‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر قراءة في الأبعاد السياسية لتوجهات السيسي الفرعونية على حساب الهوية الإسلامية
مصر - أغسطس 15, 2022

قراءة في الأبعاد السياسية لتوجهات السيسي الفرعونية على حساب الهوية الإسلامية

قراءة في الأبعاد السياسية لتوجهات السيسي الفرعونية على حساب الهوية الإسلامية

نظام الجنرال عبدالفتاح السيسي كسابقيه من الجنرالات الذي سطوا على حكم مصر بانقلاب 23 يوليو 2013م، مفتون بالفرعونية، يجاهر بذلك ويفتخر به ويحرص على تكريس نزعة التباهي والتفاخر بهذه الفرعونية كحضارة ونظام حكم وحتى هوية للبلاد. في سبيل ذلك يتم تسخير كل مؤسسات الدولة من أجل الإشادة والفخر بـ«الفرعونية»؛ فالإعلام والسينما والدراما وحتى مناهج التعليم تكرس هذه النظرة تجاه الفرعونية بوصفها حضارة قل لها نظير في العالم، ومنذ عقود وحتى اليوم تصر الآلة الإعلامية للسلطة العسكرية في مصر على وصف المنتخب المصري لكرة القدم  بمنتخب الفراعنة، باستثناء فترة قصيرة في العقد الأول من الألفية الجديدة عندما أطلق على المنتخب وصف منتخب الساجدين لوجود نخبة من اللاعبين المتدينين على رأسهم أمير القلوب محمد أبو تريكة.

تجلت هذه النزعة بوضوح شديد خلال السنوات الماضية التي تلت انقلاب 03 يوليو 2013م من خلال الإجراءات الآتية:

  • الأول، أن كل حملات الدعاية التي تقوم بها وزارة السياحة والحكومة تركز باستمرار على الحضارة الفرعونية ، وتعمل على الدوام على الترويج للسياحة في مصر من خلال بوابة الحضارة والفترة الفرعونية.
  • الثاني، هو الشروع في بناء المتحف المصري الكبير بمنطقة الفسطاط بمصر القديمة بدلا من المتحف المصري بالتحرير؛ وذلك بهدف استغلال مكان المتحف بالتحرير في إقامة مشروع فندقي أو بيع الأرض في ظل عمليات بيع أصول الدولة التي يتوسع فيها السيسي للتغلب على أزمة السيولة؛ وقد تكلف متحف الفسطاط نحو مليار دولار (نحو 20 مليار جنيه بسعر سنة 2022) بحسب تصريحات الدكتور طارق توفيق، مدير المتحف المصري الكبير في حوار مع موقع “مصراوي” في أغسطس 2018م.[[1]] ورغم أن مصر تعيش منذ 1400″ سنة في ظل الحضارة الإسلامية، ولا يزال الإسلام مهيمنا على عقائد الناس وأفكارهم إلا أن النظام وضع تصميم المتحف بالكامل على الطراز والنمط الفرعوني في برهان على انحيازه الصارخ للفرعونية على حساب الإسلام وقيمه وحضارته.
  • الثالث، هو الحفل الأسطوري الضخم الذي أقامه النظام في 03 إبريل 2021 م؛ حيث تم نقل المومياوات الملكية  من المتحف المصري بالتحرير إلى المتحف القومي للحضارة المصرية بمنطقة الفسطاط بمصر القديمة،  في احتفال أسطوري أنفقت عليه السلطة مئات الملايين من الدولارات.
  • الرابع، افتتاح طريق المواكب المقدسة “الكباش” في حفل أسطوري آخر في 25 نوفمبر 2021م وسط زفة إعلامية ودعائية صاخبة واستدعاء سفراء الكثير من سفراء ا لدول الأجنبية لحضور هذه الاحتفالات الأسطورية.
  • الخامس، هو الاستعداد لإقامة حفل أسطوري أكثر ضخامة من كل ما سبق في افتتاح المتحف المصري الكبير والمقرر له أن يكون خلال هذه السنة (2022).

فلماذا يتبنى السيسي هذه التوجهات نحو الفرعونية؟ ولماذا يريد تكريسها وفرضها على المجتمع المصري؟ ولماذا يعمل على تهميش الهوية  الإسلامية؟ وهل يمكن أن ينجح في مسعاه  بشأن الفرعونية؟ وهل ينجح في زعزعة إيمان المصريين الذين يرون في الفرعونية نظاما تسلطيا ظالما يمثل كل القيم السيئة والقبيحة؟ وما دور الشيوخ المقربين منه في هذه المخططات؟ وما العقبات التي تحول دون نجاح هذه المخططات؟

 

الخصومة مع الإسلام

في مقابل هذا الاهتمام الواسع بالفرعونية فإن النظام في مصر حريص كل الحرص على تهميش الهوية الإسلامية من خلال الأدلة والشواهد الآتية:

أولا، تجاهل وتهميش المبادئ والقيم الإسلامية بل العداء السافر أحيانا لأحكام الإسلامية وأوضح مثال على ذلك هو تكريس الظلم وغياب العدل رغم أنه أحد أهم أحكام ومبادئ الشريعة،  وتحريم الربا رغم أنه يستجلب الحرب من الله ورسوله، وتحريم الخمر والعري، وإشاعة الفساد والسرقة والرشوة والواسطة والمحسوبية وشهادة الزور وفبركة الاتهامات للأبرياء وكلها سلوكيات محرمة في الإسلام ومجرمة في شريعته وأحكامه. وحتى في القانون الوضعي.

ثانيا، سحق أكبر حركة إسلامية في البلاد وهي الإخوان المسلمين وممارسة أبشع صور الظلم والاضطهاد بحقها والتعامل مع الملايين من أبنائها بوصفهم أعداء يجب استئصالهم والتخلص منهم.  واضطهاد الإسلاميين عموما وعدم توليهم أي مناصب عليا في الدولة على الإطلاق وحرمانهم من دخول الجيش والشرطة والمخابرات والإعلام وفصل من كان منهم في سلك النيابة والقضاء.

ثالثا، تعزيز وتكريس العلمانية وتقديم كل من يعتقد بها في وسائل الإعلام ومنحهم مناصب حساسة بالدولة من أجل تسويق العلمانية كأحد أدوات السلطة للحد من الهوية الإسلامية وتهميشها. وكذلك الاهتمام بكل الأدوات الحديثة من إعلام وسينما ودراما وصحافة وفضائيات ومسارح وأوبرا من أجل التسويق لنمط الحياة الغربي وتعزيز الهوية الفرعونية للبلاد.

رابعا، الحرب على المساجد، وهي حرب عاينها كل المصريين على مدار السنوات التي تلت الانقلاب؛ بدأت باستباحة المساجد واقتحامها وقتل واعتقال من فيها كما جرى مع مساجد رابعة والنور والفتح برمسيس والقائد إبراهيم بالإسكندرية والإيمان بجوار رابعة العدوية.  ثم تكفل لاحقا مختار جمعة وزير الأوقاف بغلق نحو 25 ألف مسجد وزاوية ومنع صلاة الجمعة بها.[[2]] وفي مناورات تدريبية يوم الأربعاء 20 يوليو 2016م خلال حفل تخرج دفعة جديدة من طلبة الكلية الجوية، كانت الصدمة المدوية أن  التدريب الأساسي لهؤلاء الطلاب المتخرجين حديثا من القوات الجوية المصرية هو استهداف مجسم لمسجد بكامل تفاصيله! [[3]] وحين أبدى المسلمون استياءهم من هذه “الإهانة الصادمة” لم يكترث رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي وقادة الجيش الذين كانوا شهودا على الجريمة؛ ولم يقدم نظام الانقلاب ولا المؤسسة العسكرية المصرية اعتذارا عن هذه الإساءة وتلك الجريمة حتى اليوم.

وبين عامي 2019 و2020 شن السيسي حربا على المساجد وراح يهدم العشرات منها بدعوى أنها بنيت بالمخالفة للقانون، وشوهدت عشرات المآذن تنهار تحت جنازير معدات الجيش. لكن الجيش الذي هدم المساجد المخالفة هو نفسه الذي سن قانونا خاصا يقنن به الكنائس المخالفة؛ حيث جرى سن قانون رقم 80 لسنة 2016، كل ذلك بهدف استرضاء الكنيسة والتظاهر أمام الغرب بأن مصر تشهد تسامحا دينيا غير مسبوق، وجرى بالفعل تقنين آلاف الكنائس المخالفة؛ فلماذا لم يتم التعامل مع المساجد المخالفة كما يجري مع الكنائس المخالفة؟ لماذا تهدم المساجد وتقنن الكنائس؟ لماذا هذا الاضطهاد الديني ضد المسلمين في بلد يفترض أنه مسلم وينص دستوره على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع؟! هذه الازدواجية من النظام تجاه دور العبادة لا تتوقف عند تقنين الكنائس وهدم المساجد في مشهد عنصري بالغ الإساءة للإسلام والمسلمين بل يمتد إلى التعامل بشكل عام؛ فبينما يستبيح السيسي وأجهزته الأمنية المساجد ولا يرى لها ولا لأئمتها حرمة ويسمح لأجهزته الأمنية بتدنيسها متى شاءت وكيف شاءت، فإنه شديد التبجيل والاحترام لدور العبادة الخاصة بالأقباط واليهود. وحتى اليوم لا تقدر أجهزة السيسي الأمنية على هدم كنيسة واحدة حتى لو كانت مخالفة أو اقتحامها ولا تستطيع أن تتدخل في شئونها ولا تفرض على القائمين عليها من الرهبان والقساوسة خطابا معينها أو تمنع نشاطا من أنشطتها بخلاف الحصار الصارم على المساجد، فقد جرى تأميم المساجد لحساب وزارة الأوقاف الحكومية التي يشرف الأمن الوطني عليها من الألف إلى الياء.

عداء السيسي للمساجد لم يتوقف على حصار مساجد مصر بل إنه طالب الدول الغربية بحصار المساجد في بلادها وذلك أثناء مشاركته في قمة ميونيخ للأمن التي انعقدت في ألمانيا في فبراير 2019م، حيث حرَّض الأوروبيين على مراقبة المساجد، وقال إنه دأب في لقاءاته مع المسؤولين الأوروبيين أو من أي دولة أخرى على حثهم على الانتباه لما ينشر في دور العبادة الخاصة بالمسلمين. وربط السيسي ذلك بالحرب على ما يسمى بالإرهاب[[4]] وهو ما يتسق مع تصورات السيسي المشوهة عن الإسلام والمساجد باعتبارها أوكار لتفريخ الإرهابيين وليست دور عبادة تسمو بالروح وتهذب السلوك.

 

مصر في القرآن والكتاب المقدس

أولا، يعمل النظام العسكري منذ سنوات على ترويج بعض النصوص القرآنية والأحاديث النبوية من أجل تبييض صورة مصر؛ والزعم أنها تحظى بمكانة مرموقة وزاهية في القرآن والسنة والكتاب المقدس؛ وعادة ما يروج الموالون للسلطة قوله تعالى { ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ} يوسف. في إشارة إلى أن مصر بلد الأمن والأمان، متجاهلين أمرين:

  • الأول، أن هذا كان عندما تولى نبي الله يوسف عليه السلام الوزارة (عزيز مصر) وهو أجنبي من بني إسرائيل ولم يكن مصريا أصيلا، لكنه وحكم بما أنزل الله بين الناس وأقام العدل في الأرض، وهو نفسه الذي سُجن في مصر ظلما لعفته واستقامته ورفضه ممارسة الفاحشة مع امرأة العزيز، ورغم اليقين ببراءته زجوا به في السجن ظلما وعدوانا{ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35)}. فمصر هي الدولة الوحيدة في الفرآن التي سجنت نبيا من أنبياء الله لعفته وطهارته واستقامته وثبوت براءته!
  • الثاني، أن النظام ومواليه يتجاهلون تماما قوله تعالى عن مصر أيضا { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21)}، فهذا أيضا رسول من رسل الله العظام موسى عليه السلام يفر من مصر خوفا من بطش فرعونه وملائه. فلماذا يروجون للآية الأولى (ادخلوا مصر ..  آمنين) ويتجاهلون الثانية (فخرج منها خائفا يترقب)؟! وكلتا الآيتين عن مصر؟!

ثانيا، يروج النظام باستمرار لحديث: «إذا فتح الله عليكم مصر بعدي، فاتخذوا فيها جنداً كثيفاً، فذلك الجند خير أجناد الأرض، قال أبو بكر: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: إنهم في رباط إلى يوم القيامة». فهذا الحديث ذكره العجلوني في «كشف الخفاء» غير معزوٍ ولا محكوم عليه ويؤكد علماء الحديث أنه موضوع بمعنى أن عزوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو شيء من الكذب الفاجر. [[5]]. بمعنى أن النظام حريص على ترويج الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي تمجد في جيش مصر (خير أجناد الأرض)، بينما يتجاهلون عشرات الآيات القرآنية التي تذم في جنود فرعون وهم بالأساس جنود جيش مصر. {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)}. {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}.

ثالثا، يتجاهل النظام وأنصاره وشيوخ ومفكروه حقيقة قرآنية ناصعة الوضوح وهي أن الجيش المصري (جيش فرعون) هو أحد جيشين (جيش مصر وجيش إثيوبيا في عهد أبرهة) أهلكهما الله جميعا بيده لفساده وظلمه وطغيانه {فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ (136)}.

رابعا، الحديث الصحيح الذي ورد في شأن مصر ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي ذر مرفوعاً: “إنكم ستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيراً، فإن لهم ذمة ورحماً”. بمعنى أن وصية الرسول صلى الله عليه وسلم كانت لأهل مصر لا لجيشها، لكن هذا الحديث رغم صحته نادرا ما يتم الاستشهاد به قياسا بالبروباجندا المصاحبة لحديث “خير أجناد الأرض” المكذوب والأكثر رواجها وانتشارا.

خامسا، افتتان السيسي ونظامه العسكري بالفرعونية، وهوسه بها، ومساعيه إلى استنساخ هذه التجربة الفرعونية وتجذيرها في المجتمع المصري تقف دونه عقبات فكرية ودينية كبرى؛ فالفرعونية  في أذهان المصريين (مسلمين وأقباط) هي نظام حكم سيئ السمعة؛ وهناك إجماع بين المصريين (مسلمين ومسيحيين) على أن فرعون حاكم مصر الذي ورد ذكره في القرآن والكتاب المقدس هو نموذج للحاكم المصري الظالم الذي مارس كل أشكال الظلم والطغيان والفساد في الأرض من (الكفر ــ الظلم ــ القتل ــ  السحر ــ الكبر والعجب والغرور  ــ الكذب ــ العنصرية ــ بث الكراهية في المجتمع)، فكل هذه الكبائر وزيادة (ادعاء الألوهية ـ ادعاء الربوبية) اقترفها فرعون وملائه؛ وبالتالي فنظرة المصريين إلى الفرعونية شديدة القبح، وتصورهم عن الحكم الفرعوني أنه قرين الظلم والطغيان.  هذه الصورة الذهنية لا تتوقف على فرعون كشخص بل يمتد إلى نظامه كله حتى كثيرا من قومه في هذا العهد؛ ولذلك استخدم القرآن عبارات بالغة الدلالة مثل ( آل فرعون ــ ملأه ــ قومه ــ جنودهما)؛ فهذا الجرائم لم تكن أبدا جرائم شخص فرعون بل كانت جرائم نظام كامل {وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (141)}. بمعنى أن فرعون لم يكن مجرد شخص فرد بكل منظومة متكاملة تضم آلاف المسئولين في النظام حينها والذين كانوا يطيعون فرعون طاعة عمياء للدرجة التي جعلتهم يقتحمون البحر المشقوق دون ذرة من تفكير؛ فاستحقوا الهلاك مع زعيمهم. فلو كان سحرا كما يظنون فالساحرالذي يشق البحر لأنصاره قادر على إغراق عدوه. وإن كان رب موسى هو من فعل ذلك بقدرته فإنه حتما سينجيهم ويغرق عدوهم لكنهم لم يفكروا في ذلك لحظة واحدة.

سادسا،  رغم بشاعة المشهد في مصر خلال هذه الفترة وسيطرة الكفر والظلم والطغيان والفسدة على مفاصل السلطة من الألف إلى الياء إلا أن المجتمع المصري لم يخل من المؤمنين الصادقين وإن كانوا قله واستثناء في هذا المجتمع الطبقي العنصري الذي كانت تسوده الكراهية والظلم والطغيان والفساد. وقد وثق القرآن ذلك عند الحديث عن مؤمن آل فرعون {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ (34)} غافر. كما تحدث القرآن عن إيمان زوجة فرعون وأنها من أهل الجنة { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11)}. التحريم.

سابعا، لا يوجد قصة عن حاكم طاغية ظالم وردت في القرآن أكثر من قصة فرعون التي وقعت في مصر،  وبالتالي فإن حديث الله وتحذيره في القرآن { وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ (45)}، إنما يكون المقصود به حكام مصر إلى يوم القيامة على نحو خاص؛ لأنهم من سكنوا فعلا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وعرفوا ماذا فعل الله بهؤلاء الطغاة الظالمين{ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)}. فالسياق يمنح أولوية توجيه التحذير لحكام مصر على نحو خاص حتى يستقيموا ويقيموا العدل في الأرض، وإن كان عموم اللفظ يستهدف كل البشر.

 

التوظيف السياسي للدين

أمام هذه المعطيات التي تقف عقبة في طريق توجهات النظام الرامية لتكريس الهوية الفرعونية كان لا بد من البحث عن حل؛ وتوصل النظام عبر قيادات أمنية في جهاز الأمن الوطني والمخابرات العامة والتي استعانت بعدد من المشايخ المقربين من السلطة كخالد الجندي وأسامة الأزهري وعلي جمعة وسعد الدين الهلالي والسلفي محمد الزغبي وغيرهم وكذلك الاستعانة بعدد من علماء المصريات المتخصصين في التاريخ المصري القديم من أجل غسل سمعة الفرعونية كنظام وحضارة.

البداية كانت مع  سعد الدين الهلالي قبل عدة سنوات عندما زعم أن فرعون لم يكن مصريا. وادعى خالد الجندي ذلك أيضا يضا خلال برنامج “لعلهم يفقهون”، المذاع عبر فضائية “دي إم سي” في 23 يوليو 2019م، أن الفراعنة، “من أنظف مخلوقات الله في الأرض”. مستنكرا ما وصفها بنظرة  البعض المستهجنة للفراعنة، قائلًا: “هي الفراعنة كلمة عيب؟ يا أخي عيب عليكم، ده أنتم حتى مقرأتوش القرآن”. وللتدليل على رأيه الشاذ الذي يناقض صريح القرآن، يقول الجندي الذي سبق أن أبدى فخره بأنه أحد مشايخ السلطة، إن “الفراعنة كان فيهم ناس أتقياء، التاريخ الإنساني ماشفش زيهم، عيب لأنهم هيمسكوا في رقبتكم يوم القيامة، دول طلعوا سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم، امرأة فرعون، أنتم مالكوا كده بتستعروا من الفراعنة”. وتابع: “دول أنضف مخلوقات الله في الأرض، وأعلى منظومات التوحيد اللي عرفت في تاريخ البشرية، ولازم نتكلم عنهم باحترام أكتر من كده، لأن فيهم أولياء لله صالحين، وبنتشرف إننا بننتمي إليهم”.![[6]]  ثم تتابعت تصريحات الجندي خلال نفس البرنامج في نفس السياق الذي يمجد فيه في الفرعونية والفراعنة. ففي حلقة 09 ديسمبر 2019م يزعم خالد الجندي أن الفراعنة كان عندهم أعلى درجات الإيمان.[[7]]  وفي حلقة  21 يناير 2021 يزعم أن الفراعنة أجمل نسب في القرآن الكريم بعد الانتساب إلى الله.[[8]] وفي حلقة 05 إبريل 2021م يدعي أن الفراعنة ليسوا كفارا وكان منهم أولياء لله.[[9]] وفي حلقة 21 يونيو 2021م يزعم أن : أعلى فئة مؤمنة وردت في القرآن الفراعنة.[[10]] ولم يقدم الجندي دليلا واحدا يدعم مزاعمه.

ومؤخرا يدعي أسامة الأزهري، الأستاذ المساعد بجامعة الأزهر ومستشار السيسي للشئون الدينية، في أحد البرامج مساء الأحد 07 أغسطس 2022م، عن ذكرى يوم عاشوراء، التي يحتفل فيها المسلمون بنجاة نبي الله موسى، عليه السلام، من فرعون وجيشه، وغرق الأخير في اليم، بأن «سيدنا موسى صبر على فرعون 40 سنة، رغم تكبره، وجبروته»، زاعما: «هناك بحث تاريخي، وهو الأصح، أن فرعون لم يكن مصرياً أصيلاً، بل كان من الهكسوس.. فالمصري لا يصل لهذا الحد من البعد عن الله بأي حال من الأحوال، والخلاصة أن الله فى هذا اليوم وضع خط النهاية لفرعون».[[11]] وكذلك فعل الداعية السلفي محمد الزغبي مدعيا أن اسم فرعون الوليد وهو اسم عربي وليس مصريا.

الملاحظة الأولى على تصريحات أسامة الأزهري أنه ربط بين الكفر والطغيان من جهة وفكرة القومية من جهة أخرى، وهذا ربط متعسف لم يسبقه إليه أحد؛ فالإيمان والاستقامة من جهة والكفر والطغيان والفسوق والعصيان من جهة أخرى لا علاقة لها بقوم دون قوم أو بلد دون بلد؛ فكل بلاد الأرض بها هؤلاء وهؤلاء؛ فلماذا لا يصل المصري إلى هذا الحد من البعد عن الله بأي حال من الأحوال كما يدعي الأزهري؟  هو نفسه لم يخبرنا بذلك؟ ولماذا المصري بالذات دون باقي خلق الله؟ أيضا لم يخبرنا الأزهر بذلك.

الملاحظة الثانية، أن كلام الأزهري يتصادم صراحة مع القرآن الكريم الذي نص من جهة على أن فرعون كان  مصريا ولقب الفرعون كان يطلق على كل حاكم مصري، ولذلك أطلق عليهم لقب الفراعنة. ومن جهة أخرى فإن القرآن ضرب أمثلة لأبناء وزوجات أنبياء كانوا كافرين (زوجة نوح ولوط وابن نوح عليه السلام)،  بل إن بني إسرائيل أنفسهم هم من ذرية نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم جميعا السلام ورغم ذلك فقد كفر كثير منهم وباتوا من المغضوب عليهم. ونص القرآن على ذلك { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (78)} المائدة.

الملاحظة الثالثة، أن كلام الأزهري قوبل بانتقادات من علماء آثار، وقال أستاذ الآثار المصرية القديمة في كلية الآثار في جامعة القاهرة، أحمد عيسى، إن الفارق الزمني بين التوقيت المقدر لخروج بني إسرائيل من مصر وبين احتلال الهكسوس لها يصل إلى أربعمائة عام، ما يعني استحالة أن يكون فرعون الخروج منهم. واستدل عيسى بما ورد في القرآن نفسه، بإطلاق لفظ فرعون على الحاكم المعاصر لبني إسرائيل، وهو لفظ كان يُطلق على الحكام المصريين، فيما ذكر القرآن حاكماً واحداً فقط لمصر بوصفه الملك، استثناءً من القاعدة، وهو الحاكم الذي سجن النبي يوسف، ومن المرجح أن تكون هذه الفترة هي التي كان الهكسوس يحكمون مصر فيها، وقدم بنو إسرائيل على مصر وقتها ضمن موجات النزوح الآسيوي للبلاد طلباً للغذاء.[[12]]

 

الهوس بالفرعونية

هوس السيسي بالفرعونية إنما يأتي في سياق التلاعب بالهوية الإسلامية لمصر حيث يجري في هدوء أوسع انقلاب على تلك الهوية المصبوغة بالعروبة والإسلام داخل المجتمع المصري؛ ليكون متصالحا مع مفاهيم التطبيع والقبول بالتعايش مع الاحتلال تحت لافتة “السلام”؛ ولتشكيل أجيال جديدة لا تستمد قيمها من الإسلام ولا مبادئه وأفكاره، وهو ما يمثل مكسبا كبيرا للاحتلال  في إطار تشكيل ما يسمى بالشرق الاوسط الكبير. هذا الهوس وذلك التحول الضخم في هوية مصر الإسلامية رصدته مراكز بحث عبرية؛ حيث أصدر «مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي» دراسة في 28 يناير 2019م، أعدها الباحثان عوفر فنتور وأساف شيلوح، بعنوان «هوية مصر في عهد السيسي: السمات المميزة للإنسان المصري الجديد»، يشيدان فيه بهذه الخطوات غير المسبوقة؛ حيث تناولت الدراسة مظاهر ومآلات الحملة الواسعة التي يشنها نظام السيسي من أجل إعادة صياغة الهوية الوطنية لمصر؛ من خلال السعي أولا  لتقليص مركّبها الإسلامي والعربي، وثانيا احتواء سماتها الثورية، وثالثا العمل على بناء جيل مصري جديد يكون أكثر استعداداً للاصطفاف حول الأجندة التي يفرضها النظام، إلى جانب أنها ترمي رابعا إلى تحسين صورة النظام في الخارج.  وتقول الدراسة، إن الخطاب الحاكم لجدل الهوية الذي فجره نظام السيسي، يقوم على مبدأين أساسيين:  أولاً؛ الإنسان المصري يمثل النقيض للإسلامي.  ثانياً؛ الهوية المصرية تمثل فسيفساء من 8 مركّبات: الفرعونية، اليونانية، الرومانية، القبطية، الشرق أوسطية، والأفريقية، إلى جانب المركّبين الإسلامي والعربي. وتلفت الدراسة إلى حقيقة أن النظم الشمولية هي التي عادة ما تنشغل في شنّ حملات، تهدف إلى التأثير على مركّبات الهوية الوطنية أو تسعى إلى بناء توازنات جديدة فيها؛ من أجل إيجاد متطلبات تضمن بقاء نظامه وضمان استمراره واستقراره، من خلال إثارة جدل الهوية أملا في أن يسهم ذلك في صياغة بيئة داخلية وبناء نخبة شبابية، تكون أكثر استعداداً لاستخدام كل الأدوات والوسائل التي تخدم النظام وتعمل على تحقيق أهدافه.([13]) وفي يوليو 2018 كلف السيسي القوات المسلحة بتنبي ما أسماه بمشروع “الهوية المصرية”[[14]]  الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بالتحولات الكبرى في عقيدة الجيش القتالية.

هذا الموقف المتطرف في الاحتفاء بالفرعونية، رغم مساوئها دفع عالمة المصريات بجامعة كاليفورنيا “كارا كوني” إلى المطالبة بالتوقف عن إضفاء الطابع الرومانسي على إرث الحضارة الفرعونية “الاستبدادي”، حسب وصفها، مشيرة إلى أن “الإعجاب غير النقدي للفراعنة الذي استمر حتى يومنا هذا أساس ثقافي يدعم الاستبداد الحديث”. وتحدثت “كوني” ( نوفمبر 2021) عن أوجه تشابه مباشرة بين حكام ما قبل 3000 عام و”الطغاة المعاصرين” في مصر، مشيرة إلى أن الفراعنة هم أول من أوجد “حجة أخلاقية مقنعة للسلطة التي لا تزال تضلل الناس اليوم”، وفقا لما أورده الموقع الرسمي لجامعة كاليفورنيا. ولفتت عالمة المصريات إلى أن النظام الفرعوني هو أحد أقدم الأنظمة “الأبوية”، التي تضر النساء والرجال على حد سواء، مشيرة إلى أن ما يفعله النظام المصري الحاكم حاليا هو تكرار للأنماط التاريخية التي أدت مرارًا وتكرارًا إلى انهيار السلطة في البلاد. وأضافت أن الفراعنة كانوا أبرز من قدم النظام الاستبدادي على أنه جيد ونقي وأخلاقي، مشددة على أهمية تسليط الضوء على هذا الوجه من الحضارة المصرية القديمة؛ باعتبارها حضارة يتم تسويقها إعلاميا حتى اليوم. وأشارت إلى أن مفاهيم استبدادية كثيرة كانت وجها للنظام الفرعوني القديم، ومنها المجتمع الأبوي، والاستغلال، وإكراه النساء، وهي مفاهيم لا تزال باقية وتعاني منها المجتمعات الحديثة. ونوهت “كوني” إلى أن النظام الأبوي يدمر نفسه ويقود مجتمعه نحو الانهيار في دورات تاريخية متعاقبة منذ آلاف السنين، مضيفة: “علينا أن نناهض الأبوية لإعادة بناء شيء يحمينا بشكل أفضل من إساءة استخدام السلطة”.[[15]]

وترى الباحثة والمحاضرة في جامعة تل أبيب الدكتورة ميرا تسوريف تسليم، في ورقة بحثية لها صدرت في مارس 2022م، ونشرها مركز “ديان” لدراسات الشرق الأوسط وإفريقيا في جامعة تل أبيب، أن السيسي يبحث عن ماضي مصر الفرعوني واستنساخه، وسط طمس ملامحها العربية الإسلامية. وتذهب إلى أن تنمية الهوية الفرعونية لمصر تخدم أجندة عبد الفتاح السيسي فهو يقود المعركة على الوعي ضد عدو النظام الحاكم خاصة “الإخوان المسلمون” ممن يتعامل معهم السيسي كـ”أعداء الأمة” وهم من طرفهم ردوا عليه بنعت ساخر”نفرسيسي” وهم اسم مركب يدمج اسم الملكة الفرعونية “نفرتيتي” وعبد الفتاح السيسي، وهو نعت يضعه خارج الموروث العربي- الإسلامي وكجزء من التراث الفرعوني الجاهلي. وتتابع: “هذه الهوية الفرعونية التي يرعاها السيسي كمحاولة لتبرير الزعم بأن الحصول على حكم فعال مجد يلزم بنظام حكم مركزي وواسع الصلاحيات على غرار الآباء الفراعنة وبالتالي منح الشرعية لحكمه الاستبدادي”.[[16]]

خلاصة الأمر، أن السيسي مهووس بالفرعونية ويسعى إلى تكريسها في المجتمع المصري كبديل للهوية الإسلامية التي يشن عليها النظام حربا ضارية منذ سنوات. لكن تجذر العقيدة الدينية في مصر بين المسلمين والأقباط تحول دون نجاح هذه التوجهات؛ لأن صورة الفرعونية في أذهان المصريين (مسلمين ومسيحيين) شديدة القبح وترتبط ارتباطا وثيقا بالكفر والظلم والطغيان ونشر الفساد في الأرض؛ لذلك يسعى النظام عبر خطة متدرجة إلى تبييض صورة الفرعونية يستعين فيها بفريق من مشايخ السلطة زاعمين أن فرعون لم يكن مصريا بل كان ينتمي إلى الهكسوس في مخالفة علمية وتاريخية لأن فرعون رمز الشر في القرآن والكتب المقدسة مصري أصيل.

لا يمكن الفصل بين تصريحات أسامة الأزهر وخالد الجندي وغيرهم حول عدم مصرية  فرعون وجمال الفرعونية وبين توجهات النظام من جهة أخرى؛ فالنظام حريص على تهميش الهوية الإسلامية وتمكين الهوية الفرعونية للبلاد؛ وبالتالي يقف فرعون حجر عثرة في طريق هذه المخططات؛ إذا كيف يروج السيسي للفرعونية وهي أكثر نظام حكم جرى ذمه في القرآن الكريم؟ وكيف يقتلع هذه العقائد المستقرة في قلوب الناس وعقولهم حول فرعون بوصفه ظالما جبارا نشر الفساد في الأرض وقد دلت عليها النصوص القطعية في القرآن الكريم والسنة المطهرة؟ هذه المعضلة دفعت النظام  إلى الاستعانة ببعض عمائم السلطان؛ فهذا دورهم وتلك مهمتهم وهي إضفاء المسحة الدينية على قرارات وسياسيات النظام مهما كانت بالغة الجور والشذوذ والانحراف، وخلق الذرائع والتبريرات لمواقف السلطة المشينة والعبثية والمتصادمة مع نصوص الشرع وأحكامه وصولا إلى افتراء التفسيرات والتأويلات المتعسفة من أجل  إفساح الطريق للسلطة للتسويق لأفكارها الهدامة والتلاعب بالهوية الإسلامية للبلاد.

من جانب آخر، ليس الهدف من هذه الدراسة تشويه صورة مصر، بل الهدف هو إجلاء الحقيقة والنظر إلى الصورة التي رسمها القرآن لمصر كما هي وكما وردت في النصوص دون اجتزاء أو تضخيم أو فبركة أو تطويع النصوص لأهداف سياسية. فإذا كانت صورة مصر على هذا النحو فيجب أن نكون صادقين مع أنفسنا من أجل الاعتبار والعمل على الالتزام بالعدل والاستقامة ونشر الخير والصلاح في الأرض، أما أن يمضي الأحفاد (حكام مصر الحاليين) على درب جدودهم القدامي (فرعون وملائه) في ظلمهم وفسادهم وطغيانهم؛ فإن هذا كفيل بتدمير البلد كما دمرت قديما بنفس الطريقة ونفس  السلوك؛ فنفس البدايات تؤدي حتما إلى نفس النهايات.

 

 

 

 

____

[1] يوسف عفيفي/ طارق توفيق: مليار دولار تكلفة إنشاء المتحف الكبير.. و38 ألف قطعة أثرية جاهزة للعرض -(حوار)/ مصراوي ــ السبت 04 أغسطس 2018م

[2] عبد الرحمن محمد/يحدث في مصر.. منع الصلاة بـ25 ألف مسجد/ الجزيرة نت 16 إبريل 2018

[3] محمد القدوسي/ عسكر مصر إذ يستبيحون مساجد الله/ الجزيرة نت 3 أغسطس 2016

[4] بمؤتمر ميونيخ للأمن.. السيسي يدعو الغرب لمراقبة المساجد ويعرّض بتركيا/ الجزيرة نت 16 فبراير 2019

[5] انظر فتاوى “إسلام ويب”: ما صحة حديث: ” إن جند مصر من خير أجناد الأرض لأنهم وأهلهم في رباط إلى يوم القيامة”؟

[6] محمد عبد الجليل/ خالد الجندي: الفراعنة أنضف مخلوقات الله في الأرض/ بوابة الشروق ــ الثلاثاء 23  يوليو 2019م

https://www.youtube.com/watch?v=3z27e3mlz0I

[7] انظر لعلهم يفقهون (DMC)- https://www.youtube.com/watch?v=jKJIiLrhF7Q

[8] محمود ضاحي/ خالد الجندي: الفراعنة أجمل نسب في القرآن الكريم بعد الانتساب إلى الله/ صدى البلد ــ  الخميس 21يناير2021

[9] انظر: لعلهم يفقهون (DMC) – الشيخ خالد الجندي: الفراعنة ليسوا كفار وكان منهم أولياء لله

https://www.youtube.com/watch?v=gyXZANErZxs

[10] لعلهم يفقهون (DMC)- الشيخ خالد الجندي: أعلى فئة مؤمنة وردت في القرآن الفراعنة/ 21 يونيو 2021م

https://www.youtube.com/watch?v=omCtqLsQwnI

[11] “فرعون لم يكن مصرياً أصيلاً”.. تصريحات مثيرة للجدل من داعية مصري ومستشار للرئيس السيسي/ عربي بوست ــ 08 أغسطس 2022م

[12] عبد الكريم سليم/ حديث مستشار السيسي عن جنسية فرعون يثير جدلاً/ العربي الجديد ــ 12 اغسطس 2022

[13] «هوية مصر في عهد السيسي: السمات المميزة للإنسان المصري الجديد».. قراءة في دراسة إسرائيليةالشارع السياسي 24 فبراير 2019

[14] محمد البنهاوي/ مؤتمر الشباب 2018| السيسي يكلف القوات المسلحة بتبني «الهوية المصرية»/ بوابة أخبار اليوم السبت 28 يوليه 2018

[15] عالمة مصريات: حان الوقت لنزع الطابع الرومانسي عن إرث الفراعنة الاستبدادي/ الخليج الجديد ــ نوفمبر 2021م الرابط  https://www.google.com/search?q=%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A9+%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%AA+%22%D9%83%D8%A7%D8%B1%D8%A7+%D9%83%D9%88%D9%86%D9%8A%22&hl=ar&ei=fyH5YuTMGL-J9u8P4I200Ao&start=0&sa=N&ved=2ahUKEwikiIn73sb5AhW_hP0HHeAGDao4ChDy0wN6BAgBED8&biw=1242&bih=601&dpr=1.1

 

[16] باحثة إسرائيلية: السيسي ينمّي هوية مصر الفرعونية ويقزّم العربية- الإسلامية لشرعنة حكمه الاستبدادي/ القدس العربي ــ 10 – مارس – 2022

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

قُبيل زيارة السيسي لقطر.. مصر تُفرج عن متمرد تشادي

قبل زيارة السيسي لقطر؛ تداولت أخبار عن صدور عفو رئاسي عن متمرد تشادي يُدعى توم أرديمي كان …