق الأمثل للتعاطي مع مشكلاتهم؛ فهي بالتالي مصدر جيد للوقوف على رؤيته ولتفسير جوانب من سياساته تبدو غير مفهومة، وهي مصدر جيد أيضاً لمعرفة إلى أين يمكن أن يذهب بقيادته للدولة في مصر، للمصالحة المجتمعية مثلا وطي صفحة الخلاف مع الإخوان أم إلى مزيد من الملاحقة والتضييق على المواطنين.

أن هذه الأفكار التي يطرحها السيسي هي أفكار مكون واسع من المجتمع المصري والنخب المصرية، وليس ذلك فقط، بل يمكن القول أن بعض هذه الأفكار نجد صداها أو نجدها نفسها عند جزء غير قليل من المكون الإسلامي، لذلك يجب التعامل مع هذه الأفكار بجدية، هذا من ناحية، ويجب التفكير في كيفية التواصل مع من يتبنى هذه الأفكار دون صدام، ومحاولة تفهم مخاوفهم وبناء جسور الثقة معهم، كوسيلة للخروج من حالة الانقسام والموات التي وصلتها الحياة السياسية في مصر.

الاستنتاج الأخير، وهو يرتبط بما سبقه، أنه يجب الوعي بوجود مسافة بين الأفكار التي يطرحها السيسي وبين استخدام هذه الأفكار من جانب القائمين على السلطة في تبرير وشرعنة سياسات شديدة السلطوية والإضرار بالمواطن. فقد تكون الأفكار قابلة للنقاش وليست مرفوضة من ناحية المبدأ، لكن المرفوض هو استخدام هذه الأفكار في تبرير القمع الشديد والانتهاكات غير المسبوقة لحقوق الإنسان وفي تبرير العسف بكل صاحب رأي معارض، وفي الوصول بالبلاد إلى حالة غير مسبوقة من الاحتقان والافقار جراء السياسات التقشفية وسياسات الاقتراض غير المنضبطة.

————————————————

[1] أبان توليه منصب مدير المخابرات الحربية.

[2] المرجع السابق.

[3] المرجع السابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

التعاون الفرنسي المصري وتداعياته المسمومة في ضوء تحقيقات “ديسكلوز”

  أبرز ما كشفه التحقيق الاستقصائي الذي نشره موقع «ديسلكوز» الفرنسي يوم 21 نوفمبر 2021…