‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر إلغاء حالة الطوارئ.. قراءة في الأبعاد السياسية والقانونية والاقتصادية
مصر - أكتوبر 28, 2021

إلغاء حالة الطوارئ.. قراءة في الأبعاد السياسية والقانونية والاقتصادية

إلغاء حالة الطوارئ.. قراءة في الأبعاد السياسية والقانونية والاقتصادية

 

 

يطرح توقيت وصياغة قرار الجنرال عبد الفتاح السيسي، بإلغاء حالة الطوارئ مساء الإثنين 25 أكتوبر 2021م كثيرا من التساؤلات؛ ذلك أن توقيت القرار جاء في وقت متآخر (حوالي الساعة 8.49 مساء)، بما يمكن أن يفهم منه أن القرار كان مفاجئا ولم يكن مرتبا له؛ لأن من عادة السيسي عند اتخاذ قرارات مثل هذه أن يعد لإخراجها جيدا وسط زفة إعلامية كبيرة، لكن تآخر التوقيت أضاع على الطبعات الأولى للصحف تناول القرار الأهم، كما أن برامج التوك شو على فضائيات السلطة لم تكن متأهبة لمثل هذه القرار المفاجئ. فإذا كان مرتبا للقرار فلماذا لم يتم الإعلان عنه منتصف النهار حتى يتسنى للصحف والفضائيات إعداد زفة إعلامية كبرى تليق بالحدث في نفس اليوم؟ ورغم ذلك أقامت الآلة الإعلامية للنظام زفة كبرى واعتبرت القرار أحد أهم إنجازات السيسي وانعكاسا لحالة الأمن والاستقرار في البلاد للدخول في مرحلة ما تسمى بالجمهورية الجديدة. يبرهن على ذلك أن نواب البرلمان كانوا يترقبون قرارا جديدا من السيسي بمد حالة الطوارئ  بعد انتهائها فعليا في الثانية عشرة من مساء السبت 23 أكتوبر 2021م.[[1]]

من حيث الصياغة، جاء القرار المفاجئ في تدوينه قصيرة نشرها السيسي على حساباته بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، قائلاً: “يسعدني أن نتشارك معاً تلك اللحظة التي طالما سعينا لها بالكفاح والعمل الجاد، فقد باتت مصر بفضل شعبها العظيم ورجالها الأوفياء واحة للأمن والاستقرار في المنطقة، ومن هنا، فقد قررت، ولأول مرة منذ سنوات، إلغاء مد حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد”. اللافت في هذه الصياغة أن السيسي يعبر عن أشواقه للخلاص من حالة الطوارئ رغم أنه هو من أصدر 18 قرارا متتاليا بإعلانها وتمديدها في جميع أنحاء البلاد في مخالفة صريحة لأحكام ونصوص الدستور الذي جرى الالتفاف عليه تحت مزاعم الظروف الأمنية الخطيرة التي تمر بها الدولة المصرية.

وفي 12 أكتوبر 2017، أصدر السيسي قراراً وافق عليه مجلس الوزراء بإعلان حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد، بعد حادث هجوم الواحات البحرية الذي قتل فيه 17 شرطيا. ومنذ ذلك الوقت تم تمديد حالة الطوارئ بشكل منتظم، مع ترك مدة بسيطة كل 6 أشهر للتحايل على النص الدستوري الذي يمنع مد الطوارئ أكثر من 6 أشهر. وبحسب المادة 154 من الدستور والتي تتنظم إعلان حال الطوارئ في البلاد، استناداً إلى قانون الطوارئ رقم (162) الذي صدر العام 1958، إذ تخول لرئيس الجمهورية إعلانها بعد أخذ رأي مجلس الوزراء، مع إلزامه بعرضها لاحقاً، خلال مدة لا تجاوز سبعة أيام، على مجلس النواب وموافقة غالبية أعضاء المجلس لتمريرها. كما نصت المادة على أن تعلن حال الطوارئ لمدة محددة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، وألا تجدد إلا لمدة مماثلة بعد موافقة ثلثي نواب الشعب. موضحة أن رئيس الجمهورية هو من يعلن حال الطوارئ، وهو من يعلن انتهاءها، كما ينتهي العمل بها إذا رفض البرلمان إقرارها.

وبحسب نص قانون الطوارئ، عدّد الحالات التي يتوجب الاستناد إليها لفرض الطوارئ، والتي شملت الحرب أو قيام حالة تهدد بوقوع حرب، وحدوث اضطرابات داخلية أو كوارث عامة أو انتشار وباء، مما يعني تعرض الأمن العام في أراضي الجمهورية أو مناطق منها للخطر.

ويعطي قانون الطوارئ صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية والحكومة، إذ يسمح باتخاذ إجراءات استثنائية بموجبه، من بينها وضع قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والانتقال والمرور في أماكن أو أوقات معينة، وإحالة المتهمين إلى محاكم أمن الدولة وحظر التجول في بعض المناطق ومراقبة الرسائل، أياً كان نوعها، ومراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والرسوم وكل وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها، وضبطها ومصادرتها وإغلاق أماكن طباعتها، فضلاً عن تمكين الجيش من فرض الأمن. كما يمنح القانون الرئيس والحكومة صلاحية تحديد مواعيد فتح المحال العامة وإغلاقها، ومصادرة أي منقول أو عقار والأمر بفرض الحراسة على الشركات والمؤسسات، وإخلاء بعض المناطق أو عزلها وتنظيم وسائل النقل وحصر المواصلات وتحديدها بين المناطق المختلفة.

ويعطي القانون الحق لمن جرى اعتقاله بموجب الطوارئ في التظلم أمام محكمة أمن دولة عليا إذا انقضت ستة أشهر من تاريخ اعتقاله من دون أن يفرج عنه. وتفصل المحكمة في الأمر على وجه السرعة، ولا يعتبر قرارها نافذاً إلا بعد تصديق رئيس الجمهورية. وبحسب مواد قرارات الرئيس في تمديد أو تجديد الطوارئ، تشترك أغلبها في موادها على أن تتولى القوات المسلحة وهيئة الشرطة اتخاذ ما يلزم لمواجهة الأخطار، وحفظ الأمن بجميع أنحاء البلاد، وحماية الممتلكات العامة والخاصة، وحفظ أرواح المواطنين.

القرار أثار ردود فعل متباينة بين المصريين والمهتمين بالشأن العام، فبينما راح الفريق المقرب من السلطة يشيد بالقرار ويراه حكيما جاء في توقيت مناسب، يرى قطاع من الحقوقيين أن القرار بلا جدوى حقيقية بعدما تم تضمين جميع النصوص الاستثنائية الموجودة في قانون الطوارئ في قوانين أخرى جديدة لا تقل بشاعة عن قانون الطوارئ وإن كانت تتفوق عليه في حجم الصلاحيات الممنوحة للنظام وأجهزته دون أن قيود أو محاسبة. فما الذي يعنيه إلغاء حالة الطوارئ؟ وما دلالة الإلغاء سياسيًا وقانونيًا؟ وما القرارات المنتظرة لتفعيل الإلغاء؟ وما الجدوى من إلغائه على مستقبل قضية المعتقلين السياسيين؟

الآلة الإعلامية للنظام من صحف وفضائيات ومواقع إلكترونية وصفت القرار بالتاريخي والحكيم واشتملت معالجاتها الإعلامية على المضامين الآتية:[[2]]

  • القرار يعكس حالة الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني
  • مردود القرار سينعكس على جميع المجالات وبشكل أساسي في الاقتصاد، بما يسهم في تحسن مناخ الاستثمار وجذب رءوس أموال جديدة.
  • ستظهر ثمار القرار في الحريات العامة بوصفه مؤشرا على احترام حقوق الإنسان وخطوة جوهرية على درب الدولة الديمقراطية الحديثة، دولة القانون والمؤسسات.
  • القرار يعتبر دليلا ساطعا على قدرة الدولة على اجتثاث الإرهاب.

المستفيدون من القرار

المعتقلون نوعان[[3]]:

  • الأول هم المحالون إلى محاكم أمن دولة عليا طوارئ أو جنح أمن دولة طوارئ أو الصادر ضدهم أحكام من محاكم أمن الدولة عليا طوارئ ما زالت في مرحلة التصديق أو تم رفض التصديق عليها وإعادة المحاكمة، هؤلاء لن يستفيدوا بأي حال من الأحوال من قرار إلغاء مد العمل بقانون الطوارئ، وسيخضعون للمحاكم الاستثنائية التي تصدر حكمًا واحدًا لا يقبل المعارضة أو الاستئناف أو النقض، ولا يلغيه إلا التظلم إلى الحاكم العسكري وهو رئيس الجمهورية أو من يفوضه. هذا النوع من السجناء سيظل مطبق عليهم قانون الطوارئ رغم إلغاء العمل به، بمعنى أن إلغاء القانون لا يعني إلغاء محاكم أمن الدولة عليا طوارئ. ومع ذلك، فقد أبدى حقوقيون وقانونيون تفاؤلًا بالطعن على أحكام أمن الدولة عليا طوارئ لاحقًا، خاصة أن قانون الإرهاب وقانون الطوارئ يشوب بعض موادهما شبهة عدم الدستورية.
  • النوع الثاني هم المنتفعون من القرار، وهم المحبوسون احتياطيًا على ذمة قضايا دون أن يحالوا للمحاكمة أو المخلي سبيلهم على ذمة قضايا سياسية، هؤلاء سيتم إحالتهم للمحاكم العادية الخاضعة لقانون الإجراءات الجنائية، وسيتم الطعن على تلك الأحكام من خلال النقض وإعادة الإجراءات والمعارضة والاستئناف فيما يتعلق بالجنح.

وتنص المادة 19 من قانون الطوارئ على أنه “عند انتهاء حالة الطوارئ تظل محاكم أمن الدولة مختصة بنظر القضايا التي تكون محالة عليها وتتابع نظرها وفقاً للإجراءات المتبعة أمامها. أما الجرائم التي لا يكون المتهمون فيها قد قدموا إلى المحاكم فتحال إلى المحاكم العادية المختصة وتتبع في شأنها الإجراءات المعمول بها أمامها”. كما تنص المادة (20) من ذات القانون تنص على أنه “يسري حكم الفقرة الأولى من المادة السابقة على القضايا التي يقرر رئيس الجمهورية إعادة المحاكمة فيها طبقاً لأحكام هذا القانون. ويبقى لرئيس الجمهورية كافة السلطات المقررة له بموجب القانون المذكور بالنسبة للأحكام التي تكون قد صدر من محاكم أمن الدولة قبل إلغاء حالة الطوارئ ولم يتم التصديق عليها، والأحكام التي تصدر من هذه المحاكم طبقاً لما تقرره هذه المادة والمادة السابقة”.

من الناحية القانونية فإن وجود محاكم جنح وجنايات أمن الدولة طوارئ التي تصدر أحكامًا لا تقبل الطعن، وإنما يُشترط لتنفيذها تصديق الحاكم العسكري (رئيس الجمهورية أو من يفوضه) انتهي بدايةً من صباح الأحد 24 أكتوبر 2021م، بانتهاء مدة الطوارئ، بالنسبة للمتهمين الذين قُبض عليهم خلال فترة الطوارئ وما زالوا لم يُحالوا إلى المحكمة، ولكن مصير من تمت إحالتهم بالفعل إلى تلك المحاكم، مرهون بقرار جديد من السيسي لتحديد ما إذا كانت تلك المحاكم ستُكمل محاكمة المتهمين أمامها بوصفها محكمة طوارئ أم أنها ستستكمل المحاكمة بوصفها محكمة جنح أو جنايات عادية. كما يمكن للنيابة العامة أن تبادر وتطلب من محاكم الطوارئ في أول جلسة مقبلة أن تعيد محاكمة المتهمين أمامها كمحاكم عادية وليست طوارئ. كذلك يمكن لمكتب التصديق على الأحكام التابع للحاكم العسكري أيضًا أن يوقف التصديق على الأحكام المعروضة عليه ويقرر إعادة محاكمة المتهمين أمام محاكم عادية. ودون اتخاذ هذه الإجراءات من الرئيس أو النيابة فإن قانون الطوارئ نفسه ألزم باستكمال المحاكمات أمام تلك المحاكم بعد إلغائه، ومن ثم لن يكون لإلغاء حالة الطوارئ أي أثر على محاكمات النشطاء السياسيين الذين لا يزالون يحاكمون أمام محكمة أمن الدولة العليا طوارئ مثل القضية التي يحاكم فيها محمد الباقر وعلاء عبد الفتاح ومحمد إبراهيم (أكسجين) والمقررة في الأول من نوفمبر 2021م، وكذلك قضية يحيى عبد الهادي، المتحدث باسم الحركة المدنية والمقررة في 29 نوفمبر المقبل.

الأبعاد السياسية والاقتصادية

الملاحظة الأهم، أن إلغاء حالة الطوارئ لم تعد مجدية على المستوى الحقوقي بالشكل المتوقع؛ ذلك أن الإجراءات الاستثنائية التي ينص عليها قانون الطوارئ، مثل وضع قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع أو التظاهر، أو الرقابة على الصحف والمطبوعات ووسائل الإعلام، أو إخلاء بعض الأماكن أو حظر التجول في بعض الأماكن، ستظل سارية، ليس بموجب قانون الطوارئ، وإنما بموجب قوانين مثل: التظاهر وتنظيم الصحافة والإعلام، ومكافحة الإرهاب، والكيانات الإرهابية، والقرارات التنفيذية التي تصدر من رئيس الجمهورية أو من رئيس الحكومة، مثل قراره في الرابع من أكتوبر2021، بفرض تدابير إضافية في سيناء استنادًا لقانون مكافحة الإرهاب، وهو الذي يعد بمثابة تقنينًا لاستمرار فرض حالة الطوارئ على تلك المنطقة بدون سقف زمني. فحكومة السيسي وأجهزته قامت خلال السنوات الماضية بتفريغ مواد قانون الطوارئ الاستثنائي في عدة قوانين دائمة.[[4]] معنى ذلك أن السيسي فعليا وعبر سن ترسانة من القوانين الشاذة تمكن من تحويل الاستثناء إلى قاعدة عامة وباتت مصر تحكم فعلا بعدة قوانين سيئة السمعة، فإذا جرى إلغاء الطوارئ فإن نصوص القوانين الشاذة الأخرى تمنح السلطة ما يفوق صلاحيات قانون الطوارئ. وبالتالي فإن كل النصوص الاستثنائية التي تبيح القبض والتفتيش والحبس دون التقيد بقانون الإجراءات الواردة في قانون الطوارئ قد تم نقلها إلى قوانين أخرى وهى مازالت سارية ولا يتطلب تطبيقها إعلان حالة الطوارئ، مثل نصوص قانون مكافحة الإرهاب وقانون الكيانات الإرهابية، وبالتالي مازال لدى السلطة التنفيذية السند التشريعي لعدم الالتزام بقانون الإجراءات الجنائية الطبيعي، فترسانة القوانين المصرية باتت بحد ذاتها استثنائية أصبغ عليها النظام صفة العموم.

الملاحظة الثانية، من الناحية السياسية،  إلغاء حالة الطوارئ  قد تكون بادرة طيبة، لكنها في كل الأحوال لا تشكل أي نقلة نوعية في الحياة السياسية المصرية التي باتت مؤممة بالكامل لحساب السلطة. ويكفي للتدليل على ذلك أن جميع المذابح التي ارتكبها النظام خلال سنوات ما بعد الانقلاب، وكذلك عمليات الاعتقال العشوائية التي طالت مئات الآلاف من المصريين بقي منهم نحو 70 ألفا حتى اليوم في السجون، وكذلك التعذيب الوحشي الذي أسقط مئات الضحايا كلها جرائم وقعت في ظل عدم وجود حالة الطوارئ، التي تم فرضها في أكتوبر 2017م حتى ألغاها السيسي بقراره الأخير. فهل معنى ذلك أن إلغاء حالة الطوارئ ستعود بنا إلى ما قبل سنة 2017؟  وما الفارق إذا؟ كلها سنوات من الظلم والطغيان. وقد تكون هذه الخطوة إيجابية إذا تم تفكيك البنية التشريعية القمعية وإطلاق عشرات الآلاف من السجناء السياسيين، وهذا أمر مستبعد في ظل نظام السيسي. هذه الحقيقة دفعت الحقوقي جمال عيد إلى رهن هذه الخطوة بالإفراج  عن كل سجناء الرأي، وكل من تجاوز مدة الحبس الاحتياطي، وإلا فإن كل ذلك مجرد إجراءات شكلية، تبرهن على أن استراتيجية حقوق الإنسان كاذبة، ومجلس حقوق الإنسان مجرد أكذوبة”.  فهل كان العسكر يحتاجون إلى حالة الطوارئ لممارسة كافة الانتهاكات وكل جرائمهم ومجازرهم وقعت قبل فرض حالة الطوارئ؟ ورغم ضآلة الرهان على قرار إلغاء الطوارئ إلا أن البعض يرى في القرار مقدمة لانفراجه سياسية مرتقبة؛  وقد أشار منسق مجموعة الحوار الدولي، محمد أنور السادات، إلى أن القرار يخاطب الداخل والخارج. فبحسب بيان صحفي صادر عن السادات، اعتبر إلغاء الطوارئ خطوة جيدة تتبعها خطوات وإجراءات -لم يحددها- لتحقيق أهداف الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، ستكون لها آثار إيجابية على الشركاء والأصدقاء. وبالتالي فإن المجتمع المحلي والعالمي يحتاج إلى قرارات إصلاحية حقيقية مقنعة للداخل والخارج ولمنظمات حقوق الإنسان والحكومات والدوائر الغربية خصوصًا في الولايات المتحدة وأوروبا، اللتين وجهتا انتقادات كثيرة في الآونة الأخيرة لسجل حقوق الإنسان في مصر.

الملاحظة الثالثة، أن التناول الإعلامي في كثير من صحف النظام وفضائياته ربط بين القرار والحالة الاقتصادية، من خلال التأكيد على أن إلغاء حالة الطوارئ هو انعكاس لاستقرار المجتمع وقوة مؤسسات الدولة بما يجذب الكثير من الاستثمارات الأجنبية في ظل هذه الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد. وجاء مقال «رأي الأهرام» متبنيا لهذا التوجه، تحت عنوان ««مصر بلا طوارئ» دولة آمنة واقتصاد واعد»، واعتبرت قرار إلغاء الطوارئ رسالة قوية أن مصر دولة آمنة، وخطوة داعمة للاقتصاد المصري، وسيكون له تأثير إيجابي على تحسن مناخ الاستثمار، وجذب رءوس أموال جديدة.[[5]] وهناك من يربط بين قرار إلغاء الطوارئ وموافقة لجنة الخطة والموازنة بالبرلمان في 11 أكتوبر 2021م على مشروع قانون حكومي يقضي بمشاركة القطاع الخاص في مشروعات البنية الأساسية والخدمات والمرافق العامة، وأحالته إلى الجلسة العامة للتصويت النهائي، والذي يهدف في المقام الأول إلى خصخصة الخدمات المقدمة للمواطنين في قطاعات مهمة مثل الكهرباء والمياه والنقل والصحة والتعليم. [[6]] فالشركات الأجنبية لن تخاطر باستثمار أموالها في دولة غير مستقرة محكومة على الدوام بالطوارئ، بالتالي قد يكون إلغاء حالة الطوارئ جرى بتوصية أمريكية أو أوروبية لفتح الباب أمام المزيد من الشركات المتعددة الجنسيات للهيمنة على مشروعات البنية التحتية في مصر كالكهرباء والمياه والصحة والتعليم والنقل.

الملاحظة الرابعة، أن السيسي ما أقدم على هذه الخطوة إلا بعد العصف الكامل بأي معنى لاستقلال القضاء، والانتهاء تماما من تدجين السلطة القضائية والسيطرة المطلقة على مفاصلها من الألف إلى الياء سواء من خلال التشريعات أو آليات التعيين والترقية وتولي المناصب. فالسيسي سعى في سنوات مع بعد انقلاب 3 يوليو نحو تطويع القضاء على نحو كامل، حتى بات سيفه الذي يقطع به رقاب معارضيه بالأحكام الجائرة والمحاكمات التي تفتقد إلى أدنى معايير العدالة. [[7]] عملية التطويع بدأت بمنح القضاة امتيازات مالية ضخمة وتخصيص ميزانيات غير مراقبة.[[8]] ثم انتزاع صلاحيات تعيينات رؤساء جميع الهيئات القضائية لتكون في يد السلطة التنفيذية، ووضع حد لنظام الأقدمية المطلقة التاريخي، بالتصديق على مشروع تعديلات قانون السلطة القضائية بقرار رئيس الجمهورية رقم 13 لسنة 2017، بخلاف التحكم الكامل بالعناصر المُختارة للتعيين في القضاء بعد إكمال دراستها الجامعية وتغيير خلفياتها الثقافية والمعرفية بشكل كامل عبر «الأكاديمية الوطنية للتدريب». بخلاف التعديلات الدستورية في 2019 والتي منحت السيسي صلاحيات واسعة تجعله المتحكم الأول في السلطة القضائية. وبالتالي لم يعد هناك فارق كبير بين المحاكم الاستثنائية والعادية في مصر؛ فالقضاء المصري في عمومه بات استثنائيا أو شبه استثنائي تهيمن عليه السلطة بشكل كامل، وقد تملي الأحكام على القضاة الذين ينصاعون للسلطة أملا في المناصب والامتيازات.

الملاحظة الخامسة، يرى قطاع من الحقوقيين أن هذه الخطوة ما هي إلا استكمال لمخططات تحسين صورة النظام أمام المجتمع الدولي كما جرى خلال إعلان ما تسمى بالاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، وذلك بهدف الحصول على مزيد من المساعدات الدولية من جهة، أو جذب بعض الاستثمارات الأجنبية من جهة أخرى. معنى ذلك أن القرار رسالة للخارج أكثر منها للداخل، فالسيسي أوقف حالة الطوارئ بإرادته، ويرى أن هذه مرحلة جديدة بعد استقرار الدولة، وهذا الحديث يتزامن مع احتمالات لقاء السيسي بالرئيس الأمريكي جو بايدن ومشاريع جديدة للاتحاد الأوروبي في مصر. يبرهن على ذلك أن وزارة الداخلية في اليوم التالي مباشرة من إلغاء حالة الطوارئ دعت عددا من البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية داخل البلاد، وممثلي المجالس الحقوقية، ولجان حقوق الإنسان في مجلسي النواب والشيوخ، ومجموعة من الإعلاميين ومراسلي الوكالات الأجنبية، إلى زيارة أكبر مجمع سجون في مصر في منطقة وادي النطرون بمحافظة البحيرة.[[9]]

الخلاصة، أن قرار إلغاء حالة الطوارئ بحد ذاته جيد، لكن الكارثة هي وجود ترسانة قوانين أخرى مقيدة للحقوق والحريات، أقرها النظام خلال السنوات السابقة، مثل قوانين مكافحة الإرهاب الذي يُعطي صلاحيات واسعة للسلطات الأمنية والقضائية للقبض على المصريين ومحاكمتهم، وكذلك قانون الكيانات الإرهابية، الذي يمنح الدولة حق التحفظ على أموال المصريين ويمنعهم من التصرف فيها. هناك أيضا قانون الإجراءات الجنائية الذي جرى تعديله ومن خلاله تستطيع السلطات التحفظ على المطلوبين والتحقيق معهم لسنوات طويلة ومفتوحة في العقوبات التي تصل للإعدام بنحو 3 سنوات حبسا احتياطيا. علاوة على ذلك فإن “معظم الموجودين بالسجون ليسوا بسبب قانون الطوارئ”، معنى ذلك أن عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين لن يستفيدوا من إلغاء حالة الطوارئ، وكان يمكن وصف القرار بالجيد لو كانت السلطة جادة وصادقة في التعامل مع ملف حقوق الإنسان بالعدل والإنصاف واحترام نصوص الدستور التي جرى سحقها خلال السنوات الماضية. فما قيمة الإعلان عن إلغاء حالة الطوارئ وبالسجون عشرات الآلاف من المعتقلين؟  فقرار إخلاء سبيل المعتقلين السياسيين هو التعبير الحقيقي عن درجة من درجات التحسن في الملف الحقوقي، خلاف ذلك فإن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد دعاية للنظام وخطاب موجه للخارج على غرار إطلاق ما أسماه السيسي الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.[[10]]

 

 

[1] أكثر من 24 ساعة بدون «طوارئ».. ونواب: ننتظر قرار جديد من الرئيس لتمريره الأحد المقبل/ مدى مصر ــ 25 أكتوبر 2021م

[2] «مصر بلا طوارئ» دولة آمنة واقتصاد واعد/ الأهرام اليومي ــ الأربعاء 27 أكتوبر 2021م

[3] انظر تصريحات المحامي الحقوقي طارق العوضي/ ترحيب حقوقي بإلغاء “الطوارئ” في مصر: مواقف مختلفة للمحبوسين احتياطيًا / العربي الجديد ــ 26 أكتوبر 2021

[4] رنا ممدوح/ بعد أن أصبح الاستثنائي عامًا.. ﻻ حاجة للطوارئ/ مدى مصر ــ الثلاثاء 26 أكتوبر 2021م

[5] «مصر بلا طوارئ» دولة آمنة واقتصاد واعد/ الأهرام اليومي ــ الأربعاء 27 أكتوبر 2021م

[6] مصر تُشرك القطاع الخاص في مشروعات البنية التحتية/ العربي الجديد ــ 11 أكتوبر 2021

[7] القضاء المصري… تضييق وتعديلات لضمان التحكم به/ العربي الجديد ــ 03 أكتوبر 2021

[8] هكذا أعاد السيسي هيكلة المؤسسة القضائية في مصر/ الاستقلال ــ  26 فبراير 2019

[9] الداخلية تنظم زيارة للأجانب في افتتاح أكبر مجمع سجون بمصر/العربي الجديد ــ 26 أكتوبر 2021

[10] قراءة في دوافع إلغاء السيسي العمل بقانون “الطوارئ”/ “عربي 21” ــ  الثلاثاء، 26 أكتوبر 2021

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

التعاون الفرنسي المصري وتداعياته المسمومة في ضوء تحقيقات “ديسكلوز”

  أبرز ما كشفه التحقيق الاستقصائي الذي نشره موقع «ديسلكوز» الفرنسي يوم 21 نوفمبر 2021…