‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر سد النهضة تأثير الوضع في إثيوبيا على سد النهضة
سد النهضة - مصر - نوفمبر 17, 2021

تأثير الوضع في إثيوبيا على سد النهضة

تأثير الوضع في إثيوبيا على سد النهضة

 

على وقع التطورات الميدانية في إثيوبيا، وتهديد “جبهة تحرير شعب تيجراي” بالزحف نحو أديس أبابا، وفي ظل الزيارة الرسمية التي يقوم بها وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى الولايات المتحدة للمشاركة في الحوار الاستراتيجي بين مصر وأميركا، عاد الحديث بقوة عن أزمة سد النهضة الإثيوبي. ففي ظل استمرار الأزمة، تراقب القاهرة عن كثب تصاعد النزاع المسلح في إثيوبيا، خاصةً مع إعلان “الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي” انضمامها إلى القوات المتمردة في إقليم أرومو، متحدثةً عن الاستعداد للزحف إلى العاصمة أديس أبابا. وبات النزاع القبلي في إثيوبيا، يهدد استقرار حكومة أديس أبابا؛ في وقت طُرحت فيه تساؤلات حول الموقف المصري من الوضع الراهن، وتأثير تلك الأوضاع غير المستقرة على ملف السد الذي تواصل إثيوبيا تشييده وتتخوف مصر والسودان من تأثيره السلبي على حصتهما من مياه نهر النيل. ورغم الاتهامات الإثيوبية المتكررة وشبه المباشرة أحيانًا بوقوف القاهرة وراء إثارة القلاقل في تيجراي وغيره من الأقاليم المتمردة، فإن مصر عادةً ما تنفي تدخلها في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ومن بينها إثيوبيا، كما أنها لم تشتبك سياسيًا مع الصراع الدائر هناك. فكيف يُمكن أن تؤثر الأزمة في إثيوبيا على قضية سد النهضة؟ وما هو الموقف المصري من الأزمة؟ وما هو مصير المفاوضات بين الدول الثلاث خلال الفترة القادمة؟ تلك هي التساؤلات التي سنسعى للإجابة عنها..

الربط بين حرب التيجراي وأزمة سد النهضة:

في منتصف يوليو الماضي، أعلنت إثيوبيا أنها حققت هدفها للعام الثاني على صعيد ملء خزان السد، بالتزامن مع فشل الوصول إلى اتفاق برعاية الاتحاد الإفريقي، كما فشلت المساعي المصرية السودانية في الحصول على قرار من مجلس الأمن يعزز موقف البلدين، خلافًا لما ظهر مؤخرًا من إرهاصات شروع إثيوبيا في الملء الثالث لبحيرة السد دون اتفاق مع دولتي المصب. وفي مطلع نوفمبر الجاري، قال رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إن عناصر “غير إثيوبية” انضمت إلى مقاتلي التيجراي، وتشارك في المعارك الدائرة بمناطق مختلفة في إقليم أمهرة، وهو تصريح يأتي في سياق تصريحات إثيوبية رسمية متعددة توجه اتهامات لأطراف خارجية بالسعي نحو تأجيج الأوضاع هناك؛ لأسباب كان بينها استهداف السد. ففي سبتمبر الماضي، أعلن الجيش الإثيوبي إحباط عملية تخريبية لاستهداف السد من قبل التيجراي، وسبق ذلك تصريحات للمتحدث باسم الخارجية الإثيوبية دينا مفتي، قال فيها إن خروج الجيش يأتي في إطار التصدي لما أسماها التهديدات الخارجية التي تهدف لعرقلة الملء الثاني. وهذه الاتهامات عادةً ما عزاها مراقبون إلى كونها مُوجَّهة إلى مصر لاعتبارات الصراع حول مياه نهر النيل، خاصةً أنه سبق أن اتهمت أديس أبابا، القاهرة والخرطوم، بدعم أعمال العنف بإقليم بني شنقول غومز -الذي يحتضن السد- إضافةً إلى إعلان وكالة أمن شبكات المعلومات الإثيوبية، إحباط العديد من الهجمات السيبرانية كان مصدرها مصر في يونيو 2020، بهدف تعطيل الأنشطة الاقتصادية والسياسية في إثيوبيا، فيما لم ترد السلطات المصرية على هذه الاتهامات.[1]

الموقف الأمريكي من حرب التيجراي:

مع زيارة سامح شكري للولايات المتحدة، وفتح ملف سد النهضة؛ وجب الإشارة هنا إلى الموقف من حرب التيجراي، فالمراقب للهجة التواصل بين الخارجية الأمريكية والحكومة الإثيوبية يلمح حجم المشاكل في الوقت الحالي بين البلدين، إذ أن العبارات المستخدمة في الخطاب الأخير بين أنتوني بلينكين ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تكاد تنحصر في: “أدان، وشدد وحث” وغيرها من الكلمات التي توضح رغبة واشنطن في إحداث تغيير على أرض الواقع. وفي ذات السياق فإن أوضاع المدنيين في تيجراي أصبحت أكثر خطورة منذ بدء القتال في نوفمبر، حيث شدَّد بلينكين على أهمية وقف إطلاق النار الثنائي فورًا. وأدان تدمير الجسور والعقبات التي تواجه العاملين في المجال الإنساني، وحثَّ على اتخاذ سلسلة من الخطوات التي حددها مجلس الأمن الدولي. ووصل الوضع إلى أن سحبت الولايات المتحدة طاقمها الدبلوماسي غير الأساسي من إثيوبيا لتفجُّر الأوضاع هناك. وبالرغم من مناقشة مجلس الأمن الأوضاع في إثيوبيا، إلا أن أديس أبابا ليست مُمثلة في مجلس الأمن، إذ تشغل حاليًا المقاعد الإفريقية الثلاث كل من تونس والنيجر وكينيا. وكانت تونس قد قدمت مقترحًا بأن يسعى مجلس الأمن الدولي من أجل التوصل إلى اتفاق مُلزم بين إثيوبيا والسودان ومصر بشأن تشغيل سد النهضة، والذي عملت البعثة الإثيوبية في الأمم المتحدة على حشد أغلبية في مجلس الأمن ضد المقترح التونسي.[2]

هل يؤثر الوضع في إثيوبيا على سد النهضة؟

يرى البعض أن التهديد الذي يواجهه رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، واحتمال إزاحته من الحكم، أمر إيجابي بالنسبة لمصر وموقفها من سد النهضة. ويعود السبب إلى أن الاضطرابات السياسية التي تشهدها إثيوبيا، وتهديد العاصمة، من شأنها تعطيل مشروع السد، وإضعاف موقف أبي المتشدد في رفضه أي تراجع عن قراره بإتمام ملء السد، قبل التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم مع دولتي المصب مصر والسودان. بينما يرى البعض الآخر –وهو الأرجح- أنه حتى لو عادت إثنية تيجراي إلى الحكم في إثيوبيا، فإن ذلك على الأغلب لن يغير في الأمر شيئًا بالنسبة لمصر. فعلى الرغم من أن أبي أحمد يتعامل في ملف سد النهضة بتشدد، ويحقق منذ عام 2018 انتصارات في هذه القضية على حساب مصر والسودان، لكن قبله كانت إثنية تيجراي تفعل ذلك، وهي من بدأت في تشييد السد أصلًا. وبالإضافة إلى نجاحها في موضوع السد، فإن لدى إثنية تيجراي خبرة في الحكم والسياسة منذ عام 1991، على عكس أبي أحمد الذي فشل سياسيًا، ولم يحقق أي نجاح يذكر سوى في ملف سد النهضة، وكان ذلك على حساب مصر والسودان. والوضع الحالي يؤكد أنه كلما تكرَّست الأزمة الداخلية في إثيوبيا وشعر أبي أحمد بخطر طرده من السلطة وسقوط سياساته، كلما زادت المبالغة في تحويل معركة سد النهضة إلى معركة وجود يوهم فيها الشعب الإثيوبي أنه يصنع لهم مستقبلهم ببناء السد السحري، الذي يسبب مشكلات بنيوية لكلٍّ من مصر والسودان. ولن يخفف في نفس الوقت من مخاطر الحروب الأهلية بين الأعراق في البلاد التي تواجه جذورًا استبدادية واستحواذًا مركزيًا وأحقادًا قديمة ونعرات ثأرية دموية.[3]

مصير مفاوضات سد النهضة:

بالنسبة لإمكانية عقد جولة جديدة من المفاوضات بين السودان ومصر وإثيوبيا، برعاية الاتحاد الإفريقي، كما اقترحت الولايات المتحدة، فقد صار ذلك مُستبعدًا، لأن السودان الآن خارج الاتحاد الإفريقي، بقرار من مجلس السلم والأمن الإفريقي بعد انقلاب البرهان. حيث تم تعليق عضوية السودان في منظمة الاتحاد الإفريقي، وبموجب ذلك التعليق فإن السودان لا يشارك في أي نشاط أو اجتماعات أو فعاليات للمنظمة، ولا يحضر في أي ملتقى لأي هيئة، أو وكالة، أو مؤسسة رئيسية، أو فرعية في منظمة الاتحاد الإفريقي. وإذا كان الاتحاد الإفريقي هو الذي يرعى ولا يتوسط في المفاوضات الثلاثية بين الدول المتنازعة (مصر وإثيوبيا والسودان)، فكيف يكون هناك مفاوضات ورعاية من الاتحاد الإفريقي، مع مشاركة دولة عضويتها مُعلَّقة في المنظمة؟ وعلى صعيد المفاوضات في قضية سد النهضة، حمل شكري في حقيبته وهو متوجه إلى العاصمة واشنطن، طلبًا مصريًا لأميركا من أجل الضغط على أديس أبابا في هذا الملف، لكن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، عبَّر عن موقف بلاده من هذه القضية، في المؤتمر الصحافي الذي عقده مع نظيره المصري في واشنطن قبل أيام. وقال إن واشنطن “تدعم بدء جولة مفاوضات جديدة بين الأطراف الثلاثة (مصر والسودان وإثيوبيا) من دون شروط مُسبقة”. من جهتها، أفادت الخارجية المصرية في بيان حول زيارة شكري بأنه “في ما يتعلق بسد النهضة الإثيوبي، جدَّدت الولايات المتحدة تأكيد دعم الرئيس جو بايدن للأمن المائي لمصر، ودعت إلى استئناف المفاوضات حول اتفاقية بشأن سد النهضة وبرعاية رئيس الاتحاد الإفريقي، اتساقًا مع البيان الرئاسي الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 15 سبتمبر الماضي، واتفاق إعلان المبادئ لعام 2015”.[4]

الخُلاصة؛ لا شك أن سقوط حكومة آبي أحمد –حال حدوثه- من شأنه أن يعيد ترتيب الكثير من الأوراق في إثيوبيا وفي منطقة شرق إفريقيا، وذلك يُمثِّل فرصة تتيح مجال أوسع أمام مصر للتحرك على كل المسارات وليس المسار التفاوضي والسلمي فقط، وكذا أوراق إضافية يُمكن استخدامها للحصول على تنازلات تقترب من الحد الأدنى للمطالب المصرية في ملف السد. فالصراع في إثيوبيا يزيد من فرص الجرائم ويخلق بيئة حاضنة وخصبة للإرهاب، وانتشار جماعات الجريمة المنظمة كتهريب المخدرات والسلاح والبشر والهجرة غير الشرعية، في ظل وجود حدود كبيرة بين الدول، وكون المنطقة قبلية، والقبيلة الواحدة تنتشر في أكثر من دولة. ولتجنب تلك المخاوف، من غير المُستبعد أن ترعى القاهرة وساطة بين أطراف النزاع لو رغبت أديس أبابا في ذلك، في إطار الحرص على الاستقرار الداخلي وتهدئة الأوضاع. لكن من ناحية أخرى، وفي ظل الترويج الإثيوبي لسد النهضة على أنه المُنقذ الوحيد للشعب الإثيوبي من أزماته، وتعلُّق الشعب الإثيوبي بهذا الأمل لسنوات؛ فإنه تبقى محاولات مصر لتوظيف الأزمة لصالحها أمر في غاية الصعوبة. وفي الأخير؛ ربما تعطي الأزمة الإثيوبية المُمتدة لمصر مزيدًا من الوقت على المدى القريب لتوفير بدائل مائية تقلل فرص حدوث الفقر المائي لمصر، لكنها على المدى البعيد لن تكون المنقذ لمصر من مخاطر السد كما يعتبرها البعض. والأيام القادمة ستكشف مدى إمكانية تأثير حرب التيجراي على ملف سد النهضة بصورة أكبر.

 

[1]  محمود سامي، “سد النهضة وزحف التيجراي.. تساؤلات حول الموقف المصري من الصراع الإثيوبي”، الجزيرة نت، 4/11/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/DarVH

[2]  ديفيد ايهل، علاء جمعة، “مشكلة سد النهضة وإقليم تيجراي ..إثيوبيا في مفترق طرق خطر”، DW، 9/7/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/KSz16

[3]  “انعكاسات مواجهات تيجراي على سد النهضة: تشدد إثيوبي أكبر”، العربي الجديد، 13/11/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/z541u

[4]  “انعكاسات مواجهات تيجراي على سد النهضة: تشدد إثيوبي أكبر”، مرجع سبق ذكره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

التعاون الفرنسي المصري وتداعياته المسمومة في ضوء تحقيقات “ديسكلوز”

  أبرز ما كشفه التحقيق الاستقصائي الذي نشره موقع «ديسلكوز» الفرنسي يوم 21 نوفمبر 2021…