‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر القوانين الخاصة بالثروة العقارية.. تنظيم أم  جباية؟ (2/2)
مصر - يونيو 6, 2022

القوانين الخاصة بالثروة العقارية.. تنظيم أم  جباية؟ (2/2)

القوانين الخاصة بالثروة العقارية.. تنظيم أم  جباية؟ (2/2)

 

 

يمكن تقسيم الأصول العقارية في مصر إلى نوعين: الأول هو الأصول والعقارات والمنازل والوحدات القديمة المسكونة وغير المسكونة في جميع محافظات الجمهورية. والثاني، هي القصور والفلل الفارهة والعقارات والوحدات  في المدن الجديدة التي يتولى النظام بناءها لأهداف استثمارية، أو تسوق لها شركات التطوير العقاري في المدن والمنتجعات والكامبوندات الخاصة التي لا يقدر على شرائها سوى الأثرياء من المصريين الذين لا يزيدون عن 10% من السكان، العامل المشترك بين النوعين هو تفشي مظاهر الفوضى التي تحتاج بشدة إلى تدخل تشريعي بهدف تشريح الثروة العقارية ووضع العلاج لجوانب الخلل الكامنة والمزمنة، وإعادة تصميم المشهد العمراني على نحو يحقق العدالة ويعيد الدولة والمجتمع إلى المسار الصحيح.

وبالفعل تدخلت الحكومة بسن قوانين جديدة بدعوى الحد من الفوضى الضاربة بعمق في صميم المشهد العمراني المصري، لكن بنظرة أكثر عمقا قد نجد أن للدولة أهداف ومآرب أخرى من هذه القوانين الجديدة والتعديلات التي أجرتها على بعض القوانين القديمة. مثل قانون تنظيم الشهر العقاري، وقانون تنظيم أعمال الوكالة التجارية الذي ينظم أعمال السمسرة العقارية وشركات التطوير العقاري، وكذلك مشروع قانون التصرفات العقارية الذي سحبته الحكومة أواخر مارس 2022من البرلمان لمزيد من الدراسة.

فما مظاهر وأشكال أزمة السوق العقاري في مصر؟ وما محتوى القوانين الجديدة الخاصة بتنظيمه والغرض منها؟ وهل يمكن أن تؤدي إلى حل الأزمة أم تفاقمها؟ وما سبب هذا الاهتمام الكبير من جانب النظام بإعادة هندسة وتصميم الثروة العقارية في مصر؟ وما علاقة هذه القوانين بفرض المزيد من الرسوم والضرائب في تكريس لسياسات الجباية التي يعتمد عليها النظام كأداة من أدوات زيادة إيرادات الخزينة العامة للدولة في ظل تراجع إيرادات مصادر الدخل القومي الأساسية؟ وهل لهذه القوانين علاقة بمشروعات السيسي العمرانية كالمدن الجديدة وخاصة العاصمة الإدارية في ظل تراجع الإقبال عليها وما تشهده من حالة ركود لم يتوقعها النظام ولم يعمل لها حسابا؟ وما مآلات هذه السياسات على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية؟ وهل يمكن أن تشهد مصر انفجار أزمة عقارية (فقاعة عقارية) كما جرى سابقا في الولايات المتحدة الأمريكية والصين؟

قانون الشهر العقاري

صدَّق السيسي على القانون رقم 9 لسنة 2022، يوم الأربعاء 09 مارس 2022م بتعديل بعض أحكام قانون تنظيم الشهر العقاري (رقم 114 لسنة 1946)، والذي يتعلق بآليات تسجيل العقارات والشقق السكنية. وهو القانون الذي وافق عليه مجلس النواب (البرلمان) نهائياً في 22 فبراير2022، ويهدف إلى إجبار المواطنين على توثيق ممتلكاتهم العقارية في مصلحة الشهر العقاري التابعة لوزارة العدل.[[1]]

وتذهب صحيفة الأهرام الحكومية إلى أن قانون تنظيم الشهر العقاري الجديد (القانون رقم 9 لسنة 2022، يوم الأربعاء 09 مارس 2022م) الذي تم تطبيقه ابتداء من 8 مايو 2022م، يحظى بأهمية كبرى للأسباب الآتية:

  • أولا، يعالج جذريا المشكلات التي تعود لعشرات السنين فيما يتعلق بتسجيل الملكيات، وبالتالي يطمئن المواطن على حقوقه، وتحصل الدولة حقها.
  • ثانيا، يقضي القانون على الإجراءات المعقدة التى كانت تعرقل لجوء المواطن إلى تسجيل ملكياته وتوثيقها.
  • ثالثا، يسهل القانون الجديد ما يسمى باشتراط تسلسل الملكية، وهو الإجراء الذي كان يعرقل عمليات التوثيق في الشهر العقاري. وتكشف الصحيفة أن نحو 90% من العقارات الموجودة فى مصر يفتقر إلى معلومات واضحة عن هذا التسلسل مما يعوق تسجيل الملكيات بسهولة، ومازال المواطن حتى اليوم يلجأ إلى إبرام عقد عرفى كبديل عن التسجيل، وهى مسألة لم تعد موجودة فى كثير من الدول، وهكذا فإن تفاصيل القانون سترسم بمنتهى السلاسة والوضوح كيفية اتمام عملية التسجيل دونما غموض أو التفاف على القوانين، وهو ما يضمن حق ومصلحة كل طرف بلا زيادة ولا نقصان.[[2]] فالقانون نظم عملية تسجيل العقارات في ثلاث حالات، هي لمن يملك عقدا نهائيا، أو لمن يملك عقدا عرفيا ابتدائيا مرت عليه 5 أعوام، أو لمن استقرت ملكيته على الأرض 15 عاماً، شرط توافر المستندات في كل حالة منها لإجراء التسجيل.

ويوم  الثلاثاء 29 مارس 2022، أعلن وزير العدل عمر مروان في مؤتمر صحفي تحت شعار “سجل وبلاش تأجل”، أن الوزارة انتهت من إعداد اللائحة التنفيذية الخاصة بتعديلات قانون الشهر العقاري، منوها إلى أن الضريبة العقارية سيتم فصلها عن إجراءات التسجيل العقاري، ما يفتح الباب أمام أي مواطن يرغب في تسجيل العقار. وقال مروان إن رسوم تسجيل الوحدة السكنية لدى مصلحة الشهر العقاري ستبلغ 3900 جنيه بحد أقصى، على أن تبدأ المصلحة تنفيذ إجراءات التسجيل وتطبيقها اعتباراً من 8 مايو المقبل، مستطرداً بأن هناك إمكانية للتسجيل إلكترونياً، وستُتاح هذه الخدمة بعد مرور شهرين من التسجيل الفعلي للإجراءات.

وفي بيان سابق لوزارة العدل كشفت أن الشهر العقاري ينظمان قانونان: الأول، القانون رقم 114 لسنة 1946 وهو قانون الشهر العقاري المهني، والثاني هو المنظم للجانب الإداري لموظفي الشهر العقارى برقم 5 لسنة 1964 وينظم المسائل الخاصة بالتعيين والفصل والترقية. البيان عزا سبب تكرار العقود العرفية على العين الواحدة إلى اشتراط الملكية المسجلة وإزالة هذا الشرط من القانون الجديد يبسط عمليات تسجيل الملكيات وإزالة العقبات التي كانت تحول دون إجراءت التسجيل، لحل أزمة العقود العرفية، وهي إحدى مشكلات المجتمع المزمنة.[[3]]

ونص القانون على فصل أداء ضريبة التصرفات العقارية المحددة بنسبة 2.5% عن رسوم التوثيق، وعدم اشتراط تسلسل الملكية في تسجيل الحيازة الطويلة المكسبة للملكية (15 عاماً)، وكذا تسجيل الحيازة القصيرة للعقارات المستندة إلى عقد عرفي أو ابتدائي (5 سنوات)، ووضع سقف زمني للإجراءات أمام مصلحة الشهر العقاري لإتمام عملية التسجيل بإجمالي 30 يوماً، مضافاً إليها 7 أيام للنظر في الاعتراض، وذلك برسوم تسجيل مقدارها 2000 جنيه. واختصر القانون مستندات التسجيل في البيانات الدالة على شخصية كل طرف وصفته وسلطته، ويستثنى من ذلك الصادر بشأنهم الأحكام النهائية المطلوب شهرها، وخريطة رسمية رقمية مبين بها بيانات وإحداثيات العقار أو الوحدة محل التسجيل، أو أي مستند رسمي آخر يحمل ذات البيانات، والسند القانوني لطلب التسجيل (العقد)، وإيصال مرافق في حالة العقد الابتدائي أو وضع اليد لإثبات وجود صاحبه في العقار المراد تسجيله، وإقرار من صاحب الشأن بالحقوق المقررة على العقار محل التسجيل.

ويستهدف النظام بهذا القانون إجبار المواطنين على توثيق ممتلكاتهم العقارية في مصلحة الشهر العقاري التابعة لوزارة العدل، ما يكلفهم أعباء مالية ضخمة نظراً لارتفاع رسوم التوثيق.[[4]] حيث ينص القانون على إلغاء الاعتراف بـ”صحة التوقيع” الصادر من المحاكم القضائية على الممتلكات العقارية، من أجل إجبار المواطنين على توثيق ملايين الوحدات السكنية في الشهر العقاري، وهو جهة تابعة لوزارة العدل منوط بها توثيق العقارات، الأمر الذي يكلفهم أعباء مالية ضخمة لارتفاع رسوم التوثيق التي تصل إلى 20 ألف جنيه للوحدة السكنية، وتزيد إلى 100 ألف جنيه فأكثر في حال توثيق مبنى يضم العديد من الوحدات.[[5]] فإذا علمنا أن بمصر نحو 58 مليون وحدة وفقا لتصريحات مسئول في الشهر العقاري؛ فإن الحكومة بهذا  القانون تستهدف تحصيل مئات المليارات من الجنيهات من وراء هذا القانون الجديد من جيوب المصريين في ظل هذه الأوضاع الصعبة والتدهور الحاد في مستويات المعيشة.

إقرا أيضاً: فوضى سوق العقارات في مصر.. قراءة تحليلية (1/2)

تنظيم شركات التطوير العقاري

القانون الثاني الذي صدق عليه السيسي هو القانون رقم 21 لسنة 2021 بتعديل بعض أحكام قانون تنظيم أعمال الوكالة التجارية وبعض أعمال الوساطة التجارية رقم 120 لسنة 1982، والذي صدّق عليه السيسي يوم الإثنين 11 إبريل 2022م. القانون يضع تعريفا موسعا لمصطلح «السمسار العقاري»، فهو كل من قيد بسجل السماسرة بوزارة التجارة والصناعة، ويقوم بأعمال السمسرة أو السعي لإبرام العقود المتعلقة بالعقارات والأراضي المبينة أو الفضاء، سواء أعمال شرائها أو بيعها أو تأجيرها أو التوسط. ويستهدف النظام بهذا القانون الحد من التوسع الحاصل في نشاط الوسطاء العقاريين، وتأثيم بعض الأفعال المستحدثة، بدعوى تحقيق الردع العام. وحظر القانون مزاولة أي عمل من أعمال الوساطة العقارية (السمسرة العقارية)، إلا لمن يكون اسمه مقيداً في السجل المنشأ لهذا الغرض، ومعاقبة كل من يمارس مهنة الوساطة العقارية، أو يمارس عملاً من أعمالها، أو ينشئ أو يدير منشأة لأحد هذه الأغراض من دون القيد بالسجل الخاص بذلك. ونص القانون على فرض عقوبة لا تزيد عن عامين، وغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تتجاوز مليون جنيه، أو إحدى هاتين العقوبتين، لكل من مارس مهنة الوكالة التجارية، أو قام بعمل من أعمال الوساطة التجارية، أو الوساطة العقارية، أو أنشأ أو أدار منشأة للقيام بأحد الأغراض المتقدمة، من دون الحصول على ترخيص. كذلك يحرمه القانون من مزاولة النشاط مدة لا تتجاوز سنتين، وتُغلَق المنشأة مدة مساوية لمدة حرمان مزاولة النشاط. [[6]] كما نص القانون على غرامة لا تقل عن ثلاثين ألف جنيه، ولا تجاوز خمسين ألف جنيه، لكل من تم قيده أو تجديد قيده بأي من السجلين المنصوص عليهما في القانون؛ بناءً على بيانات غير صحيحة تعمد ذكرها، أو حجب بيانات أو معلومات أو سجلات أو مستندات كان من الواجب تقديمها، أو الإدلاء بها، وتعمد حجبها. وفي ما يتعلق بتحصيل العمولة المتفق عليها في عقد الوساطة العقارية، حظر مشروع القانون دفع أي مبالغ نقدية إلا في حدود مبلغ لا تتجاوز نسبته 5% من القيمة الإجمالية للعمولة المتفق عليها، وسداد المبلغ المتبقي عن طريق وسائل الدفع غير النقدي؛ ضماناً لرقابة أجهزة الدولة.

الحكومة بهذا القانون تستهدف ثلاثة أمور:

  • الأول، محاولة احتواء الفوضى العارمة التي تضرب سوق العقارات من جانب المطورين العقاريين، وهم شركات السمسرة الجديدة التي دخلت السوق خلال القعدين الأخيرين، والتي تعتبر من أبرز مظاهر الفوضى، لأن شركات التطوير العقاري لا يعنيها سوى نسبة العمولة من الصفقات التي تبرمها بين البائع والمشتري، ومع الأرباح الطائلة التي تحصل عليها، تحولت السمسرة العقارية من حيز الأشخاص إلى دائرة الشركات التي تستخدم أحدث أشكال التكنولوجيا والدعاية في التسويق بكافة الطرق الفنية المبهرة وتوظيف كبار النجوم والتكنولوجيا التي تجعل من الخيال الحالم واقعا مرئيا لا يعرف أسراره إلا خبير، وإعلانات التسويق العقاري خير دليل على ذلك. الفوضى القائمة سمحت بدخول السوق العقاري نخبة من النصابين سواء من بعض الملّاك الذين بمجرد حصولهم على خطاب تخصيص قطعة أرض، يستعينون بمطورين لديهم القدرة على “بيع الهواء” لجمع أكبر قدر من المال، رغم أن المشروع ما زال في خطواته الإجرائية الأولية. وهو ما جرى في مشروع “العاصمة الإدارية”، حيث باعت بعض الشركات وحدات بمئات الملايين رغم أنها لم تحصل حتى على التراخيص اللازمة للبناء، وبعض المشترين تعرضوا للنصب بالفعل وهي الأزمة التي طفت على السطح مؤخرا، حيث لجأ ملاك آخرون للبيع عن طريق أكثر من مطور عقاري، فكانت النتيجة بيع الوحدات لأكثر من شخص.[[7]] في مواجهة ذلك لجأ السيسي إلى إصدار قرار بمنع أي مطور عقاري او شركة من إبرام أي تعاقدات إلا بعد الانتهاء من 30% من المشروع؛ في محاولة لإنقاذ سمعة مشروع العاصمة الإدارية الذي يعول عليه النظام كثيرا؛ وهو ما أغضب المطورين العقاريين.[[8]] لأنهم يعتمدون أساسا على الدعاية بالماكيت والإعلانات المبهرة لوحدات لم يتم بناؤها من الأساس.
  • الثاني، تشديد قبضتة السلطة الأمنية بوضع جميع العاملين في قطاع السمسرة العقارية تحت أعين أجهزتها الأمنية عبر استحداث سجل قيد السماسرة بوزارة التجارة، واشتراط  عدم الإدراج بالقوائم الإرهابية للقيد بالسجل،   يتضمن بياناتهم الشخصية الأساسية، وبيانات محل مزاولتهم المهنة ، والكود الذي حصل عليه والفئة التي ينتمي إليها ، وغيرها من البيانات ، والمعلومات ، والإحصائيات اللازمة لتنظيم نشاط السمسرة العقارية. كما «يلزم القانون الراغبين في القيد أو تجديد القيد في سجل السماسرة العقاريين أن يجتازوا دورة تدريبية متخصصة في مجال السمسرة العقارية قبل القيد بالسجل تتضمن قواعد قراءة الخرائط والمخططات وفقا للقواعد التي يصدر بها قرار من وزير التجارة والصناعة، إلى جانب استيفاء أي شروط أخرى متطلبة لفئات معينة من مزاولي مهنة السمسرة العقارية، على النحو الذي يصدر بتحديده قرار من وزير التجارة والصناعة».[[9]] كما أن القانون يعزز مكانة السلطة وأجهزتها أمام السماسرة بما يسمح لها بابتزازهم باستمرار، ويجبرهم على أن يكونوا أداة توظفهم لخدمة أجندتها؛ لأن القانون يجيز لوزير التجارة والصناعة التصالح في أي من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون قبل إقامة الدعوى الجنائية، مقابل أداء مبلغ لا يقل عن مثلي الحد الأدنى ولا يجاوز الحد الأقصى للغرامة المقررة. كما يجيز القانون التصالح بعد إقامة الدعوى الجنائية وقبل صدور حكم فيها مقابل أداء مبلغ لا يقل عن أربعة أمثال الحد الأدنى ولا يجاوز الحد الأقصى للغرامة المقررة ، كما يجوز التصالح بعد صدور الحكم الجناني مقابل أداء مبلغ لا يقل عن الحد الأقصى للغرامة المقررة ولا يجاوز مثليه. والحكومة بهذه الإجراءات  والشروط لا تضمن فقط السيطرة على السماسرة وأنشطتهم بل السيطرة كذلك على بيانات المتعاملين بالبيع والشراء في السوق العقارية عبر هؤلاء السماسرة بما يفتح أمام الأجهزة الأمنية أبوابا جديدا لتجنيد السماسرة لحسابها مقابل السماح لهم بممارسة النشاط.  وهذه  النصوص تعزز من مافيا الفساد على نطاق واسع.
  • الثالث، هو ضمان حصر جميع التصرفات المالية بالبيع والشراء في السوق العقارية وتسجيل هذه الأنشطة لضمان تحصيل الضريبة العقارية وزيادة موارد الدولة؛ لذلك نص القانون على أن تكون طرق الدفع عبر وسائل الدفغ غير النقدي ضمانا لرقابة الدولة على هذه الأنشطة، كما نص على إلزام السمسار العقاري بوجود سجل تقيد فيه عمليات السمسرة التي أجراها والعمولات والمبالغ التي تقاضاها وثمن المعاملة.

مشروع قانون التصرفات العقارية

في أواخر مارس 2022م، تقدمت الحكومة بطلب إلى البرلمان بشأن سحب قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005، في ما يخص ضريبة التصرفات العقارية، وذلك لإجراء المزيد من الدراسة حول مواده، استجابة لطلب العديد من النواب الذين أعلنوا رفضهم له من حيث المبدأ، خوفاً من ملاحقته بشبهة “عدم الدستورية” بعد إصداره.  وقد كشف وزير المالية، محمد معيط، في فبراير 2022، أن “مصلحة الشهر العقاري ترسل إلى الوزارة ما بين 500 و650 ألف عقد بيع للوحدات السكنية سنوياً. والوزارة تعمل على تحصيل نسبة 2.5% منها كتصرفات عقارية، بحيث يسددها البائع من سعر البيع، وليس المشتري”. مضيفا أن “عدد عقود الوحدات السكنية المُسجلة في الشهر العقاري تصل إلى 6 ملايين، تُحصل منها الوزارة ما يقرب من 8.5 مليارات جنيه سنوياً. ومتوقعة زيادتها بعد إقرار القانون، بما يمثل مصدراً هاماً في دخل الموازنة العامة للدولة”.[[10]]

ويقضي مشروع القانون بفرض ضريبة مقطوعة على التصرفات العقارية، تراوح بين 1500ج للعقود أقل من 250 ألف ج، وألفي جنيه للعقود من 250 ألفا حتى 500 ألف جنيه، 3 آلاف جنيه للعقود أكثر من 500 ألفا حتى مليون جنيه، و4 آلاف جنيه للعقود أكثر من مليون جنيه، والتي أبرمت قبل تاريخ 19 مايو 2013، واستمرار العمل بالضريبة العقارية بسعر 2.5% من دون حد أقصى من قيمة العقار اعتباراً من هذا التاريخ، وإلزام البائع الأخير بسداد الضريبة مهما تعددت عقود تسلسل الملكية. وأورد مشروع القانون تمييزاً صريحاً استناداً إلى تاريخ محدد، وهو 19/ 5/ 2013، وبالتالي التفرقة بين المواطنين في تسجيل العقارات، إضافة إلى فرض ضريبة التصرفات العقارية على عقود البيع بأثر رجعي، من دون أن تقدم الحكومة بيانات للبرلمان عن عدد العقارات المستهدفة من تحصيل الضريبة، أو أوجه إنفاقها.[[11]] لذلك جرى سحب القانون  من البرلمان لإعادة البحث والدراسة وتلافي الشبهات بعدم الدستورية.

خلاصة الأمر، يستهدف النظام بقانون التوثيق العقاري، ومشروع قانون التصرفات العقارية، جمع جباية تقدر بمئات المليارات من أجل زيادة موارد الدولة عبر وسائل غير تقليدية، لأن القانون الذي تم العمل به بداية من 8 مايو 2022، يلزم جميع المصريين بتوثيق بيوتهم ومنازلهم وعقاراتهم ووحداتهم السكنية وأراضيهم الفضاء والزراعية، ورغم أنه تساهل في بعض العقبات التي كانت قائمة بالفعل لكنهم غالى في أسعار رسوم التوثيق بما يصل أحيانا ما بين 4 آلاف جنيه لكل وحدة سكنية وقد يصل توثيق عقار واحد مكون من عدة وحدات إلى نحو مائة ألف جنيه. فإذا علمنا أن بمصر نحو 58 مليون وحدة سكنية، تقدر صحيفة الأهرام أن نحو 90% من عقارات المصريين غير  موثقة، معنى ذلك أن نحو 50 مليون عقار ووحدة سكنية تحتاج إلى التوثيق بخلاف الأراضي الفضاء والزراعية بما يدر مئات المليارات على خزينة الدولة الخاوية. وإذا كان حجم التداول السنوي في سوق العقارات يصل إلى 250 مليار جنيه سنويا، فإن الضريبة المتوقعة من هذا النشاط  تصل إلى نحو 6.5 مليارات جنيه سنويا.

معنى ذلك أن النظام عندما فشل في تحصيل الجباية المتوقعة من سن القانون رقم 17 لسنة 2019م المتعلق بالتصالح في مخالفات البناء وتقنين أوضاعها، بعدما شن حملات الهدم التي طالت آلاف المنازل والعقارات لإجبار المصريين على التصالح، لجأ النظام إلى سن قانون  التوثيق بالشهر العقاري من أجل تحقيق ذات الأهداف (الجباية بالإكراه) التي فشل في تحصيلها بقانون الهدم والتدمير(التصالح في مخالفات البناء).

في كل الأحوال فإن السيسي سواء بالقوانين الخاصة بالثروة العقارية أو حتى بالتصالح في مخالفات البناء، إنما يشن حربا على عشرات الملايين من المصريين بهدف إرهابهم وابتزازهم لجمع مئات المليارات من الجباية بأدوات الإكراه في ظل هذه الأوضاع العسيرة بفعل الغلاء والتضخم المرتفع وتدهور مستويات المعيشة. وأمام تراجع إيرادات الدولة فإن السيسي يمد يده في جيوب المصريين يغترف منها ما يشاء نهبا وسطوا وهي الممارسات التي يتم تقنينها بسن التشريعات والقوانين الشاذة والمنحرفة التي لا تخدم سوى السلطة وتلبي رغباتها دون النظر في الانعكاسات الاجتماعية والارتدادات  المتوقعة لفرضها على الناس بادوات القهر والبطش الأمني.

 

_____________________________

[1] مصطفى عيد زكي/ الدليل الشامل عن قانون الشهر العقاري الجديد.. الإيجابيات وموعد التطبيق ورسوم تسجيل الشقق/ بوابة الأهرام ــ 11 إبريل 2022م

[2] أهمية قانون الشهر العقاري/ رأي الأهرام ــ الجمعة 29 من شعبان 1443 هــ 1 أبريل 2022 السنة 146 العدد 49424

[3] طارق سمير/ فصل الضريبة عن التسجيل.. تطبيق تعديلات قانون الشهر العقاري 8 مايو/ مصراوي ــ الثلاثاء 29 مارس 2022

[4] السيسي يصدر تشريعاً لإجبار المصريين على توثيق ممتلكاتهم العقارية/ العربي الجديد ــ 09 مارس 2022

[5] البرلمان المصري يقر تعديل قانون الشهر العقاري/ العربي الجديد ــ 08 فبراير 2022

[6] السيسي يصدّق على قانون حظر الوساطة العقارية/ العربي الجديد ــ الأربعاء 13 ابريل 2022

[7] عادل صبري/ فوضى سوق العقارات المصري/ العربي الجديد ــ 14 سبتمبر 2021

[8] السيسي يتدخل لإنقاذ سمعة العاصمة الإدارية.. فوضى بسوق العقارات بعد منع البيع قبل إنهاء ثلث المشروع/ عربي بوست ــ 11 نوفمبر 2021م

[9] محمد نابليون/ تجنبا لعقوبات مشددة.. كيف يقنن السمسار العقاري وضعه في ظل القانون الجديد؟/ بوابة الشروق ــ  الجمعة 15 أبريل 2022

[10] البرلمان المصري: إعادة دراسة قانون ضريبة التصرفات العقارية/ العربي الجديد ــ 22 فبراير 2022

[11] الحكومة المصرية تسحب قانون “التصرفات العقارية” من البرلمان للدراسة/ العربي الجديد ــ 30 مارس 2022

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لماذا فشلت الدعوة للاحتجاج في 11 نوفمبر؟ محاولة للفهم والتقييم!!

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يدعوا فيها نشطاء بالخارج المجتمع المصري إلى التحرك ضد النظ…