‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر قراءة في أثر الأزمة الاقتصادية على المشهد السياسي في مصر
مصر - أبريل 7, 2022

قراءة في أثر الأزمة الاقتصادية على المشهد السياسي في مصر

قراءة في أثر الأزمة الاقتصادية على المشهد السياسي في مصر

نظام قلِق ومعارضة متحفزة

 

رغم التأميم الكامل للمجال العام، ومصادرة المجال السياسي من جانب الأجهزة الأمنية، وكون الشارع فعليا لم يعد مملوكاً للناس، ولم يعد للمواطنين سوى بيوتهم مساحة وحيدة لـ “الفضفضة”، حتى مواقع التواصل الاجتماعي صارت أكثر من أي وقت مضى خاضعة لتضييق شديد من جانب السلطة السياسية في مصر، رغم كل ذلك يتملك النظام قلق شديد على مستقبله، وما قد يحمل هذا المستقبل من مفاجآت. قلق يبدو في أحيان كثيرة غير مبرر، في ظل الصمت المطبق من جانب المواطنين تجاه ما يحدث، وفي ظل الحالة البائسة للقوى المعارضة والثورية، وفي ظل أعداد المعتقلين، والمختفين قسرياً، والمهاجرين اختياراً أو قسراً خوفاً من الملاحقة، وفي ظل أعداد الإعدامات الكبيرة، في ظل كل هذه السياقات غير المسبوقة تبدو مخاوف النظام غير مبررة.

لكن يبقى المبرر الوحيد لكل هذا الخوف، أن السلطة قبل غيرها تعلم أن الأوضاع القائمة يصعب أن تستمر بدون عنف مستمر يحميها ويضمن بقائها، فالأوضاع الاستثنائية تستلزم عنف استثنائي يفرضها قسراً. في كتابه تاريخ العصامية والجربعة ينقل الكاتب عن أناس –من غير المهتمين بالشأن السياسي- ممن عاصروا العامين السابقين لهزيمة يوليو 1967، القول أنهم كان يسيطر عليهم شعور بأن ثمة أزمة كبرى تلوح في الأفق[1]، لم يكن لديهم تصور عن طبيعة الأزمة أو مجالها أو حجمها، لكن حالة الانسداد التي كانت قائمة أوصلتهم لهذه النتيجة، ويبدو أن النظام الحالي ومعه جزء كبير من المواطنين ومن المهتمين بالشأن العام في مصر باتوا يستشعروا ذات الشعور، يصاحبه كثير من القلق والترقب.

حالة القلق والترقب التي يستشعرها النظام يمكن رصدها في عدد من الاجراءات التي اتخذتها الحكومة خلال الأيام الماضية. من الجهة الأخرى، فإن قلق النظام واكبه ما يمكن اعتباره مياه جديدة باتت تتحرك -وإن بشكل وئيد- في مجرى الحياة السياسية الآسنة في مصر.

في هذا التقرير نرصد الاجراءات التي اتخذتها الحكومة المصرية تحسباً لما قد يحمله المستقبل القريب من مفاجآت، في ظل الأوضاع المعيشية التي تزداد سوءاً مع مرور الوقت، وفي ضوء حالة السخط الشعبي وتآكل جسور الثقة بين الحكومة والمجتمع. كما نرصد الشواهد التي تعكس وجود نشاط في الحياة السياسية يقطع مع حالة الموات الممتدة لسنوات سابقة.

أولاً: السياسات الحكومية للحد من التداعيات السلبية للأوضاع الاقتصادية الصعبة:

اتخذت الدولة عدة إجراءات في محاولة امتصاص أثار الأوضاع المعيشية المتردية، وللحيلولة دون حدوث ردود فعل غير متوقعة من المواطنين، وللحفاظ على حالة الاستقرار الهش القائمة، هذه الاجراءات كان منها الاقتصادي والأمني والاجتماعي والسياسي، وإن كانت السياسات الأمنية هي أكثر ما يعول عليه النظام.

على المستوى الاقتصادي:

جرى التأكيد من جانب الحكومة على وجود مخزون كافٍ[2] من كافة السلع الأساسية[3]، كما اتخذت الحكومة عدة إجراءات لمتابعة الأسواق وضبط الأسعار، فتم تكليف المحافظين بمتابعة حركة الأسواق وتوافر السلع المختلفة بها بصفة يومية، والتدخل الفوري لمواجهة حدوث نقص في أي سلعة، فضلًا عن التأكد بصفة مستمرة من أن أسعار السلع المطروحة تعد أسعارًا عادلة، وأن تتابع وزيرة التجارة والصناعة مدى توافر السلع الغذائية في الأسواق وأسعارها من خلال البيان المفصل الذي ترسله الغرفة التجارية يومياً للوزارة. كذلك صدر قرار رئيس الوزراء، في 20 مارس الجاري، بوضع تسعيرة إجبارية –تستمر مدة 3 أشهر- للخبز غير المدعم و”الفينو”، مع إلزام منافذ البيع بالإعلان عن أسعار الخبز في أماكن ظاهرة للمستهلكين، مع فرض غرامات على المخالفين[4]. هذا فيما يتعلق بضبط الأسعار ومتابعة حركة السوق.

وفيما يتعلق بالدعم المباشر للمواطنين، فقد أعلنت الحكومة تقديم موعد معارض أهلًا رمضان[5]، الموجودة بـ27 محافظة، بنحو 7724 منفذا، مع 200 قافلة متجولة بالقرى والنجوع، لتبدأ اعتبارًا من 15 مارس، حيث ستطرح كافة السلع بتخفيض يتراوح من 15% إلى 30%، كما أعلنت الحكومة أن عدد منافذ مشروع جمعيتي[6] بلغ 6740 منفذ؛ بهدف توفير السلع بأسعار مخفضة للمواطنين، كما أعلنت وزارة الداخلية عن إطلاق المرحلة 22 من مبادرة “كلنا واحد[7]“؛ لتوفير السلع المختلفة، في منافذ الوزارة “أمان” وفي أخرى غيرها، بأسعار مخفضة عن مثيلاتها بالأسواق بنسبة تتراوح من 25% إلى 60%، لمدة ثلاثين يومًا اعتبارًا من يوم 15/3/2022 وحتى يوم 13/4/2022[8]. وفي السياق ذاته، فقد طالب السيسي المؤسسة العسكرية السلع الغذائية الأساسية للمواطنين بأسعار مناسبة، ومن ثم أعلنت هيئة الإمداد والتموين من خلال إدارتها التخصصية، بتجهيز وتعبئة أكثر من مليون ونصف عبوة غذائية لطرحها فى الأسواق بنسبة خصم تصل إلى 60 %، كما أعلن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية ضخ المنتجات الغذائية عبر 1200 منفذ متحرك و 212 منفذا ثابتا في كافة المحافظات[9].

وقد شكك مراقبون في قدرة هذه الاجراءات على التخفيف عن كاهل المواطنين؛ باعتبار أن كل هذه المنافذ لا تقارن من حيث العدد مع أعداد مواطنين جاوزت المائة مليون، وأن الحكومة مطالبة بتوفير السلع الأساسية لأكثر من نصف مليون سوق تجاري بـ27 محافظة، ولنحو 234 مدينة، وحوالي 4800 قرية كبيرة، و26 ألف كفر. ورأى آخرون أن الحكومة تناقض نفسها، فهي من جهة تؤكد أنها تبذل قصارى جهدها لخفض الأسعار، ومن جهة أخرى تقرر رفع أسعار السلع الاستراتيجية وبينها أسعار أسطوانات الغاز المنزلي والتجاري التي ارتفعت للمرة الثانية خلال 3 أشهر بنسبة 15.3%، وتخطط لرفع سعر البنزين، وتعلن رفع سعر الفائدة 1%، وخفض سعر صرف الجنيه مقابل الدولار، وتفاوض صندوق النقد على قرض جديد، وكل هذه الاجراءات تزيد من معاناة المواطن بصورة غير محتملة[10].

في السياق ذاته، أعلنت الحكومة تقديم موعد الزيادات المقررة على المعاشات ومرتبات العاملين في الجهاز الإداري للدولة إلى 1 إبريل المقبل، بدلاً من بداية السنة المالية الجديدة في 1 يوليو[11]، بنسبة 12% للأجور، وزيادة المعاشات بنسبة 13%، وهي نسب أقل من معدلات التضخم القائمة والمتوقعة، كما أنها موجهة لموظفي الجهاز الإداري للدولة فقط، وعددهم 5 مليون موظف من إجمالي 28 مليون عامل في مصر، ومن الجدير ذكره هنا أن نسبة الأجور في الموازنة العامة للدولة انخفضت من 25% إلى 11% في الفترة من 2014 وحتى الوقت الحالي. وفيما يخص الفئات الأفقر، أعلنت الوزارة ضم ما يقرب من 450 ألف أسرة لقوائم المستفيدين من تكافل وكرامة بتكلفة حوالي 2.7 مليار، ليصبح عدد المستفيدين من البرنامج 3.8 مليون أسرة، كما قررت زيادة المخصصات المالية للأسر المستفيدة من البرنامج بـ 800 جنيه سنوياً، ليصبح ما تحصل عليه الأسرة 5236 جنيه سنوياً، ما يعني أن لكل أسرة 438 جنيه شهرياً لكل أسرة[12]. وكلها إجراءات غير كافية في ظل مستويات التضخم العالية وسياسات رفع الدعم خلال السنوات الماضية[13].

على الصعيد الأمني:

هناك حالة تحفز أمني واضحة، وتضييق للخناق على أية تحرك في الشارع يرى فيه رجال الأمن مصدر خطر، في هذا الإطار نفهم قرار إلغاء عزاء زوجة رجل الأعمال صفوان ثابت، بعد أن كان مقررا له أن يعقد بمسجد الشرطة بالشيخ زايد[14]، كردة فعل على حضور عدد من الشخصيات العامة غير المسيسة للجنازة[15]،  ويبدو أن للقرار أيضاً علاقة بحالة التعاطف الواسع مع صفوان ثابت وعائلته جراء اعتقاله لإجباره على التنازل بغير وجه حق عن حصته في شركة جهينة التي يملكها.

نفس المشهد السابق تكرر في جنازة نقيب المحاميين رجائي عطية، حيث منعت أجهزة الأمن نقابة المحاميين من إقامة عزاء يليق بمكانة الراحل داخل النقابة أو في مسجد عمر مكرم بميدان التحرير أو مسجد الشرطة، كما رفضت السماح بنقل جثمان الفقيد إلى النقابة وفق رغبة جموع المحامين، وهو ما صرحت به النقابة في بيان لها، وعبرت عن استيائها منه، ومطالبة رئيس الجمهورية برد كرامة النقابة، ونقيبها المتوفي[16]. حدث ذلك على الرغم من أن رجائي عطية محسوب على السلطة في النهاية وليس معارضاً لها، فقد كان قريب من مبارك وعائلته قبل يناير 2011، كما أنه أيد سلطة 3 يوليو 2013، بتأييده سعودية تيران وصنافير[17].

وقد ذكرت تقارير صحفية، نقلاً عن مصادر خاصة، أن جهات سيادية هي التي أوعزت للحكومة باتخاذ خطوات إيجابية صوب التخفيف عن المواطنين، باعتبار أن أي ضغط إضافي على المواطنين، قد يؤدي إلى تفجر الأوضاع في الشارع بشكل لا يمكن السيطرة عليه، كما وجهت الجهات السيادية ذاتها تعليمات لجميع أعضاء مجلس النواب بعدم التطرق ومناقشة أي مسألة تتعلق بسعر رغيف الخبز، بأي صورة من صور الطرح النيابي[18]. وتحدثت تقارير صحفية كذلك، عن مخاطبة رئيس الحكومة مصطفى مدبولي لرئيس مجلس النواب حنفي الجبالي، ومطالبته بتأجيل مناقشات بعض مشاريع القوانين المطروحة أمام البرلمان إلى دور الانعقاد السنوي الثالث الذي يبدأ في أكتوبر المقبل، حيث طلب “مدبولي” تأجيل مناقشة  قوانين: الإيجارات القديمة لأغراض السكن، والأحوال الشخصية (الأسرة)، والإدارة المحلية، والمرور، فهي قوانين تمسّ أوضاع الملايين من المصريين الذين يعانون من أوضاع اقتصادية شديدة الصعوبة، تجنباً لاستعداء أو إثارة شرائح كبيرة منهم[19]. ولعل مما يؤكد وجود هذا المعلومة، قرار الحكومة، بسحب “مشروع قانون الضريبة على الدخل المُقدّم إلى مجلس النواب”، وهو ما فسر بأن سحب مشروع القانون “أتى في وقت تدرك فيه الحكومة خطورته وعدم إمكانية تطبيقه في الظروف الاقتصادية الحالية في ظل غلاء الأسعار”، فـ “الناس مش مستحملة، والحكومة ستتريث في أي مشروعات قوانين جديدة تتعلق بالضرائب والرسوم”[20]. بل وصل الأمر للحديث عن رسائل بعثتها جهات أمنية لقيادات الإخوان المعتقلين، وعن استدعاء قيادات سياسية ورجال أعمال لتحذيرهم من الإشارة للأوضاع في مصر من قريب أو من بعيد سواء عبر وسائل عامة أو حتى في جلسات خاصة، وذلك بهدف تخويفهم وإسكات أصواتهم، والإشارة إلى أن الأجهزة الأمنية هي التي سربت هذه المعلومات للإعلام لإيصال رسالة أن الجهاز الأمني مستنفر ولن يتسامح مع أي نشاط معارض[21].

كما يمكن اعتبار مناقشة البرلمان مشروع قانون مقدم من الحكومة، يتعلق بزيادة المعاشات العسكرية بنسبة 15% اعتباراً من أول أبريل المقبل، في امتياز جديد للعسكريين، فهي الزيادة رقم 11 على معاشات العسكريين منذ تولي السيسي للسلطة، مقابل 6 زيادات فقط في معاشات المدنيين خلال الفترة نفسها،[22]، يمكن اعتبارها محاولة من النظام لتأكيد موالاته للعسكريين، ولاستباق أية مشاعر سلبية قد تتشكل لديهم تجاه النظام جراء الأوضاع الراهنة.

في المجال الاجتماعي:

قد يبدو أن قرار السماح بإقامة موائد الرحمن خلال شهر رمضان بعد عامين من منعها ضمن تدابير مواجهة فيروس كورونا، وإعادة فتح دور المناسبات الملحقة بالمساجد، وكذا السماح بأداء درس العصر وخاطرة التراويح، بالمساجد الكبرى[23]، قد يبدو أن هذه القرارات مرتبطة بمدى انتشار فيروس كورونا في مصر، لكن من غير المستبعد أيضاً أن تكون هذه القرارات التخفيفية جزء من سياسات تفريج الضغط عن الشارع، خاصة إذا عرفنا أن اللجنة التي اتخذت هذه القرارات، وهي “اللجنة العليا لإدارة أزمة الأوبئة والجوائح الصحية”، تضم في عضويتها وزيري الدفاع والداخلية.

والبعد الأمني واضح بشكل خاص في القرار المتعلق بعودة درس العصر وخاطرة التراويح، حيث اشترطت وزارة الأوقاف أن يكون الدرس والخاطرة في حدود 7 دقائق أو عشر دقائق على أقصى تقدير، وأن يقتصر على المساجد التي تحددها الوزارة، وأن يلتزم الأمام المكلف بهذه الدروس بالموضوعات التي تعلنها الوزارة[24]، كما شددت الوزارة على شرط التخفيف بحيث تكون مدة صلاة القيام في حدود نصف ساعة بعد صلاة العشاء مباشرة[25]، بالتالي عادت كثير من الممارسات التي اعتاد عليها الناس في رمضان لكنها عادت محملة بالقلق ومحكومة بالهاجس الأمني.

أما على المستوى السياسي:

فالحكومة حريصة كل الحرص أن يظل أية تغيير في سياسات الدولة تجاه المجتمع مقتصر على المجال الاقتصادي، أو مرتبط بالشأن الاقتصادي، أو متعلق بتخفيف القيود الأمنية على الشارع العادي غير المسيس، أما المجال السياسي وما يرتبط به من الحق في التعبير والحق في العمل السياسي، فكل تغيير يعني فرض مزيد من القيود ومواصلة عمليات التأميم والمصادرة، لذلك نجد أن في الوقت الذي بدت فيه السلطة حريصة –على الأقل على مستوى الخطاب- على إظهار مدى انشغالها بالمواطن واهتمامها بتخفيف الضغوط عنه، نجدها متمسكة بالقيود المفروضة على كافة أشكال العمل العام وأي نشاط جماعي، سواء كان سياسي أو نقابي أو حتى إنساني، مع الهيمنة المطلقة على الإعلام[26].

ثانياً: قوى معارضة تحاول استعادة نشاطها وإن بشكل حذر:

كانت البداية مع التصويت العقابي ضد مرشح السلطة في نقابة المهندسين، وصعود نقيب جديد هو طارق النبراوي، أحد رموز تيار الاستقلال بالنقابة العريقة، وقد كان أحد مؤسسي تجمع مهندسون ضد الحراسة قبل ثورة يناير، وهو التجمع الذي لعب أدوارًا هامة في مواجهة الحراسة التي فرضتها سلطة الرئيس السابق حسني مبارك على النقابة. وقد واكب ذلك سقوط مرشح السلطة، بهاء الدين أبو شقة رئيس اللجنة الدستورية في مجلس الشيوخ، في المنافسة على مقعد رئاسة حزب الوفد[27]. هذه الأحداث اعتبرها البعض تصويت عقابي ضد السلطة، ورفض للسياسات المتبعة من جانب النظام، ومطالبة هادئة بالتغيير؛ فانتخابات نقابة المهندسين كانت تصويت ضد السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي يتبعها النظام[28]، بينما كانت نتيجة انتخابات حزب الوفد تعبيراً عن رفض لسياسات الهيمنة على المجال السياسي[29]. وقد شبه البعض ما حدث في انتخابات نقابة المهندسين وحزب الوفد، بما حدث قبل ثورة يناير، حيث انحاز الناس منذ العام 2005 إلى مرشحين في انتخابات النقابات المهنية هم أقرب إلى الاستقلال النقابي، حدث هذا في انتخابات نقابات الصحفيين والمحامين والأطباء، ووصل الأمر إلى انتخابات نادي القضاة، عندما فاز ما عرف إعلاميًا وقتها بتيار استقلال القضاء[30].

يبدو أن هناك أحزاب التقطت هذه الرسائل، وبدأت تغزل على نفس المنوال؛ فقد عقد حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، المؤتمر التشاوري الأول لكوادره على مستوى الجمهورية، وخلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر وقف الحضور دقيقة تضامنا مع سجناء الرأي والمعارضين ‏المحبوسين، وسط مطالبات بسرعة الإفراج عنهم، وفتح المجال السياسي، والتأكيد على ضمانات ‏واضحة لحرية الرأي والتعبير والعمل السياسي، كما صرح رئيس الحزب أن هناك عدد من الأنشطة للحزب لكسر العزلة واستمرار التواجد، على الرغم من التضييقات وظروف جائحة كورونا[31]. وفي البيان الختامي للمؤتمر أكد الحزب رفضه للتطبيع مع العدو الصهيوني، وللقاءات شرم الشيخ والقدس وتل ابيب، وأعلن دعمه مقاومة الشعب الفلسطيني والسوداني واليمنى، وطالب بتعديل قوانين الحبس الاحتياطي وبالإفراج عن سجناء الرأي اولوية، كما حذر البيان من خطر الديون وبيع الأصول وإجراءات الخصخصة، ودعا إلى زيادة مخصصات الدعم والاجور والمعاشات، ورفع حد الاعفاء الضريبي، والتوقف عن إخلاء السكان[32].

أما حزب الكرامة، وهو حزب قومي يساري أسسه عدد من قادة الفكر الناصري، فقد أعلن رفضه الكامل لاستمرار السلطة في تنفيذ سياسات اقتصادية جائرة “ثبت فشلها مرارا”، وكان آخر مظاهرها قرار التعويم الثاني لسعر صرف الجنيه أمام الدولار، كما جدد الحزب رفضه لانصياع السلطة إلى إملاءات مؤسسات التمويل الدولية، تحت شعارات زائفة مثل “الإصلاح الاقتصادي” و”تحسين مناخ الاستثمار” وغيرهما، مطالبا السلطة بتحمل مسؤوليتها بوضوح تجاه موجات الغلاء المتوحشة، كما أكد الجزب -في بيانه- رفضه لإعلان سلطات بلاده اللجوء لصندوق النقد الدولي للحصول على قرض جديد، وطالب الحكومة بوقف بيع أصول الدولة بحجة توفير سيولة دولارية، وحذر من مخاطر السياسات الاقتصادية غير الملائمة على السلم المجتمعي، وختم البيان بدعوة مؤسسات الدولة والحركة الوطنية إلى حوار عام وعاجل ينتهي إلى عمل مؤسسي تخرج عنه رؤى وتوصيات للخروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة[33].

الخاتمة:

حاول التقرير رصد بعض ملامح السياسات الحكومية في التعاطي مع الصعوبات المعيشية الناجمة عن التضخم الكبير في الأسعار، في محاولة من القائمين على الحكم امتصاص بعض أثار الأزمة؛ لاستباق أية توترات مجتمعية قد تحدث جراء تردي الوضع المعيشي لملايين المواطنين، وكان بادياً أن الحكومة في سياساتها تلك مسكونة بالخوف من المجتمع والقلق من تداعيات الوضع على استقرار السلطة، فيما رأى كثير من المراقبين أن اجراءات الحكومة للتخفيف عن كاهل المواطنين جاءت دون المستوى، ومن المتوقع أن لا يُحدث كبير فرق.

كما حاول التقرير الوقوف على عدد من المؤشرات التي تشي بوجود تغير ما في طريقة تعاطي بعض قوى المعارضة مع السياق السياسي القائم. فيما اعتبر التقرير أن هذه المؤشرات هادئة، وتبدو هامشية، لكنها من جهة أخرى تبقى مهمة، خاصة أن النظام نجح خلال سنوات حكمه أن يضع على الهامش كل القوى السياسية وقوى المجتمع المدني، وأن يحكم قبضته بصورة شبه كاملة على المجال العام، بالتالي فالمؤشرات وإن كانت هامشية، فإن الهامش صار شديد الاتساع خلال السنوات الأخيرة.

أما عن السيناريوهات المستقبلية المتوقعة في ضوء هذه التطورات، يبدو أن الوقت لم يحن بعد لتبيان أين يقودنا المشهد الراهن.

 

المصادر::

[1] محمد نعيم، تاريخ العصامية والجربعة: تأملات نقدية في الاجتماع السياسي الحديث، مركز المحروسة للنشر، القاهرة: 2021، ص: 95.

[2] بحسب وزير التموين فإن “المخزون الاستراتيجي للقمح يصل إلى ٤ شهور، وبالنسبة للسكر، فهناك احتياطي استراتيجي لمدة حوالي ٤.٥ شهر. أما عن الزيت، فإن الاحتياطي الاستراتيجي للدولة يكفي لمدة ٥.٥ شهر. وبالنسبة للأرز، فهناك اكتفاء ذاتي من إنتاجه، وتمتلك وزارة التموين احتياطيًا استراتيجيًا يصل إلى مدة ٦.٥ شهر. والاحتياطي الاستراتيجي من الفول يصل إلى مدة ٣ شهور. وتم استعراض المتوفر من اللحوم الطازجة والدواجن، إذ تصل نسبة الاحتياطي في كلٍ منهما إلى حوالي ٨.٥ شهر).

[3] أموال الغد، مجلس الوزراء يكشف عن نسب الاكتفاء الذاتي للسلع الاستراتيجية، تاريخ النشر: 14 مارس 2022، شوهد في: 30 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/y8x7twp9

[4] هبة زين، حلول على مديات متعددة… جهود الدولة للسيطرة على ارتفاع الأسعار، المرصد المصري، تاريخ النشر: 21 مارس 2022، شوهد في: 30 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/ybeewhpt

[5] منافذ للبيع تراعاها وزارة التموين، بهدف توفير السلع الغذائية الضرورية للمواطن بأسعار مخفضة.

[6] مشروع جمعيتي بدأت وزارة التموين تنفيذه في نهاية عام 2015، بتوجيهات من الرئيس السيسي، ويستهدف توفير منافذ لتوزيع السلع الأساسية في المناطق الأكثر احتياجا، بأسعار مخفضة، وتتيح الآلاف من فرص العمل للشباب، حيث يتم منح الشباب قرض سلعي يتراوح من 50 ألف إلى 100 ألف جنيه، لفتح منافذ سلعية وتموينية، طبقا لشروط محددة من قبل الوزارة. المصدر: دينا عبد الخالق، بعد تصريحات “مصيلحي”.. معلومات عن مشروع “جمعيتي”؟، موقع جريدة الوطن، تاريخ النشر: 19 يناير 2018، شوهد في: 30 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/ydhhddkh

[7] اطلقت وزارة الداخلية المبادرة، في يونيو 2018، بالتعاون مع عدد من السلاسل التجارية الكبرى، لعرض السلع الأساسية بأسعار مخفضة عن مثيلتها بالأسواق بنسبة تتراوح من 20% – 30% وبجودة عالية. المصدر: الهيئة العامة للاستعلامات، مبادرة “كلنا واحد”، تاريخ النشر: 14 مارس 2022، شهد في: 30 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/y8m3alb3

[8] هبة زين، حلول على مديات متعددة… جهود الدولة للسيطرة على ارتفاع الأسعار، مرجع سابق.

[9] زكي القاضي، بتوجيهات رئاسية.. القوات المسلحة توفر كميات من السلع الغذائية بأسعار مخفضة، اليوم السابع، تاريخ النشر: 23 مارس 2022، شوهد في: 30 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/y7fo7cqj

[10] عربي 21، هل تنقذ معارض “أهلا رمضان” المصريين من الغلاء بشهر الصيام؟، تاريخ النشر: 28 مارس 2022، شوهد في: 30 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/y8kqbhsw

[11] العربي الجديد، مصر تقدم موعد زيادة المعاشات والمرتبات إلى أول إبريل، تاريخ النشر: 21 مارس 2022، شوهد في: 30 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/y8p9jl8k

[12] الموقف المصري (فيس بوك)، إجراءات الحكومة في التخفيف عن المواطنين.. لسه مطلوب أكثر، تاريخ النشر: 24 مارس 2022، شوهد في: 30 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/yawfpwo4

[13] المرجع السابق.

[14] مصراوي، إلغاء عزاء بهيرة الشاوي زوجة رجل الأعمال صفوان ثابت، تاريخ النشر: 20 مارس 2022، شوهد في: 30 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/yd3jgw3o

[15] سليم عزوز، “جهينة” الشركة.. و”جهينة” البلد!، عربي 21، تاريخ النشر: 21 مارس 2022، شوهد في: 30 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/yab7l7wm

[16] ألفت كامل، معركة نقابية تواصلت حتى القبر.. ماذا حدث في عزاء رجائي عطية؟، مصر 360، تاريخ النشر: 29 مارس 2022، شوهد في: 30 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/y8468ql5

[17] سليم عزوز، رجائي عطية.. وأصول الحكم!، عربي 21، تاريخ النشر: 28 مارس 2022، شوهد في: 30 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/ybujy4dw

[18] العربي الجديد، مصر: إجراءات حكومية بتوصيات أمنية لإدارة الأزمة الاقتصادية، تاريخ النشر: 21 مارس 2022، شوهد في: 30 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/yc3f7qfx

[19] العربي الجديد، مصر: تأجيل مناقشة بعض القوانين لتهدئة الشارع إثر تعويم الجنيه، تاريخ النشر: 22 مارس 2022، شوهد في: 30 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/yderhw8v

[20] المنصة، عَ السريع| دعم سعودي لمصر بوديعة في “المركزي”.. وعقوبات مدرسية للتأخر عن سداد المصروفات، تاريخ النشر: 30 مارس 2022، شوهد في: 31 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/ybt874sn

[21] العربي الجديد، مصر: الأمن الوطني يعمّم تهديداته لمنع اضطرابات شعبية، تاريخ النشر: 28 مارس 2022، شوهد في: 30 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/y8nzkfn3

[22] الخليج الجديد، مصر تتجه لزيادة جديدة في المعاشات العسكرية بنسبة 15%، شوهد في: 30 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/y88dja4g

[23] إبراهيم الخازن، مصر.. عودة “موائد رمضان” بعد غياب عامين بسبب كورونا، الأناضول، تاريخ النشر: 27 مارس 2022، شوهد في: 31 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/yasrcp26

[24] اليوم السابع، عودة الدروس الدينية بالمساجد الكبرى فى رمضان.. العصر 10 دقائق والتراويح 7، تاريخ النشر: 15 مارس 2022، شوهد في: 31 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/y9ld8hvb

[25] عمرو جمال،  رغم انحسار كورونا.. مصر تستمر في التشديد على المساجد برمضان، تاريخ النشر: 27 مارس 2022، شوهد في: 31 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/ybjf2ee3

[26] موقع الاشتراكي، بيان الاشتراكيين الثوريين: بمناسبة عاصفة الغلاء.. لنتحدث عن الحريات المدنية، تاريخ النشر: 7 مارس 2022، شوهد في: 31 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/ya5h7xv8

[27] عمرو بدر، رسائل التغيير “الناعمة”: من انتخابات حزب الوفد إلى نقابة المهندسين، المنصة، تاريخ النشر: 23 مارس 2022، شوهد في: 31 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/y89owydn

[28] فإن نقابة المهندسين تضم شريحة كبيرة ومهمة من المجتمع تنتمي للطبقة الوسطى، حيث تضم النقابة في قوائم عضويتها أكثر من 750 ألف مهندس، يضاف إليهم 30 ألف عضو جديد كل عام. المصدر: https://tinyurl.com/y89owydn

[29] المرجع السابق.

[30] المرجع السابق.

[31] أحمد صوان، التحالف الشعبي يعقد المؤتمر التشاوري الأول على مستوى الجمهورية، مصر 360، تاريخ النشر: 26 مارس 2022، شوهد في: 31 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/y7kjbn3r

[32] موقع درب، التحالف الشعبي الاشتراكي يصدر بيان صحفي بمناسبة انتهاء مؤتمره التشاوي أمس، تاريخ النشر: 27 مارس 2022، شوهد في: 31 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/y7oaqxkn

[33] الجزيرة نت، مصر.. حزب الكرامة يرفض الاقتراض ويطالب السلطة بتحمل مسؤوليتها تجاه الغلاء، تاريخ النشر: 28 مارس 2022، شوهد في: 31 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/ycjg6xk5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

قُبيل زيارة السيسي لقطر.. مصر تُفرج عن متمرد تشادي

قبل زيارة السيسي لقطر؛ تداولت أخبار عن صدور عفو رئاسي عن متمرد تشادي يُدعى توم أرديمي كان …