‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر احتفال السيسي بيوم القضاء المصري.. مضامين ودلالات
مصر - أكتوبر 11, 2021

احتفال السيسي بيوم القضاء المصري.. مضامين ودلالات

احتفال السيسي بيوم القضاء المصري.. مضامين ودلالات

 

احتفل الجنرال عبد الفتاح السيسي يوم السبت 02 أكتوبر 2021م بيوم القضاء المصري الذي نظمته وزارة العدل تحت عنوان «حرَّاس العدالة» بحضور المجلس الأعلى للهيئات القضائية. وهو الاحتفال الذي أقيم فى مركز المنارة بالتجمع الخامس، بمشاركة المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية، بعضوية كل من المستشار عمر مروان وزير العدل، والمستشار سعيد مرعى رئيس المحكمة الدستورية العليا، والقاضى عبدالله شوضة رئيس محكمة النقض، رئيس مجلس القضاء الأعلى، والمستشار محمد حسام الدين رئيس مجلس الدولة، والمستشار عصام الدين فريد رئيس محكمة استئناف القاهرة، والمستشار حمادة الصاوی النائب العام، والمستشار حسين فتحى رئيس هيئة قضايا الدولة، والمستشار عزت أبوزيد رئيس هيئة النيابة الإدارية، واللواء صلاح الروينى، رئيس هيئة القضاء العسكرى، والمستشار نجاح أحمد موسى مساعد أول وزير العدل، أمين عام المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية.

الاحتفال هو الأول من  نوعه بعد القرار الذي اتخذه  السيسي في اجتماعه بالمجلس الأعلى للهيئات القضائية الذي  عُقد يوم 2 يونيو 2021، باعتبار الأول من أكتوبر من كل عام يوما للقضاء المصري، حيث يوافق بداية السنة القضائية الجديدة.[[1]] وكان السيسي قد اتخذ خلال هذا الاجتماع (02 يونيو 2021م) عدة قرارات أخرى أبرزها بدء عمل العنصر النسائي في مجلس الدولة والنيابة العامة اعتبارا من الأول من أكتوبر 2021م. والموافقة على إنشاء مدينة العدالة بالعاصمة الإدارية، وعلى كل جهة وهيئة قضائية موافاة وزارة العدل بطلباتها. وتوحيد المستحقات المالية بين الدرجات المناظرة في الجهات والهيئات القضائية الأربع (القضاء – مجلس الدولة – النيابة الإدارية – قضايا الدولة).

وعدم تكرار أسماء المقبولين للتعيين في الجهات والهيئات القضائية اعتبارًا من خريجي دفعة عام 2018 بالنسبة لمجلس الدولة والنيابة العامة، ومن خريجي دفعة 2013 بالنسبة لهيئة النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة. وإمداد هيئة قضايا الدولة بأسباب عدم قبول طالب التعيين في الوظائف القضائية لتقديمها إلى جهة القضاء في الدعاوى المنظورة. وعدم تكرار ندب العضو القضائي الواحد في أكثر من جهة – عدا وزارة العدل – مع وضع سقف زمني لمدة الندب.

الاحتفال تزامن مع حملة دعاية كبرى نظمتها الآلة الإعلامية للنظام وذلك بالحديث عن تطوير المنظومة القضائية والتركيز بشكل مكثف على تحقيق (المساواة الكاملة) بين الرجل والمرأة فى تولى الوظائف القضائية فى جميع الهيئات القضائية؛ وللتدليل على ذلك استشهدت التقارير الإعلامية في صحف النظام وفضائياته على بدء عمل 11 قاضية فى النيابة العامة، وهو ما يمثل سابقة تاريخية. كما تم تعيين عدد من عضوات هيئة النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة اعتبارا من بداية العام القضائى الجديد بمجلس الدولة.

وكذلك تحقيق المساواة فى الدخل والرواتب بين النظراء فى كل جهة وهيئة قضائية بحيث لا تكون هناك حاجة لرفع الدعاوى المطالبة بتحقيق المساواة. إضافة إلى ميكنة مقار وأبنية المحاكم على مستوى الجمهورية، وتعزيز استخدام الوسائل والتقنيات التكنولوجية فى منظومة عمل المحاكم، بهدف الإسراع فى إجراءات التقاضى والتيسير على المواطنين وتحقيق أعلى درجات العدالة الناجزة، لاسيما مع العمل تحت ظروف استثنائية فى ظل انتشار جائحة كورونا. وتوازى مع ذلك تعديل بعض التشريعات التى تعيق عمل التقاضي، فضلا عن إعداد دورات تأهيلية للقضاة فى جميع درجات وأنواع المحاكم لأداء أعمالهم بشكل أفضل.[[2]]

وخلال الاحتفال ألقى السيسي كلمة ادعى فيها احترام القضاء واستقلاليته وعدم التدخل في شئونه واعتبر ذلك قاعدة ذهبية لا يمكن الحياد عنها مضيفا أن دولة القانون هى الدولة العزيزة بقضائها وقوانينها وتنفيذها، وموجها كل الدعم والتقدير والاحترام للقضاة. وأشار  إلى أن تنظيم العدالة وإدارتها بفاعلية وكفاءة مسألة ضرورية فى بناء دولة القانون، التى كفل الدستور لها استقلال السلطة القضائية، وجعل هذا الاستقلال حائلا دون التدخل فى أعمالها أو التأثير عليها، لضمان صدور الأحكام القضائية وفقًا لقواعد الإنصاف والحماية للمتقاضين، مؤكدا أنه لا شك أن تحصين الأحكام بالعدل والعلم والنزاهة يعزز رسالة السلطة القضائية السامية‪. وأوضح أن التطوير جرى على عدة محاور، ليشمل المقرات والآليات، واستخدام التطبيقات التكنولوجية فى تسهيل الحصول على المعلومة القانونية، وسرعة مباشرة الإجراءات، لإنجاز الدعاوى والخدمات الخاصة بالمواطنين. كما شمل التطوير كذلك بناء القدرات الشخصية وتعزيزها، لانتقاء المتميزين، وتأهيل القادرين على اعتلاء المناصب القضائية‪.[[3]]

ملاحظات شكلية

احتفال السيسي بيوم القضاء المصري.. مضامين ودلالات

هناك ملاحظتان على شكل الاحتفال:

  • الأولى تتعلق بمشاركة ما يسمى بالقضاء العسكري في الاحتفال ممثلا في اللواء صلاح الروينى، رئيس هيئة القضاء العسكرى، في تقليد من المقرر أن يتكرر بشكل سنوي. إضافة إلى ذلك فإن السيسي تجاهل قرار الرئيس الأسبق حسني مبارك الذي اعتبر 07 من أكتوبر عيدا للقضاء واحتفل به مرة واحدة فقط سنة 1988م. ولكنه كان احتفالًا قاصرًا على القضاء العادي فقط، ولم تدع له باقي الجهات والهيئات القضائية.[[4]]
  • الثانية أن كلمات وزير العدل عمر مروان ورئيس المحكمة الدستورية العليا سعيد مرعي تركزت على التملق للسيسي والتودد إليه وكسب وده وذلك بالثناء على توجيهاته بشأن دعم منظومة القضاء وميكنة التقاضي وتجديد مقار المحاكم والمطالبة بتعيين المرأة في النيابة العامة ومجلس الدولة. وادعى مرعي أن دعم السيسي للقضاء والعمل على تأكيد استقلاليته وعدم التدخل في شئونه هو أمر مرئي للعيان ليس بحاجة إلى إشارة أو إشادة.[[5]] وحملت كلمات مرعى مضامين سياسية بحتة تثني على السيسي وتقدح في معارضيه مهاجما من ينتقدون انتهاكات حقوق الإنسان في مصر موجها رسالة لمن يتحدثون عن حقوق الإنسان في مصر، قائلا: «الزموا الصمت خير لكم.. فمصر من أوائل الدول التي تحترم حقوق الإنسان».[[6]]

ملاحظات جوهرية

احتفال السيسي بيوم القضاء المصري.. مضامين ودلالات

الملاحظة الأولى، أن الاحتفال اهتم كثيرا بملف تعيين المرأة في الهيئات القضائية باعتباره إنجازا يحسب للسيسي وللنظام كله؛ وففي 04 أكتوبر  أصدر السيسي قرارا بتعيين 98 من قاضيات هيئتي قضايا الدولة والنيابة الإدارية كأعضاء في مجلس الدولة وهي المرة الأولى التي يتم تعيين كل هذا العدد من النساء في تاريخ المجلس الممتد إلى 75 سنة. وجاء ذلك تنفيذا لقرار المجلس الأعلى للهيئات القضائية، والذي ينص على بدء عمل النساء في النيابة العامة ومجلس الدولة من بداية أكتوبر/تشرين الأول 2021م، وهو بداية العام القضائي الجديد. وفتح مجلس الدولة قبل ستة أشهر باب التعيين في درجتين وظيفيتين في تسلسله القضائي للإناث، مقتصرا على التنفيذ الحرفي والضيق لتعليمات السيسي بالاكتفاء بـ”الاستعانة بالنساء”، من دون إتاحة تعيينهن من أول سلم الوظيفة. معنى ذلك أن ما جرى هو التفاف على النص الدستوري بهدف توظيفه للدعاية للنظام وتجميل صورته أمام القوى الدولية والمنظمات التي تنتقد الملف المتخم في  انتهاكات حقوق الإنسان. وبالتالي يمثل  تصرف المجلس التفافا على النص الدستوري الصريح الذي يلزم جميع السلطات بضمان المساواة بين الذكور والإناث في الوظائف كافة، إذ لم تسمح النيابة ولا مجلس القضاء الأعلى، ولا مجلس الدولة للخريجات الجديدات من كليات الحقوق والشريعة والقانون بالتقدم لشغل الوظيفة القضائية شأن زملائهن الذكور الذين يقدمون حاليا أوراقهم، بل تم قصر التقديم على الأعضاء منهن السابق تعيينهن منذ سنوات في الهيئتين القضائيتين الأقل أهمية في مصر، وهما النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة، والراغبات في العمل قاضيات في مجلس الدولة، ليتم تعيينهن بطريق النقل، وليس بالتعيين المبتدأ، لشغل درجة (مستشار مساعد ب) أو درجة (نائب) بالمجلس، ولم يسمح المجلس للإناث بالتقدم لوظيقة (مندوب مساعد)، وهي أول درجات التسلسل القضائي. كما وضع المجلس شروطا تعجيزية تهدر المساواة مع الذكور الذين سبق قبولهم، ووصلوا إلى الدرجتين الوظيفيتين المختارتين، مثل أن تكون العضو الراغبة في النقل حاصلة على شهادتها العلمية بتقدير امتياز أو جيد جدا فقط، فضلا عن أن يخلو ملف خدمتها بهيئتها الأصلية من أي جزاءات أو ملاحظات، ثم اجتياز المُقابلة الشخصية أمام اللجنة المُختصة بمجلس الدولة، والمشكلة من أقدم سبعة قضاة.[[7]]

الملاحظة الثانية، أن الاحتفال يستهدف التغطية على السمعة السيئة للقضاء المصري بعد الأحكام الجائرة طوال سنوات ما بعد انقلاب 3 يوليو 2013م، بمعنى أن النظام دشن احتفالية الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في سبتمبر بهدف التغطية على جرائمه في الملف الحقوقي وتحسين صورته على المستوى الدولي. نفس الأمر يتكرر في أكتوبر باحتفال بيوم القضاء بهدف التغطية على المظالم وتحويل القضاء إلى أداة انتقام لقمع المعارضين، حيث يقبع أكثر من 70 ألفا في سجون النظام بتهم سياسية ملفقة وكيدية. كما أن الاحتفال يأتي في سياق تتزايد فيه مستويات الانتقاد للنظام بسبب الانتهكات المتواصلة لحقوق الإنسان، حيث تحتل مصر المرتبة الثالثة في أحكام الإعدام. وخلال الفترة الأخيرة فقط يمكن رصد الشواهد الآتية:

  • رصدت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان خلال النصف الأول من عام 2021 عقد دوائر الإرهاب في المحاكم المصرية، 67 جلسة، نظرت خلالها ثلاث دوائر في أوامر تجديد حبس 15288 متهماً على الأقل، موزعين على 1004 قضايا، وأصدرت فيها قرارات بإخلاء سبيل 419 متهماً على الأقل، بنسبة لا تتجاوز 2.7% من إجمالي أوامر تجديد الحبس المنظورة.[[8]]
  • في 16 سبتمبر 2021م وقبل الاحتفال بأسبوعين فقط، أرسل عدد من خبراء  مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مذكرة إلى  سلطات الانقلاب في مصر أعربوا فيها عن قلقهم الشديد بشإن الإعدام الوشيك بحق 12 مصريا عقب محاكمة جماعية في قضية فض “رابعة” الشهيرة. ومن أهم المضامين التي وردت في الرسالة التأكيد على انعدام العدالة في مصر، وأن المحاكمة الجماعية التي جرت أخفقت في الوفاء بمعايير الإجراءات القانونية الواجبة والمحاكمة العادلة، كما شابتها مزاعم الإخفاء القسري والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهينة والاحتجاز التعسفي. لكن الأكثر أهمية في المذكرة الأممية هو تشديد الخبراء على أن فرض عقوبة الإعدام، وتنفيذها، عند انتهاء محاكمة لم تُحترم فيها جميع الضمانات الصارمة للإجراءات القانونية الواجبة ومعايير المحاكمة العادلة، يشكل قتلاً تعسفياً، وهو محظور بموجب القانون الدولي، مؤكدين أنه عندما تُنفَّذ عمليات الإعدام التعسفي على نطاق واسع وبطريقة منهجية، قد يرقى ذلك إلى مرتبة (الجرائم ضد الإنسانية)؛ وقد تنطوي على مسؤولية جنائية عالمية لأي مسؤول متورط في مثل هذه الأفعال. وهو ما قد يفتح الباب أمام محاكمة رموز النظام حال أقدم على تنفيذ أحكام الإعدام الجائرة بحق قيادات  ورموز جماعة الإخوان المسلمين وثورة 25 يناير.
  • وفي منتصف سبتمبر 2021م دان تقرير نشرته الشبكة المصرية لحقوق الإنسان المحاكم الاستثنائية، وقال إن السلطات المصرية أخفقت في الامتثال للمعايير الأساسية للمسارات العادلة في محاكم أمن الدولة العليا للطوارئ وغيرها من المحاكم الاستثنائية كالمحاكم العسكرية. وتضمن التقرير[[9]] التأكيد على أن المحاكمات الاستثنائية انتهكت العديد من المعاهدات الدولية المتعلقة بحق المحاكمة العادلة، لأنها لم تمنح السجناء حق المثول أمام محكمة محايدة، أو حضور جلسة استماع علنية، أو الحق في التمثيل، وغيرها من أبسط الحقوق القضائية، كما انتهكت المبدأ 5 من مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية الذي يتطلب أن يقرر القضاء الأمور من دون تأثير من الفروع الأخرى للحكومة.

الملاحظة الثالثة أن الاحتفال  يستهدف أيضا التغطية على تكريس نظام 3 يوليو لفلسفة وسياسات توريث المناصب في السلك القضائي؛ حيث تكون الأولوية في التوظيف لأبناء المستشارين والقضاة دون غيرهم حتى لو كانت تقديراتهم الجامعية أقل من نظرائهم من أبناء الفقراء والمهمشين. وتجلى ذلك بوضوح في دفعة التعيينات التي صدًّق عليها السيسي ونشرت بالجريدة الرسمية في 05 أغسطس 2021م، بقرارين جمهوريين، الأول برقم 327 لسنة 2021، وتضمن تعيين 204 من خريجي كليات الحقوق والشرطة والشريعة والقانون دفعة 2016 في وظيفة مندوب مساعد بمجلس الدولة، والثاني برقم 328 لسنة 2021 وتضمن تعيين 207 من خريجي نفس الكليات دفعة 2017 في الوظيفة نفسها. وبذلك يكون إجمالي من تم تعيينهم 411 من الدفعتين، حيث تم تعيين  الكثير من أبناء وأقارب مسئولين وقضاة محسوبين على السلطة ومن الموالين لها على رأسهم وزير العدل عمر مروان الذي تم تعيين نجله.  لكن المفارقة السافرة هي تعيين أخوين توأم هما مصطفى ومحمود توفيق عليان، نجلا رئيس محكمة جنايات طنطا. واثنين من أبناء قاض واحد في مجلس الدولة هما عمر وزياد أبو بكر جمعة الجندي.[[10]]

الملاحظة الرابعة أن السيسي بحديثه عن استقلال القضاء إنما يستهدف تضليل الجماهير والرأي العام الداخلي؛ ذلك أن السيسي خلال السنوات الماضية سعى بإصرار عجيب نحو تطويع القضاء بشكل كامل حتى تحول إلى أداة يطوعها النظام لخدمة أجندته وسياساته وسوطا يعاقب به معارضيه. وقد بدأت عملية التطويع مبكرا لكن اغتيال النائب العام السابق هشام بركات في يونيو 2015م، ثم حكمي القضاء الإداري (الأول حكم مجلس الدولة في يونيو 2016م والثاني من الإدارية العليا في يناير 2017م) ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية في أبريل 2016م دفعت النظام إلى تطويع القضاء بشكل كامل ليكون أداة من أدوات السلطة وخادما لسياستها وأجندتها. وهما الحكمان اللذان هددا تماسك النظام ووضعاه في ورطة كبيرة،  إلى أن استطاع بتدخل استثنائي من المحكمة الدستورية العليا وقف هذا المد، بقرار أصدره رئيسها عبد الوهاب عبد الرازق(رئيس مجلس الشيوخ الحالي)  في يونيو 2017 بوقف تلك الأحكام، وتبعه حكم صريح بإلغاء آثارها في مارس/آذار 2018 أصدره رئيسها حنفي جبالي (رئيس مجلس النواب الحالي).[[11]]

  • المحطة الأولى، هي اعتماد نظام السيسي على سياسات الترغيب والترهيب لإخضاع المؤسسة القضائية والهيئات القضائية المختلفة، ومن باب الترغيب وفي ظل الإجراءات الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها الشعب المصري، وانخفاض قيمة العملة المحلية أمام الدولار الأمريكي، وارتفاع أسعار السلع، والخدمات الأساسية، بقيت طبقات محددة تحافظ على امتيازاتها، ومن ضمنهم القضاة، الذين حرص عبدالفتاح السيسي، على ضمان ولاء القسم الأكبر منهم، بمنحهم صلاحيات واسعة، ومكافآت كبيرة وامتيازات ضخمة. ولتحقيق ذلك حافظ السيسي على تخصيص ميزانيات غير مراقبة وغير مفصّلة للجهات القضائية المختلفة، إلى جانب ميزانية وزارة العدل، التي تفيض كل عام عن احتياجاتها الأساسية والإضافية، فتكون الفرصة مواتية لمنح القضاة منحاً وحوافز بمناسبة أو بدون، تحت مسميات مختلفة، كـ”حوافز الجهود غير العادية، وحوافز الإنجاز، ومِنح رمضان والعيدين”، إلى جانب رفع الحد الأدنى للراتب عند التعيين لأول مرة في سلك القضاء إلى نحو 9 آلاف جنيه مصري، وهو ما يضمن منزلة اجتماعية مميزة للقضاة الشباب، وزيادة مطّردة في الأجور للقضاة الأكبر سنا. وقرر مجلس القضاء الأعلى في 25 يونيو 2015، زيادة رواتب أعضاء النيابة العامة، والقضاة بمختلف درجاتهم بنسبة 30 بالمئة، أما في يوليو 2018، فقد أقر وزير المالية محمد معيط، زيادة رواتب قضاة الاستئناف 5 آلاف جنيه تطبّق بأثر رجعي.[[12]]
  • المحطة الثانية في تطويع القضاء هي انتزاع صلاحيات تعيينات رؤساء جميع الهيئات القضائية لتكون في يد السلطة التنفيذية، ووضع حد لنظام الأقدمية المطلقة التاريخي، حيث صدَّق السيسي في 27 أبريل 2017م على مشروع تعديلات قانون السلطة القضائية بقرار رئيس الجمهورية رقم 13 لسنة 2017، وبمجرد تصديق عبد الفتاح السيسي على القانون، بات تعيين رؤساء الهيئات القضائية من صلاحيات الرئيس وليس مجلس القضاء الأعلى، ورغم اعتراض كل الهيئات القضائية على التعديلات إلا انها التزمت بها دون اعتراض يذكر رغم أنه يعصف بأي معنى لاستقلال القضاء. وبهذا القانون استبعد السيسي المستشار يحيى دكروري، صاحب حكم بطلان التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير لرئاسة مجلس الدولة، والمستشار أنس عمارة عضو تيار الاستقلال لرئاسة محكمة النقض، والمستشار محمد خيري طه في المحكمة الدستورية العليا، وغيرهم. وبات اختيار رؤساء الهيئات القضائية يعتمد على التحريات والتقارير الأمنية التي تطورت فيما بعد إلى مقابلات شخصية مع أقدم القضاة في مكاتب الأمن الوطني والمخابرات العامة والرقابة الإدارية، في وضع اعتبره عموم القضاة إهانة لهم ولمنصة القضاء ذاتها.  وتحسباً للحكم بعدم دستورية قانون الهيئات القضائية، أدخل النظام مواد ذلك القانون المعيب في الدستور لتقنين وضع غير طبيعي، وتضمنت التعديلات الدستورية الصادرة في أبريل 2019 تطبيق القاعدة السلطوية ذاتها على المحكمة الدستورية العليا. بالتالي بات رئيس الجمهورية هو من يعين جميع رؤساء السلطة القضائية، متعمّداً إهدار الأقدمية، وليصبح جميع المختارين مدينين له بفضل الاختيار، وأوفياء بعدم الخروج عن سياسة الدولة في كل المجالات.
  • المحطة الثالثة، بالتزامن مع تمرير تعديلات قانون السلطة القضائية، أجرى النظام تعديلات على قانون الإجراءات الجنائية والطعن بالنقض وإلزام المحكمة بالتصدى لموضوع الطعن من المرة الأولى دون إعادة والاعتداد بحضور وكيل عن المتهم أو المدان الغائب أو الهارب ليصبح الحكم الصادر ضده حضوريا وواجب النفاذ، وهى التعديلات التى صدرت بالقانون 11 لسنة 2017م. معنى ذلك أن محكمة النقض أضحت جهة فصل فى الموضوع وليست لنظر قانونية الحكم فقط، وبات يتعين عليها الفصل في القضايا وعدم إعادتها للاستئناف مرة أخرى، وبالتالي وجدت المحكمة نفسها في ورطة كبيرة؛ إما أن تلتزم بصحيح القانون وعدم الاعتداد بالتحريات الأمنية فقط كدليل إدانة وهو ما استقرت عليها أحكامها، أو تتخلى عن هذه المبادئ القضائية المستقرة لأن الالتزام بصحيح القانون سوف يدفع بها إلى صدام غير مأمون العواقب مع النظام، فاختارت المحكمة الإذعان والخضوع للسلطة ولم تتمسك بمبادئ العدالة والنزاهة والإنصاف فسقطت وسقط معها أي معنى للدولة والقضاء والعدالة  التي جرى نحرها على منصات القضاء المسيس على النحو الذي نراه.
  • المحطة الرابعة، التحكم الكامل بالعناصر المُختارة للتعيين في القضاء بعد إكمال دراستها الجامعية وتغيير خلفياتها الثقافية والمعرفية بشكل كامل عبر «الأكاديمية الوطنية للتدريب» وهو ما جرى مع دفعتي2015 و 2016 خلال تعيينهمها في أغسطس 2021م. بالتالي أصبح الجسد القضائي أقرب للعسكري والشرطي، في إطار رؤية السيسي له كذراع للسلطة التنفيذية ومرفق خدمي، وليس كسلطة مستقلة تعمل لصالح الشعب وتراقب السلطتين الأخريين وترشد عملهما. وباتت التحريات الأمنية هي المعيار الرئيس الذي جرى اعتماده من جانب النظام كأساس للتعيين في سلك النيابة والقضاء. وقد فرض النظام على جميع المرشحين للتوظيف في المناصب القضائية حضور دورات في «الأكاديمية الوطنية للتدريب» التابعة لجهاز المخابرات العامة. وما تقرره الأكاديمية هو القرار الأخير والنهائي في قوائم التعيين بما يعني انتزاع صلاحيات التعيين من الهيئات القضائية لحساب “الهيئة الوطنية للتدريب” التي يشرف عليها المخابرات والأمن الوطني.بل إن عملية إعادة التحريات الأمنية والرقابية على أقارب المقبولين امتدت حتى الدرجة الرابعة؛  بالمخالفة لأحكام سابقة من المحكمة الإدارية العليا بحظر مؤاخذة المتقدمين بأفعال وجرائم ارتكبها أقارب لهم، أو بتصنيفات أمنية مزعومة للأقارب، حيث نتج عن هذه العملية، بحسب المصادر، استبعاد نحو 60 اسماً من المقبولين، بعضهم أبناء قضاة مصنفين من قبل الأمن الوطني كمعارضين للنظام.[[13]] و تم استبعاد عمر نجل المستشار سامي درويش، نائب رئيس مجلس الدولة، وأحد القضاة الذين شاركوا في كتابة حكم القضاء الإداري في يونيو 2016م، ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية وما تضمنته من تخلي النظام عن سيادة مصر عن جزيرتي “تيران وصنافير” رغم أنه اجتاز جميع الاختبارات وحصل على تقدير امتياز، وبالمثل تم استبعاد أبناء نحو 14 قاضيا يصنفهم الأمن الوطني كمعارضين للنظام.[[14]] وتقدم أكثر من 40 من أبناء المستشارين والمسؤولين، من المُستبعدين من التعيين في وظيفة مندوب مساعد بمجلس الدولة، بتظلمات لرئيس المجلس، وذلك لأنهم من أوائل خريجي كليات الحقوق، دفعة 2016، واجتازوا الكشف الطبي. وفي تظلماتهم، طالبوا رئيس الجمهورية بحذف معاوني النيابة الذين أعاد تعيينهم في «المجلس» وتعيين المستبعدين بدلًا منهم، بترتيب درجاتهم.
  • المحطة الخامسة، تكريس التحكم السلطوي المباشر في الاختصاصات، وبدأ ذلك منذ خريف 2014 بإصدار قانون مشكوك في دستوريته حتى الآن، يحيل إلى القضاء العسكري التابع لوزير الدفاع عدداً كبيراً من الجرائم والمتهمين بالاعتداء على المنشآت والمرافق العامة، بدلاً من المحاكمة أمام قاضيهم الطبيعي وفقاً للدستور. ثم شهد التعديل الدستوري الأخير عام 2019 الخصم من اختصاصات مجلس الدولة، لتُطلق يد البرلمان في التشريعات من دون اشتراط مراجعته الدستورية والقانونية عليها، ثم إضافة اختصاص الرقابة على قرارات المنظمات الدولية والمحاكم الأجنبية الصادرة في مواجهة مصر إلى المحكمة الدستورية العليا، من دون سند دستوري لذلك في مخالفة للاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها مصر.

 خلاصة الأمر، أن احتفال السيسي بيوم القضاة واعتبار الأول من أكتوبر من كل عام عيدا للقضاء المصري إنما يستهدف به التغطية على عمليات التطويع والإخضاع التي جرت لجميع الهيئات القضائية على مدر السنوات الماضية حتى تحول إلى أداة سلطوية يجرى بها قمع الشعب وقهره بعدما تم العصف بأي معنى لاستقلال القضاء. كما يستهدف أيضا التغطية على السجل القمعي للقضاء عبر استمرار قرارات الحبس الاحتياطي وأحكام الإعدام الجماعية بحق قيادات الإخوان المسلمين وآخرها حكم النقض في يونيو 2021م بحق 12 من قيادات الجماعة وهو الحكم المسيس الذي يكشف إلى أي مدى جرت السيطرة على القضاء حتى تحولت منصات القضاء إلى أدوات قتال يوظفها النظام لقهر الشعب وتكريس أجندته الاستبدادية وحكمه الشمولي، فتحولت المحاكم إلى بنادق، والقضاة إلى قناصة والأحكام إلى قذائف يمعنون بها في قتل من تبقى من الضحايا الذي أفلتوا من المحارق والمذابح الجماعية التي تلت الانقلاب.

من جهة أخرى فإن تعيينات القضاء بشكل عام ومنذ سنوات طويلة تقوم على التحريات الأمنية المجهلة، وقد نبهت دراسة تحليلية أشار إليها الدكتور فتحي فكري، أستاذ القانون العام بكلية الحقوق جامعة القاهرة والتي جاءت بعنوان  «اتجاهات المحكمة الإدارية العليا فى التعيين بالوظائف القضائية»، حيث طالبت الدراسة بتصدى القضاء لأخطاء التحريات الأمنية، وساق عدة نماذج لهذه الأخطاء التي تسببت في حرمان متقدمين لوظائق القضاء بناء على تحريات خاطئة أو مبتورة بما ينتج عنه صدور قرارات لا تقوم على سبب صحيح. وتتفشى في مصر ظاهرة استبعاد مرشحين لتولي وظائف قضائية أو دبلوماسية أو أمنية بسبب مهنة الوالد أو المستوى الاجتماعي للأسرة؛  ولعل أكثر النماذج المأساوية لتلك الظاهرة ما حدث عام 2009 من إقدام شاب على الانتحار نتيجة استبعاده من وظيفة ملحق تجارى بوزارة الخارجية بعد أن اجتاز جميع الاختبارات واعتلى قائمة المرشحين باقتناصه المركز الأول، إلا أن العقبة الكئود المتمثلة فى المركز الاجتماعى «بساطة وظيفة والده» عصفت بتميزه واغتالت تفوقه، فتملكه اليأس القاتل وهوى به إلى الانتحار.[[15]]

ورغم أن دستور 2014 دعا إلى إنشاء مفوضية مستقلة غرضها منع كل أشكال التمييز فى الفقرة الثالثة من المادة 53 من الدستور. بينما تناولت الصلاحية الطبية سرداً بالأمراض التى حددت والتى يمنع بموجبها التعيين فى الوظيفة القضائية كأمراض نقص المناعة المكتسبة وتضخم الكبد والطحال وداء الفيل وإدمان المواد المخدرة والأمراض النفسية والعقلية والصرع وأمراض القلب العضوية والشرايين التاجية وأمراض الأذن المزمنة والفشل الكلوى وضعف الإبصار. لكن هيمنة الأجهزة الأمنية على التعيين في السلك القضائي أو الدبلوماسي أو الأمني أمر مسلم به ونهج يعمل النظام على تكريسه وتقنينه عبر الأكاديمة الوطنية للتدريب.

 

[1] مصطفى عيد زكي/ عيد القضاء المصري.. قرار تاريخي للرئيس السيسي يدخل حيز التنفيذ/ بوابة الأهرام ــ 02 أكتوبر 2021م

[2] يوم حراس العدالة/ رأي الأهرام ـ الأحد 03 أكتوبر 2021م

[3] شادى عبدالله زلطة/ السيسى: ملتزمون باحترام القضاء واستقلاليته ..تحقيق العدالة يضمن سلامة المجتمع وطمأنينة المواطن/ مانشيت الأهرام اليومي ــ الأحد 03 أكتوبر 2021م

[4] في حضور «القضاء العسكري» السيسي يحتفل بيوم القضاء المصري.. وتساؤلات عن تأخر «مجلس الدولة» في تعيين المرأة قاضية به/ مدى مصر ــ  السبت 02 أكتوبر 2021م

[5] رئيس المحكمة الدستورية: دعم السيسي للقضاء واستقلاليته أمر مرئي للعيان/ المصري اليوم ــ السبت 02 أكتوبر 2021م

[6] بسام رمضان/رئيس الدستورية العليا لـ منتقدي حقوق الإنسان : «التزموا الصمت»/ المصري اليوم ــ السبت 02 أكتوبر 2021م

[7] لأول مرة خلال 75 عاماً… تعيين 98 قاضية في مجلس الدولة المصري/ العربي الجديد ــ 04 أكتوبر 2021  

[8] مصر: أكثر من 15 ألف متهم أمام دوائر الإرهاب خلال 6 أشهر/ العربي الجديد ــ06 اغسطس 2021

[9] منظمة حقوقية: محاكم مصر الاستثنائية انتهاك للدستور والمواثيق/ العربي الجديد ــ 15 سبتمبر 2021

[10] مصر توسع التوريث في تعيينات القضاة/ العربي الجديد ــ 08 اغسطس 2021

[11] القضاء المصري… تضييق وتعديلات لضمان التحكم به/ العربي الجديد ــ 03 أكتوبر 2021

[12] هكذا أعاد السيسي هيكلة المؤسسة القضائية في مصر/ الاستقلال ــ  26 فبراير 2019

[13] مصر توسع التوريث في تعيينات القضاة/ العربي الجديد ــ 08 اغسطس 2021

[14] رنا ممدوح/«تعيينات مجلس الدولة».. تظلمات بعد استبعاد أوائل وأبناء قضاة «ﻷسباب أمنية».. وأحد اﻷباء المستشارين: لو علينا شبهات سايبينا ليه على المنصة؟/ مدى مصر ــ 16 أغسطس 2021م

[15] أحمد البهنساوى/ دراسة عن تعيينات القضاء: “حسن السمعة” مرتبط بالتحريات الأمنية المجهّلة/ الوطن ــ الإثنين 27 أبريل 2015

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

دمج الاقتصاد غير الرسمي.. الأهداف والمآلات

  تبلغ قيمة الإيرادات في الموازنة العامة للدولة (2021/2022) نحو 1.365 تريليون جنيه، بينما …