‫الرئيسية‬ العالم العربي العراق صراع “التيار الصدري” من السياسة إلى الشارع.. العراق نحو مستقبل مجهول
العراق - سبتمبر 8, 2022

صراع “التيار الصدري” من السياسة إلى الشارع.. العراق نحو مستقبل مجهول

صراع "التيار الصدري" من السياسة إلى الشارع.. العراق نحو مستقبل مجهول

في إطار الصراع السياسي بين التيار الصدري والإطار التنسيقي الذي يضم الأحزاب والقوى الشيعية الموالية لإيران في العراق، وفي ظل استبعاد السنة من المعادلة السياسية بالعراق، بعد سنوات من الحروب الأهلية والانحيازات الدولية والإقليمية ضد السنة، على إثر المواجهات مع تنظيم داعش بالعراق، والذي أخذ السنة بجريرته، في ظل اختلال موازين القوى، وجاء اعلان مؤسس التيار الصدري، مقتدى الصدر.

مؤخرا، اعتزاله العمل السياسي، اعتراضا على اتجاه الاطار التنسيقي لتشكيل الحكومة العراقية بعيدا عن تياره، ومن ثم اعتصام انصاره في المنطقة الخضراء بالعاصمة بغداد، ثم اقتحامهم مبنى الحكومة حيث كانوا يحتلون مبنى البرلمان منذ نهاية يوليو الماضي، والقصر الجمهوري ومبنى رئاسة الوزراء وعدد من المباني الحكومية، داخل المنطقة الخضراء، ومحاولة ازاحة الجدار العازل حول المنطقة ، ووقوع الكثير من الصدامات المسلحة مع القوى الأمنية  ومع أنصار الاطار التنسيقي، وشهدت المنطقة الخضراء عدة رشقات هاون طاولت أهدافاً عدة فيها، أبرزها منزل رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، ومقراً تابعاً لـ”الحشد الشعبي” يدعى بـ”أمنية الحشد”، ويتهم أنصار الصدر، المقر بإدارة العنف ضدهم، فيما قصفت مليشيات مسلحة تابعة للاطار التشريعي بالصواريخ مقار اعتصام الصدريين.

كما هاجم أنصار الصدر نحو 12 مقراً تعود لفصائل مسلحة وأحزاب وكتل سياسية في بغداد والبصرة وميسان والكوفة وبابل، أبرزها مقرات لمليشيات “بدر”، و”عصائب أهل الحق”، و”النجباء”، وحزب الدعوة بزعامة نوري المالكي ما أدى لوقوع أكثر من 25 قتيلا، إلى جانب أكثر من 200 جريح من أنصار الصدر، وسط تأكيدات بوجود قتلى وجرحى من الجانب الثاني من فصائل مسلحة وأجهزة أمنية، وفق تقديرات وكالة رويترز.

صراع "التيار الصدري" من السياسة إلى الشارع.. العراق نحو مستقبل مجهول

ما دفع رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي لإعلان حظر التجوال في عموم البلاد عدا الأطباء والصيادلة وأصحاب الأفران، تفاديا لتوسع المصادمات بين أنصار التيار الصدري والقوى الأمنية، وبين الصدريين وأنصار الإطار التنسيقي، وأيضا تعليق عمل مجلس الوزراء بعد اقتحامه من قبل المتظاهرين.

فيما هاجمت عناصر مسلحة مقر سرايا السلام، الجناح المسلح التابع لـ التيار الصدري، في البصرة الواقعة في أقصى جنوب العراق، مع تعالي أصوات إطلاق النيران، في العاصمة العراقية بغداد وتصاعد أعداد الضحايا ونتيجة لكل تلك الاحداث الدامية، أعلن رئيس الكتلة الصدرية في البرلمان العراقي حسن العذاري، عن قيام زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بالإضراب عن الطعام حتى يتوقف العنف في العراق.

أولا-أسباب التصعيد:

-الصراع الشيعي الشيعي حوّل العراق لدولة احزاب:

وفي ظل الصراع الشيعي الشيعي، صارت العراق دولة أحزاب، وأوليغارشية اقتصادية لكل منها، منذ نهاية 2003 إلى هذا اليوم كان صراعها يتمحور حول الزعامة الروحية، ومن بعدها يأتي تباعاً كل ما يقترن بهذه الزعامة من مقدرات قيادية السياسية، والاقتصادية، والعسكرية ثم الهيمنة على صانعي القرار السياسي وتوجيهه بما يخدم الرؤية، والأفكار، والمعتقد الديني، والتي تعتقد بها هذه الزعامة.

وفي العراق ثلاث مجموعات تحاول الهيمنة من العراق الشيعي وزعامته الروحية، وهم كل من: الإطار التنسيقي: الذي يمثل امتداد (الولاية الفقيه العامة)، ومرجعية السيد السيستاني، والتكتلات الدينية والسياسية التي تجتمع من حولها المتمثلة (بالولاية الخاصة)، ومرجعية بيت الصدر الممثلة بالسيد مقتدى الصدر (قيادة لا تمثل التقليد). وهذه المجموعات لن ترتضي لنفسها أن تسود أي منها على الأخرى.

بمعنى أنه لن تقبل أي واحدة أن تتحكم بمصيرها، فضلاً عن منافستها، وبالتالي تنتزع عنها السلطة، وجميع مكتسباتها. وأن هذا النظام كان البارحة قاب قوسين أو أدنى من الانهيار بشكل نهائي. ففي النهاية ليس هناك ضعيف أو قوي، بل لكل واحد منهم نقاط ضعفه، وقوته، ولكل واحد منها مساحته التي يمارس من خلالها سلطته، ونفوذه، وزعامته، التي يجب أن يدركها قبل فوات الأوان.

وقد تسببت الصراعات في شل قوة العراق واقتصادها، وجعلها رهينة لأحزاب، تقدم ولاء الطائفة على حساب الوطن…

-الأزمة السياسية حول تشكيل الحكومة الممتدة منذ أكتوبر الماضي:

وجاءت أحداث العنف والاقتحامات الأخيرة، على خلفية أزمة سياسية تعايشها العراق منذ أكتوبر الماضي.. وذلك منذ الانتخابات البرلمانية أكتوبر 2021، حيث عجز أعضاء مجلس النواب العراقي عن تشكيل حكومة ائتلافية مستقرة، أو انتخاب رئيس جديد ما نجم عن وقوع النظام السياسي بمأزق، واشتد التوتر منذ انتخابات البرلمان المبكرة في 10 أكتوبر 2021 التي برزت فيها التيار الصدري كأكبر كتلة لها 74 من مقاعد البرلمان البالغ عددها 329 وتراجعت حصة الفصائل المدعومة من إيران إلى 17 من 48 سابقًا.

وعلى الرغم من تضاؤل عدد ممثليها في البرلمان، فقد تمكنت الجماعات المتحالفة مع إيران من إحباط الصدر من خلال حرمانه من الحصول على ثلثي النصاب القانوني اللازم لانتخاب رئيس دولة كردي وشعر الصدر بالإحباط من هذا المأزق وطلب من نوابه الانسحاب من البرلمان في يونيو 2022، وأخلت هذه الخطوة عشرات المقاعد للإطار التنسيقي، مما يعني أنه قد يحاول تشكيل حكومة من اختياره، رغم أن ذلك قد يجازف بإغضاب الصدر ثم طرح خصوم الصدر مرشحا وهو محمد شياع السوداني، الذي يعده أنصار الصدر من الموالين للمالكي، أحد أهم خصوم الصدر، مما أشعل فتيل الاحتجاجات وهددت العراق بحرب أهلية.

-التواطؤ الأمريكي مع السياسة الايرانية بالعراق:

ولعل ما يفاقم الأوضاع المطربة في لعراق، هو ما يمكن تسميته تواطؤ الإدارة الأمريكية مع طهران، في سياق سعيها لإتمام الاتفاق النووي معها، وتكررت مظاهر هذا التواطؤ أو محاولة الابتعاد عن اغضاب إيران من قبل واشنطن عدة مرات مؤخرا، فقد جاءت الضربة الجوية الأميركية في جنوب شرقي سورية في 24 أغسطس الماضي ضد مواقع لجماعات محسوبة على إيران، كانت ملتوية.

وقد قالت واشنطن أنّ العملية جاءت كردّ على هجوم 15 أغسطس الذي قامت به هذه المجموعات بالمسيّرات ضد موقع للقوات الأميركية في تلك المنطقة. ما تكشّف أنّ هذا الهجوم قامت به “مليشيات إيرانية متمركزة في وسط العراق”، وفق تغريدة مسؤول عسكري أميركي في المنطقة. وما عزّز روايته أنّ البنتاغون سارع إلى مطالبة هذا المسؤول بحذف التغريدة عن الموقع، من باب أنها “قد تساهم في تعقيد الأمور مع الجهات الإيرانية”. بذلك، اتضح أنّ إدارة بايدن اختارت الردّ خارج العراق، تجنباً للتداعيات المحتملة على المساومات الجارية في الحلقة الحاسمة من مفاوضات فيينا.

أخذ الحساسية الإيرانية في الاعتبار إلى هذه الدرجة، يؤكد مرة أخرى مدى حرص الإدارة الأميركية على تمرير تجديد اتفاق 2015 النووي من دون تأخير أو عراقيل. وقد تبدّى مدى هذا الحرص من خلال إفشالها محاولات العرقلة التي قامت بها إسرائيل في الأيام الأخيرة عبر الزيارات المتتالية لثلاثة من كبار مسؤوليها (مستشار الأمن القومي، ووزير الأمن، ثم رئيس الموساد) ولقاءاتهم مع نظرائهم الأميركيين، والتي لم يتسرب عنها الكثير؛ لكن مجيء الواحد منهم بعد الآخر، وفي غضون أيام، يدلّ على أنّ مهمتهم كانت مستعصية. كذلك، يدل على أنّ إسرائيل استشعرت أنّ الصفقة اقتربت من خواتيمها، بما اقتضى حضورها في واشنطن بمثل هذا الزخم الرسمي المتوالي.

لكن خطاب الإدارة ما زال حتى اللحظة على حاله؛ في أساسه مقولة إنّ “العودة إلى تطبيق الاتفاق هي مصلحة قومية أميركية”، التي طالما رددها المسؤولون ولغاية اليومين الأخيرين. الردود اليومية للخارجية، خصوصاً خلال دورة الردود المتبادلة الأخيرة على المقترح الأوروبي، بقيت أقرب إلى التفاؤل ولو بصورة مبطنة. وحتى هناك من ينظر من خلال نفس العدسة إلى التلميحات الإيرانية الأخيرة، وإن بدت ضبابية، مثل حديث الرئيس إبراهيم رئيسي الذي طرح فيه شروط إيران الأربعة للعودة إلى الاتفاق، وخصوصاً شرط وقف عملية التفتيش والتحقيق التي تقوم بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتتبع آثار تخصيب النووي قبل اتفاق 2015 باعتباره مخالفاً لمعاهدة عدم انتشار السلاح النووي الموقعة عليها إيران.

وثمة من قرأ في كلام الرئيس رئيسي عن “تحقيق موضوعي وواقعي”، إشارة مماثلة أو من ذات الصنف. منتصف الطريق يكون كما تردّد بتجاوز هذا الشرط، من خلال صيغة مواصلة عملية التفتيش هذه لكن بعد التوقيع على الاتفاق وسط عملية الشد والجذب هذه، يبقى العراق أو ربما يتحوّل على أثرها، إلى ساحة حصتها من واشنطن لا تتعدّى حرص هذه الأخيرة على “عراق مستقر”، واستعدادها “للتعاون مع أي حكومة يتوافق عليها العراقيون”، أي التسليم بالأمر الواقع، بل تعطيل نصّ “الشراكة الاستراتيجية” مع بغداد إلى أمد غير معلوم.

-ضبابية وتناقضات مواقف الصدر:

ووفق تقديرات سياسية، اتسمت مواقف الصدر بالضبابية وعدم الثبات بل والارتباك، واتسمت بعدم الثبات، فمنذ بدء أزمة الاعتصام كانت هناك عدة قرارات، الأولى كانت تتمثل بالمطالبة بإسقاط النظام وحل العملية السياسية، ومن ثم تطورت إلى حل البرلمان وانتخابات مبكرة، ثم طالب الصدر بتشكيل حكومة بمعزل عن التيار الصدري ودولة القانون، بعدها هاجم مجلس القضاء الأعلى ومطالبته بحل البرلمان واتخاذ قرارات من قبل المحكمة الاتحادية، وصولا إلى فض الاعتصامات ودعوة أنصاره لانسحاب، وذلك بعد تحذيرات على ما يبدو دينية، ارتأت أن التصعيد بالشارع العراقي، قد يكون في غير صالح المرجعيات الدينية الأعلى بطهران، ومن ثم النظام الايراني، أو ربما  قد تجر الشارع العراقي إلى الثورة ،  في ظل الاحتقان السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يعايشه العراقيون، منذ فترة طويلة، في ظل فشل الأحزاب في تحقيق مصالحهم، وابتلاعها الدولة وتقسيمها وفق محاصصة حزبية غير معتمدة على الوطن والوطنية كمعيار.

وسبق أن انسحب الصدر من السياسة والحكومة وحل الفصائل الموالية له، لكنه يحتفظ بنفوذ واسع داخل مؤسسات الدولة، وما زال لديه فصيل مسلح يقدّر عدد أعضائه بعدة آلاف وغالباً ما كان يعود الصدر إلى نشاطه السياسي بعد إعلانات مماثلة، رغم أن الأزمة السياسية الحالية في العراق يبدو أنها عصية على الحل، مقارنة بفترات الشلل السابقة. وأدى المأزق الحالي بين الصدر ومنافسيه الشيعة إلى بقاء العراق من دون حكومة لأطول فترة في تاريخه ويزيد من خطورة الموقف أن أياً من الجانبين لا يبدو مستعداً للتراجع قيد أنملة في المواجهة المستمرة منذ 10 أشهر، والتي بدأت عندما خرج الصدر منتصراً في انتخابات أكتوبر، وسعى بعدها لتشكيل حكومة وفقاً لشروطه، بيد أن خصومه عرقلوا مساعيه.

-موقف الإطار التنسيقي:

وكان التيار التنسيقي بقيادة رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي، قد نظم اعتصامات واحتجاجات أمام البرلمان في المنطقة الخضراء، أيضا، مطالبا بسرعة تشكيل الحكومة قبل حل البرلمان، في نهاية يوليو الماضي، وقت اقتحام الصدريين لمقر البرلمان في 30 يوليو الماضي.

وطالب الإطار التنسيقي، بسرعة عودة البرلمان للعمل وأيضا مؤسسات الدولة، وتشكيل حكومة وطنية، تشارك فيها كل القوى التي ترغب بالمشاركة، وهو ما يعد تجاوزا على الكتلة الصدرية أبضا، قد يدفع نحو استمرار الأزمة، اذ ان مجرد اختيار رئيس للحكومة لا يروق للصدريين، دفعهم نحو الاعتصامات والاقتحامات العديدة التي عاشتها العراق مؤخرا.

وقال الإطار في بيانه: “لأجل منع تكرار ما وقع من فتنة وإنهاء الظروف التي تساعد عليها، نرى ضرورة العمل بهمة راسخة والإسراع بتشكيل حكومة خدمة وطنية تتولى المهام الإصلاحية ومحاربة الفساد ونبذ المحاصصة وإعادة هيبة الدولة لينعم الجميع بالأمن والاستقرار والإسراع إلى تحقيق ما يصبو إليه أبناء شعبنا الكريم، بمشاركة واسعة من جميع القوى السياسية الراغبة في المشاركة” كما دعا “الإطار التنسيقي” مجلس النواب وباقي المؤسسات الدستورية إلى “العودة لممارسة مهامها الدستورية والقيام بواجبها تجاه المواطنين”.

ثانيا: مآلات الأزمة:

-حل البرلمان قد لا ينهي الأزمة:

وجاء انسحاب أنصار الصدر من المنطقة الخضراء، يوم 30 أغسطس الماضي، بعد نداء أطلقه الصدر نفسه، بعد تفاهمات مع المرجعية الدينية، مع ضمانات سياسية بحل البرلمان على ما يبدو، بعد الأزمة الممتدة منذ نحو عام من فشل النيار الصدري في الحصول على أغلبية الثلثين المخولة له اختيار رئيس كردي للبلاد، وتشكيل حكومة يقودها أتباعه، ثم اعلان الانسحاب من البرلمان، ثم الاعتصام لأسابيع أمام البرلمان واقتحامه في 30 يوليو الماضي والمطالبة بحله من قبل أنصار الصدر.

وفي سياق محاولة امتصاص الغضب السياسي لأنصار الصدر، تجري تفاهمات سرية لقرار بحل البرلمان، اذ قررت المحكمة الاتحادية العليا (أعلى سلطة قضائية في العراق)، إرجاء عقد الجلسة المقرر عقدها 30 أغسطس للنظر في الدعوى القضائية لحلّ مجلس النواب إلى إشعار آخر،

ويعود التأجيل -وفق دوائر عراقية- إلى محاولات التسوية السياسية الهادئة تحقيقا للتوازنات والمؤامرات بين الصدريين والإطار التنسيقي، واستغلالا لمبررات ما بعد العطلة والتطورات الأمنية قرب المنطقة الخضراء..

وكان أمين عام الكتلة الصدرية نصار الربيعي، رفع الدعوى على كل من رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس النواب، للحكم بحل مجلس النواب لدورته الخامسة، وإلزام رئيس الجمهورية بتحديد موعد لإجراء الانتخابات التشريعية وفقاً لأحكام المادة 64/ ثانياً من الدستور وفحوى الدعوى تتناول اتهامات بالإخفاق في انتخاب رئيس للجمهورية والتجاوز على التوقيتات الدستورية لتشكيل الحكومة الجديدة.

ولكن حل البرلمان قد لا يحل الأزمة السياسية، في ظل الانقسامات السياسية التي تعايشها العراق اذ يرفض الإطار التنسيقي للأحزاب الشيعية بقيادة المالكي، الحل، متشبثين بتملكهم أغلبية نيابية مصطنعة وليست خالصة، قائمة على المؤامرات السياسية والمصالح المتبادلة.

يشار إلى أن انتخابات البرلمان المبكرة التي جرت في أكتوبر 2021، أسفرت عن فوز كتلة “سائرون”، التابعة للتيار الصدري، بالصدارة بـ 73 مقعداً في البرلمان البالغ إجمالي مقاعده 329، وتلتها كتلة “تقدم” برئاسة محمد الحلبوسي، رئيس البرلمان المنتهية ولايته بـ 38 مقعداً وفي المركز الثالث جاءت كتلة “دولة القانون” برئاسة نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق بـ 37 مقعداً، ثم الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود برزاني، وحصد 32 مقعداً.

وفاز تحالف “الفتح والبناء”، برئاسة القيادي في “الحشد الشعبي” هادي العامري بـ 17 مقعداً فقط، بينما سجل تحالف “قوى الدولة الوطنية” برئاسة عمار الحكيم رئيس تيار “الحكمة”، المتحالف مع تحالف “النصر” برئاسة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي (2014-2018)، “التراجع الأكبر” بين القوائم والتحالفات الشيعية، بحصولهما على 4 مقاعد فقط. بينما حصدت أحزاب ناشئة وشخصيات مستقلة نحو 40 مقعداً.

وانضوت كتل “دولة القانون” برئاسة المالكي مع تحالف “الفتح والبناء” و”قوى الدولة الوطنية” وأحزاب شيعية أخرى، تحت لواء “الإطار التنسيقي”، الذي عرقل جميع محاولات الصدر لتشكيل الحكومة كما أن اعادة الانتخابات في ظل الصراعات الطائفية القائمة، قد يفرز مزيدا من الانقسامات والتشظي المجتمعي. وهو ما قد يدخل البلاد في أزمة جديدة أشد قتامة من القائمة الآن..

-انسداد سياسي لا يرق للاحتراب:

وأمام واقع السياسة العراقية وتطورات الأوضاع الحالية، يبدو أن العراق ذاهب إلى مزيد من الانسداد إلا أن الأمور لن تصل إلى حد الاقتتال وسفك الدماء بين الأحزاب الشيعية، بحسب تحليل لموقع دويتش فيله الألماني.

ولعل ما يفاقم حالة الانسداد السياسي بالعراق، هو الموقف الأمريكي المستجد من العراق، اذ باتت واشنطن مشغولة أكثر بالحرب في أوكرانيا، والصراعات مع الصين وروسيا، ولا تكاد تنظر للعراق ولا استقراره، إلا في إطار مصالحها فقط “واشنطن”، في ضوء صراعها مع إيران حول الملف النووي.. إلا أنها لن تسمح للعودة للحرب الأهلية بالعراق في هذه المرحلة.

وكانت دوائر أمريكية تحدثت عن أن انسحاب الصدريين من المنطقة الخضراء خطأ سياسي، بحسب ادارة بايدن، التي ترى في أي تحد لإيران مكسبا استراتيجيا لهاـ وذلك على الرغم من محاولاتها التهدئة مع إيران للوصول إلى عودة الاتفاق النووي وعلى الرغم من ذلك، لا يستبعد مراقبون تصاعد التأزيم، الذي يهدد بحرب اهلية.

وكان مقال رأي في موقع The National Interest الأمريكي، خلص مؤخرا إلى أن مقتدى الصدر يريد أن يفرض بالقوة ما عجز عن فرضه بالتفاوض مع منافسيه المدعومين من إيران لكن بغض النظر عن مدى دقة هذا الرأي بشأن الصدر من عدمه، أصبح واضحاً لجميع الأطراف الآن أن هامش المناورات والمفاوضات من أجل الفوز بأكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية، مناصب حكومية أو غيرها، قد انتهى، ووصلت الأمور بالفعل إلى حافة الهاوية، فإما أخذ خطوة للوراء والعودة إلى طريق العقل وإما انهار كل شيء وخسر الجميع، لأن الحرب الأهلية عبارة عن وحش يأكل الأخضر واليابس.

وربما يكون هذا ما يدور في رأس مقتدى الصدر بالفعل، فالرجل يريد إجراء انتخابات برلمانية جديدة، بينما يرفض خصومه بزعامة نوري المالكي هذا المخرج من الأزمة، لكن بعد أن وصلت الأمور إلى حافة الهاوية وأصبح شبح الحرب الأهلية حاضراً بقوة، ربما يكون الاحتكام مرة أخرى إلى صناديق الانتخابات هو الحل الوحيد المتاح، فهل هذا ما يريده الصدر فعلاً؟ وإذا كانت الإجابة نعم، هل يوافق الطرف الآخر؟ حقيقة الأمر هي أنه لا أحد يمكنه تقديم إجابات قاطعة على أي من تلك الأسئلة أو التنبؤ بما قد تسير إليه الأمور.

-الحوار الوطني وحلحلة الأزمة:

ويبقى الحوار الوطني أحد الآليات السياسية المطروحة بالعراق للخروج من نفق الأزمات السياسية، وأعلنت الحكومة العراقية، الإثنين 5 سبتمبر الجاري، انطلاق أعمال الجلسة الثانية من “الحوار الوطني” بين القوى السياسية وفي 17 أغسطس الماضي، عقد أول “اجتماع وطني” في قصر الحكومة ببغداد، بحضور الرئاسات الثلاث وقادة القوى السياسية باستثناء “التيار الصدري” ولكن تبقى مقاطعة الصدريين للحوار الوطني عقبة أمام حلحلة الأزمات بالعرق.

إلا أن الأيام المقبلة قد تحمل تطورات مفاجئة، في ظل موقف الصدر الأخير، الذي بدا فيه رافضا للحلول العنيفة، بعد أن وصلته تهديدات أو تحذيرات أكبر من المرجعيات الدينية، بتأثيرات جيواستراتيجية كبيرة لتحركاته ومواقفه على موقع وموقف الشيعة بالمنطقة، في ظل قرب التوصل للاتفاق النووي بين أمريكا وإيران.

وقد بدأت ملامح تغير موقف الصدر، حينما تقدم التيار الصدري ، يوم الأحد 4 سبتمبر، بدعوى لدى المحكمة الاتحادية العليا، للطعن في قبول استقالة نوابه الـ73 الذين شكلوا أكبر كتلة في البرلمان وذكرت وكالة الأنباء العراقية الرسمية “و ا ع”، أن المحكمة الاتحادية العليا، حددت 28 سبتمبر الجاري موعدا للنظر بدعوى الطعن بقبول استقالات نواب الكتلة الصدرية وكانت الكتلة الصدرية فازت بالمرتبة الأولى بـ 73 نائبا، وأحزاب سياسية ممثلة في ما يعرف باسم الإطار التنسيقي وسعت الكتلة الصدرية، إلى تشكيل حكومة “أغلبية وطنية” مع شريكيها الحزب الديمقراطي الكردستاني و”تحالف السيادة” السني، وعندما تعذرت هذه الجهود أمر “مقتدى الصدر” نوابه بالاستقالة منتصف يونيو الماضي.

-انهيار التهدئة السياسية المؤقتة بعد انسحاب الصدريين من المنطقة الخضراء:

تبدو التهدئة في الشارع العراقي، بعد سحب مقتدى الصدر أنصاره من الشارع العراقي والمنطقة الخضراء ببغداد، مهددة بالسقوط، مع عودة حراك “الإطار التنسيقي” لتشكيل حكومة جديدة، متحدياً رفض الصدر لحكومات المحاصصة ومطالبته بانتخابات مبكرة. وذلك في وقت، لا يزال القضاء العراقي عاجزاً عن حسم الخلاف، إذ أرجأت المحكمة الاتحادية العليا البت بطلب حل البرلمان المقدّم من قبل التيار الصدري.

ويريد “الإطار التنسيقي” المضي بعقد جلسة برلمانية لانتخاب رئيس للجمهورية وإطلاق عملية تشكيل حكومة جديدة برئاسة محمد شياع السوداني، وهو ما سبق وأن تسبب في انطلاق الاحتجاجات بالشارع العراقي واحتلال أنصار الصدر لمبنى البرلمان منذ 30 يوليو الماضي وقد أكد ذلك، القيادي في “الإطار التنسيقي” علي الفتلاوي، في تصريحات صحفية، يوم 1 سبتمبر الجاري، بأن تحالفه ماضٍ في عملية تشكيل الحكومة، مبيناً أن الاتصالات السياسية بين “الإطار” وباقي القوى السنّية والكردية عادت مجدداً منذ  الأربعاء 31 أغسطس الماضي، من أجل إعادة جلسات البرلمان بأقرب وقت. وتابع: “التهديد بالنزول للشارع لن ينفع أحداً، ونتائجه كانت كارثية وخطيرة على الجميع وليس على طرف معين، ولا مجال إلا بالعودة للسياقات السياسية المعروفة”

مضيفا أن “حل البرلمان يحتاج توافقاً سياسياً، وهذا الأمر يجب أن يتم بعد عودة جلسات البرلمان وتشكيل الحكومة الجديدة وليس الآن، ونحن كتحالف الإطار التنسيقي مصرون عليها، لا تراجع عنها وماضون لتحقيقها خلال الأيام المقبلة”

وكان زعيم مليشيا “عصائب أهل الحق”، قيس الخزعلي، قد دعا في كلمة له مساء الثلاثاء، إلى “عودة انعقاد البرلمان وتشكيل حكومة وفق السياقات الدستورية”، قائلاً إنه “لا يمكن أن يستمر الوضع الذي نمر به، فالبرلمان معطل والحكومة معطلة”

فيما تحدثت مصادر سنية بـ “تكتل السيادة” عن أن هناك ضغوطاً كبيرة تمارس على رئيس البرلمان محمد الحلبوسي من قبل قوى الإطار التنسيقي، من أجل إعادة عقد جلسات البرلمان، لكن الحلبوسي ما زال رافضاً لهذه الخطوة ويؤكد ضرورة وجود اتفاق سياسي قبل عودة عقد جلسات البرلمان.

وشدد الحلبوسي في تواصله مع قوى الإطار التنسيقي، على أنه من الممكن أن يعاود البرلمان العراقي جلساته، لكن من دون طرح قضية انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة الجديدة، وتكون الجلسات مخصصة فقط لتمرير القوانين والأداء التشريعي والرقابي، لكن قوى الإطار رفضت هذا الطرح، وهي تضغط لعقد جلسة إكمال تشكيل الحكومة.

وهو ما قد يفجر الأوضاع مجددا، مع التيار الصدري الرافض للأمر إذ أن عقد جلسة لتشكيل الحكومة، من دون الاتفاق مع التيار الصدري على ذلك، سوف يعيد الصدريين للاعتصام داخل مبنى البرلمان والدخول إليه، وهو ما يؤكده الحلبوسي.

وفي مقابل تلك التحركات للإطار التنسيقي، هاجم صالح محمد العراقي، المقرب من الصدر، والمعروف باسم “وزير القائد”، قوى “الإطار التنسيقي”، متحدثاً عن وقوع “إعدامات” لمحتجين داخل المنطقة الخضراء على يد من وصفها بـ “المليشيات الوقحة”

مضيفا في بيان على الفيس بوك أنه يستغرب “مواقف الإطار التنسيقي الوقحة حينما يعلنون وبكل وقاحة متحدين الشعب بأنهم ماضون في عقد البرلمان لتشكيل حكومتهم الوقحة، وما زال دم المعدومين غدراً من المتظاهرين السلميين وبطلقات ميليشياتهم القذرة، لم يجف، وكأن المقتول إرهابي أو صهيوني ولا يمت إلى المذهب بصلة أو إلى الوطن بصلة”

وأضاف: “من هنا إذا لم يعلنوا الحداد فليعتبروني والتيار من اليوم عدوهم الأول بكل السبل المتاحة وبعيداً عن العنف والاغتيالات التي قرر الفاسدون أن يصفوا خصومهم بها، وهذا ندائي للجارة إيران أن تكبح جماح بعيرها في العراق وإلا فلات حين مندم”، وفقا لقوله

ولعل عقد البرمان لجلساته، قد يدفع الصدر، بحسب مقربين منه، إلى تأييد حراك شعبي جديد لمنع تشكيل نسخ مكررة عن الحكومات السابقة التي أفقرت العراقيين وأنهكتهم، لكن ليس شرطاً أن يكون باقتحام المنطقة الخضراء مجدداً، وفق مصادر شيعية، أكدت أيضا أن: “مطالب الصدريين باقية ولا تراجع عنها، وهي حل البرلمان وتحديد موعد للانتخابات المبكرة، وهناك وسائل ضغط كثيرة يمتلكها التيار لتحقيق مطالبه خلال الأيام المقبلة”.

ومن ثم فإن عودة التيار الصدري إلى الشارع أمر وارد للغاية، في حال ذهب الإطار التنسيقي لتشكيل حكومة لا يوافق الصدريون عليها ومن دون حل البرلمان وتحديد موعد لانتخابات مبكرة…ودون تفاوض وتوافق سياسي بين كل الأطراف..

-مبادرات “العبادي” و”السيادة” بلا توافق:

وعقب انسحاب الصدريين من المنطقة الخضراء، وعلى إثر اعتراض التيار الصدري، على طرح “الإطار التنسيقي” دعوة لإعادة عقد جلسات البرلمان، وتشكيل حكومة جديدة، طرح رئيس الوزراء الأسبق وزعيم تحالف “النصر”، المنضوية ضمن “الإطار التنسيقي”، المدعوم من طهران، مبادرة جديدة لحل الأزمة، وذلك بعد ساعات من هجوم للمقرب من الصدر (صالح العراقي)، مساعي “الإطار التنسيقي” لعقد جلسة برلمانية والتوجه نحو تشكيل الحكومة، داعيا إيران إلى “كبح جماحهم”، الأمر الذي قد يدفع نحو احتقان جديد بين الطرفين

ودعا تحالف “النصر” في بيان، القوى السياسية، إلى “تصفير الأزمة والشروع الجاد والبنّاء في رسم مراحل حل وطني دستوري متفق عليه بين جميع الأطراف، وبسقوف زمنية سريعة، بعيداً عن عقلية المنتصر وروح الكراهية وكسر الإرادات”

وأضاف، أن “أي حل يجب أن تترجمه خارطة طريق واضحة ومحل اتفاق الجميع، تستند إلى قواعد دستورية وقانونية ومؤسسية شرعية. ولبلوغها لا بد من انتهاج الحوار والتحلي بالروح الإيجابية وتحمّل المسؤولية المشتركة، والتقليل من سقوف المطالب، واعتماد التنازلات المتبادلة، خدمةً للصالح العام”

وحدد العبادي لخارطة الطريق مرحلتين: الأولى تحل الأزمة الراهنة بما ينهي الانسداد القائم، والثانية يتم الاتفاق فيها على خطوط عريضة لإصلاح النظام السياسي ليتمكن من تجاوز مصداته الذاتية، ويكون كفؤا وصالحاً وقادراً على إدارة الدولة، مع اعتبار المرحلة القادمة انتقالية يتفق على مدتها، وتنتهي بانتخابات مبكرة جديدة وعادلة، ومحل اتفاق على قوانينها وآلياتها، وتشكيل حكومة جديدة محل اتفاق بين الأطراف كافة، مهمتها الأساسية تمشية أمور الدولة والإعداد لانتخابات نزيهة تؤسس لمرحلة دستورية سليمة.

مشيرا إلى أن المرحلة الدستورية الناتجة عن الانتخابات المبكرة القادمة يجب أن تعتمد الإصلاح والتغيير في الحياة السياسية والنظام السياسي لتفادي تكرار الأزمات محذرا من أن عدم اتخاذ إصلاحات جريئة وحقيقية لكل ما هو خاطئ وفاسد، فلا أمل في نظام أفضل يستطيع القيام بمهام الدولة سياسياً وأمنياً واقتصادياً وسيادياً.

 

وعلى عكس المبادرة وقبل التحاور حولها، أعلن التيار الصدري فيتو عليها، وفق تصريحات قياداته بأن “أن ما يطرحه تحالف النصر لن يقبل به تحالف “الإطار التنسيقي”، وأن المبادرة تتعارض مع توجهات الإطار الذي يسعى للاستحواذ على المكاسب بشكل كامل” مؤكدا أن توجّه الصدر واضح لإنهاء حالة المحاصصة وحكومات التوافق والاحتكام لصناديق الاقتراع عبر حكومات الأغلبية السياسية، وأن أي مبادرة وأي طرح يبقي على الفاسدين أو جذورهم في العملية السياسية، فهو مرفوض من قبل الصدر.

وفي سياق، تجاهل المبادرات السياسية، لم تلق مبادرة التهدئة التي أطلقها رئيس “تحالف السيادة” خميس الخنجر، لوأد الفتنة والتي تضمنت دعم قرار بحلّ البرلمان وإعادة الانتخابات، في سبيل تحقيق الاستقرار ويمثل التحالف العرب السُنّة في العراق. وهو تحالف ينسق مواقفه مع الصدر في المرحلة الراهنة.

ثالثا: أبعاد أخرى للأزمات العراقية:

وأمام المعطيات السابقة، يمكننا القول بأن أزمة التيار الصدري مع الاطار التنسيقي، التي تشل العراق منذ أكتوبر 2021، تبدو متضائلة أمام سلسلة من الأزمات الكؤود التي تعانيها العراق، بسبب  الغزو الأمريكي للعراق وتدمير امكانياته واخلاء الساحة العراقية لإيران، وتضعضع مواقف السنة وداعميهم بالعراق…وهو ما تسبب في كوارث أكبر تعانيها العراق اليوم وغدا…وتحول البلد الأغنى بالمنطقة إلى دوامة من الكوارث الاجتماعية والسياسية والاقتصادية حيث أنه بعد سنوات الاحتلال الغربي والاستفراد الشيعي بالعراق، أصبح هناك اليوم نحو مليون وربع المليون نازح داخل العراق، وهناك آلاف المغيبين، واستباحة كاملة للقانون من المتنفذين وأعوانهم، وسرقات لها أول وليس لها آخر، ولعل ما تُنشر من تسريبات عن عمليات المحاصصة المالية وتوزيع مقدّرات البلد بين مختلف ساسته، ما هو إلا قمة جبل الجليد.

وتبتلع العراق نحو 22 مليشيا مسلحة، ويوجد نحو ألف مليار دولار مفقودة، لا أحد يعرف أين وكيف صرفت. وفي العراق  تسيطر المليشيات على منافذه الحدودية، وتتحكّم فيه الأحزاب، حتى في عدادات تصدير النفط وفي ظل عقود المحاصصة وسيطرة السلاح على السياسة المليشياوية بالعراق، وبعد أن احتفل العراق في نهاية السبعينيات بالقرن الماضي،  بصفر نسبة أمية، اليوم  أظهرت بيانات الأمم المتحدة في العام 2022 وجود 12 مليون حالة أمية في العراق معظمها من جيل الشباب والأطفال (13% من السكان) وهذا رقم صادم، يحيلنا إلى الجيل الجديد في العراق وما يكتنف مستقبله من غموض تزيده وطأة مشاكل الأمية والبطالة والتهميش وانسداد الأفق، وهو جيل لم يعرف نظام صدام حسين بل نظام ما بعد الإحتلال الأميركي للعراق وكل منظومات الفساد التي كبّدت العراق ما كبّدته وما تزال.

 

ورغم كلل تلط المآسي البنيوية التي تضرب الجسد العراقي، يأتي ساسة اليوم ليحذروا من الفوضى السياسية، اذ يخشى ساسة العراق من فوضى تفقدهم امتيازاتهم، من ثورة شعبية تحيلهم إلى ذكرى غابرة في ذاكرة الشعب، وهم يعرفون جيدا أنه كانت للعراقيين تجربة متفرّدة، لو أنها استمرّت ووجدت مساندة من المجتمع الدولي الذي يدّعي الديمقراطية، وهي ثورة تشرين التي لو قُيض لها أن تنجح لأصبحت كل هذه الأسماء التي تتصيد المشهد العراقي ذكرى غابرة، لا يرغب أي عراقي أن يتذكّرها.

الخلاصة:

من الواضح أن العراق بات يعيش أزمات حقيقية، ما إن يسعى الساسة إلى حلها حتى تلد أخرى، والمفاتيح القديمة لم تعد تصلح لفكّ مغاليقها أو التعامل معها، والذين يراهنون على حلول قاصرة، وإصلاحات مؤقتة من قبيل إجراء انتخابات جديدة أو تغيير القضاة أو تعديل الدستور يكونون كمن يريد معالجة مريض السرطان بالحبوب المخدّرة التي تأخذه إلى الموت البطيء!!!

وأمام الأزمة الراهنة التي تعد من أزمة كبيرة وممتدة منذ عقود، فإن الحلول يبدو ممكنة عبر عدد من الآليات ، لو أرادوا الحل، وذلك عبر فتوى عاجلة من المرجع السيد علي السيستاني لوقف الاشتباكات وتحريم الدم، وتوفير الغطاء الشرعي للدولة لحسم الموقف في الشارع، مع تجنب انخراط “الحشد الشعبي” في المواجهات، واعلان اعتزال الصدر العملية السياسية فعليا لا خطابيا، وأيضا اعلان نوري المالكي خروجه الكامل من العملية السياسية، مع انعقاد البرلمان والدعوة الى انتخابات نيابية جديدة، مع  اعادة النظر بنظام المحاصصة السياسي برمته والغاء تقاسم مغانم الفساد، وصولاً إلى صيغة سياسية جديدة أساسها المواطنة.

وبدون تلك الإجراءات الأساسية فإن مستقبل العراق سيظل مفتوحا على كلّ الاحتمالات إلا احتمال الاستقرار والمواطنة والتوجه نحو عدالة تقاسم السلطة والأدوار والمسئوليات لبناء عراق جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

نتائج الانتخابات التشريعية في العراق.. الدلالات والتداعيات والتحديات المستقبلية

    رهانات كثيرة على الانتخابات التشريعية العراقية، لإخراج البلاد من نفق الانقسا…