‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر «الإخوان هيحكموا وهيمشوا».. قراءة في اعتراف السيسي للسفيرة الأمريكية
مصر - فبراير 4, 2022

«الإخوان هيحكموا وهيمشوا».. قراءة في اعتراف السيسي للسفيرة الأمريكية

«الإخوان هيحكموا وهيمشوا».. قراءة في اعتراف السيسي للسفيرة الأمريكية

 

 

خلال جلسات النسخة الرابعة من منتدى شباب العالم التي أقيمت في الفترة من 10 إلى 13 يناير 2022م بمدينة شرم الشيخ، اعترف عبدالفتاح السيسي ــ خلال لقاء “شركاء التنمية” على هامش المنتدى، أنه في سنة 2011م، التقى السفيرة الأمريكية (يقصد آن باترسون)، فسألته: مين اللي ممكن يحكم مصر؟، فرد عليها: الإخوان. قالت: وبعدين؟ قال لها: وهيمشوا. وتابع: قالت لي: ليه؟ قلت لها: الشعب المصري ده لا يحكم بالقوة، ميخشش الجامع والكنيسة بالعافية، وده اللي حصل، والكلام مسجل في محاضر رسمية”.[[1]]

هذا الاعتراف من السيسي نفسه هو بحد ذاته دليل إدانة جديد ضده؛ فما فعله هو الخيانة والتآمر ضد الأمن القومي للبلاد وفق المفاهيم القانونية المجرة؛ الأمر الذي يستوجب محاكمته بتهمة الخيانة العظمي؛ إذ كيف لمدير جهاز المخابرات الحربية أن يناقش أسرار الدولة مع سفيرة أجنبية؟ ألا يعد اعتراف السيسي برهانا على أن التجهيز للانقلاب كان مبكرا جدا؟ ألا يمكن أن نفهم من اعترافه هذا أن العسكر ربما كانوا قد وضعوا خطة استدراج للإخوان؟ هذه الخطة التي تضمنت أكثر من سيناريو، الأول هو دعم مرشح عسكري للفوز بالرئاسة وهو ما حدث من خلال الدفع بالفريق أحمد شفيق، فإذا فاز تعود السلطة للجيش بشكل شرعي ورسمي. وإذا خسر يتم التعامل مع السيناريو الآخر وهو شيطنة الإخوان ثم الانقضاض عليهم بانقلاب عسكري، وهو ما جرى تماما بانقلاب 03 يوليو 2013م.

من جانب آخر تكشف اعترافات السيسي أن السفيرة الأمريكية سكتت عندما أخبرها الجنرال أنه الإخوان سيحكمون البلد وهيمشوا بعد ذلك، وهو ما تكرر لاحقا في مارس 2013م، أثناء الزيارة التي قام به وزير الخارجية الأمريكية وقتها جون كيري إلى القاهرة؛ حيث التقى الرئيس مرسي، والتقى بعدها بالسيسي؛ ووفقا للمعلومات التي جمعها  الصحفي الأمريكي “كيركباتريك”، مدير مكتب صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية بالقاهرة خلال فترة الانقلاب في كتابه “بين أيدي العسكر.. الحرية والفوضى في مصر والشرق الأوسط”، كان اللقاءان مختلفين، فقد ازدرى كيري الرئيس مرسي، ورآه غير جدير بالدعم الأميركي. لكنه خرج مرتاحا من لقائه بالسيسي، وحكى لاحقا للصحفي كيركباتريك أن السيسي قال له “لن أدع بلدي تنزلق إلى المجهول”، وحينئذ علم الوزير الأميركي أن أمر مرسي قد انتهى، كما يقول كيباتريك. تفسير ذلك أن كيرى والمسئولين الأمريكيين عموما دائما ما يجدون انصياعا من المسئولين في مصر للأوامر والتوجيهات الأمريكية ويضعون اعتبارا كبيرا للمصالح الأمريكية في مصر والمنطقة حتى لو كانت على حساب الأمن القومي المصري، وانتهاكا للسيادة المصرية والقرار الوطني، فلما وجد كيرى من مرسي ندية غير معهودة من حكام مصر السابقين أبدى غضبه الشديد في تحريض واضح للجيش على الانقلاب، وتعزز هذا التحريض السافر للانقلاب بصمت كيرى إزاء تصريح السيسي بأنه “لن يترك بلاده تنزلق إلى المجهول”  فهي عبارة تؤكد أن السيسي يستأذن الأمريكان في تدبير الانقلاب قبل 4 شهور من تنفيذه، وجاء صمت كيرى بمثابة ضوء أخضر من أجل حماية المصالح الأمريكية وعلى رأسها ضمان وجود نظام مصري يعطي أولوية للعلاقة مع إسرائيل وضمان أمنها.

وللسيسي اعتراف آخر  نادر في فحواه ومحتواه، عندما أقر بأنه كان على تواصل دائم في الشهور التي سبقت الانقلاب بوزير الدفاع الأمريكي تشاك هيجل؛ حيث مثلت العلاقة بينهما في هذا التوقيت محطة فارقة في الإشراف الأمريكي المباشر على الانقلاب قبل وقوعه بعدة شهور؛ وقد أورد “كيباتريك” في كتابه توثيقا لهذه اللقاءات التي تؤكد أن السيسي كان يمارس جريمة الخيانة العظمى والتآمر مع دولة أجنبية من أجل تنفيذ الانقلاب، وقد نشر “كيباتريك” تفاصيل هذه اللقاءات في كتابه كما نشرتها “نيويورك تايمز” في 27 يوليو 2018م. فهيجل الذي ينتمي إلى الحزب الجمهوري واليمين المتطرف استعان به أوباما المنتمي للحزب الديمقراطي كوزير للدفاع؛ لكنه لم يعمل بانسجام مع رؤية الرئيس وفقا لمصادر عديدة. وقد أفصح هيجل عن ذلك في حوار أجراه معه “كيباترك” عام 2016م، أوضح فيه أن الشكاوى بحق الرئيس مرسي انهالت عليه من إسرائيل والسعودية والإمارات. وأضاف هيجل أن ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد “الحاكم الفعلي للإمارات” وصف جماعة الإخوان المسلمين بأنها “أعظم خطر يتربص بالشرق الأوسط في يومنا هذا”.

ومثل «الخط الساخن» بين السيسي وهيجل محطة مركزية في الرعاية الأمريكية للانقلاب والإشراف على أدق تفاصيله قبل شهور من التنفيذ. وبينما كانت آن باترسون -مرؤوسة كيري- توجه في القاهرة دعوات للمصريين لاحترام الممارسة الانتخابية ونتائجها، وألا ينجروا إلى حراك مجهول العواقب، كان وزير الدفاع تشاك هيجل يجري اتصالات هاتفية شبه يومية بالسيسي من أجل وضع النقاط على الحروف لمخطط الانقلاب. يقول كيركباتريك إن البيت الأبيض أرسل إلى هيجل نقاطا لاستخدامها في حديثه مع السيسي لتحذيره من أن واشنطن ستعاقب أي انقلاب على السلطة في مصر. لكن الرسالة التي نقلها هيغل للسيسي كانت “مختلفة كليا”.  وبحسب مسئول رفيع في مجلس الأمن القومي الأمريكي اطلع على نصوص المحادثات الهاتفية بين السيسي وهيجل، فإن البيت الأبيض أراد من هيجل نقل رسالة للسيسي تقول إن الديمقراطية مهمة في إشارة إلى التحذير من انقلاب وشيك،  لكن هيجل نقلها بشكل مختلف، قائلا: “نريد علاقة طيبة”! وهي عبارة تمثل في مضمونها تحريضا على سياسات الرئيس مرسي وتمثل ضوءا أخضر جديدا من مسئول أمريكي رفيع للسيسي بالشروع في انقلابه المشئوم. بل إن هيجل خاطب السيسي قائلا «أنا لا أعيش في القاهرة، أنت تعيش فيها. عليك أن تصون أمنك وأن تصون بلادك»، وهي عبارة بالغة التحريض على الانقلاب، وتؤكد أن جنرالات الجيش الأمريكي والسي آي إيه يفضلون أن يكون رؤساء مصر من نظرائهم الجنرالات في الجيش المصري لسهولة التعامل معهم وحتى تجنيدهم لخدمة المصالح الأمريكية والإسرائيلية، بحكم العلاقة الوثيقة التي تربط بين الجيش المصري والأمريكي منذ  اتفاق “كامب ديفيد” 1979م، والمساعدات العسكرية الأمريكية للمؤسسة العسكرية المصرية التي تصل إلى نحو 1.3 مليار دولار سنويا، بخلاف الدورات التي يجريها الجيش الأمريكي لكبار القادة في الجيش المصري والتي مكنت الأمريكان من تحقيق اختراقات واسعة في صفوف الجيش المصري وفي أعلى رتبه العسكرية. ويمكن الجزم بأنه لا يصل إلى الرتب الرفيعة داخل المؤسسة العسكرية المصرية إلا من ترضى عنهم واشنطن تمام الرضا وهو ما يمكنها من تحقيق مصالحها بأقل تكلفة وضمان أمن إسرائيل باعتباره أولوية أمريكية مطلقة.

كما تلقى السيسي تشجيعا على الانقلاب ضد مرسي والمسار الديمقراطي من مسئول أمريكي رفيع آخر هو مايكل فلين الذين كان يشغل رئيس وكالة المخابرات  الدفاعية الأمريكية، والذي زار القاهرة  في ربيع 2013م من أجل الحديث مع كبار جنرالات الجيش حول مستقبل حكم الرئيس محمد مرسي؛ ولكي نفهم أبعاد الدور الذي قام به فلين خلال زيارته التي حظيت بالسرية والكتمان حول طبيعة النقاشات التي دارت وقتها فإن “كيباتريك” يقول إن فلين أخبره في 2016م أن «الإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة “أيديولوجيا واحدة”. وهي ذات أفكار اليمين المتطرف بالحزب الجمهوري ولذلك حظي فلين بمكانة رفيعة فيما بعد في إدارة دونالد ترامب وبات مستشار ترامب الأكبر،وصار فيما بعد متهما رئيسيا في قضية التواطؤ المفترض بين حملة دونالد ترامب الانتخابية وروسيا.

إزاء هذا الاعتراف من الجنرال بأنه ارتكب جريمة الخيانة العظمى، يتعين الإشارة إلى أن القاعدة الذهبية التي تحكم سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه مصر، هي العلاقة مع “إسرائيل”؛ فواشنطن تسعى في المقام الأول إلى أن تضمن وضعا مصريا لا يمثل تهديدا لدولة الاحتلال. وبالتالي فإن الاعتبار الإستراتيجي الأهم بالنسبة للإدارة الأمريكية سواء كانت جمهورية أو ديمقراطية، هو علاقة مصر مع إسرائيل، وأن له الأولوية إذا تعارض مع أهداف أخرى معلنة للسياسة الأميركية مثل دعم التحول الديمقراطي. وعندما تعارض الهدفان (أمن إسرائيل والديمقراطية)، ضحت أمريكا بالديمقراطية من أجل ضمان وجود نظام مصري ــ حتى لو كان عسكريا قمعيا ــ  ما دام لا يمثل تهديدا لإسرائيل، معنى هذا أن الديمقراطية غير مرحب بها أمريكيا وربما أوروبيا في مصر؛ لأنها في جوهرها تمثل تحريرا للإرادة الشعبية، واستقلالا للقرار الوطني وسيادة شعب مصر على بلاده المحتلة بالوكالة.

خلاصة الأمر، أن أهم أولويات الإدارة الأمريكية ألا تكون هناك ديمقراطية بالمعنى الحقيقي في مصر؛ لأن ذلك من شأنه أن يفضي إلى وجود نظام سياسي لا يلبي المصالح الأمريكية وعلى رأسها حماية أمن “إسرائيل”؛ ولعل هذا يفسر الدعم الأمريكي لانقلاب 3 يوليو؛ لأن مرسي لم يتعاون مع إسرائيل بالشكل الذي كان عليه مبارك، بل إنه لم يذكر اسم “إسرائيل” ولو مرة واحدة خلال عام حكمه. كما أظهر دعما كبيرا مع غزة خلال العدوان الإسرائيلي في نوفمبر 2012م وأرسل رئيس الوزراء هشام قنديل إلى غزة في تأكيد على هذا الدعم الكبير، فيما  أبدى تشددا ضد إسرائيل خلال العدوان، ما أجبرها على وقف العدوان.

الخلاصة الأخرى أن السيسي تلقى دعما مباشرا وقويا من أركان إدارة باراك أوباما الديمقراطية، التي كانت منقسمة على نفسها حيال الموقف من الملف المصري؛ فبينما كان يرى أوباما ومستشاروه يدفعون باتجاه “إحداث تغيير في السياسة الأمريكية القائمة والتأسيس لعلاقة جديدة مع العالم العربي بهدف مواجهة التطرف المعادي للغرب وقطع الطريق عليه”، ويحث “على ضرورة احترام نتائج الانتخابات الحرة في مصر”، لكن الفريق الآخر والذي ضم معظم المسئولين في إدارته  كانوا يعبرون “عن مخاوف قديمة متجددة من الخطر الكامن في الإسلامي السياسي” ويروجون لوجود “عقبات تحول دون نجاح الديمقراطية في مصر، وضرورة الوفاء للحلفاء الطغاة مثل حكام الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية”. وفي النهاية استسلم أوباما للفريق الآخر، عندما قبل باستيلاء العسكر على السلطة، بعد يوم واحد من الإطاحة بالرئيس مرسي. وعلى هذا الأساس جاء الدور الأمريكي مركزيا  في إنجاح انقلاب 3 يوليو؛ فالسيسي لم يكن ليجرؤ على تنفيذ انقلابه دون ضوء أخضر من أمريكا.

[1] السيسي يكشف تفاصيل حواره مع السفيرة الأمريكية عام 2011.. هذا ما قاله عن “حكم الإخوان لمصر” “فيديو”/ عربي بوست ــ 12 يناير 2022م/// السيسي: قلت لسفيرة أمريكا في 2011 “الإخوان هيحكموا ويمشوا”/ “عربي 21” ــ الأربعاء، 12 يناير 2022

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

حرية الصحافة والإعلام بين الرئيس مرسي والسيسي

    بعد مرور نحو 10 سنوات على صعود الرئيس محمد مرسي لحكم مصر، ثم انقلاب السيسي ا…