‫الرئيسية‬ العالم العربي فلسطين قراءة تحليلية معمقة للقاء عباس مع بينى غانتس
فلسطين - يناير 17, 2022

قراءة تحليلية معمقة للقاء عباس مع بينى غانتس

قراءة تحليلية معمقة للقاء عباس مع بينى غانتس

 

أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس عن عقده لقاء مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، فى 28 ديسمبر 2021، وضم الوفد المرافق لغانتس منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي المحتلة غسان عليان، فيما ضم الوفد المرافق لعباس رئيس المخابرات ماجد فرج، ورئيس هيئة الشؤون المدنية حسين الشيخ، وقد عُقد اللقاء بعيدًا عن الأماكن الرسمية والحكومية، فقد أعلن مكتب غانتس أن اللقاء عُقد في منزله في منطقة “روش هاعين” والتي تقع في مستوطنة قرب تل أبيب، وناقش الأثنان، كما صرح مكتب غانتس، مختلف القضايا الأمنية والمدنية[1]. ويعتبر هذا اللقاء الأول بين “عباس” ومسؤول إسرائيلي داخل إسرئيل، منذ 2010، كما أن هذا اللقاء هو الرابع بين الرجلين خلال أربعة أشهر[2]. ويمكن قراءة هذا اللقاء من حيث دوافعه وأهدافه كما يلى:

– القضاء على بوادر الانتفاضة الشعبية:

يمكن القول أن هناك ما يشبه التوافق بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلى على ضرورة القضاء على أى بوادر لانتفاضة شعبية فلسطينية قادمة فى الضفة الغربية؛ لأن هذه الانتفاضة ستهدد أمن الاحتلال وبقاء السلطة. وذلك بعدما رصدت الأوساط الأمنية الإسرائيلية بوادر “انتفاضة” جيل الشباب الفلسطيني الصاعد فى الضفة الغربية، سواء ضد الاحتلال أو السلطة الفلسطينية على حد سواء، في الوقت الذي اكتسبت فيه المقاومة زخمًا جديدًا في الشارع الفلسطيني بعد حرب غزة الأخيرة، وتدهور الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية. وعليه يأتى هذا اللقاء بين عباس وغانتس بعد ما ظهر من تفاعل الأحداث في الضفة الغربية أن هناك إرهاصات هبة شعبية تلقائية يبدو أنها ستكون ضد الاحتلال والسلطة التي وضعت نفسها حائط صد لمصلحة الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني مما رفع وتيرة الشعور بالنقمة الشديدة عليها، خصوصًا مع العربدة الشديدة للاحتلال ومستوطنيه وإحجام الأجهزة الأمنية عن تحريك أي ساكن[3].

ويأتى لقاء غانتس وعباس مع تصاعد ملحوظ فى الضفة المحتلة في أشكال المقاومة الشعبية والمسلحة، فقد ارتقى خلال شهر ديسمبر 2021 سبعة شهداء، عدد منهم جراء تنفيذ عمليات مقاومة مسلحة سقط فيها عدد من المستعمرين المستوطنين ما بين قتيل وجريح، في وقت يُجسد فيه الأسرى آيات من الصمود والبطولة الفردية والجماعية مثل الأسير هشام أبو هواش، المضرب عن الطعام في سجون الاحتلال لما يزيد عن 140 يوم على التوالي. ما يميز الهبة أو الموجة الحالية أن عنوانها الأبرز ليس القدس وما يجري فيها، رغم أن القدس لم تهدأ أبدًا، وما يميزها كذلك المواجهات الشعبية في مناطق عدة في وقت واحد، خصوصًا في بيتا وبرقة، التي تأخذ الشكل الدفاعي في معظم الأحيان، من خلال قيام قوات الاحتلال باقتحامات مكثفة، وأحيانًا في مناطق عدة في يوم واحد، وقيام المستعمرين المستوطنين بأعداد كبيرة جدًا باعتداءات جماعية لا تستهدف مواطنين متفرقين، بل قرى بكاملها، لدرجة محاولة إحياء البؤرة الاستيطانية “حومش” ردًا على عملية مقاومة سقط فيها قتيل إسرائيلي وجرحى. ما فاجأ قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين المسلحين أن برقة لم تدافع عن نفسها وحدها، بل هبت جموع حاشدة من القرى المجاورة ومختلف محافظات الضفة لنصرتها، ما أدى إلى منع المستوطنين من تحقيق غايتهم، وتصاعد المواجهات في مناطق عدة، واندلاع هبة أو موجة انتفاضية جديدة. تأتى بوادر الانتفاضة فى الضفة في ظل تصاعد الأوضاع فى غزة على خلفية عدم احراز أى تقدم حول عملية التهدئة وتبادل الأسرى، ومن دون إعادة الإعمار ولا رفع الحصار أو حتى تخفيفه بشكل جدي، ما فاقم معاناة القطاع بشكل يجعل إمكانية تدهور الوضع إذا لم تتخذ إجراءات ملموسة للتخفيف من حدة الاحتقان إلى مجابهة عسكرية واردًا جدًا[4].

– دعم بقاء السلطة:

يأتى هذا اللقاء فى ظل حالة مأساوية تعيشها السلطة الفلسطينية من فقدانها شعبيتها ومكانتها في الضفة الغربية؛ وذلك وفق استطلاعات الرأي المتكررة والتي منحت السلطة ورئيسها محمود عباس خسارة مدوية، في حال أجريت أي انتخابات قادمة، فضلاً عن نسبة ٧٦% التي تطالب محمود عباس بالاستقالة وترك منصبه. فلا شك أن كيان الاحتلال معني بتقوية السلطة ومكانتها والمحافظة عليها كونها تشكل ذخرًا استراتيجيًّا لا يمكن الاستغناء عنه لما مثلته السلطة خلال السنوات الماضية من غطاء أمني كبير لحماية المستوطنين وتعزيز التنسيق الأمني. ومقابل هذه الخدمات الأمنية التى تقوم به السلطة لصالح الاحتلال، فإنها تريد منه تعزيز مكانتها في الضفة الغربية من خلال دعمها اقتصاديًّا، ومنح عباس وحكومته بعض الصلاحيات التي من شأنها رفع أسهم السلطة شعبيًّا في الأراضي الفلسطينية[5].

وفى هذا السياق، فبحسب الإعلام العبرى، تحدث وزير الأمن الإسرائيلي عن حُزمة إغراءات لعباس وفريقه، أبرزها السماح بتحويل 100 مليون شيكل من أموال الضرائب لصالح السلطة، إضافة إلى منح 600 تصريح لشخصيات قيادية في رام الله وتجار كبار مقربين منها، والسماح لهم بالدخول إلى المدن الخاضعة لسيطرة الاحتلال بسياراتهم الخاصة، إلى جانب تقديم عشرات بطاقات الـ«VIP» لكبار الشخصيات الفلسطينية. أيضاً، وافق غانتس على تحديث بيانات 6000 فلسطيني في الضفة، و3500 فلسطيني في قطاع غزة، في حين بحث الطرفان الموافقة على مخطّطات هيكلية فلسطينية إضافية. وأطلع غانتس، عباس، على عدة إجراءات اقتصادية مدرَجة على جدول الأعمال ستُتخذ لاحقاً، بما فيها إمكانية تخفيض الرسوم المفروضة على مشتريات الوقود، وإجراء تحسينات على عمل «جسر اللنبي» الرابط بين الضفة الغربية والأردن، وإنشاء منصة رقمية لضريبة القيمة المضافة، وأخرى للدفْع عبر الإنترنت للعمال الفلسطينيّين، في ما من شأنه أن يدر مئات الملايين من الشواكل على ميزانية السلطة كل عام[6].

وقد سبق أن أعلنت الحكومة الإسرائيلية، في 1 سبتمبر 2021، ثلاث خطوات “إنسانية واقتصادية” لدعم السلطة؛ عبر منحها قرضًا قيمته 156 مليون دولار، والموافقة على 5 آلاف طلب جمع شمل العائلات الفلسطينية، وإتاحة خدمة الجيل الرابع للاتصالات الخليوية (4G) قريبًا. وذلك بعد اجتماع  غانتس وعباس، في 29 أغسطس 2021، في مقر المقاطعة بمدينة رام الله، بناءً على طلب الإدارة الأميركية من حكومة تل أبيب السماح بعقد الاجتماع، والبدء بفتح خطوط اتصال قوية وعلى مستويات عالية مع السلطة الفلسطينية من أجل التحرك السياسي، والانطلاق من “الشق الاقتصادي”[7]. وقد نقل الصحفي محمد دراغمة من وكالة أنباء الشرق  بناء على تقرير سمعه من مسؤولين فلسطينيين المطالب الفلسطينية التي أثيرت في الاجتماع: إعادة الأمن الفلسطيني في المدن كما كان قبل الانتفاضة الثانية (أي تقييد المداهمات العسكرية الإسرائيلية على المناطق أ)، وتوسيع الأراضي التي تتمتع فيها السلطة الفلسطينية بسلطة أمنية (أي استئناف عملية إعادة تنظيم الجيش الإسرائيلي ونقل المناطق من الفئة ب، حيث تتمتع السلطة الفلسطينية بسلطة التخطيط والبناء وليس السلطة الأمنية، إلى الفئة أ) ؛ وإعادة الفلسطينيين أفراد أمن السلطة إلى معبر اللنبي الحدودي[8].

وبحسب تقارير إسرائيلية، فإن من المتوقع أن يؤدي تنفيذ الإجراءات المختلفة التي نُوقشت خلال هذا الاجتماع إلى إضافة مئات الملايين من الشواكل سنوياً إلى موازنة فلسطين، ولكن شتان بين المتوقَع المنشود والواقع الموجود، فالعلاقات الاقتصادية بين إسرائيل وفلسطين لا تقرِرها القوانين أو النيات فحسب، بل تخضع لعوامل كثيرة متداخلة، أهمها التنازلات الفلسطينية للإسرائيليين والتنسيق والتعاون والخضوع المستمر؛ ولا يخفى على أحد استغلال الصهاينة لضعف الاقتصاد الفلسطيني، حيث تمر فلسطين اليوم بأسوأ أزمة اقتصادية، فهي تواجه صعوبات جمة في الوفاء بالتزاماتها نتيجة شح المساعدات الدولية، وتداعيات جائحة كورونا. ومن المُتوقَّع أن يصل عجز موازنة السلطة الفلسطينية إلى 1.36 مليار دولار في نهاية عام 2021 وفقاً لتقرير البنك الدولي الذي عُرض خلال اجتماعٍ عقد يوم 17 نوفمبر 2021 في مدينة أوسلو بالنرويج. وتجمع إسرائيل ضريبة القيمة المضافة والتعريفات الجمركية لفلسطين، كما تمر جميع الواردات إلى فلسطين عبر نقاط التفتيش الإسرائيلية، وفقاً لاتفاقيات أوسلو؛ وتعتبر تلك المدفوعات الضريبية من أهمّ مصادر دخل السلطة الفلسطينية، كما تجمع إسرائيل أيضاً ضريبة الدخل وأموال التأمين الصحي للعمال الفلسطينيين في إسرائيل، وبالرغم من ذلك يبقى موافقة غانتس على تحويل 100 مليون شيكل للسلطة رقمًا ضئيلاً مقارنة بـ 2 مليار شيكل (641.27 مليون دولار) من أموال العائدات الضريبية الفلسطينية التي تحتجزها إسرائيل، منها 600 مليون شيكل (193.12 مليون دولار) جمَّدتها إسرائيل لمعاقبة السلطة الفلسطينية في يوليو 2021.

وعلى الرغم من تبجُّح إسرائيل بإقراض السلطة الفلسطينية 500 مليون شيكل (160.32 مليون دولار) بعد الاجتماع الأول بين غانتس وعباس في أواخر أغسطس 2021، إلا أن الفلسطينيين على علم تام بأن تلك السلفة ما هي إلا جزء من رصيد أموالهم المحتجزة لدى إسرائيل[9]. كما أن زيادة عدد بطاقات VIP، وزيادة عدد السيارات المسموح لها بدخول إسرائيل، وزيادة عدد العمال، والإفراج عن مئة مليون شيكل، هذه الأشياء المادية والاقتصادية التي حصل عليها محمود عباس، كان يحصل عليها رؤساء البلديات إذا أجبروا على الالتقاء مع الحاكم العسكري الإسرائيلي، دون أن يعترفوا بإسرائيل، ودون خيانة القيم الوطنية، ودون أن يقوموا بزيارة لوزير الحرب في بيته بتل أبيب، ودون أن يقدموا فرائض الولاء لقائد جيش العدو[10]. ويجب الإشارة هنا إلى أن دعم الاحتلال للسلطة الفلسطينية على المستوى الاقتصادى هو جزء مما يسمى بمشروع “السلام الاقتصادى”، الذى يأتى من نظرية السلام الاقتصادي، التي تسمى أيضًا «السلام الرأسمالي» و «السلام التجاري»، والذى ينطلق من مقولة إن مجتمعات السوق أقل ميلًا إلى الدخول في صراعات عنيفة بين بعضها بعضا، لأنها ترتبط بعلاقة اعتماد متبادل مربحة للطرفين، ولأن خسارتها من الحرب والمواجهة العنيفة تفوق أي ربح ممكن. فقد عاد وزير الخارجية ورئيس الوزراء الإسرائيلي البديل يئير لبيد، وطرح هذا المشروع «الاقتصاد مقابل الأمن» مكررًا الحديث عن «سلام اقتصادي شامل» وذلك في لقاء خاص، 23/12/2021، مع طاقم «معهد دراسات الأمن القومي» الذي يعتبر أهم مؤسسات التفكير الاستراتيجي في الدولة العبرية. فيما صرحت وزيرة الداخلية الإسرائيلية، أييليت شاكيد، خلال زيارتها للإمارات، بأن حكومتها ترفض إقامة دولة فلسطينية، وتتمسك بالمستوطنات، وترى أن الأمر الوحيد الذي يمكن الاتفاق عليه هو «السلام الاقتصادي». وسبقهما رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت، الذي كرر في أكثر من مناسبة: «سنأتي بالسلام الاقتصادي.. لن ننسحب ولن نسلم أراضي، دولة فلسطينية ستغرقنا باللاجئين».

ولكن تلك النظرية “السلام الاقتصادى” تحتوى على مجموعة من الإشكاليات التى تتمثل فى أنها تختزل الإنسان إلى «كائن اقتصادي عاقل» برسم الواقع، أو ما يجب أن يكون عليه هذا الواقع. وهي عموما تتجاهل أن حسابات الربح والخسارة ليست اقتصادية فحسب، فهناك حسابات التوق للحرية الفردية والجماعية، والإحساس بالظلم والإذلال والرغبة في تحقيق الذات بلا قيود خارجية، وهي في الكثير من الحالات مثل الحالة الفلسطينية أهم بكثير من الاعتبارات الاقتصادية على أهميتها. وحتى لو أخذنا نظرية «السلم الاقتصادي» كما هي، نجدها بداهةً وبمنظور النقد المحايد من الداخل، غير قابلة للتطبيق في الحالة الفلسطينية، لأن فلسطين ليست دولة، وهي تحت احتلال وشعبها يسعى لإقامة دولة. وكل تنظيرات السلام الاقتصادي تستند إلى أمثلة العلاقة بين دول مستقلّة، وشعوب حقّقت طموحاتها القومية الأساسية، وقد تختلف على بعض التفاصيل. وفي عام 2000، عشية اندلاع الانتفاضة الثانية، وصل الارتفاع في الناتج الإجمالي المحلّي في الضفّة والقطاع إلى نسبة 9%، وفي إسرائيل إلى نسبة 7%، وهما أعلى نسبتين في العقود الأخيرة، ما يتناقض بوضوح مع أسس نظرية «السلام الاقتصادي». الاستنتاج واضح وهو أنّ النمو الاقتصادي لم يمنع المواجهة، فهو لا يستهوي الشعب الفلسطيني ويخفّف من غليان نضاله ضد الظلم والإذلال، ولا هو يردع آلة القمع الإسرائيلية عن ممارسة وحشيتها المعهودة.

يقودنا التحليل المنطقي إلى أن السياسة تغلب الاقتصاد، حين تكون هناك قضايا سياسية ملتهبة وملحّة، ومهما تطوّر الاقتصاد فهو لن يحلّها. هذا لم يمنع من الوقوع في الأوهام، مثل المسار الذي سوّقه رئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق سليمان فياض، وأطلق عليه الكاتب الصحافي الأمريكي توماس فريدمان، تسمية «فياضيزم» ويتلخّص بأن جلب الاستثمارات وتطوير الاقتصاد وبناء المؤسسات وتشديد نظام المراقبة والمحاسبة، يضع الأسس لإقامة دولة فلسطينية مستقلّة؛ لأنّه لم يحصل التقدم شبرا واحدا في طريق التحرر من الاحتلال وبناء الدولة. تجربة سلام فياض هي دليل إضافي على أنّ نظرية «السلام الاقتصادي» غير قابلة للتطبيق فلسطينيا، حتى بعد إدخال تعديلات وتحسينات عليها، من قبيل التأطير لعلاقة بين دولة مستقلة (إسرائيل) ودولة في طور النشوء (فلسطين) وهذا، كما توهّم البعض، قريب من الحالة «النظرية»[11].

ويمكن قراءة لقاء عباس بغانتس أيضًا فى ضوء تخوف الأول من تمدد نفوذ المطرود من حركة فتح، محمد دحلان، في الحركة وخارجها، فقد استقبله وزير الخارجية الروسي، لافروف، في مكتبه بموسكو في نوفمبر 2021. وأظهر مؤتمر عقده جناحه المسمى “التيار الإصلاحي” في غزة اتساع التأييد له داخل “فتح”، نتيجة ضعف عباس، والمساعدات المالية والعينية التي يوزعها هو والإمارات في غزة، والأهم أن حركة حماس مستفيدة تماماً من توفير كل الإمكانات والتسهيلات له. كما أن “فتح” مقسومة على نفسها، خصوصاً بعد إقصاء قادة مؤثرين وبارزين، خصوصاً من المقربين للقائد الفتحاوي الأسير، مروان البرغوثي، الذي يحظى باحترام وتأييد شعبي مقابل شبه انعدام الثقة بصدقية عبّاس والسلطة الفلسطينية[12]. وعلى الرغم من الانتقادات الكثيرة التى تعرض لها عباس على خلفية لقائه بغانتس، إلا أنه لم ولن يبالى بتلك الانتقادات، فالحقيقة أن السلطة تراهن دائماً على جملة عوامل، تغريها بأن تتجاوز ما يعد خطوطاً حمراء كلقائها بغانتس، أولها أن الموقف العملي من سياساتها لا يتجاوز الإدانة الكلامية، والغضبة الإعلامية لبضعة أيام، ثم يتبخر أثره، حتى وإن ظلت رواسبه في نفوس الفلسطينيين، وثانيها أن حالة الرفض الشعبي لها لن تقدم أو تؤخر، ولن تقصر من عمرها أو تؤثر على حظوظ استمرارها، ما دامت مطمئنة إلى أنها ستظل متفردة في السيطرة والهيمنة على القرار الفلسطيني، وهي هنا تستمد قوتها وشرعية وجودها من المحتل الصهيوني وداعميه دوليا، وهو ما يقود إلى العامل الثالث وهو قناعة السلطة بأن ما يثبت أركان وجودها ويمدّ من عمرها هو الرضا الإسرائيلي عن أدائها أمنياً، أي على صعيد ضبط الأوضاع في ساحة الضفة الغربية، وإدامة الوضع الراهن وقطع الطريق على أي مفاجآت قد يشعلها فتيل هنا أو هناك[13].

ضمان أمن الاحتلال:

يأتى لقاء غانتس بعباس في إطار تبادل المصالح بين السلطة والاحتلال، فمقابل الدعم الاقتصادى – المشار إليه أعلاه – الذى يقدمه الاحتلال الإسرائيلى للسلطة بما يضمن بقائها، تقوم السلطة بمنح دولة الاحتلال المزيد من الهدوء والأمن من خلال ملاحقة المقاومين ووقف كل أشكال المقاومة واعتقال كل من يفكر في إيذاء “إسرائيل” أو تنفيذ أي عمل مقاوم في مدن الضفة الغربية، وهذا ما تريده حكومة بينت التي تتخوف هذه الأيام من ثورة مشتعلة قد تمتد في الضفة الغربية المحتلة[14]. وفى هذا السياق، وبحسب ما علمته «الأخبار» من مصادر في السلطة الفلسطينية، فإن لقاء غانتس- عباس لم يتطرق البتة إلى القضايا السياسية، بل كان محوره منع انهيار السلطة، وتقويتها أمنياً بمواجهة تصاعد عمليات المقاومة في الضفة الغربية المحتلّة، حيث اتفق الطرفان على تكثيف التعاون، كما اتفقا على جملة من الخطوات التي تستهدف تخفيف الاحتكاك بين المستوطنين والجنود الإسرائيليّين من جهة، والفلسطينيّين من جهة أخرى. ووفقاً للمصادر نفسها، فسيتّكل جيش الاحتلال على قوات الأمن الفلسطينية لاعتقال الأشخاص الذين يشكّ في وجود دافعية لديهم لتنفيذ عمليات، كما سيعزز الطرفان جهودهما لمنع تشكيل خلايا عسكرية لحركتَي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في الضفة[15]. وما يدعم من مصداقية هذه التقارير، أنه قد سبق وأعلن الشاباك عن إحباط البنية التحتية لـ60 من نشطاء حماس العاملين في الضفة الغربية، خططوا لتنفيذ عمليات فدائية كبيرة[16]. فيما أكدت صحيفة The Times of Israel الإسرائيلية، في تقرير نشرته 1 يناير الحالى، نقلاً عن محادثة بين رئيس الأركان أفيف كوخافي ومقربين، بأن الجيش الإسرائيلي كان على وشك شن عملية واسعة النطاق، فى الأشهر الأخيرة، في مدينة جنين بالضفة الغربية، التي يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها بؤرة لنشاط حركتي حماس والجهاد الإسلامي، لكنه أوقف الغارة بعد حمل السلطة على التحرك نتيجة للتعاون الأمني ​​الوثيق القائم بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وفي أواخر نوفمبر 2021، شنت السلطة الفلسطينية سلسلة من حملات الردع في جنين، لكنها أنكرت استهداف حركتي حماس والجهاد الإسلامي، قائلة بدلاً من ذلك إنها عملية لفرض القانون والنظام[17].

وطبقاً لما نقلته هيئة البث الإسرائيليّة (كان)، فقد أكد عباس، خلال لقائه مع غانتس، أنه لن يسمح «بالعنف والإرهاب واستخدام السلاح الناري ضد الإسرائيليين (مستوطني الضفة) طالما أنه في الحكم»، مشيراً إلى أن هذه الخدمة «غير منوطة بطبيعة العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيّين»[18]. وأشار عباس كذلك إلى أنه كان على علم بمحاولات حماس والجهاد الإسلامي لركوب الموجة من حيث التوترات السائدة في الضفة الغربية هذه الأيام والاستفادة من الوضع، وقال إن قواته الأمنية ستواصل العمل بنشاط في جنين وأهداف أخرى في الضفة الغربية[19]. بدوره، شكر غانتس عباس على تخليص أجهزة أمن السلطة الفلسطينية لإسرائيليّين من رام الله، بداية الشهر الحالي (ديسمبر 2021)، بعدما حاول فلسطينيون مهاجمتهم[20]. وقد سبق أن أكد غانتس أنه “كلما زادت قدرة السلطة الفلسطينية على الحفاظ على النظام، زاد الأمن لدينا وقل تدخلنا”[21]. خلاصة التحدي الحقيقي لدى (إسرائيل) تكمن في أن عباس يضعف، ويفقد السيطرة، ويزداد خوفه من اندلاع انتفاضة ضد حكمه، وهذا تحدٍّ أمني كبير لمن سيعينون خلفًا مؤقتًا له، رغم أن المصلحة الإسرائيلية تتطلب استمراره في منصبه، وأن يظل حكمه مستقرًّا، وإلا فإن خطر سيطرة حماس على الضفة الغربية سيتحول تدريجيًّا إلى خطر حقيقي على الأمن الإسرائيلي، رغم المبالغة في ذلك، لحسابات إسرائيلية متعلقة بتخويف السلطة الفلسطينية، وإبقائها دائمًا تحت سطوة الابتزاز الإسرائيلي[22]. إلى جانب ذلك، فقد طلب غانتس من عباس وقف لجوء السلطة الفلسطينية إلى المحاكم الدولية وسحب القضايا التي رفعتها ضد الاحتلال وجرائمه، والمطلوب فيها مسؤولين إسرائيليين كبار منهم غانتس نفسه، ووقف صرف رواتب عائلات الشهداء والأسرى التي قطع عباس الآلاف من رواتبهم جزافا في قطاع غزة[23]. أيضًا يدرك الجانب الإسرائيلى مدى تأثير مثل هذه اللقاءات (غانتس- عباس) على تعميق الانقسام الفلسطينى. وهو ما حدث بالفعل، فقد أدانت فصائل المقاومة، لقاء عباس بغانتس في مدينة “تل أبيب”. جاء ذلك في بيان تلى اجتماعا طارئا للفصائل بمدينة غزة، دعت إليه حركة الجهاد الإسلامي، لمناقشة لقاء “عباس-غانتس”.

وأكدت الفصائل على استنكارها وإدانتها لهذا اللقاء في هذا التوقيت الذي تشهد فيه مدن الضفة الغربية والقدس حالة ثورية تقلق كيان الاحتلال والمستوطنين، وفي ظل الهجمة الشرسة من قبل ما تسمى إدارة مصلحة السجون والقمع المستمر للأسرى والأسيرات في سجون الاحتلال. وأضافت: إن هذا اللقاء لن يضيف لشعبنا وقضيته الوطنية إلا مزيداً من التغطية الرسمية لحكومة الاحتلال في الاستمرار بمزيدٍ من الاستيطان ومصادرة الأراضي والاستمرار في سياسة القتل والاعتقالات التي يقوم بها جيش الاحتلال. وأكدت أنه وفي ظل حالة الهرولة والتطبيع من قبل بعض الأنظمة العربية فإن هذا اللقاء يعتبر غطاءً رسمياً للتطبيع المحرم والمجرم من قبل شعبنا وأمتنا.  ورأت أن هذا اللقاء في هذا التوقيت الذي يدور فيه الحديث عن عقد المجلس المركزي الفلسطيني يعتبر استباقا للأحداث وتحديداً مسبقاً لما يمكن أن يكون عليه اجتماع المجلس المركزي وما يصدر عنه من قرارات لن يكتب لها التنفيذ في ظل هذه الظروف التي يعيشها شعبنا. كما شددت الفصائل على تجريم التنسيق الأمني وطالبت بوقفه[24]. وما قد يزيد من تعميق هذا الانقسام، هو تخوف فصائل المقاومة الفلسطينية من أن يكون لقاء عباس وغانتس بهدف تبريد جبهة الضفة الغربية للتفرغ لشن عدوان شامل على غزة، أو تشديد الحصار على القطاع.

– إعادة إحياء المفاوضات:

أشارت عدة تقارير إعلامية، خاصة القريبة من سلطة عباس، إلى أن لقاء عباس بغانتس قد تناول إمكانية العودة إلى إحياء المفاوضات السياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين من أجل إنهاء الصراع بينهما وإقامة دولة فلسطينية بناءً على حل الدولتين. وأن عباس ربما يضغط على غانتس بمجموعة من الأوراق للعودة مرة أخرى لطاولة المفاوضات، وفى هذا السياق، قالت مصادر إسرائيلية إن الرئيس عباس “أنذر غانتس أنه لا يستطيع وقف التصعيد في الأقصى، وإنه لن يسحب الدعوى ضد إسرائيل في محكمة الجنايات الدولية دون تقدم في المسيرة السياسية”. ومع ذلك قال عباس لغانتس إنه يفهم الوضع المركب وأن اسرائيل لا تستطيع فتح مفاوضات سياسية في المنظور القريب، ولذا طالب بـ “خطوات تعزيز الثقة” كإطلاق أسرى واستعادة مراقبين فلسطينيين في المعابر بين الضفة والأردن[25]. وعقب أسبوع فقط من لقاء غانتس وعباس، فقد أكد الأخير، خلال كلمة ألقاها، فى 4 يناير الحالى، في ختام الدورة التاسعة للمجلس الثوري التابع لحركة فتح، على “إنه لم يكن متفائلا أكثر من اليوم بإقامة دولة فلسطين وعاصمتها القدس، رغم الظروف الصعبة التي يعيشها شعب بلاده”[26].

وما يزيد من إمكانية إحياء العملية السياسية، كما يؤكد المحسوبين على السلطة، أن اجتماع عباس وغانتس قد جاء في أعقاب عقد اجتماع فلسطيني أردني مصري، شارك فيه وزير الخارجية الفلسطينى “رياض المالكى” مع وزيري الخارجية المصري “سامح شكري”، والأردني “أيمن الصفدي”، بحث “جهود الإدارة الأمريكية الهادفة إلى إنجاح بناء الثقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين والالتزام بالاتفاقيات الموقعة”. وشارك في الاجتماع الثلاثي رئيس المخابرات العامة للسلطة الفلسطينية “ماجد فرج”، بالإضافة إلى رئيسَي مخابرات مصر “عباس كامل” والأردن “أحمد حسني”. وجاء في البيان الختامى للاجتماع، أنه جرى خلال الاجتماع “دراسة عدد من المقترحات المستهدفة كسر الجمود الذي تشهده عملية السلام في الوقت الراهن”، دون تفاصيل أكثر[27]. كما ظهر “الأفق السياسي” في تغريدات حسين الشيخ وزير الأحوال المدنية الذي حضر اجتماعًا في القاهرة واجتماعًا مع غانتس ومع رئيس المخابرات العامة ماجد فرج. وعلى الرغم من غموضها وطابعها الشعاري، إلا أن تصريحاته تؤكد البعد السياسي – السياسي للقاء، على الأقل بالنسبة للجانب الفلسطيني، على عكس تركيز التقارير الإسرائيلية على البعد الاقتصادي للاجتماع. وكتب الشيخ على تويتر “اللقاء تحد وفرصة أخيرة قبل الانفجار وقبل أن نجد أنفسنا في طريق مسدود”، مضيفا: “هذه محاولة جادة وجريئة لفتح مسار سياسي قائم على الشرعية الدولية، لوقف التصعيد ضد الشعب الفلسطيني”.  وفي تغريدة أخرى، قال الشيخ أيضًا إنه تمت مناقشة “أهمية خلق أفق سياسي من شأنه أن يعزز الحل السياسي”[28].

وفى مقابل تأكيد السلطة الفلسطينية على أن الشق السياسى كان حاضرًا خلال اللقاء بين غانتس وعباس، إلا أن الجانب الإسرائيلى يؤكد على عدم حضور المسار السياسى فى مناقشات الاجتماع. وفى هذا السياق، فقد أكد كبار مسؤولين فلسطينيين على أنهم لم يتوقعوا انفراجا سياسيا، قائلين إن غانتس، الذي تحدث عن تدابير بناء الثقة، لم يبد أي مؤشر على إمكانية العودة إلى المسار السياسي في هذه المرحلة[29]. وهو ما أكده نائب وزير الدفاع الإسرائيلى “ألون شوستر” عندما قال: “بالنظر إلى تركيبة الحكومة الإسرائيلية الحالية، لا يمكن للمرء أن يتحرك نحو الأفق السياسي”، في إشارة إلى الأغلبية المتنوعة في السلطة والتي تشمل الوسطيين مثل بيني غانتس والقوميين اليمينيين المؤيدين لاستعمار الضفة الغربية مثل رئيس الحكومة نفتالي بينيت، وممثلي الأقلية من اليسار، مؤيدي إنشاء دولة فلسطينية. وقد سارع عدد من الوزراء اليمينيين إلى التأكيد على أن بيني غانتس ليس لديه تفويض لإجراء مفاوضات سياسية[30]. كما تؤكد جميع التصريحات التي صدرت عن رئيس الحكومة الإسرائيلية نفتالي بينيت، منذ ترؤسه الحكومة في 13 يونيو 2021، على استبعاده إيجاد حل للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، مؤكدًا على أنه لا مفاوضات مع القيادة الفلسطينية، ولا انسحابات، ولا دولة، بل فقط “سلام اقتصادي”. وتظهر جدية بينت في تطبيق قراراته ومواقفه اليمينية الاستيطانية على أرض الواقع، فقد صادقت حكومته على 31 مشروعًا استيطانيًا توسعيًا في الضفة الغربية، بتاريخ 23 يونيو 2021. ومن المشاريع الاستيطانية التوسعية التي يسعى بينيت إلى تنفيذها في الأرض الفلسطينية؛ بغرض القضاء على حل الدولتين، وإنهاء إمكانية إقامة دولة فلسطينية، ومن أجل تحقيق مفهوم “إسرائيل الكبرى”، ما يأتي: المشروع الاستيطاني (E1)/القدس، وإنشاء بؤر استيطانية غير شرعية وتعد على أراضي الفلسطينيين فى جنين، واستيطان الأراضي الزراعية فى سلفيت، والسيطرة على الأغوار الفلسطينية.

وبالعودة إلى أجندة الائتلاف الحكومي، وكما هو منصوص عليها في الاتفاقيات الائتلافية الثنائية، نجد أن المشروع الاستيطاني التوسعي يتمركز في قلبها، ويشمل مد شبكات طرق جديدة، وتطوير البنية التحتية، والمضي قدمًا في فرز أراضي الضفة الغربية، وإعلان أقسام منها “أراضي دولة”، إضافة إلى محاربة البناء الفلسطيني “غير الشرعي” في المناطق (ج)[31]. فيما أكد وزير الخارجية الاسرائيلي يائير لابيد، إنه على الرغم من تكثيف الضغط الدولي على إسرائيل، إلا أنه من غير المتوقع أن تدفع الحكومة الحالية عملية سياسية مع الفلسطينيين حتى بعد توليه السلطة في أغسطس 2023، بسبب اتفاقات ائتلافية تمنع إحراز تقدم في هذا المجال[32]. وعليه يبدو أن هذه الحكومة وكل الحكومات الصهيونية السابقة لديها ثابت أساسي هو مواصلة الاستيطان ورفض أي خيار سياسي يقوم على إقامة دولة فلسطينية أو حتى محمية فلسطينية، وخيارها فقط ما يُسمى بـ”السلام الاقتصادي”[33]. أكثر من ذلك، فإن زيارة عباس لغانتس فى هذا التوقيت جاءت لتقول لكل الإسرائيليين أن: طريق التشدد والتجاهل لقيادة منظمة التحرير سيجعلها ترتمي تحت أحذيتكم طلباً للمساعدات، فكلما زاد تطرفكم أيها الإسرائيليون، وكلما زاد تجاهلكم لمقترحات المفاوضات التي يطرحها عباس، تهافتت القيادة الفلسطينية أكثر، وتوسلت لعقد أي لقاء، حتى ولو كان مع قتلة الشعب الفلسطيني. كذلك فإن زيارة عباس جاءت في التوقيت المناسب لـ(إسرائيل)، التي قضت بأن التطبيع مع الأنظمة العربية هو الطريق المضمون للسلام مع الفلسطينيين[34]. وربما توفر زيارة عباس المبررات لمزيد من الدول العربية لإعلان تطبيعها مع “إسرائيل” وشرعنته، لكي تخرج هذه العلاقات من السر إلى العلن، وفي مقدمتها السعودية.

وأخيرًا، يزعم مسئولون فلسطينيون أن سياسة الرئيس بايدن هي سياسة “تقليص الصراع” وليس “حل النزاع”، فقد ركزت اجتماعات مستشار الأمن القومي جاك سوليفان، ووزير الخارجية بلينكين، والمبعوث الخاص هادي عمرو، وفيكتوريا نولاند، مساعدة وزير الخارجية مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، خلال الأشهر القليلة الماضية، على القضايا الاقتصادية والأمنية، وتعزيز السلطة الفلسطينية، وسبل الحفاظ على حكم محمود عباس من خطر حماس، وبحسب الفلسطينيين، فإن موضوع “الحل السياسى واستئناف المفاوضات” ليس مطروحا على جدول الأعمال إطلاقا. وتوضح المصادر الأمريكية أن تشكيل الائتلاف الحالي في”إسرائيل” لا يسمح بفتح أي مفاوضات بين “إسرائيل” والسلطة الفلسطينية، بل يمكن أن يؤدي إلى سقوط حكومة بنت لابيد، والرئيس بايدن يتفهم ذلك جيدًا ولا يريد المقامرة على المجهول، وبحسبهم، فهو غير مستعد للمخاطرة بإمكانية إجراء انتخابات مبكرة وعودة محتملة لبنيامين نتنياهو إلى الحكم؛ لذلك فهو يفضل الوضع الراهن وتجنب الخلافات مع الحكومة الإسرائيلية قدر الإمكان، ولهذا تم تأجيل افتتاح القنصلية الأمريكية في القدس إلى موعد غير معروف حتى يتسنى للإدارة التركيز مع الحكومة الإسرائيلية على القضية الإيرانية المعقدة وعدم مواجهتها في موضوع فتح القنصلية حيث يتطلب موافقة إسرائيلية[35]. وإن كان هناك اختلاف بين أجندة بينيت الرافضة لإقامة دولة فلسطينية، وأجندة الرئيس الأميركي جو بايدن الداعية إلى حل الدولتين، فهو اختلاف ظاهري، وهناك هامش للعمل فيما يخص الملف الفلسطيني، من خلال الإبقاء على “خطاب” حل الدولتين، وليس عبر برنامج عمل ملموس. حيث لم يضغط الرئيس بايدن على إسرائيل بشأن البناء الاستيطاني في الضفة، ووعد بأنه لن يمارس ضغوطًا عليها في هذا الشأن، طالما تعلق الأمر في مخططات ومشاريع كانت مطروحة على جدول أعمال الحكومة الإسرائيلية السابقة[36].

توصيات:

– يجب أن تستجيب السلطة الفلسطينية لمحاولات إنهاء الانقسام وإعادة الوحدة للصف الداخلى. وهنا يمكن تقديم مجموعة من الاقتراحات مثل: إقالة حكومة اشتية الحالية وتشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية تضم جميع القوى والفصائل الفلسطينية وعلى رأسها حماس والجهاد، ودون وضع شروط مسبقة من قبل السلطة. الدعوة إلى انتخابات رئاسية وتشريعية ومجلس وطني لإعادة الشرعية للمؤسسات السيادية الفلسطينية التي أمست في أضعف حالاتها. اتخاذ قرار وطني يتجاوز مرحلة أوسلو والعمل وفق برنامج وطني متفق عليه. ويجب التأكيد على أن هذه القرارات ليس لديها كثير وقت لتتخذ فهذا هو وقتها وإذا لم تتخذ خلال هذه الفترة ستصبح بلا قيمة بعد فترة وجيزة حيث ستكون قد تجاوزتها الأحداث[37].

– ضرورة أن تقوم السلطة برفض ما يسمى خطوات “بناء الثقة”؛ لأنه يمثل غطاء لابتزاز إسرائيلي مستمر، منذ انطلاق محادثات “السلام” في مدريد عام 1991، حيث تضع الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية، كما تحددها تل أبيب، شرطاً لأي اتفاقية أو خطوات توافق عليها مع أي دولة عربية ومع الفلسطينيين الذين أصبحت هذه الشروط في حالتهم، وهذا غرضها أصلاً، وسيلة لإحكام السيطرة على الفلسطينيين، وللتهرب من أي استحقاقات، من قبيل وقف الاحتلال والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، والأهم أنها تبدو ناتجة من تفاهم بين طرفين، وليست نتيجة مباشرة للاحتلال وترسانته العسكرية.

– ضرورة إعلان السلطة عن تخليها عن التنسيق الأمني مع إسرائيل، الذى يخرج عن مجرد كونه نوع من المأسسة لمعادلة فرض الشروط الأمنية الإسرائيلية التي تتحكم بالسلطة والشعب الفلسطينيين، فهي تستعمل ذريعةً للاستيلاء على الأراضي وبناء الجدار العنصري وطرد السكان من منازلهم واقتلاع الأشجار، ومنع “لمّ شمل العائلات” وكل حق إنساني للإنسان الفلسطيني[38]. أو على الأقل، فى حالة عدم تخلى السلطة عن هذا التنسيق، فعلى الأقل يكون استمراره مقابل تنازلات من الجانب الإسرائيلى لصالح القضية الفلسطينية.

– ضرورة أن تقوم فصائل المقاومة ببلورة موقف سياسي موحد، واضح وقوي، يعيد تعريف السلطة الفلسطينية وأدوراها، ويحدد المسافة منها، وفقاً لمدى اقتراب أو ابتعاد سياساتها عن البعد الوطني الخالص فى قضية التحرير[39].

– يجب ألا تراهن المقاومة كثيرًا على إمكانية حدوث انتفاضة شعبية فى الضفة الغربية، وذلك لعدة أسباب تمنع من إمكانية حدوثها تتمثل أبرزها فى: الانقسام بين السلطة والمقاومة، وأن السلطة الفلسطينية لا تريد الانتفاضة وتخشى منها وتعمل على إجهاضها بالتعاون مع الاحتلال.

– ضرورة أن تربط المقاومة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وتعمل على دحض الدعايا المغرضة التى تصور حماس بأنها تركز فقط على قطاع غزة، ولا تهتم بما يحدث فى الضفة الغربية إلا إذا كان ذلك ورقة ضغط تستخدمه للحصول على مكاسب من السلطة والاحتلال والوسطاء لصالح القطاع. وفى هذا الصدد، يجب التفاعل مع كل الأحداث التى تجرى فى الضفة، والعمل على تمدد المقاومة داخلها، وضرورة إيجاد ودعم وخلق قوى سياسية وشبابية داعمة للمقاومة، والتأكيد على أن سلاح وصواريخ المقاومة هدفها خدمة الضفة بالقدر ذاته الذى تخدم غزة مثلما حدث فى معركة القدس الأخيرة.

 

[1] “ما وراء لقاء عباس غانتس”، مركز القدس، 31/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3zslDzb

[2] “تبادلا الهدايا.. عباس يزور جانتس في منزله ويبحث معه قضايا أمنية واقتصادية”، الخليج الجديد، 28/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3t1uTJw

[3] “ثلاثية نفتالي بينيت وثلاثية أبو مازن”، فلسطين أونلاين، 29/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3G4ZIRu

[4] ” هل تتحول الهبة الشعبية الحالية إلى انتفاضة؟‎‎”، مسارات، 28/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3pVh0dW

[5] “ما وراء لقاء عباس غانتس”، مرجع سابق.

[6] “عبّاس وغانتس يتبادلان الهدايا: تعقّب المقاومة مقابل تسهيلات اقتصادية”، الأخبار، 30/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3eRzG8c

[7] ” المخطط الاستيطاني لحكومة نفتالي بينيت”، مسارات، تقدير موقف، 22/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3pVeS5S

[8]“لم تكن صافرات غانتس الهدف من الاجتماع مع عباس لكنها ضرورية للسلطة الفلسطينية”، حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية، 30/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3JJaL4H

[9] “عن الملفات الاقتصادية في لقاء عباس وغانتس”، العربى الجديد، 4/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3JLJb7d

[10] “هل كسر عباس الجمود في عملية السلام؟”، فلسطين أونلاين، 30/12/2021، الرابط: https://bit.ly/31vFam0

[11] ” السلام الاقتصادي واليأس السياسي”، القدس العربى، 29/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3eRbPp5

[12] “عباس – غانتس .. نثر الملح في الجرح الفلسطيني”، العربى الجديد، 2/1/2021، الرابط: https://bit.ly/3pX2PoK

[13] ” حتى لو لم يحدث اللقاء”، المركز الفلسطينى للإعلام، 3/1/2021، الرابط: https://bit.ly/3eQLO9B

[14] “ما وراء لقاء عباس غانتس”، مرجع سابق.

[15] “عبّاس وغانتس يتبادلان الهدايا: تعقّب المقاومة مقابل تسهيلات اقتصادية”، مرجع سابق.

[16] ” ترقب أمني إسرائيلي لمآلات أوضاع السلطة الفلسطينية”، المركز الفلسطينى للإعلام، 25/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3eRPSGi

[17] “السلطة دفعت جيش الاحتلال لوقف خطة مداهمة كبرى في جنين.. صحيفة: تتبَّعت حماس والجهاد نيابة عن إسرائيل!”، عربى بوست، 3/1/2021، الرابط: https://bit.ly/3sYrzik

[18] ” لقاء عباس-غانتس: السلطة تتعهّد بالدفاع عن المستوطنين!”، الأخبار، 29/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3JIXOba

[19] “اجتماع بلا أفق سياسي”، مركز حضارات للدراسات الاستراتيجية، 30/12/2021، الرابط: https://bit.ly/31xBdNK

[20] ” لقاء عباس-غانتس: السلطة تتعهّد بالدفاع عن المستوطنين!”، الأخبار، 29/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3JIXOba

[21] “لوفيغارو: الإسرائيليون والفلسطينيون يستعرضون لقاءات رمزية”، القدس العربى، 30/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3sXrStC

[22] ” ترقب أمني إسرائيلي لمآلات أوضاع السلطة الفلسطينية”، المركز الفلسطينى للإعلام، 25/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3eRPSGi

[23] “مقال: عباس وغانتس.. “لقاء الأبطال”!”، الرسالة نت، 30/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3eNSMvJ

[24] ” الفصائل تدين لقاء عباس-غانتس وتعده غطاءً رسميًا للتطبيع”، فلسطين أونلاين، 29/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3FXywUz

[25] ” مصادر إسرائيلية: عباس أبلغ غانتس استمرار التنسيق الأمني… الشيخ: الاجتماع يمثل الفرصة الأخيرة قبل الانفجار”، القدس العربى، 29/12/2021، الرابط: https://bit.ly/31ot4Lh

[26] “عباس: لم أكن متفائلا أكثر من اليوم بإقامة دولة فلسطين وعاصمتها القدس”، القدس العربى، 5/1/2021، الرابط: https://bit.ly/3mYeuBE

[27] “تبادلا الهدايا.. عباس يزور جانتس في منزله ويبحث معه قضايا أمنية واقتصادية”، الخليج الجديد، 28/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3t1uTJw

[28] ” لم تكن صافرات غانتس الهدف من الاجتماع مع عباس لكنها ضرورية للسلطة الفلسطينية”، مرجع سابق.

[29] المرجع السابق.

[30] “لوفيغارو: الإسرائيليون والفلسطينيون يستعرضون لقاءات رمزية”، مرجع سابق.

[31] ” المخطط الاستيطاني لحكومة نفتالي بينيت”، مرجع سابق.

[32] ” لبيد: حتى عندما أصبح رئيسًا للوزراء لن نتفاوض مع الفلسطينيين”، رأى اليوم، 4/1/2021، الرابط: https://bit.ly/3G5qIAk

[33] ” زيارة خاطئة في توقيت وظرف خاطئين”، الميادين، 29/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3t03FTz

[34] “هل كسر عباس الجمود في عملية السلام؟”، مرجع سابق.

[35] “اجتماع بلا أفق سياسي”، مرجع سابق.

[36] ” المخطط الاستيطاني لحكومة نفتالي بينيت”، مرجع سابق.

[37] “ثلاثية نفتالي بينيت وثلاثية أبو مازن”، مرجع سابق.

[38] “عباس – غانتس .. نثر الملح في الجرح الفلسطيني”، مرجع سابق.

[39] ” حتى لو لم يحدث اللقاء”، مرجع سابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

ماذا بعد صعود اليمين  الديني المتطرف في إسرائيل؟

تأكد يوم الأربعاء 9 نوفمبر الجاري، فوز رئيس وزراء اسرائيل السابق بنيامين نتنياهو بالانتخاب…