‫الرئيسية‬ العالم العربي تونس تونس.. قراءة في الجدل المثار على خلفية الانقلاب الناعم
تونس - أكتوبر 18, 2021

تونس.. قراءة في الجدل المثار على خلفية الانقلاب الناعم

تونس.. قراءة في الجدل المثار على خلفية الانقلاب الناعم

 

 

في أعقاب الانقلاب الذي قاده التونسي قيس سعيد، في نهاية يوليو الماضي، ثار جدل واسع ليس فقط حول التوصيف الصحيح للاجراءات التي أقدم عليها قيس سعيد، وأسبابها الحقيقية والمفتعلة، وتداعياتها على التجربة الديمقراطية التونسية، وإنما حول عدد من القضايا الأخرى والتي تبدو في جملتها بمثابة مراجعات وتقييم للعشر سنوات الأخيرة منذ اندلاع ثورات الربيع العربي. كأن النشطاء والمثقفين من خلال وقوفهم على هذه القضايا لا يحاولون فقط استكشاف أبعاد الأزمة في تونس وإنما مهتمون بتقييم تجربة امتدت عشر سنوات ومحاولة استشراف مآلاتها في ضوء اخفاقاتها الكثيرة التي كان آخرها انقلاب تونس. وقد تركزت هذه الجدالات حول قضايا ثلاث أساسية، هي:

(1) تجارب ثورات الربيع العربي وهل استنفدت كل فرصها وحظوظها وبالتالي كان الانقلاب التونسي بمثابة كلمة النهاية لتجربة الربيع العربي.

(2) إمكانية توطين الديمقراطية عربياً. فقد قيل كثيراً أن المنطقة العربية تعد استثناءاً ولن تطالها أبداً موجات التحول الديمقراطي، وستظل هذه البلدان عصية عن الدخول في نادي الدول ذات النظم الديمقراطية، وقد أثبتت التجربة الديمقراطية في تونس التي استمرت عشر سنوات أن المنطقة العربية ليست استثناءاً وأن الديمقراطية ممكنة عربياً. فلما وقع الانقلاب التونسي بدا مجدداً أن مقولة الاستثناء العربي عن التحول الديمقراطي أكتسب توكيداً أكثر.

(3) تجارب الإسلاميون في الحكم. وهل بالفعل وضعت تجارب الحكم عقب ثورات الربيع العربي كلمة النهاية لحركات الاسلام السياسي كمشروع يطرح نفسه بديلاً لنظم الحكم العربية القائمة منذ ما بعد الاستقلال.

سنحاول في هذه السطور رصد أهم ما طرح من أفكار حول هذه القضايا الثلاث، مع التركيز بشكل أساسي على وجهات نظر المثقفين والنشطاء المصريين.

الديمقراطية في العالم العربي:

كان السؤال بخصوص إمكانية حدوث تحول ديمقراطي حقيقي في المنطقة العربية من أبرز التساؤلات التي طرحت على هامش «انقلاب القصر الناعم[1]» في تونس، فقد عادت وبقوة الفرضية التي تقول أن المنطقة العربية مستثناة من عمليات التحول نحو الديمقراطية والحداثة.

وكان مما طرح في هذا السياق أن الديمقراطية لا تزال ممكنة عربياً، لكن لابد من وجود بنية تحتية للديمقراطية يجب توافرها كشرط أساسي لإنجاح أية تجربة ديمقراطية عربياً، من هذه الشروط وجود توازن قوى بين الفاعلين يدفعهم للحوار والحلول التفاوضية، أما اختلال موازين القوى لصالح طرف أو عدد محدود من الأطراف دون غيرهم، يدفع هذه الأطراف للاستيلاء على السلطة دون خوف من العقبات، ومن هذه الشروط وجود قوى داعمة بشكل حقيقي لتطبيق النموذج الديمقراطي ولا تنظر له باعتباره مجرد وسيلة للحصول على السلطة أو مستعدة أن تقايض الديمقراطية مقابل التخلص من خصومها السياسيين. وأن مشكلة تجارب التحول الديمقراطي العربية كانت جراء الفروق الكبيرة في القوة ودرجة الحضور بين القوى السياسية، وفي رعونة الفاعلين السياسيين في الداخل، وقوة تأثير عامل التدخل الخارجي، وصعوبة المشكلات الاقتصادية التي تجابه هذه الدول وهو ما يضع التجارب الديمقراطية الوليدة تحت ضغط الاستجابة السريعة لمطالب الشارع ومشكلاته.

في مقالة بعنوان «المسؤولية الديمقراطية والمسؤولية عنها» للكاتب والاكاديمي السوداني عبدالوهاب الأفندي، قال فيها مدافعاً عن التجارب الديمقراطية التي تلت الثورات في تونس ومصر، «هل يمكن تسمية العدوان الوحشي على التجارب الديمقراطية من أعدائها فشلاً؟ ما تسمّى الديمقراطية في مصر بالكاد أكملت عاماً، ولم يكن للجهاز التنفيذي ولا التشريعي سلطان حقيقي فيها، فالرئيس لم تكن له ولاية على الجيش، ولا على الشرطة والأمن، ولا على القضاء، ولا على الجهاز البيروقراطي، ولا على الإعلام. فكيف يوصف بالفشل وهو لا يحكم، خصوصاً أن الجهات التي تحكم بالفعل هي التي قامت بالانقلاب؟ الأمر نفسه يمكن أن يقال في تونس التي أقال فيها الرئيس قيس سعيّد الحكومة التي وضعت تونس من أوائل الدول التي تغلّبت على وباء كوفيد 19 في 2020، إن لم تكن أولها، قبل أن يعرقل عمل الحكومة التي عيّنها بديلاً لها، ثم قام بالانقلاب عليها بحجّة أن الوباء عاد إلى التفشي، في عهده وعهدته، وكنتيجة مباشرة لتصرفاته؟»[2]، مشدداً على مسئولية القوى السياسية الديمقراطية عن إخفاق الديمقراطية في مصر وتونس، وأن «أالديمقراطيات العربية الوليدة لم تتعرّض فقط للاغتيال والاختطاف، بل أيضاً انتحرت بممارسات القائمين عليها». بالتالي فإن عبدالوهاب الأفندي يرى إمكانية الديمقراطية عربياً في الوقت الراهن، وأن تجارب التحول الديمقراطي العربية لم تفشل وإنما أفُشلت بفعل تدخلات القوى الخارجية المعادية للديمقراطية وبفعل رعونة القوى السياسية الديمقراطية في كثير من الأحيان.

ما سبق يؤكده الكاتب الأردني المتخصص في شؤون الحركات الاسلامية محمد أبو رمان، الذي يرى أن التجربة الديمقراطية في تونس -وقد يكون بالتبعية في كل دولة عربية عاشت تجربة التحول سابقاً أو ستعيشها مستقبلاً- لم تجهض بعد، وأن ترسيخ الديمقراطية ليس عملية سلسة تتم بصورة روتينية هادئة ومملة، ففي «المراحل الانتقالية مجال الخطأ والزلل والانحراف والتراجع، ثم التقدّم في أحيان، واسع وكبير، بل هو المسار الأكثر احتمالاً، وليس الخط البياني المستقيم بالتحوّل (…) غالباً ما تقع الدول في مرحلة التحوّل في مشكلات وأزمات عديدة وتواجه تحدّيات؛ مثل تحدّي الثقة بين اللاعبين السياسيين، والفجوة بين السقوف المرتفعة للثورة والديمقراطية والواقع العملي، والأزمات الاقتصادية التي تنجم عادةً عن طبيعة مرحلة التحوّل ذاتها، وغياب التوافق بين الفاعلين السياسيين على قواعد اللعبة السياسية الجديدة، ودور العوامل الخارجية. وهكذا نجد أنّ جملة كبيرة من المتغيرات الرئيسية تؤدّي أدواراً فاعلة في ترسيم المسارات المتعرّجة في مرحلة التحوّل الديمقراطي[3]».

مستقبل الربيع العربي:

هل يمكن اعتبار ما جرى في تونس بمثابة نهاية لملحمة الربيع العربي، واعتباره من جهة أخرى مؤذناً بعودة الأوضاع لما كانت عليه قبل 2011، وبالتالي قدرة دولة ما بعد الاستقلال على البقاء، وعجز القوى السياسية في المنطقة عن طرح بديل أكثر ديمقراطية وقدرة على تلبية متطلبات هذه المجتمعات.

في هذا السياق يؤكد الكاتب والباحث المصري هشام جعفر، أن ثورات الربيع العربي كانت بمثابة إعلان عن نهاية الصيغ والقيم السياسية التي كانت حاكمة للمجتمعات العربية خلال القرن العشرين وفي القلب منها «دولة ما بعد الاستقلال والحركات السياسية الإسلامية والعلمانية التي استندت إلى أيديولجيات شمولية، وأننا بصدد صيغ جديدة لم تتمأسس بعد (..) فالقديم قاد إلى الانفجار، ولم يعد قادرا علي تقديم استجابات لتحديات المجتمع والدولة، ولكن الجديد لم يتبلور بعد[4]»، وأن «سردية الانتفاضات العربية بحثت عن عقد اجتماعي جديد يتم به إعادة بناء الدولة الوطنية بنخب جديدة، وجوهر هذا العقد: الحرية/الديموقراطية، والعدالة الاجتماعية/التوزيع العادل للثروة والفرص والدخل». بالتالي هو يشير إلى أن ثورات الربيع العربي كانت مؤذنة بنهاية الصيغ القديمة التي كانت تحكم علاقة الدولة بالمجتمع، بالتالي سواء نجحت هذه الثورات في طرح نماذج وصيغ بديلة أو فشلت، فإنها بمثابة شهادة وفاة للصيغ القديمة والتي يجب أن تحل محلها صيغ جديدة لم تتبلور بعد. من ثم فهو لا يرى أن الربيع العربي نموذج ينجح أو يفشل وإنما هو سلوك يعني فشل الصيغ القديمة وفقدانها القدرة على الاستمرار.

لكن في المقابل هناك مزاج عام متشائم يرى أن هذا الطرح رغم تماسكه المنطقي ووجاهته، لكنه يُغفل أن النخب السلطوية الحاكمة وصيغ الحكم السائدة رغم اخفاقاتها وشيخوختها إلا أنها نجحت في الاحتفاظ بقدرتها على القمع بل وطورت هذه القدرات، وطورت قدرتها على المراقبة والسيطرة، في وقت لم تنجح فيه الجماهير الغاضبة إلا في الإعلان عن هذا الغضب دون طرح أي صيغ جديدة أو خيال سياسي جديد عما يجب أن تكون عليه السلطة أو تكون عليه علاقتها بالمجتمع. ثم أن هناك النظام الإقليمي والدولي الضاغط والمعارض لأية تغييرات قد تؤثر سلباً على نفوذه ومصالحه، بالتالي فإن دوافع التغيير موجودة لكن شروطه غير متوفرة.

لكن هناك من يشير إلى أن قدرة الحكومات على قمع الاحتجاجات وإجهاض محاولات التغيير، لا تعني بالضرورة استمرار صيغ ونظم الحكم القديمة رغم شيخوختها استناداً فقط على قدرتها على الرقابة والضبط والقمع؛ فإن فشل النضال السلمي للشعوب في تحقيق تطلعاتهم نحو أوضاع أكثر إنسانية وديمقراطية قد يدفع كثيرين لترجيح العنف والقوة كمنهج للتغيير، خاصة مع تواطؤ الدول الغربية مع النظم الاستبدادية في المنطقة ونكوصها عن ادعائاتها برعايتها للديمقراطية ورفضها للاستبداد.

في هذا السياق يعلق أحمد موفق زيدان قائلاً «لعل الجيل الشبابي الحالي وهو يتابع انتصارات طالبان ورضوخ العالم لإملاءاتها؛ سيُعيد التفكير تماماً بمنهجية العمل السلمي والديمقراطي الذي أطلقه الربيع العربي، يوم تراجع مشروع العمل الجهادي والقاعدي والطالباني، مما يعني أن الزخم الذي أطلقه الانتصار الطالباني اليوم قد يدفع جيل المخيمات في سوريا وفلسطين وغيرهما من خيام العالم العربي (لا فرق بين خيام وبيوت ما دامت النتيجة الافتقار إلى الحرية والكرامة هو القاسم المشترك للجميع) للثقة أكثر بمشروع العمل المسلح والعسكري، بعد أن سُدت الأبواب بوجهه، وحينها سيتحمل المسؤولية الغرب والشرق الداعم للأنظمة الاستبدادية في مواجهة الشعوب[5]».

تجارب الاسلاميين في الحكم:

كان ثمة إتفاق واسع بين الباحثين أن تجارب الإسلاميين في الحكم منيت بالكثير من الفشل وكشفت عن مشاكل كثيرة لدى هذه القوى، لكن مع تأكيدهم أيضاً أن فشل تجارب الإسلاميين في الحكم لا يمكن اعتباره مسئولية الإسلاميين فقط وإنما تضافرت على وقوعه عدة عوامل أخرى عرقلت هذه التجارب وعملت على إفشالها.

فيما يتعلق بمشكلات هذه الحركات ونقاط ضعفها التي قادت تجاربها في الحكم للفشل، هناك من يرى أن مشكلة هذه الحركات ليست وليدة اليوم، فعلى مدى السنوات الماضيةً، بدت فروع حركة الإخوان المسلمين في تراجع سريع، فمن جهةٍ لم تنجح في تقديم نفسها بديلاً للنظم السياسية، أو تجنّبت برامج التهميش والعزل السياسي، بحيث صارت مرشّحة للأفول والعزلة الاجتماعية في بعض البلدان، وغير قادرة على تعويض خسارتها من الرأسمال الاجتماعي. ومن جهة أخرى، افتقرت لوجود استراتيجية لبناء تحالفٍ على المستوى الإقليمي أو الدولي، وصارت عبئا على داعميها بعد 2013، بعد فشل حركات الإخوان المسلمين في إثبات جدارتها بصدد أزمتها مع الحكومة المصرية[6].

وفي السياق ذاته، يذكر الأستاذ حسن أبو هنية، وهو باحث أردني متخصص في الحركات الإسلامية، في مقالة له بعنوان «أين أخفق حزب النهضة في تونس» يذكر أن النهضة عاني من مشكلتين؛ (1) هيمنة قلة تتفرد بصياغة الرؤية والأهداف واتخاذ القرارات الاستراتيجية، معتبراً أن هذه معضلة تعيشها كافة الأحزاب باختلاف ايديولوجياتها، وأن هيمنة قلة على حزب النهضة خلقت حالة سماها الباحث روبرت ميشيلز “القانون الحديدي للأوليغارشية”، وبحسب ميشيلز فإن التنظيم الذي تهيمن عليه أقلية يصبح مشروعه هو ديمومة وجوده يصبح بقاء التنظيم وسلامته هو الهدف والقضية ذاتها. (2) المشكلة الثانية هي هيمنة الاهتمام بالشأن السياسي دون اهتمام مماثل بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للناس، فقد أدى الخوف من عودة الاستبداد إلى طغيان الانشغال بنجاح الديمقراطية، وهو ما أدى بدوره إلى نسج تحالفات وقتية للحفاظ على المكاسب الحزبية، وأفضى إلى غياب رؤية اقتصادية اجتماعية خارج الأطر النيوليبرالية التقليدية[7].

بالتالي فإن تضخم الاهتمام بالشأن السياسي دون اهتمام حقيقي بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية وبقاء المجتمع غارق في معاناته، ومع الصعوبات التي فرضها تفشي فيروس كورونا وتأثيره السلبي على اقتصاديات الدول النامة، أدى إلى سخط الشارع على النخب الحاكمة وفي القلب منها الإسلاميين باعتبارهم عاجزين عن معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها الناس ودفعتهم سابقاً للثورة، فخرج الناس مجدداً للشارع هذه المرة للمطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية حتى لو في مقابل عودة السلطوية.

في المقابل يرى الكاتب علي أنوزلا إن فشل حركات الاسلام السياسي خلال المراحل الانتقالية وبعد وصولها للحكم يمكن رده إلى أسباب داخلية منها ما يتعلق بتدبير (تسيير) مرحلة الانتقال الديمقراطي في البلدان التي شهدت إرهاصات هذا الانتقال، ومنها أسباب خارجية تتعلق بالثورات المضادة المدعومة من التحالف الإماراتي السعودي الذي لم يكن يخفي خوفه من ثورات الشعوب، وسعى بكل الوسائل إلى الوقوف ضدها، وإفشال مساراتها أو تحويلها[8]، وهذا السبب الأخير الخاص بالتدخلات الخارجية المناهضة للتحول الديمقراطي في دول الثورات يرى وائل قنديل أنه يفسر سر وقوع الانقلاب التونسي من رئيس يصفه قنديل بأنه «لا يستطيع القيام بانقلابٍ على مستوى عائلته الصغيرة، ومن حيث الجماهيرية هو أكثر ضآلة من أن يقفز بتونس تلك القفزة المجنونة في عمق محيط الثورات المضادة»[9].

نفس الفكرة الخاصة بوجود أسباب سياقية ساهمت بشكل كبير في إفشال تجار الإسلاميين للحكم يشير إليها الباحث الأردني المتخصص في الحركات الإسلامية محمد أبو رمان، حيث يشير إلى أن «المشكلة، غالباً، ليست محصورةً في الإسلاميين، فمن الواضح أنّ النخب السياسية والأحزاب التقليدية غرقت في حسابات الكعكة السياسية، من دون أن تلتفت إلى جيل الشباب الذي فجّر الثورة، وكانت لديه آمال كبيرة وعريضة في تغيير الواقع، لكنّه (هذا الجيل) وجد نفسه أمام حالةٍ، وإنْ تتميز سياسياً بمساحات واسعة من الحرية والديمقراطية، إلاّ أنّها، من زاوية آمالهم وطموحاتهم، أدّت إلى أوضاع سيئة وتدهور في المجال الاقتصادي وتراجع في الخدمات، وهي نتائج مرتبطة، بالضرورة، بالتركة الثقيلة للمرحلة السابقة»[10].

الخاتمة:

حاول هذا التقرير تتبع الجدل الذي أثير على خلفية الانقلاب الناعم في تونس، وأهمية هذه الجدالات أنها حاولت فهم الأبعاد الكبرى لما حدث في تونس، فهي رأت أن الانقلاب في تونس يستدعي مراجعة عدة قضايا كبرى رصدنا منها (1) تقييم تجربة الربيع العربي. (2) إمكانية توطين الديمقراطية عربياً. (3) تجارب الإسلاميين في الحكم.

فيما يتعلق بقضية «تقييم تجربة الربيع العربي»؛ رأى عدد من المراقبين أن رغم ما منيت به تجارب الثورات من فشل على خلفية عودة السلطوية بشكل أشد شراسة مما سبق، إلا أن هذه الثورات كشفت عن كون صيغ الحكم القديمة للحكم وللعلاقة بين السلطة والمجتمع لم تعد صالحة للاستمرار، وأن التشبث بها من قبل الحاكمين لن تمنحها القدرة على البقاء، فقد بدت هذه الصيغ عاجزة أصابتها الشيخوخة وغير قابلة للاستمرار. في المقابل هناك من يرى أن شيخوخة هذه الصيغ وعجزها عن الاستمرار لا يعني بالضرورة نهايتها طالما حرستها نخب الحكم السلطوية وتشبثت باستمرارها خاصة وقد اكتسبت هذه النخب قدرة أكبر على الرقابة والقمع وباتت أكثر خبرة في إجهاض تطلعات شعوبها. لكن هناك صوت ثالث يحذر من مغبة قمع تطلعات الشعوب مشدداً على أن هذا لا يعني بالضرورة تحقيق الاستقرار فإن هذا المسلك قد يقود كثيرين لانتهاج العنف وسيلة لتحقيق التغيير.

أما قضية «توطين الديمقراطية عربياً» فكان ثمة إتفاق على أن المنطقة العربية لا تمثل أي استثناء، وأن الديمقراطية ممكنة عربياً، وأن فشل تجارب التحول في العالم العربي كان نتاج مزالق وقعت فيها القوى الديمقراطية، ونتيجة الدور الذي اضطلعت به القوى المناهضة للديمقراطية والثورات المضادة في المنطقة، ونتيجة المطالب الاجتماعية والاقتصادية الملحة للشعوب العربية التي عجزت القوى الديمقراطية الحاكمة عن تلبيتها، ونتيجة كون التجارب الديمقراطية العربية تجارب غضة عرضة للانتكاسات، وأن هذه المنعطفات التي مرت بها تجارب التحول الديمقراطية ليست هي كلمة النهاية لهذه التجارب.

القضية الأخيرة «تجارب الإسلاميين في الحكم» فقد كان سمة إتفاق على مسئولية قوى الإسلام السياسي التي وصلت للحكم عن هذا الفشل، حتى وإن كانت هذه المسئولية عن الفشل مسئولية جزئية، لوجود عوامل أخرى خارجية قادت هذه التجارب للفشل.

[1] الحدث، حوار خاص بـ “الحدث” مع المفكر التونسي منير السعيداني حول الأحداث الأخيرة في تونس، 26 يوليو 2021، الرابط: https://bit.ly/2WaXJsQ

[2] عبدالوهاب الأفندي، المسؤولية الديمقراطية والمسؤولية عنها، العربي الجديد، 16 أغسطس 2021، الرابط: https://bit.ly/3DajGZW

[3] محمد أبو رمان، الإسلاميون والدرس التونسي، العربي الجديد، 8 أغسطس 2021، الرابط: https://bit.ly/3msAwgz

[4] هشام جعفر، عن مصر والدرس التونسي “1-2”، مصر 360، 14 أغسطس 2021، الرابط: https://bit.ly/3z5Done

[5] أحمد موفق زيدان، بين النموذج التونسي والنموذج الطالباني، عربي21، 16 أغسطس 2021، الرابط: https://bit.ly/383pciv

[6] خيري عمر، الأزمة التونسية في سجال الإسلاميين .. بين المرونة والمواجهة، 9 أغسطس 2021، الرابط: https://bit.ly/3gntbee

[7] حسن أبو هنية، أين أخفق حزب النهضة في تونس؟، عربي 21، 8 أغسطس 2021، الرابط: https://bit.ly/3kbMf0q

[8] علي أنوزلا، لماذا فشل الإسلام السياسي في الانتقال إلى الديمقراطية؟، العربي الجديد، 11 أغسطس 2021، الرابط: https://bit.ly/3khxB7I

[9] وائل قنديل، ولماذا لا ينقلب قيس سعيّد؟، العربي الجديد، 28 يوليو 2021، الرابط: https://bit.ly/3j5sGaH

[10] محمد أبو رمان، هل تبدّد الاستثناء التونسي؟، العربي الجديد، 1 أغسطس 2021، الرابط: https://bit.ly/3D9sv5Z

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

تمديد الإجراءات الاستثنائية في تونس.. الدلالات والتداعيات المستقبلية

  بقرار الرئيس التونسي قيس سعيّد، في 25 أغسطس الماضي، تمديد العمل بالإجراءات الاستثنا…