‫الرئيسية‬ العالم العربي أوجه الشبه والاختلاف بين انقلابي مصر والسودان
العالم العربي - نوفمبر 18, 2021

أوجه الشبه والاختلاف بين انقلابي مصر والسودان

أوجه الشبه والاختلاف بين انقلابي مصر والسودان

 

اندلعت الثورات العربية في كل من تونس، ومصر، واليمن، وليبيا، وسوريا؛ من أجل الحرية، والعيش الكريم، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، وتبعها بعد وقت انتفاضات السودان، ولبنان، والجزائر، لرغبة الشعوب في التخلص من قبضة الاستبداد الذي جثم على صدورها لعقود عديدة. ولكن حدث ما لم يتوقعه الذين أشعلوا فتيل هذه الثورات، وقامت الثورة المضادة بالوقوف في مواجهة تلك الاحتجاجات، ولم يهدأ أنصار الثورة المضادة إلا بعد الانقلاب على المسار الديمقراطي. فكان انقلاب الجيش في مصر، وتدخُّل السعودية والإمارات في اليمن وأشعلوا نيران الحرب التي لا تزال لهيبها مستمرة، مما أدى لتحويل اليمن إلى دولة تعاني من كوارث متوالية. والنموذج الليبي تحوَّل إلى نزاع مسلح بين شرقي ليبيا وغربها، ولا تزال الأمور تراوح مكانها على الرغم من الحراك السياسي الحادث الذي يأمل الجميع أن يؤدي إلى إجراء انتخابات في نهاية هذا العام للخروج من المأزق المُصطنع. أما سوريا فتحولت إلى حرب بالوكالة تدخَّلت فيها قوى دولية وإقليمية، وفاقمت من أزمتها. أما تونس فقد انتهى الأمر بها إلى انقلاب قيس سعيد الرئيس المدني على الشرعية هناك، بدعم من العسكر. وفي السودان وصلنا إلى نفس النتيجة تقريبًا بعد انقلاب البرهان الأخير في 25 أكتوبر الماضي على المُكون المدني. وربط البعض بين الخطاب الذي ألقاه الفريق أول عبد الفتاح البرهان القائد الأعلى للجيش السوداني في 25 أكتوبر 2021 وبين الخطاب الذي ألقاه في 3 يوليو 2013 وزير الدفاع المصري المشير عبدالفتاح السيسي آنذاك؛ فالأول فرض حالة الطوارئ وحل مجلسي السيادة والوزراء ووعد بالتحول الديمقراطي، وهو مسار قريب مما حدث في مصر، مع تباين في بعض التفاصيل التي تؤكد الخصوصية في كل دولة. فماذا كانت خلفيات المسارين المصري والسوداني؟ وما هي أوجه الشبه والخلاف بينهما؟ وكيف يُمكن أن تستفيد الدول العربية من التجربتين للخروج من أزماتها؟ تلك هي التساؤلات التي سنسعى للإجابة عنها..

خلفيات المسارين المصري والسوداني:

أخذ البعض من السودانيين المقارنة بين البرهان والسيسي إلى النتيجة النهائية، وهي أن الأول يعد العدة ليكون رئيسًا للبلاد من دون توقف عند الفواصل الزمنية والسياسية والأمنية، فقد كان نموذج السيسي رائدًا في المنطقة ما سهل الطريق لنجاحه في الوصول إلى السلطة باستخدام أدوات وآليات بدت ديمقراطية وسط ممانعة من قِبل الإدارة الأميركية في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما الذي تلقى صدمة قاسية بسقوط نظام جماعة الإخوان في مصر. ووظَّف السيسي سلاح المظاهرات كي ينفي صفة الانقلاب العسكري، وخرج الملايين من المصريين في ثورة شعبية لتنحية الجماعة عن السلطة، وتوافرت بنية سياسية في الشارع دعمها الجيش انصبَّت مطالبها الرئيسية على عزل الرئيس محمد مرسي، ما جعل البيئة الداخلية مهيأة للقبول بالنتائج التالية. بينما يخوض البرهان معركته السياسية ضد الجماعة المدنية ومعه حركات مسلحة وأحزاب كانت أعلنت رفضها لما وصلت إلى الحكومة برئاسة عبد الله حمدوك، وخرجت في تظاهرات ضدها تطالب بعزلها، لكن التظاهرات المضادة والمتزامنة معها قلصت المساحة السياسية التي أرادتها الأولى، وكاد الأمر يصل إلى صدام يصعب تطويقه. وتدخَّل البرهان في أجواء بدت غير مهيأة، حيث حقق الجيش نصف انتصار ونصف هزيمة، إذ انتشر مؤيدوه في الشوارع من دون توفير الدعم الكافي لتغيير الحكومة، وهو ما أدى إلى إصدار قرارات فوقية تنقصها المقومات السياسية الكاملة التي تضمن تطبيقها بسهولة، مصحوبة باعتقالات طالت الكثير من القيادات المدنية.[1]

الموقف الغربي والأمريكي من التجربتين المصرية والسودانية:

أكد عدد من الخبراء تناقض الموقف الغربي والأمريكي من انقلاب عبد الفتاح البرهان بالسودان، والانحياز للمكون المدني والثوري بالسودان ضد ممارسات البرهان الأخيرة، مقارنةً بما جرى بمصر عام ٢٠١٣ وانقلاب الجيش المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي على أول رئيس مدني منتخب محمد مرسي. ورأى الخبراء أن هناك عددًا من الأسباب التي أدَّت إلى هذا الموقف المتباين من الانقلابين بالبلدين، سواء التطبيع من جانب السودان ومكونها المدني واستعادة العلاقات مع أمريكا سريعًا وبشروطها كافة، مقابل مخاوف على أمن الاحتلال ودعم فلسطين وأهلها، خاصةً في العدوان على غزة عام ٢٠١٢ من جانب الرئيس مرسي وقتها. وعقب الموقف الأمريكي والغربي المتشدد من انقلاب عبد الفتاح البرهان، جرت مقارنات بين هذا الموقف المتشدد ضد البرهان والموقف المتراخي مع السيسي عقب انقلابه على مرسي. حتى وصف البعض موقف الغرب وأمريكا من السودان بالبراجماتي، بمعنى أنه طالما كان هناك حفاظ على المصالح والثوابت بالنسبة له، من قبيل التطبيع مع الكيان الصهيوني أو الالتزام، وهو ما تم بالفعل عقب ثورة السودان. الشاهد في الأمر أن ما يحرك أمريكا والغرب هو لغة المصالح في نهاية المطاف، كذلك الاستقرار حتى لو على حساب حرية الشعوب، وهو ما يستطيع فعله الحكم العسكري الذي يملك أدوات هذا الأمر، ولا يهم أمريكا والغرب كثيرًا آلية ذلك، لكن المهم ألا تتأثر المصالح ويتم الحفاظ على أمن الكيان الصهيوني، وربما المكون المدني استجاب لذلك، ولذا جاءت النبرة الرافضة لإجراءات البرهان عالية خاصةً من جانب أوروبا، وإن كان الأمر سيتم تداركه بشكل أو بآخر.[2]

أوجه الشبه والاختلاف بين التجربتين المصرية والسودانية:

يتشابه الانقلابان في مجموعة من الجوانب: أولها؛ قيادة جيشي البلدين لهما ولأسباب متطابقة تقريبًا، في مقدمتها شعور الجيشين بالمكانة المتضخمة وبالأحقية في قيادة الدولة وبالسيادة على الشعب والمدنيين، وتوسُّعهما خلال عقود الاستبداد سياسيًا واقتصاديًا، ما يعمِّق مخاوفهما من أن سيطرة المدنيين على الحكم ستقلص نفوذهما الاقتصادي. وثانيها؛ يخشى قادة الجيشين من المحاسبة القانونية على الجرائم المرتكبة في حقوق المواطنين خلال فترات التحول. ولعل خوف العسكريين من المحاسبة الشخصية وعلى المصالح الاقتصادية الجماعية هو من أهم أسباب الانقلاب في البلدين. وثالثها؛ يتشابه الانقلابان أيضًا في دوافعهما وتبريراتهما، وفي مقدمتها الأزمة الاقتصادية وانقسام النخب السياسية. ورابعها؛ تشابه الانقلابان أيضًا في علاقاتهما الإقليمية، حيث تشير مصادر عديدة إلى العلاقات الوثيقة التي تربط كلًا من قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بكلٍّ من الإمارات والسعودية والكيان الصهيوني، وهو المثلث الإقليمي نفسه الذي دعم الانقلاب في مصر، وساهم في ترويجه والدفاع عنه.

وفي مقابل أوجه الشبه السابقة، تظهر اختلافات مهمة، قد تساعدنا على فهم مكامن القوة والضعف في البلدين. أولها؛ يبدو الشعب السوداني أكثر وعيًا بمخاطر الانقلابات العسكرية ورفضًا لها، وتمسُّكًا بحكم المدنيين، وهو ما ظهر في المظاهرات الضخمة التي شهدها السودان يوم السبت 30 أكتوبر. وقد يعود ذلك إلى تكرر الانقلابات العسكرية في السودان، فيما لم تشهد مصر انقلابًا عسكريًا منذ 1952 وحتى 2013، ما سمح للجيش المصري بالسيطرة الفكرية والثقافية والإعلامية على عقول مصريين كثيرين. وثانيها؛ يتمثَّل في الدور الهام الذي تلعبه النقابات، كاتحاد المهنيين السودانيين، في قيادة الثورة السودانية منذ بدايتها. في المقابل، لم تعرف مصر دورًا يُذكر للنقابات أو الاتحاد المستقلة، ولم يكن لمنظمات المجتمع المدني المصري دور مؤثر خلال فترة التحول الديمقراطي. وثالثها؛ الظرف الدولي تغير، وشبكة علاقات مصر الدولية أكثر دعمًا للاستبداد من نظيرتها في السودان. حيث مثَّل الانقلاب على الثورة المصرية هدفًا مركزيًا للنظم الاستبدادية في العالم العربي والكيان الصهيوني، ساعد على ذلك الخوف الإقليمي والدولي من صعود جماعة الإخوان المسلمين، وانقسام إدارة أوباما من الربيع العربي.[3]

المخرج من أتون الاستبداد:

لا شك أن الأنظمة المستبدة تحاول بشتى الطرق تغييب الشعوب، والسيطرة على مقدرات الدول، وخصوصًا في المنطقة العربية، ولا يمكن التعويل على الغرب الذي يسعى لمصالحه، ويدَّعي من حين لآخر أنه يدافع عن الحريات والديمقراطية، ولكنه في الحقيقة يساند العديد من الأنظمة الديكتاتورية التي تحقق مصالحه، ومن ثمَّ على الشعوب أن تنهض، وتعرف الدور المنوط بها لإزاحة كل مظاهر الاستبداد في تلك الدول. وهذا لن يكون إلا من خلال: أولًا؛ النضال المستمر بكل الوسائل لإزاحة المستبدين، ومنظومات الفساد في العالم العربي، وهذا لن يتأتى إلا بالدعوة إلى الخروج على تلك الأنظمة، بالطرق السلمية، والعصيان المدني، والإضراب العام. ثانيًا؛ التوافق بين القوى المجتمعية الحية، والأحزاب السياسية التي تؤمن بالديمقراطية في كل بلد على حدة على الحد الأدنى من المشتركات، وأظن أنها كثيرة، مع مخاطبة الجماهير بما يفهمونه، والسعي الحثيث لتحقيق آمال وطموحات الشعوب المقهورة تحت نير الاستبداد. ثالثًا؛ رفع منسوب الوعي لدى بسطاء الجماهير من خلال وسائل الإعلام التي تمتلكها قوى التغيير في المنطقة العربية، مع تفعيل وسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى فئات الشباب المنوط بها التغيير في المستقبل، والتأكيد على أن الحكم العسكري يؤدي إلى دولة فاشلة في كل الميادين. رابعًا؛ مخاطبة المنظمات والهيئات الدولية الحقوقية والإنسانية، لفضح تلك الأنظمة المستبدة التي تقهر شعوبها، وتهدر مقدراتها، بشتى الطرق والوسائل، مع ذكر تلك الانتهاكات بالأرقام والصور. خامسًا؛ يجب عدم الاعتماد فقط على الأنظمة والحكومات الغربية في تحقيق الحرية والديمقراطية لشعوبنا العربية، فباستقراء التاريخ نجد أن هذه الأنظمة لا تسعى إلا إلى مصالحها فقط، ولا تريد لمنطقتنا التقدم والازدهار.[4]

الخُلاصة؛ تكمن الفروق المحورية بين السيناريوهين المصري والسوداني في بعض المحددات التي سوف تلعب دورًا مهمًا في رسم الخارطة التي يُمكن أن يصل بها الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى بر الأمان وغايته القفز على السلطة. فقد تم عزل الإخوان في مصر لصالح القوى المناهضة لهم من عسكريين وشريحة واسعة من المدنيين وقوى إقليمية ودولية على عداء شديد مع تيار الإسلام السياسي، وهو ما وفر دعمًا معنويًا وماديًا لتحركات الجيش. الأمر الذي لم يحدث في السودان، حيث كان الانقلاب على القوى المدنية نفسها، حتى أن البعض يرى أن قرارات البرهان تصب في صالح الحركة الإسلامية، وتمنحها فرصة كبيرة للعودة إلى الحياة السياسية، عكس النتيجة التي أقصت الإخوان في مصر. ومن ثمَّ؛ فالتشابه في المقدمات بين مصر والسودان لا يكفي ليؤدي إلى مآلات واحدة، لاسيما إذا أُضيفت القوة التي تتمتع بها الأحزاب السودانية والحيوية الطاغية للمجتمع المدني والعافية التي لا تزال تحتفظ بها الحركة الإسلامية يتأكد عمق الخلاف في الحصيلة النهائية بين الحالتين. ويُمكن القول أن نظام 1952 في مصر نجح في بناء نظام سياسي شديد المركزية والهيمنة الاقتصادية والثقافية والسياسية على الشعب المصري، وفي إضعاف نخبه المدنية بشكلٍ مؤسف، مستغلًا الخلاف الديني العلماني، كذلك فإن وضع مصر الإقليمي جعلها هدفًا مركزيًا وقاعدة للاستبداد الإقليمي والتحالف مع الكيان الصهيوني. ويبدو النظام السوداني، للوهلة الأولى، أقل مركزية وهيمنة من نظيره المصري، ويبدو شعبه أكثر رفضًا للحكم العسكري، وتبدو نخبه أكثر حركيةً ووحدة وتعدّدية من نظيرتها المصرية.

[1]  محمد أبو الفضل، “السودان ومصر.. تشابه في المقدمات وتباين في الآليات والمآلات”، العرب، 27/10/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/pPI2i

[2]  مهند العربي، “لماذا التناقض في موقف الغرب بين انقلابي البرهان والسيسي؟”، عربي 21، 1/11/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/WwHFf

[3]  علاء بيومي، “مقارنة أولية بين انقلابي مصر والسودان”، العربي الجديد، 3/11/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/I7Zpv

[4]  جمال نصار، “قراءة في انقلابي تونس والسودان والمخرج من أتون الاستبداد”، عربي 21، 4/11/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/AHasu

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الدور المصري في انقلاب السودان.. مداه وأبعاده وتوابعه

    حتى نفهم أبعاد الدور المصري في انقلاب السودان منذ الإعلان في 25 أكتوبر 2021م  وحت…