‫الرئيسية‬ العالم العربي العالم العربي بين فشل الدولة وأزمة الديمقراطية

العالم العربي بين فشل الدولة وأزمة الديمقراطية

مشهد ثوري: اندلاع الثورات الشعبية في تونس، ثم في مصر، ثم في سوريا واليمن. كانت ثورات شعبية عفوية في المقام الاول؛ وليست ثورات من ترتيب طليعة ثورية على غرار الثورة الروسية مثلا. بالتالي لحقت النخب السياسية بالثورة في وقت لاحق، حتى المجموعات الشبابية التي كانت بمثابة مؤشر على السخط المتزايد بين الناس كانوا في معظمهم غير محسوبين على القوى السياسية القائمة، ومن كان منهم صاحب انتماء سياسي وحزبي كانت تحركاته مرفوضة من قبل قياداته.

مشهد انتقالي: بعد نجاح الثورات في تنحية رؤوس النظم التي خرجوا عليها، تم الإعلان عن انتخابات مبكرة، أو مرحلة حكم انتقالي طويلة نسبياً يتقاسم خلالها الثوار وممثلين من جهاز الدولة “عسكريين” السلطة استعداداً وتجهيزاً للانتخابات التي تقود إلى تسليم تقاليد السلطة لحكومة منتخبة ممثلة للشعب الذي خرج في الثورة (في الحالة المصرية انتخابات مبكرة، في الحالة السودانية مرحلة انتقالية طويلة تمهيداً لنقل السلطة).

خلال هذه المرحلة يفشل تحالف قوى الحكم في معالجة القضايا الاقتصادية والمعيشية الأشد إلحاحاً؛ فيفقدون دعم الشارع/ الشعب، ويفقد الشارع إيمانه بقدرة الثورة على تحقيق التغيير المرجو، خاصة مع ظهور انقسامات وخلافات واضحة واستقطابات حادة داخل القوى الحاكمة، وهي إما محسوبة كلها على الثورة، وإما جزء منها محسوب على الثورة والجزء الآخر محسوب على جهاز الدولة.

مشهد انقلابي: مع الاستقطاب الحاد والانقسام بين القوى السياسية المحسوبة على الثورة، وتقديم المصلحة الحزبية على المصلحة العامة، ومع الفشل في معالجة القضايا الأشد إلحاحاً المتعلقة بالاقتصاد والأوضاع المعيشية للناس وما تسفر عنه عادة من تفجر الاحتجاجات الفئوية/ المطلبية، كل ذلك يعطي الضوء الأخضر لتحرك العسكريين ضد الثورات، مستفيدين من إحباط الشارع وفقدانه الإيمان بقدرة الثورات على تحقيق الإصلاح.

هذا التشابه الكبير الذي يكاد يصل حد التطابق بين التجارب الربيع العربي يقود إلى عدة استنتاجات، وهي استنتاجات أولية تحتاج إلى التحقق من درجة صدقها، وهي:

  • أن الانقلابات سبقها فشل واضح للقوى السياسية المحسوبة على الثورة والتي أدارت المراحل الانتقالية في هذه الدول؛ حيث اتسم أدائها بالارتجالية والارتباك، وغلبت مصالحها الخاصة على المصلحة العامة، واستدرجتها الاستقطابات والمناكفات، وانكشف عجزها أمام الشارع وبدا للعيان أنها لا تمتلك رؤية حقيقة للتغيير، وغيرها كثير من ملامح الفشل والضعف التي ظهرت خلال المراحل الانتقالية.
  • انتهاء المشهد الثوري بانقلابات عسكرية سافرة، أو انقلابات مدعومة أو مسكوت عنها من العسكريين كان يعني حلول العنف مكان السياسة والاكراه محل الحوار والتفاوض، وهو يحيل إلى نتيجتين؛ الأولى: أن الدولة نفسها ممثلة في المؤسسات العسكرية هي التي أجهضت الحراك ومحاولات التغيير، مستفيدة من تعثر هذه المحاولات وارتباك القوى المحسوبة على الثورة التي تقود هذه المحاولات للتغيير، وتستفيد الدولة من يأس الشارع من قدرة الثورة على التغيير، خاصة مع ما رافق المراحل الانتقالية من زيادة في تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية. الثاني: أن النخب العسكرية لا تؤمن حقيقة بالحوار والتفاوض وتقاسم السلطة والطرق السلمية في معالجة الخلافات، ومع تغير ميزان القوى لصالحها؛ جراء انفضاض الشارع من حول النخبة السياسية الممثلة للثورة بعد فشل الأخيرة في إدارة المرحلة الانتقالية، تنكص النخب العسكرية عن سلميتها وتلجأ للعنف في حسم المشهد لصالحها.

الغريب في الأمر أن الدولة التي تنقض على مشهد الانتقال الديمقراطي وتجهضه، مستفيدة في ذلك السخط الشعبي الناجم عن تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، هي نفسها المسئولة عن هذا التردي في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية ابتداءاً، ومسئوليتها تلك هي التي قادت الجماهير للخروج عليها مطالبين بالتغيير..

  • أن ثورات الربيع العربي كشفت أمرين؛ الأول: فشل وضعف وعدم جاهزية قوى المعارضة -وعلى رأسها قوى الإسلام السياسي- على إدارة دفة السلطة. الأمر الثاني: فشل الدولة في تلبية احتياجات الناس المعيشية الأساسية، هذا الفشل هو الذي قاد الشعوب للخروج على الدولة والثورة عليها ابتداءاً، وهذا الفشل هو الذي قاد الشعوب للتخلي عن النخب السياسية المحسوبة على الثورة -ويجوز القول النخب السياسية التي قفزت على الثورة واستفادت منها في الوصول للسلطة كانت ترى استحالة الوصول إليها بالاعتماد على جهودها الذاتية- في النهاية مع فشل هذه النخب في تحسين أوضاع الناس.

بالتالي لم يعد الناس يثقون في قدرة المعارضة على تحقيق التغيير، ولم يعودوا يثقون في نزاهة العسكريين وفي ادعاءاتهم بالزهد في السلطة.

والسؤال الختامي: هل الفشل هو فشل النخب السياسية والعسكرية؟ وفشلهم هذا هو الذي قاد المشهد العربي إلى هذا الوضع البائس؟ وهل الأزمة في المنطقة العربية أزمة ديمقراطية؟ أم أن الأزمة الحقيقية هي أزمة الدولة الوطنية الحديثة؛ التي فشلت في تلبية أبسط احتياجات شعوب المنطقة، وفي نفس الوقت تقف عائق أمام أية محاولة حقيقية للتغيير مستفيدة في ذلك من تمتعها بالسيادة المطلقة على الأرض والبشر، ومن احتكارها المطلق للعنف؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الدور المصري في انقلاب السودان.. مداه وأبعاده وتوابعه

    حتى نفهم أبعاد الدور المصري في انقلاب السودان منذ الإعلان في 25 أكتوبر 2021م  وحت…