‫الرئيسية‬ عالمي اثيوبيا تصاعد الأزمة في إثيوبيا ومصير آبي أحمد
اثيوبيا - نوفمبر 16, 2021

تصاعد الأزمة في إثيوبيا ومصير آبي أحمد

تصاعد الأزمة الإثيوبية ومصير آبي أحمد

 

أقدم آبي أحمد قبل عام كامل على خوض حرب شاملة ضد حكومة إقليم التيجراي في ظل تحولات دولية وإقليمية مهمة ومرتقبة عشية الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي جاءت بالرئيس الحالي جو بايدن؛ فُسِّر الأمر وقتها على أنه قراءة خاطئة لمخاوف الإدارة الأمريكية من التصعيد الإقليمي في قضايا مختلفة كان أبرزها ملف سد النهضة، وحسابات مرتبكة قائمة على عدة تصورات، ثبت هشاشتها لاحقًا، مثل الصلة الوطيدة بنظام الرئيس الإريتري أسياس أفورقي الذي ناصب جبهة تحرير التيجراي عداءً تاريخيًا طوال أربعة عقود على الأقل، وتحمل إثيوبيا، بالغة الضعف سياسيًا اقتصاديًا في واقع الأمر، عواقب حرب أهلية، وقدرة نظام آبي أحمد على مقايضة مكانة إثيوبيا التقليدية بقدرتها على خلخلة النظام الإقليمي بالكامل في البحر الأحمر والقرن الإفريقي والاحتفاظ بشبكة معقدة ومتناقضة للغاية من العلاقات الدولية مع الصين وفرنسا وتركيا وروسيا عوضًا عن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أهم شركاء إثيوبيا في مجالات شتى لاسيما الأمنية والاستراتيجية. فإلى أين وصلت الأزمة؟ وما هي تداعياتها على الداخل والخارج؟ وكيف يُمكن رسم سيناريوهات المستقبل؟ تلك هي التساؤلات التي سنسعى للإجابة عليها..

المشهد الراهن:

استطاعت قوات دفاع تيجراي منذ استعادة السيطرة على الإقليم بعد طرد القوات الفيدرالية خارجه تغيير موازين القوة على الأرض؛ حيث تحوَّلت استراتيجيتها العسكرية من الدفاع إلى الهجوم، وتوسيع دائرة الصراع إلى مناطق استراتيجية أخرى من خلال فتح ثلاث جبهات للقتال ضد القوات الحكومية بهدف إضعافها، والتي تمثَّلت في إقليمي أمهرا وعفر، والمثلث الحدودي بين إثيوبيا وإريتريا والسودان في شمال غرب البلاد. وقد ارتبطت هذه الاستراتيجية بعامل آخر حاسم للصراع تستغلَّه جبهة تحرير تيجراي لحسمه لصالحها، وهو السيطرة على معظم الطرق الرئيسية التي تربط بين أديس أبابا والعالم الخارجي خاصةً في إقليمي عفر وتيجراي بهدف تضييق الخناق على نظام آبي أحمد، ومحاولة توريطه في العديد من الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية؛ لتأليب الرأي العام الإثيوبي ضده. ويشهد الصراع الإثيوبي مرحلةً جديدةً تُضْفِي المزيد من التأزم على المشهد الأمني في البلاد، وتبدو في منظور العديد من المتابعين أنها مرحلة الحسم؛ حيث تعرَّضت بعض المناطق في إقليم تيجراي في أكتوبر الماضي لعدة ضربات جوية حكومية في محاولة لتخفيف الضغط على القوات الإثيوبية في جبهات القتال، خاصةً بعد تحقيق قوات دفاع تيجراي عدة مكاسب استراتيجية مهمة خلال الأيام القليلة الماضية؛ حيث استطاعت التوغُّل في إقليم أمهرا، والسيطرة على العديد من المدن الرئيسية مثل ديسي وكومبولشا الاستراتيجيتين في جنوب الإقليم، والتوجه شرقًا حتى باتت على بُعْد عشرات الكيلومترات من العاصمة أديس أبابا؛ الأمر الذي يثير المخاوف لدى الحكومة الفيدرالية وحلفائها من احتمالية الإطاحة بالنظام الحاكم وسيطرة تيجراي مرة أخرى على الحكم. في المقابل، اتسم موقف رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، بالارتباك في ضوء التفوق العسكري لجبهة تحرير تيجراي في مناطق الصراع؛ حيث أعلن حالة الطوارئ في كافة أنحاء البلاد، ودعا جموع الشعب الإثيوبي إلى حمل السلاح، والمشاركة في القتال، وهي دعوة متكررة للحشد والتعبئة العامَّة لم تحقق أهدافها خلال المراحل السابقة من الصراع؛ بسبب ضعف القدرات القتالية والعسكرية للمدنيين في إحداث تحول جذري في مسار الصراع الدائر في البلاد. كما تعكس فشل القوات الإثيوبية في حسم الصراع وهزيمة قوات دفاع تيجراي، بالرغم من تورط القوات الخاصة التابعة لبعض الأقاليم الإثيوبية في الصراع للقتال إلى جانب القوات الحكومية.[1]

عزلة نظام آبي أحمد:

مع مرور عام على “حملة حفظ القانون والنظام” في إقليم التيجراي وتمكُّن قوات الأخير من الاستيلاء على مدينتي ديسي وكومبولشا الواقعتان على طريق رئيس إلى العاصمة أديس أبابا، تزايدت عزلة نظام آبي أحمد الإقليمية والدولية بشكلٍ واضح، ولم تجدِ سياسة احتواء تناقضات وصراعات القوى الدولية الفاعلة في إقليم القرن الإفريقي نفعًا في نجدة النظام الذي يتوقع محللون أنه في أيامه، أو ساعاته، الأخيرة. واتضح هذا الفشل الإثيوبي في تعليق فرنسا في أغسطس الماضي اتفاق تعاونها العسكري مع أديس أبابا، وتراجُع تركيا عن تعميق صلاتها مع إثيوبيا في أكتوبر بعد تقارير عن زيارة مُرتقبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الشهر نفسه، ووسط انتقادات أمريكية لوحظت منذ مطلع العام الجاري وتصاعدت رسميًا نهاية أكتوبر حسب وزارة الخزانة الأمريكية لما اعتبرته تعاونًا إيرانيًا- إثيوبيًا لتزويد نظام آبي أحمد بمسيرات “درونز” يمكن أن تُستخدم في الحرب على إقليم التيجراي. وإزاء هذه العزلة المُستحكمة لجأ آبي أحمد إلى إعلان حالة الطوارئ العامة (2 نوفمبر) في أرجاء البلاد، ومتبنيًّا لاحقًا خطابًا شعبويًا ومضطربًا للغاية بدعوته مواطنيه حمل السلاح لمواجهة قوات جبهة تحرير التيجراي (المتحالفة مع قوات جبهة تحرير الأورومو وحقَّقتا معًا انتصارات كبيرة ضد القوات الفيدرالية في الأسابيع الأخيرة). كما جاء الإعلان بعد أن لفت في 1 نوفمبر إلى مشاركة جنسيات بيضاء وسوداء من غير الأصول الإثيوبية في الحرب، ساهموا في تضحيات مع الجماعة الإرهابية (جبهة تحرير التيجراي).[2]

تأثيرات الوضع الراهن على إثيوبيا ودول الجوار: بالنسبة لإثيوبيا؛

تتعدد المخاطر المحتملة المترتبة على استمرار الصراع الداخلي في البلاد، ففي حالة نجاح جبهة تحرير تيجراي في السيطرة على العاصمة أديس أبابا، قد تنزلق البلاد إلى حرب أهلية شاملة، نتيجة الإطاحة بحكومة آبي أحمد التي ستقاوم إلى جانب معظم الأقاليم الإثيوبية سيطرة تيجراي على السلطة مرة أخرى. وما يصاحب ذلك من تنامي احتمالات تفكك الدولة الإثيوبية إلى دويلات صغيرة. في ذات الوقت، يعني استمرار الصراع دون حسم استنزافًا لمقدرات الدولة الإثيوبية وتفاقم حالة الاستقطاب والانقسام الداخلي بين الأطراف السياسية في البلاد؛ الأمر الذي يُلْقِي بظلاله على تدهور الاقتصاد الإثيوبي والمزيد من التفكك المجتمعي وتفاقم الاضطرابات السياسية والأمنية والعرقية. ونتيجة لتفاقم التداعيات الاقتصادية للحرب، اتخذ البنك المركزي الإثيوبي في 12 أغسطس 2021، خطوة استباقية أولية، بتجميد جميع التعاملات في ما يتعلق بالقروض والتحويلات، بالإضافة إلى وقف جميع عمليات الاستيراد المباشر من الخارج، بعد ارتفاع سعر الدولار الموازي من 52 بر إلى 75 بر، الذي أعقب إعلان الحكومة التعبئة العامة للقتال ضد جبهة تحرير تيجراي. تأتي هذه الإجراءات على خلفية أوضاع اقتصادية صعبة تعاني منها إثيوبيا منذ شهور في ظل ارتفاع أسعار الموادّ الغذائية، مما اضطر أعدادًا كبيرة من المواطنين إلى النزوح الداخلي خوفًا من شبح مجاعة، كما اضطُرت الحكومة الإثيوبية عبر سفاراتها في الخارج إلى مطالبة جميع الإثيوبيين بدفع تبرعات مالية إجبارية، وسط ضغوط كبيرة تتعرض لها أديس أبابا. أما بالنسبة لدول الجوار؛ فقد بات واضحًا أن تصميم الحكومة الإثيوبية على تنحية الأدوات السلمية جانبًا ومحاولة حسم الحرب في إقليم تيجراي بالوسائل العسكرية، سيقود المنطقة إلى تداعيات وخيمة، تتجاوز مسألة نزوح اللاجئين التقليدية، وقد تصل إلى حد التدخل المباشر، بحكم التشابكات العرقية والسياسية والأمنية في المنطقة. وحذَّرت الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي أخيرًا من احتمال امتداد القتال إلى مناطق أخرى في إثيوبيا، وزعزعة استقرار منطقة القرن الإفريقي برمتها، وهي إشارة تنطوي على دلالة بالغة بأن الحرب يُمكن أن تقود إلى خلط أوراق كثيرة في إقليم يعاني من هشاشة كبيرة في الأمن والاستقرار، ولم يتمكن من تجاوز حروبه السابقة. وفي سياق متصل، أثار انخراط مليشيات محلية إثيوبية جديدة في الصراع الكثير من المخاوف إزاء تعرُّض الإقليم لكارثة المجاعة، وللمزيد من انتهاكات حقوق الإنسان، بل وخروج الأمر عن السيطرة، كما أن هنالك تدخلات مباشرة من الجارة إريتريا في النزاع.[3]

دلالات الوضع الراهن:

تحمل التطورات المتسارعة للصراع الإثيوبي الداخلي العديد من الدلالات الكاشفة لحجم هذا الصراع ومخاطر استمراره. أولها؛ خيارات محدودة لآبي أحمد: في ضوء إخفاق قواته في القضاء على قوات تيجراي، وفشله في تبنّي سياسات بديلة لتغيير المعادلة العسكرية على الأرض، فضلًا عن صعوبة استدعاء أطراف خارجية للتورط في الصراع خوفًا من فرض العقوبات الأمريكية والدولية عليها، وإن كانت بعض الأطراف الإقليمية والدولية تقدم له الدعم اللوجستي مثل الطائرات بدون طيار (الدرونز)، وغيرها؛ لحسم الصراع. وهو ما يعني اقتراب جبهة تحرير تيجراي من إلحاق الهزيمة بالقوات الحكومية والوصول إلى العاصمة أديس أبابا في ضوء محدودية قدرات وكفاءتها العسكرية والقتالية. وثانيها؛ اختلال توازن القوة: تشير نجاحات قوات دفاع تيجراي إلى اختلال ميزان القوة العسكرية في مناطق الصراع الإثيوبية لصالحها. وهو ما يعني اختلال ميزان القوة السياسية لكلا الطرفين لصالح جبهة تحرير تيجراي وما يصاحبه من فرض شروطها في حالة الرضوخ للضغوط الدولية للجلوس على طاولة المفاوضات، وهو ما لا يقبل به آبي أحمد الذي لديه إصرار على الاستمرار في الصراع بالرغم من المكاسب الاستراتيجية التي يحققها خصمه. وثالثها؛ تصدير الأزمات للخارج: يحاول آبي أحمد الالتفاف على الرأي العام الإثيوبي خوفًا من انهيار شعبيته لاسيما عقب فوزه بالانتخابات البرلمانية الأخيرة في البلاد وتشكيل حكومة جديدة، ورغبة في شيطنة جبهة تحرير تيجراي. خاصة بعدما أعلن عن تورط عناصر أجنبية في الصراع الدائر في البلاد، وتورط جهات خارجية في تقديم الدعم الاستخباراتي لجبهة تحرير تيجراي حول تحركات الجيش الإثيوبي. بالرغم من مشاركة بعض القوات العسكرية الإريترية والصومالية للجيش الإثيوبي في الصراع منذ اندلاعه، حسب بعض التقارير الدولية. ورابعها؛ الانزلاق إلى الحرب الأهلية: تمثل دعوة آبي أحمد إلى التعبئة العامة وحمل السلاح لكافة المواطنين مؤشرًا خطيرًا في حالة انفلات الأوضاع الأمنية في البلاد ووصول قوات تيجراي إلى أديس أبابا، وهو ما يُنْذِر بالتحوُّل إلى “حرب الكلّ ضد الكلّ” في البلاد، مما قد يُنْذِر بتفكك الدولة الإثيوبية مستقبلًا. وخامسها؛ خلخلة التحالفات الحكومية: تسعى جبهة تحرير تيجراي إلى التخلص من حلفاء آبي أحمد الرئيسيين بهدف إضعافه وإقصائه من المشهد السياسي؛ على رأسهم قومية أمهرا التي تناصبها العداء تاريخيًّا، في ظل رغبة الأخيرة في إقصاء الجبهة من الساحة السياسية والقضاء عليها، والعودة إلى السلطة مرة أخرى. إذ يعد إخضاع إقليم أمهرا هو البوابة الاستراتيجية للسيطرة على العاصمة أديس أبابا والإطاحة بحكم آبي أحمد، ومِن ثَمَّ العودة مجددًا إلى السلطة في البلاد.[4]

سيناريوهات الأزمة:

ما يجري في إقليمي الأمهرا شمال أديس أبابا، والأورومو جنوبها، يفتح سيناريوهات جديدة بشأن مستقبل البلد الإفريقي الذي كان على مدار عقدين من الزمان واحة للاستقرار في منطقة القرن الإفريقي المضطربة. أولها؛ مواصلة الزحف نحو أديس أبابا: في حال واصلت قوات جبهة التيجراي وحلفاؤهم من الأورومو الزحف نحو العاصمة، عندها لن يكون أمر السيطرة عليها سهلاً، فمع أن طرابي -المتحدث باسم قوات جيش تحرير الأورومو- قال إن هذا التقدم قد يستغرق شهور أو أسابيع، إلا أن سامي ريدا -المقاتل السابق في جبهة تحرير تيجراي، وأحد الذين سلكوا هذا الطريق عند هجوم قوات تحالف جبهة تحرير شعوب إثيوبيا مطلع عام 1991 والمقيم حاليًا في السودان- أكد أنه ليست هناك مراكز عسكرية كبيرة تفصل ديسي عن أديس أبابا. وأضاف ريدا “السبيل الوحيد أمام حكومة آبي أحمد لوقف تقدم جبهة تحرير تيجراي هو استخدام القصف الجوي”، لكنه عاد وأكَّد أن القصف الجوي يجابهه بعض التعقيدات المرتبطة بوجود المدنيين على جانبي الطريق. وعلى صعيدٍ آخر، فالحكومة المركزية لن تستسلم بسهولة بل ستقاتل بشراسة باعتبارها معركة حياة أو موت، خاصةً وأن التحالف الحالي بين التيجراي والأورومو ليس هو التحالف ذاته الذي نسجت خيوطه على الأراضي السودانية عام 1988، وضم حينها فصائل من 9 أقاليم إثيوبية، واكتمل نسج تركيبته العسكرية في مؤتمر لندن فبراير 1991، والذي مثَّل آخر مسمار دُق في نعش نظام منجستو هايلي ماريام (1974 إلى 1991). كما أن هذا الزحف للتيجراي والأورومو قد يثير مخاوف بأن مجموعات عرقية أخرى لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء تقدم هذا الحلف، وهو ما قد يوسع نطاق المواجهة ويجعلها تأخذ طابعًا إثنيًا، وقد تختار مجموعات أخرى ألا تذهب نحو المواجهة العسكرية بل تعلن استقلال أقاليمها. وثانيها؛ وقف الزحف عبر القصف الجوي: السيناريو الآخر أن ينجح آبي أحمد في إيقاف هذا الزحف عبر القصف الجوي، أو يهب حليفه أسياس أفورقي رئيس إريتريا لنجدته. لكن هذا السيناريو يحتاج إلى أن تعبر القوات الإريترية عبر مناطق تسيطر عليها جبهة تحرير تيجراي في شمال أمهرا وشمال غرب تيجراي. وهنا ستنفتح خيارات أخرى أمام التيجراي، وأولها أن يحولوا بنادقهم إلى داخل إقليم الأمهرا الذي سيتركونه خلفهم إن واصلوا زحفهم نحو أديس أبابا، وهو ما سيُعمِّق المواجهة ذات الطابع الإثني بين التيجراي والأمهرا، كما أن الأصوات الانفصالية بين التيجراي ستصبح هي الأعلى. أما الأورومو، فحتى لو أوقف الجيش الفيدرالي زحفهم نحو أديس أبابا فإن السيناريو المُرجَّح أن تعلو كذلك أصوات تطالب بانفصال الإقليم لم تكن هي الأعلى قبل المواجهات الأخيرة. لكن قوات مقاتلي الأورومو لن تستطيع الانسحاب من أديس أبابا في ظل إيمانهم بأنها جزء من أرضهم، بل إنهم يشددون بأن حكام الأمهرا عبر منليك الثاني هم من استبدلوا اسمها التاريخي من (فيفيني) إلى (أديس أبابا). وثالثها؛ سيناريو التسوية؛ أما السيناريو الثالث فيتمثل في أن تنجح الولايات المتحدة في خلق تسوية بين الأطراف المتحاربة، وهو خيار في حال نجاحه سيخلق خارطة سياسية جديدة في إثيوبيا تختلف عما كانت عليه قبل الرابع من نوفمبر 2020.[5]

خيارات نظام آبي أحمد:

لم تبقَ أمام نظام آبي أحمد المتآكل سوى عدة خيارات صعبة، أولها؛ التضحية برأس النظام وتراجع القوى الداعمة له والدفع بسيناريو تفعيل الحوار السياسي الوطني الشامل بعد تأجيلات متكررة قبل انتخابات يونيو 2021 وبعدها، والتوقف عن رهن هذا الحوار بموقف إقصائي ومشروطيات غير واقعية. ويُعزز هذا المسار –الذي يتوقع أن يتزامن مع تحييد مواقف القوات الأمهرية العدائية في مناطق متفرقة من البلاد ووقف الأعمال العسكرية مرحليًا- أبرز شركاء إثيوبيا الدوليون لاسيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لتفادي فشل الدولة الإثيوبية بشكلٍ تام، وما سينتج عن ذلك من تداعيات خطيرة في الإقليم. وتواردت بالفعل تقارير إثيوبية في 3 نوفمبر الجاري عن بحث آبي أحمد خطط خروجه من البلاد إلى “منفى اختياري” (رجح أن يكون في العاصمة الكينية نيروبي). وثانيها؛ خيار استمرار آبي أحمد على رأس سلطة سياسية متآكلة وتصادمية حتى “النفس الأخير”، وهو لا يقل صعوبة عن سابقه من جهة تعميق هذا الخيار للأزمة الاقتصادية والسياسية المُستحكمة في البلاد دون أية آفاق حقيقية للخروج منها، ودون أية ضمانات لتدشين حوار سياسي وطني حقيقي في ظل هذه الأزمة وتداعياتها بالغة الحدة على أغلب سكان إثيوبيا. ويُتوقع أن تُعمِّق عزلة النظام –حال استمراره- من خسائر البلاد وتأجيل تحقق تسوية حقيقية، تُمثِّل إلحاحًا غربيًا ودوليًا، تُعيد الاستقرار وأبنية الدولة وانضباط سياساتها الخارجية. وثالثها؛ وإن كان مُستبعدًا، يتمثَّل في إقدام آبي أحمد على “إعلان سلام” مع كافة القوى السياسية والعسكرية المناهضة لنظامه في البلاد ضمن صيغة “مؤتمر وطني” لإعادة إطلاق “مرحلة انتقالية” شاملة في البلاد تتضمن حدًا أدنى من الشمول الوطني. ويهدد هذا الخيار رفض القيادة السياسية “المعارضة” بإقليمي التيجراي والأورومو (على الأقل) أي دور سياسي لآبي أحمد مستقبلًا.[6]

الخُلاصة؛ لم تنقطع رؤية آبي أحمد لدوره الديني في حكم إثيوبيا وتوحيدها وإعادة أمجادها الإمبراطورية، أو الاستعمارية في واقع الأمر. وحكمت هذه الرؤية إدارته للبلاد وصولًا إلى تكوين حكومة إثيوبية بالغة الضعف وخالية من كفاءات حقيقية. كما شُكِّلت الحكومة دون تمثيل رسمي لإقليم التيجراي، وفي ظل عدم اكتمال العملية الانتخابية في أقاليم ومناطق متفرقة من البلاد عانت تهميشًا تاريخيًا على خلفيات دينية وإثنية وإقليمية صريحة مثل الإقليم الصومالي؛ في مؤشر على تعمُّد آبي أحمد تفويت فرص التسوية أو التوافق في جميع ملفاته الداخلية. كما واصل نظام آبي أحمد تجاهل تحذيرات الحليف الأمريكي له على خلفية الانتهاكات واسعة النطاق واضطراب التحول الديمقراطي، وتطور هذه التحذيرات بشكل ملموس إثر إقرار الرئيس بايدن أمرًا تنفيذيًا في 17 سبتمبر، يُمهِّد الطريق لنظام عقوبات شاملة ضد إثيوبيا، ووصلت مطلع نوفمبر الجاري إلى تعليق استفادة إثيوبيا (إضافة إلى غينيا ومالي اللتان شهدتا انقلابات عسكرية في العام الجاري) من الميزات الاقتصادية النسبية الممنوحة لدول إفريقية بمقتضى قانون النمو والفرص الإفريقي، في مؤشر على تراجع حاد في مكانة أديس أبابا لدى واشنطن. وإقليميًا بدت سياسات نظام آبي أحمد متسقة تمامًا مع تصوراته، في ظل تراجع واضح لبقية مؤسسات الدولة الإثيوبية، عن استدامة الهيمنة الإثيوبية في مناطق نفوذها التقليدية مثل الصومال والسودان، كما اتضح في عدم تدارك أديس أبابا حقيقة تطور الأوضاع في الأخير وفقدان المكون المدني -وفي مقدمته رئيس الوزراء عبد الله حمدوك- زمام المبادرة في المرحلة الانتقالية لصالح المكون العسكري وشبكة حلفائه كما اتضح في انقلاب 25 أكتوبر في الخرطوم، وأن من عوامل هذا التغير موقف الجيش السوداني القوي، وغير المسبوق في العلاقات السودانية الإثيوبية، من أي وجود إثيوبي داخل أراضيه؛ عوضًا عن الموقف الإثيوبي من مصر في ملف سد النهضة. وكان مفهومًا أن تردِّي الأوضاع الداخلية واضطراب سلطة آبي أحمد كانت تدفعه لتبني مواقف إقليمية تصادمية أملًا في تعزيز شرعية النظام والالتفاف حول مشكلاته الداخلية الملحة. وهكذا؛ بعد أن وُصفت سياسات آبي أحمد في بداية عهده “بتصفير المشكلات” فإنه أضحى في صورة نمطية قوامها حالة شعور بالعظمة مصحوبة بالإنكار البالغ والاحتماء بفكرة انتقاء إلهي لقيادته بلاده. وكما تولى قيادة البلاد في ظروف قابليتها للانفجار والتشظي فإن مرحلة ما بعد آبي أحمد ستشهد صعوبات بالغة للغاية في العودة -على الأكثر- إلى ما قبل مارس 2018.

 

[1]  أحمد عسكر، “إلى أين يقود الصراع في إقليم تيجراي إثيوبيا؟”، قراءات إفريقية، 4/11/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/GW3GT

[2]  د. محمد عبد الكريم، “خريف البطريرك: آبي أحمد والخيارات الصعبة”، جريدة الأخبار اللبنانية، (بيروت: عدد 4480، 4 نوفمبر 2021)، ص. ١٤، ١٥.

[3]  جمال علي، “إثيوبيا.. الصراع في إقليم التيجراي ومخاوف الانقسام الإثني”، عربي TRT، 15/10/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/8yoiv

[4]  أحمد عسكر، مرجع سبق ذكره.

[5]  عبد المنعم أبو إدريس، “معركة حياة أو موت في إثيوبيا.. 3 سيناريوهات تحدد مصير زحف التيجراي نحو أديس أبابا”، الجزيرة نت، 4/11/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/GYyqn

[6]  د. محمد عبد الكريم، مرجع سبق ذكره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

تطورات الحرب في إثيوبيا

  انتقل الصراع في شمال إثيوبيا من إقليم تيجراي إلى إقليم أمهرا، في مشهد جديد يجسد الت…