‫الرئيسية‬ بحوث ودراسات التوترات الأمنية بين كوسوفو وصربيا وأبعاد الدور الروسي لتفجير البلقان تحت أقدام “أوروبا”
بحوث ودراسات - أغسطس 31, 2022

التوترات الأمنية بين كوسوفو وصربيا وأبعاد الدور الروسي لتفجير البلقان تحت أقدام “أوروبا”

كوسوفو وصربيا

على الرغم من مرور ثلاثة عقود على أكبر مجازر بشرية ضد مسلمي كوسوفو، قادها الصرب في أكبر حرب تطهير عرقي، رفضها المجتمع الانساني، الا ان صربيا ما زالت تعتبر أراضي كوسوفا، جزءا لا يتجزأ منها، وتعتبرها رغم استقلالها المعترف به دوليا، أراض صربية تتمتع بحكم ذاتي فقط.

أولا: تصاعد التوترات الأمنية في شمال كوسوفو:

خلال الأيام الماضية، تفجرت التوترات الأمنية بين صربيا وكوسوفو بشأن تطبيق قوانين تتعلق بالوثائق المدنية ولوحات السيارات. ما دفع صرب كوسوفو للاحتجاج وقطع الطرق والتظاهر واقامة الحواجز على الطرق الرئيسية، وأفادت الشرطة الكوسوفية بأن أعيرة نارية أطلقت “باتجاه وحداتها. وقالت إن متظاهرين صربا اعتدوا بالضرب على العديد من الألبان الذين يمثلون العرقية الرئيسية في كوسوفو. وأوقف محتجون صربٌ شاحنات وآليات ثقيلة أخرى على الطرق المؤدية إلى معبرين حدوديين ودوت صافرات الإنذار الخاصة بالغارات الجوية لأكثر من 3 ساعات في بلدة ميتروفيتشا الشمالية الصغيرة التي يشكل الصرب أغلب سكانها

وعلى وقع التوتر، أرجأت حكومة كوسوفو مساء الأحد 31 يوليو الماضي، تنفيذ قرار يلزم الصرب في شمال البلاد بالتقدم بطلب للحصول على لوحات تراخيص سيارات صادرة عن المؤسسات الكوسوفية وجاء العدول عن القرار بسبب التوتر بين الشرطة والأقلية الصربية. وكانت حكومة كوسوفو منحت الصرب فترة انتقالية مدتها 60 يوما للحصول على لوحات معدنية صادرة عن كوسوفو. وكان مقررا أن يبدأ الاثنين 1 أغسطس الجاري، سريان قانون يلزم جميع مواطني صربيا الحصول على وثيقة إضافية على الحدود لمنحهم الإذن بالدخول. وذلك وفق مبدأ المعاملة بالمثل، اذ تطبق صربيا نفس الاجراءات على الكوسفيين الذين يزورون صربيا.

لكن في أعقاب التوتر الذي ساد والمشاورات مع سفراء الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، قالت الحكومة إنها ستؤجل خطتها لمدة شهر على أن تبدأ في التنفيذ في الأول من سبتمبر المقبل يذكر أنه بعد 14 عاما من إعلان كوسوفو استقلالها عن صربيا ما زال نحو 50 ألف صربي يعيشون في شمال البلاد يستخدمون اللوحات المعدنية والوثائق الصربية، رافضين الاعتراف بالمؤسسات التابعة لعاصمة كوسوفو برشتينا وتتطابق هذه السياسة مع سياسة طويلة الأمد تفرضها بلغراد على مواطني كوسوفو الذين يزورون صربيا، لذا تحاول كوسوفو العمل بالمثل

ثانيا: جهود دولية لاحتواء التصعيد:

وخلال الأيام الماضية، أجرت تركيا وقيادات أوروبية وقيادات الناتو اتصالات بالجانبين الصربي والكوسوفي، لاحتواء التصعيد. وقالت البعثة التي يقودها حلف شمال الأطلسي في كوسوفو إن “الوضع الأمني العام في بلديات كوسوفو الشمالية متوتر” وتحافظ البعثة التي يبلغ قوامها 3770 جنديا على السلام الهش في كوسوفو، وشوهد جنود حفظ السلام الإيطاليون في ميتروفيتشا وما حولها يوم الأحد 31 يوليو الماضي واسفرت جهود الناتو والاتحاد الأوروبي، عن اجتماع مشترك ببروكسيل بين الرئيس الصربي ورئيس الوزراء الكوسوفوي، وممثلي الاتحاد الأوربي وحلف الناتو، لم يسفر عن شيء، وسط توقعات باجتماع لاحق ، قبل نهاية مهل الشهر لتطبيق كوسوف ولإجراءاتها التنظيمية، مطلع سبتمبر المقبل.

ثالثا: أصل الصراع بين كوسوفو وصربيا:

وكانت حرب كوسوفو نزاعاً مسلحاً بدأ في 28 فبراير 1998 واستمر حتى 11 يونيو 1999، وخاضته قوات جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية (صربيا والجبل الأسود)، التي كانت تسيطر على كوسوفو قبل الحرب، وجيش تحرير كوسوفو، انتهى الصراع عندما تدخلت منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) ببدء الضربات الجوية في مارس 1999، مما أدى إلى انسحاب القوات اليوغوسلافية من كوسوفو ووفق تقارير، فقد تشكل جيش تحرير كوسوفو في أوائل التسعينيات لمحاربة الاضطهاد الصربي لألبان كوسوفو المسلمين، وبدأ جيش تحرير كوسوفو حملته الأولى في عام 1995 عندما شن هجمات ضد قوات الشرطة الصربية في كوسوفو

وفي يونيو 1996 أعلنت المجموعة مسؤوليتها عن مجموعة من الهجمات التي استهدفت مراكز شرطة كوسوفو. وخلال تمرد كوسوفو في عام 1997 حصل جيش تحرير كوسوفو على كمية كبيرة من الأسلحة من خلال تهريب الأسلحة من ألبانيا، كما تم الاستيلاء علي أسلحة من مراكز الشرطة الصربية ومن الجيش الصربي الموجود في كوسوفو، وفي أوائل عام 1998 أدت هجمات جيش تحرير كوسوفو التي استهدفت السلطات اليوغوسلافية في كوسوفو إلى زيادة وجود القوات شبه العسكرية الصربية والقوات النظامية التي بدأت لاحقاً في شن حملة انتقامية تستهدف المتعاطفين مع جيش تحرير كوسوفو والمعارضين السياسيين، وقتلت هذه الحملة 1500 إلى 2000 مدني ومقاتل جيش تحرير كوسوفو، وشردت 370 ألف ألباني من كوسوفو بحلول مارس 1999

في 20 مارس 1999 بدأت القوات اليوغوسلافية حملة واسعة النطاق من القمع والطرد لألبان كوسوفو بعد انسحاب بعثة التحقق من كوسوفو التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا وفشل اتفاقية “رامبوييه”، ورداً على ذلك تدخل حلف شمال الأطلسي بحملة قصف جوي بدأت في 24 مارس 1999، وانتهت الحرب بمعاهدة “كومانوفو” الموقعة في 9 يونيو 1999 بموافقة القوات اليوغوسلافية والصربية على الانسحاب من كوسوفو لإفساح المجال لوجود دولي ودخلت قوات الناتو كوسوفو في 12 يونيو 1999، وبعد الحرب تم تجميع قائمة وثقت مقتل أكثر من 13500 شخص بينهم مفقودون خلال الصراع الذي دام عامين، حيث تسببت القوات اليوغوسلافية والصربية في نزوح ما بين 1.2 مليون إلى 1.45 مليون ألباني كوسوفو، وبعد الحرب فر نحو 200000 من الصرب والغجر وغيرهم من غير الألبان من كوسوفو، وكان العديد من المدنيين الباقين ضحايا للانتهاكات، وتم حل جيش تحرير كوسوفو بعد انتهاء الحرب بفترة وجيزة، حيث واصل بعض أعضائه القتال في وادي بريشيفو، وانضم آخرون إلى جيش التحرير الوطني والجيش الوطني الألباني خلال الصراع العرقي المسلح في مقدونيا، بينما ذهب آخرون لتشكيل شرطة كوسوفو

وبعد انتهاء الحرب في يونيو 1999 بدأ العديد من اللاجئين الألبان بالعودة إلى ديارهم من البلدان المجاورة، وبحلول نوفمبر 1999، وفقاً للمفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قد عاد 848100 من أصل 1.108.913 ولا يزال وضع كوسوفو منذ بدأت المفاوضات الدولية في عام 2006 لتحديد مستوى الحكم الذاتي لكوسوفو بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1244 حرجاً، ومعظم الجهود باءت بالفشل وتدار كوسوفو من قبل الأمم المتحدة على الرغم من إعلانها الاستقلال في 17 فبراير 2008، وبدأت المحادثات التي تدعمها الأمم المتحدة، ففي فبراير 2006 وبينما تم إحراز تقدم في الأمور الفنية، ظل كلا الطرفين معارضا تماما بشأن المسألة، وفي فبراير 2007 سلم مبعوث الأمم المتحدة “أهتيساري” مسودة اقتراح تسوية الوضع إلى القادة في بلغراد وبريشتينا، وهو الأساس لمشروع قرار مجلس الأمن الدولي الذي يقترح “الاستقلال تحت الإشراف” للإقليم، وهو ما يتعارض مع قرار مجلس الأمن رقم 1244

وبحلول يوليو 2007 كان مشروع القرار الذي أيدته الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأعضاء أوروبيون آخرون في مجلس الأمن، تمت إعادة كتابته أربع مرات لمحاولة استيعاب المخاوف الروسية، لكن روسيا التي تمتلك حق النقض في مجلس الأمن صرحت بأنها لن تدعم أي قرار غير مقبول من صربيا وكوسوفو

لذلك يعتبر الخلاف الذي لم يتم حله بين كوسوفو وصربيا حول استقلال الأولى أكبر مصدر لعدم الاستقرار في غرب البلقان، فبينما كانت بلغراد وبريشتينا في حالة سلام منذ عام 1999، ومن خلال الوساطة التي يقودها الاتحاد الأوروبي توصلت إلى حلول معينة لتسهيل التجارة وإدارة الحدود، بينما في الخلفية يستمر الخلاف بينهما حتى يتوصل الطرفان إلى اتفاق يعالج اثنين من القضايا الرئيسية، الأولى تتعلق بعدم اعتراف صربيا باستقلال كوسوفو، وما يصاحب ذلك من رفض كوسوفو الاعتراف بصربيا، والثاني يتعلق بمن سيحكم الطوائف ذات الأغلبية الصربية في كوسوفو وما زالت بلغراد تعتبر كوسوفو جزءا من أراضيها، وتدعم أقلية صربية فيها.

رابعا: الدور الروسي

الداعم لصربيا:

وعلى الرغم من الادانات الدولية لممارسات الصرب، ودعوات الاتحاد الاورببي وحلف الناتو وتركيا وعدة أطراف دولية للحوار وحلحلة المشاكل بطرق سلمية، انتقدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا كوسوفو، والتي ألقت باللوم في التوتر المتزايد على ما وصفته “بالقواعد التمييزية التي لا أساس لها” التي تفرضها سلطات كوسوفو.!!

فيما وتتزايد المخاوف من استغلال روسيا للتوتر، للدفع نحو مزيد من التصعيد الأمني من قبل صربيا، من أجل فتح ثغرة جديدة في جدار الأمن الأوروبي، لتخفيف الضغوط عليها، في حربها بأوكرانيا…وهو ما حذرت منه صحيفة “وول ستريت جورنال “(Wall Street Journal) الأميركية، بقولها إن “النزاع الحدودي بين كوسوفو وصربيا، إضافة للحرب المستمرة بين روسيا وأوكرانيا، من شأنه الحد من قدرة الاتحاد الأوروبي على إدارة أمن حدوده”

وأشار تقرير الصحيفة إلى أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي سارعا إلى تهدئة التوتر بين كوسوفو وصربيا بعد التصعيد الأخير، وسط مخاوف من أن تقدم روسيا على توظيف النزاع بين البلدين لزعزعة استقرار أوروبا وتتعاون صربيا عن كثب مع روسيا وتشترك في علاقات ثقافية ودينية عميقة مع موسكو مع اندلاع الحرب الرسية على أوكرانيا، خرج آلالاف الصربيين في تظاهرات مؤيدة لموسكو، رافعين شعارات “أوكرانيا تابعة لتركيا.. كما كوسوفو لصربيا”.

خامسا: اختبار صعب لأوروبا:

يشار إلى أن كوسوفو كانت من قبل جزءا من صربيا قبل أن تعلن الاستقلال عنها عام 2008، بعد صراع دموي انتهى بقصف الناتو صربيا من أجل إجبارها على الانسحاب من كوسوفو وما زالت هناك خلافات عميقة بين البلدين، خاصة في شمال كوسوفو الذي تقطنه أغلبية صربية، تعتبر خارج سيطرة حكومة كوسوفو ويمثل تجدد الصراع بين الجارتين اختبارا صعبا لقدرة الاتحاد الأوروبي على إدارة أزمة جديدة، بعد “الغزو” الروسي لأوكرانيا الذي أجهد أوروبا وأثر على قدرتها على التعامل مع التحديات الأمنية ويتمركز نحو 4 آلاف جندي من قوات الناتو في كوسوفو بموجب تفويض من الأمم المتحدة، وكان المتحدث باسم قوات الناتو أكد، يوم الأحد، 31 يوليو الماضي، أن قوات الناتو جاهزة للتدخل “إذا تعرض الأمن للخطر”. وفي تصريح مضاد، يكشف نوايا روسيا، أدلى به لوسائل الإعلام الروسية الرسمية، قال المتحدث باسم الكرملين إن روسيا ستدعم صربيا لكنها لن تتورط في أي صراع بينما حمّل رئيس وزراء كوسوفو ألبين كورتي المسؤولية عن الاضطرابات التي اندلعت الأحد، على من سماهم “هياكل غير قانونية صربية، قال إنها تتعمد إثارة المشاكل في بلاده

ونقلت وول ستريت جورنال عن رئيس صربيا ألكسندر فوتشيتش، قوله في تصريح أدلى به لوسائل إعلام، مؤخرا، “سوف ندعو للسلام، لكنني سأقول لكم من الآن: لن يكون هناك استسلام، وصربيا ستنتصر” ووفق تقديرات استراتيجية، قإن الفشل في تبريد الصراع بين الجانبين، قد يؤدي إلى نشوب صراعات قد تستغلها قوى أجنبية مثل روسيا والصين وخاصة روسيا التي تسعى إلى إظهار ضعف قدرة الاتحاد الأوروبي والغرب على دمج غرب البلقان، لأن الفشل في ذلك يشكل خطرا أمنيا على أوروبا.

اضافة إلى التاريخ الطويل من الصراع بين دول أخرى في البلقان، من بينها الصراع العرقي في البوسنة والهرسك وفي مقدونيا الذي يمكن أن يتجدد في أي وقت وكل تلك الصراعات والقلاقل تضعف من قدرة الاتحاد الأوروبي على نزع فتيل التوترات في منطقة البلقان بشكل دائم، دون مشاركة نشطة من الولايات المتحدة التي حولت تركيزها خلال السنوات الأخيرة إلى مناطق أخرى غير القارة الأوروبية

سادسا: فشل محادثات بروكسيل يعقد الأزمة:

وفي بلجيكا، فشلت، يوم الخميس 18 أغسطس الجاري، المحادثات “لإدارة الأزمة” بين كوسوفو وصربيا، بوساطة الاتحاد الأوروبي، في تهدئة التوتر المتصاعد بين الجانبين. وجاءت محادثات بروكسل بعد أكثر من عام على آخر لقاء بين مسؤولي البلدين في يوليو 2021، وهو أحد اجتماعين عُقدا العام الماضي وأخفقا في تحقيق نتائج مهمة، حاول الاتحاد الأوروبي من خلالها قيادة حوارات لتطبيع العلاقات بين بلغراد وبريشتينا ومن المتوقع أن تجري محادثات جديدة في وقت لاحق، حسب ما أعلنه وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، الذي أكد في ختام المحادثات التي استضافتها بروكسل: “للأسف، لم نتوصل إلى اتفاق اليوم.. لكن ذلك لا يعني انتهاء القصة”. وتابع: “ستستأنف المحادثات في الأيام المقبلة.. أنا لا أستسلم” وشارك رئيس وزراء كوسوفو ألبين كورتي مع الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش في محادثات ترأسها بوريل، وكان هدفها نزع فتيل العداء الذي أدى إلى أعمال عنف في شمال كوسوفو في الأسابيع الأخيرةولفتت وسائل الإعلام الرسمية الصربية، إلى أن فوتشيتش سيعقد الأحد -موعد كتابة السطورالتالية –  “اجتماعًا طارئًا” في  بلغراد مع قادة الأقلية الصربية في كوسوفو

ولم يحدّد بيتكوفيتش ماهية الموقف الذي سيتّخذه فوتشيتش، لكنه لفت إلى أن الرئيس الصربي سيمضي مساء الخميس في بروكسل “على أمل التوصل إلى تسوية”ولم يوضّح بوريل العقبات التي تعترض المحادثات، لكنه أكّد أن المحادثات “لم تكن اجتماعًا طبيعيًا”، معربًا عن قلقه من “تصاعد التوتر في شمال كوسوفو”. وقال: “كان اجتماع إدارة أزمة. وكان هدف الاجتماع تهدئة الوضع على الأرض”ومع فشل الاجتماعببروكسيل، يخشى من تصاعد التوتر، خاصة مع اقتراب انتهاء المهلة التي أعلنتها كوسوفو، مطلع سبتمبر المقبل.. ومما يزيد فرص تفجر الأوضاع على الأرض، أن بلغراد لم تعترف يومًا بالاستقلال الذي أعلنته كوسوفو عام 2008 بعد عقد من حرب دامية خلفت 13 ألف قتيل، معظمهم من ألبان كوسوفو. منذ ذلك الحين، تشهد المنطقة اضطرابات بين الحين والآخر. ولا يعترف صرب كوسوفو البالغ عددهم حوالي 120 ألفًا، ثلثهم يعيش في الشمال، بسلطة بريشتينا، ولا يزالون أوفياء لبلغراد، وذلك بالرغم من توقيع البلدين في 19 أبريل 2013، اتفاقية لتطبيع العلاقات بين بينهما وصفها الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي بـ “التاريخية”

وكان رئيس وزراء كوسوفو كورتي، قد أعلن في مقابلة أجرتها معه “رويترز”: أنه “لا ينبغي أن نستبعد أن هذه السياسات العدوانية لبلغراد يمكن أن تتحول إلى هجوم على كوسوفو بطريقة أو بأخرى… نتوخى الحذر لكننا لسنا خائفين” وأضاف: “أنا لا أقول إنهم سيهاجموننا هذا الأسبوع أو الأسبوع المقبل، لكن ليس من الحكمة استبعاد العدوان”. وتبقى العديد من التحديات أمام الاتحاد الأوربي، الذي يسعى لفرض رؤيته وحلوله، خاصة فيما يتعلق بقضية مفقودي حرب كوسوفو، الذين ما زال مصيرهم مجهولا قبل صربيا…وهي من أبرز قضايا التوتر الممتدة بين البلدين..

سابعا- أزمات متدحرجة بالبلقان:

وإلى جانب أزمة كوسوفو مع الصرب، تتزايد التوترات في منطقة البلقان، خاصة في ظل الأجندات الروسية في البلقان، وخاصة منذ بدء حربها على أوكرانيا في مارس الماضي. وتدعم روسيا اثارة القلاقل في البلقان، كاستراتيجية هجومية ضد الاتحاد الأوربي والناتو، لتخفيف الضغوط عليها في مناطق جوارها، في البلطيق واوكرانيا والقرم.

فعقب الغزو الروسي لأوكرانيا مؤخراً، أصبح سفير موسكو في البوسنة والهرسك، إيغور كالابوخوف، أكثر جرأة بكثير. وقد هدد البوسنة مؤخراً بالسيناريو الأوكراني إذا ما مضت في الانضمام إلى الناتو، قائلاً: “إذا ما قررت البوسنة والهرسك أن تصبح عضوة بأي تحالف فهذه مسألة داخلية. أمَّا ردنا، فهذا أمر مختلف. ومثال أوكرانيا يُظهِر لنا ما يمكن توقُّعه. إذا ما كان هناك أي تهديد، فإنَّنا سنرد”

وفي العام الماضي، قالت سفارة روسيا: “في حال حدوث تقارب عملي بين البوسنة والهرسك والناتو، سيتعين على بلادنا الرد على هذا التحرك العدائي” وردّت السفارة الأمريكية في سراييفو، قائلةً إنَّ تهديدات السفير الروسي للبوسنة والهرسك “خطيرة وغير مسؤولة وغير مقبولة”، وإنَّه “لا رأي لأي طرف ثالث في الترتيبات الأمنية بين الناتو والبلدان ذات السيادة” ووفق تقديرات اعلامية روسية، لا ترى روسيا البوسنة والهرسك أو أي دولة أخرى صغيرة في منطقة غرب البلقان تهديداً للأمن القومي. مع ذلك، فإنَّ عرقلة انضمام هذه الدول إلى الناتو والاتحاد الأوروبي تمثل هدفاً استراتيجياً ضمن أهداف السياسة الخارجية الروسية الأوسع نطاقاً

وتمثل البوسنة والهرسك، الهدف الأسهل، لأنَّ المشكلات العِرقية القائمة والمتجذرة عميقاً يمكن مفاقمتها لصرف أنظار الاتحاد الأوروبي والناتو عن مخططات موسكو الأكثر طموحاً، مثل مخططاتها في أوكرانيا. وتشعر موسكو أيضاً بأنَّ من حقها الرد بالمثل على الناتو؛ لانتهاكه ما يعتبره الكرملين منطقة نفوذه (البلطيق وجورجيا وأوكرانيا) وتحاول روسيا بشكل مطرد، إيجاد ذريعة للتدخُّل أكثر في البوسنة وكوسوفو ومناطق البلقان. فقد ادعى وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مؤخراً، أنَّه يجري تجنيد ونقل مرتزقة من البوسنة والهرسك وكوسوفو وألبانيا إلى إقليم دونباس الأوكراني للقتال ضد المتمردين المدعومين من موسكو، وهو الأمر الذي نفته الحكومات الإقليمية قطعياً

في الوقت نفسه، ووفقاً لتقرير صدر مؤخراً عن “شبكة البلقان للتقارير الاستقصائية”، تُنظِّم مؤسسات مدعومة من الحكومة الروسية فعاليات لترويج تقارير تنكر مذبحة سربرنيتسا عام 1995، “في ظل سعي موسكو لاستغلال الانقسامات في البوسنة والهرسك وزيادة نفوذها بين الصرب بالبلاد. يشار إلى ان البوسنيين منذ بدء غزو أوكرانيا يخزنون الدقيق وزيت الطهي والسكر وغيرها من المواد الغذائية، وهو رد فعل انعكاسي على الأرجح أثارته لقطات الفيديو التي تُصوِّر الدمار في أوكرانيا وقامت قوة الاتحاد الأوروبي لحفظ السلام في البلاد، إدراكاً منها بأنَّ آثار الحرب في   أوكرانيا ربما تمتد إلى البوسنة، بنشر قوات إضافية يبلغ قوامها 500 فرد كإجراءٍ احترازي. مع ذلك، فإنَّ هذا إجراء مؤقت فقط. إذ يمكن أن تبطل روسيا تفويض قوات حفظ السلام باستخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة في نوفمبر المقبل، لأنَّه يُجدَّد على أساس سنوي ومما يزيد احتمالية تفجر الصراعات العنيفة في البلقان، خلال الفترة المقبلة، اذ هدد دبلوماسيون غربيون بفرض عقوبات على انفصاليي صرب البوسنة، لكن يوجد داخل الاتحاد الأوروبي نفسه غياب لافت ومقلق للتوافق. ويتجسَّد التيار اليميني غير الليبرالي في أمثال فيكتور أوربان في المجر ويانيز يانشا في سلوفينيا اللذين يدعمان الزعيم الصربي دوديك علانيةً

ولعل الأجندات الصربية والروسية بالبلقان، واللتان تتوافقان على ضرورة استمرار دول البوسنة وكوسوفو وألبانيا دولا ضعيفة، يمكن جزر بعضا منها، وفق ترسيم العرثيات لاعلان دويلات جديدة، كصرب البوسنة، الذين يعملون بجد ودعم صربي وروسي للانفصال عن البوسنة، ما يخلط الاوراق جميعها في البلقان، وتحولها لبرميل من البارود المتفجر. لذا يسعى الناتو لتمديد ولاياته لتشمل كوسوفو والبوسنة وألبانيا، حيث تتوقف عضوية الناتو في المنطقة على كرواتيا والجبل الأسود، فيما تتمدد الناتو في البوسنة وكوسوفو، وفق اتفاقية دايتون للسلام في البلقان، منذ 2013.

ثامنا: مستقبل الأزمة:

ويتحدد مستقبل الأزمة بين كوسوفو وصربيا، وفق نجاحات الاتحاد الأوربي، التي تبدو محدودة للغاية، والتي لا تتعدي أن تكون مجرد فرض صورة أن هناك سلام، وجولات لتطبيع العلاقات حول قضايا الأمن والمفقودين وغيرها من القضايا، دون حلول فاعلة، وهو ما يحمل الدور الأكبر على قوات الناتو التي لا تتجاوز 4 آلاف جندي منتشرين في مناطق اتماس، خاصة في الشمال، إلا أن الدور الروسي يبدو الأخطر، والمحفز على التوتر.

فوفق تقديرات استراتيجية، لمراكز الأبحاث الأوربية، فأن الروس “يريدون بدورهم تصعيداً في كوسوفو” لإحراج الاتحاد الأوروبي، “فحرب صغيرة في البلقان ستظهر عدم مسؤولية الاتحاد الأوروبي تجاه أوكرانيا”

وعلى مدار عقود، أدى دعم روسيا لصربيا طوال صراعها مع كوسوفو إلى تحويل صربيا إلى “روسيا صغيرة” غرب البلقان، يرتبط استقرارها الداخلي بانتصارات السياسة الخارجية الروسية. ومع تأخر الحلول الدولية، وأمام تعنت صربيا واستعمالها التضليل الاعلامي، بنشر صورة أن “كوسوفو تريد طرد الصرب من أراضيها، تشتعل الأوضاع، ما قد يمهد لعودة الصراع من جديد، والذي لن يتطلب سوى نقطة اشتعال واحدة لإخراج أزمة كاملة عن السيطرة، وذلك بعدما وضعت المدن ذات الأغلبية الصربية في شمال كوسوفو لافتات وملصقات تنتقد فشل المفاوضات خلال العقد الماضي، وعلى الجانب الآخر رفع ألبان كوسوفو أعلام جيش تحرير كوسوفو، وهو الجيش الذي قاتل الصرب في حرب كوسوفو عام 1998، والذي تصفه صربيا بأنه منظمة إرهابية

وهو ما يفتح افاق الصراعات على مصراعيها. خاصة في ظل تعرقل مفاوضات ضم صربيا للاتحاد الأوربي، وكان الاتحاد الأوروبي يأمل في أن تخفف صربيا من موقفها بشأن كوسوفو مقابل العضوية في الاتحاد الأوروبي، ولكن من المرجح أن يتم رفض هذه الصفقة، فقد انخفض الدعم الصربي لعضوية الاتحاد الأوروبي بعد أن قال الاتحاد الأوروبي إن الاعتراف بكوسوفو شرط مسبق للانضمام على الرغم من وجود خمس دول في الاتحاد الأوروبي، وهي “قبرص واليونان ورومانيا وإسبانيا وسلوفاكيا” يرفضون الاعتراف بكوسوفو وعلى أية حال، فإن دور  روسيا الواغل في اللعب على التوترات العرقية بالبلقاني، يحقق نجاحات في استغلال الانقسامات الطائفية.

حيث تنجح الأنشطة الروسية في البلقان في إثارة قلق الغرب، ففي الوقت الذي يبحث فيه الكرملين عن طرق للهجوم على الغرب، سيستمر التدخل في البلقان باعتباره فرصة منخفضة المخاطر لروسيا لتهديد أمن أوروبا، وسيستمر المسؤولون الموالون لروسيا في البوسنة وصربيا في تعزيز المصالح الإقليمية الروسية مقابل الدعم الدبلوماسي، لذلك يتم دعم روسيا للشتات الصربي إلى كوسوفو والبوسنة، لتأخير حل النزاع الصربي الكوسوفي البوسني، فهذا الخلاف مهم للسياسة الخارجية لروسيا لقد رفضت صربيا فرض عقوبات على موسكو بسبب الحرب على أوكرانيا، كما أنها تواصل شراء النفط والغاز الروسي الذي تعتمد عليه بالكامل تقريباويبدو أن مسرح الأحداث في شرق أوروبا مهيأة لمواجهة بين روسيا والغرب في منطقة أخرى وهي كوسوفو، لقد أصبح الواقع أكثر تعقيداً بعد اتهام الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش مراراً بالدعاية المعادية للغرب والتقرب من موسكو وبكين وتظل البلقان قابلة للانفجار في أي وقت، ما يقلب الأوضاع في عموم أوروبا..

…………………..

مراجع:

  1. العربي الجديد، دولة داخل الدولة لصرب كوسوفو: أحقاد البلقان لا تموت، 02 اغسطس 2022
  2. الجزيرة نت، رصاص وصافرات إنذار.. تزايد التوتر بين صربيا وكوسوفو وأنقرة تعرض الوساطة،
  3. 1/8/202
  4. الأناضول، وول ستريت جورنال: غليان البلقان ينذر بنشوب صراعات أوروبية أخرى، 2/8/2022
  5. العربي الجديد، فشل مفاوضات كوسوفو وصربيا بوساطة أوروبية، 18 اغسطس 2022
  6. عربي بوست، رئيس وزراء كوسوفو يحذّر من تصاعد التوتر مع صربيا واحتمال اندلاع صراع جديد، 11 اغسطس 2022
  7. عربي بوست، هل ينجح الاتحاد الأوروبي بنزع فتيل الأزمة بين صربيا وكوسوفو قبل أن تفجّرها روسيا؟، 2022/08/18
  8. عربي بوست، “البلقان برميل بارود ينتظر الاشتعال”.. لماذا يجب على الناتو القلق بشأن تدخلات روسيا في البوسنة وكوسوفو؟، 2022/04/02
  9. عربي بوست، تحلم بمجدٍ قديم.. هل تشعل “روسيا الصغيرة” حرباً جديدة بالبلقان؟، 2022/08/03

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

اختراق “سولارويندز SolarWinds” الهجوم الأكبر في 2020

وصف بأنه الهجوم الأكبر والأوسع في تاريخ الهجمات والاختراقات السيبرانية، هو الهجوم الذي است…